نون بوست نون بوست

نون بوست

  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن
نون بوست
حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا
نون بوست
أزمة التعليم العميقة في سوريا وسياسات المرحلة الانتقالية
نون بوست
“تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
نون بوست
جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى
أعلن مكتب نتنياهو أنه يدعم قرار واشنطن إيقاف الضربات على إيران لمدة أسبوعين
حرب لم تحقق أهدافها.. ما موقف “إسرائيل” من التهدئة مع إيران؟
يقف دي جي فانس نائب الرئيس وكابينة ترامب الحالية خلفه بقوة
“التعديل 25”.. هل يمكن فعلًا عزل الرئيس الأمريكي؟
نون بوست
كيف جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران؟
نون بوست
اتفاق مؤقت وأسئلة مفتوحة.. ما الذي يهدد الهدنة بين إيران وواشنطن؟
نون بوست
إعادة إيران إلى “العصر الحجري”.. تهديد ترامب يطلق العنان لعصر جديد من الوحشية 
نون بوست
وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران: مسار مؤقت لحرب لم تُحسم
نون بوست
ما بعد المظلّة الأميركية: لماذا تتحرك الرياض دفاعيًا في كل الاتجاهات؟
نون بوست نون بوست
EN
الاشعارات عرض المزيد
نون بوست
تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن
نون بوست
حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا
نون بوست
أزمة التعليم العميقة في سوريا وسياسات المرحلة الانتقالية
نون بوست
“تايفون بلوك-4”.. كيف تعيد تركيا رسم ميزان الردع في الإقليم؟
نون بوست
جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى
أعلن مكتب نتنياهو أنه يدعم قرار واشنطن إيقاف الضربات على إيران لمدة أسبوعين
حرب لم تحقق أهدافها.. ما موقف “إسرائيل” من التهدئة مع إيران؟
يقف دي جي فانس نائب الرئيس وكابينة ترامب الحالية خلفه بقوة
“التعديل 25”.. هل يمكن فعلًا عزل الرئيس الأمريكي؟
نون بوست
كيف جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران؟
نون بوست
اتفاق مؤقت وأسئلة مفتوحة.. ما الذي يهدد الهدنة بين إيران وواشنطن؟
نون بوست
إعادة إيران إلى “العصر الحجري”.. تهديد ترامب يطلق العنان لعصر جديد من الوحشية 
نون بوست
وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران: مسار مؤقت لحرب لم تُحسم
نون بوست
ما بعد المظلّة الأميركية: لماذا تتحرك الرياض دفاعيًا في كل الاتجاهات؟
  • الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست
تابعنا

أزمة ديون تلوح في الأفق.. كيف تؤثر الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي؟

هنري توغندهات
هنري توغندهات نشر في ١٠ أبريل ,٢٠٢٦
مشاركة
نون بوست

تصاعد الدخان عقب ضربات استهدفت مصفاة بابكو للنفط في البحرين، مارس/ آذار 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في أواخر شهر مارس/ آذار، هاجمت كل من إسرائيل وإيران حقول غاز في منطقة الخليج، في تصعيد يعد الأخطر حتى الآن في الحرب الإيرانية. ومن خلال استهداف البنية التحتية للطاقة، ضمنت الأطراف المتحاربة أن يكون للصراع تداعيات عالمية تستمر إلى ما بعد نهاية الحرب. حتى لو صمد وقف إطلاق النار الذي أُعلن عنه مؤخراً وانتهت الحرب، فقد يستغرق الأمر نحو خمس سنوات لتجديد البنية التحتية المدمرة. أما إذا انهار وقف إطلاق النار واستمرت الحرب، فإن خطر وقوع المزيد من الخسائر سيستمر أيضاً. وفي عالم محدود الموارد، سيكون الأثرياء وحدهم قادرين على دفع الأسعار الباهظة للحصول على ما تبقى من طاقة، في حين سيكون فقراء العالم الأكثر معاناة.

في الواقع، هذه الضربات، إلى جانب الاضطرابات الأوسع نطاقاً في قطاع الطاقة والتي رافقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، جعلت من صدمة إمدادات الطاقة أمراً شبه حتمي، مما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم على مستوى العالم. ومن شأن أي ضربات إضافية على البنية التحتية الحيوية لإنتاج وتوزيع الطاقة أن تؤدي إلى تفاقم هذه الأزمة. وتُعد هذه الديناميكية – التي تتمثل في زيادة الطلب على موارد محدودة – هي أحد المحركات الكلاسيكية للتضخم. عقب الضربات مباشرة تقريباً، بدأت الأسواق الأمريكية تراهن على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيقوم برفع أسعار الفائدة، وهي أداته الأهم لمكافحة التضخم. 

وفي خضم أزمة تكلفة المعيشة التي تمثل تحديا كبيرا، سيعاني الشعب الأمريكي من العواقب: سيؤثر رفع أسعار الفائدة على تكاليف الاقتراض مثل قروض السيارات والرهن العقاري، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة سيؤدي إلى زيادة أسعار البنزين وأنواع الوقود الأخرى، وسيقوم مُصنعو السلع التي يعتمد عليها الناس بتحميل تكاليف الإنتاج المرتفعة للمستهلكين.

لكن التضخم والقرارات التي يتخذها الاحتياطي الفيدرالي لمكافحته لها أهمية وتأثير يتجاوز حدود الولايات المتحدة بكثير، حيث لا تزال ديون معظم الدول مُقوّمة بالدولار الأمريكي. وينطبق هذا الأمر أيضا على تلك الدول التي أمضت العشرين عاماً الماضية في الاقتراض من الصين. باختصار، سيحدد ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية قدرة العديد من الدول على تحمل ديونها.

وبغض النظر عن نتيجة هذه الحرب، فمن الواضح أن العديد من الدول ستضطر إلى دفع مبالغ أكبر للحصول على الطاقة اللازمة لتشغيل صناعاتها، وتغذية شبكاتها الكهربائية، والحفاظ على شبكات النقل. غير أن الدول التي تتحمل أعباء ديون ثقيلة، كتلك التي يصنفها البنك الدولي على أنها دول منخفضة الدخل، ستشهد أيضاً تفاقماً في أعبائها المالية، حيث ترتفع تكلفة سداد الديون بسبب التضخم. سيكون هذا الأمر واقعا ملموسا سواء كانت الدولة مدينة لمؤسسات مالية في بكين، أو مديري أصول في لندن، أو بنوك تنمية متعددة الأطراف في واشنطن.

تُمثل هذه التكاليف الخفية للحرب عبئاً سيقع ثقله الأكبر على كاهل الفئات والأطراف الأقل قدرة على تحمله. في واقع الأمر، تعاني العديد من الدول منخفضة الدخل من مستويات تاريخية من الديون السيادية. في السنوات الأخيرة، تضاعفت نسبة الدول التي تعاني من ضائقة الديون، حيث ارتفعت من 24 بالمئة في عام 2013، إلى 54 بالمئة في عام 2024. 

ومع تزايد التوترات الجيوسياسية، فإن موجة من حالات التخلف الضخم عن سداد الديون بين الدول النامية قد تؤدي إلى تراجع المكتسبات التي تحققت في مجالات القضاء على الفقر والصحة والتصنيع، مما يخلق صعوبات تقع آثارها بشكل غير متناسب على الأطفال وكبار السن.

بدأت أصداء أزمة الديون الكبرى التي شهدتها الثمانينيات تلوح في الأفق بشكل متزايد مع استمرار هذه الحرب. ومن ثمة، فإن طبيعة استجابة كل دولة دائنة تُعد أمراً حاسماً لتجنب أخطاء الماضي، حينما جاءت الحلول متأخرة جداً بالنسبة للعديد من دول ما يُعرف بـ “الجنوب العالمي”.

انهيار البنوك

ليست هذه المرة الأولى التي تمر فيها الدول النامية بأزمة ديون من هذا النوع. خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، حظرت منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” تصدير النفط إلى الدول التي دعمت إسرائيل. وأدت صدمة المعروض الناتجة عن ذلك الحظر إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بنسبة 300 بالمئة في غضون ستة أشهر، مما أثر على تكاليف التصنيع والنقل والنفقات المنزلية في جميع أنحاء العالم. ورغم أن الحظر لم يكن السبب الوحيد للتضخم الجامح الذي ضرب العديد من الدول في ذلك العقد، خاصة الولايات المتحدة، إلا أنه ضاعف من الضغوط الأخرى التي كانت تتراكم حتى ذلك الوقت. 

قال رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، آرثر بيرنز، في عام 1979، إن تضخم السبعينيات يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل: التمويل المفرط لحرب فيتنام، وتخفيضات قيمة الدولار في عامي 1971 و1973، والازدهار الاقتصادي العالمي في الفترة 1972-1973، وفشل المحاصيل وما نتج عنه من طفرة في أسعار الغذاء العالمية في 1974-1975، والزيادات “الاستثنائية” في أسعار النفط، والتباطؤ المفاجئ في الإنتاجية. بعبارة أخرى، جاء حظر أوبك في خضم عاصفة اقتصادية قوية، لا تختلف كثيراً عن الأزمة متعددة الأوجه التي يرى البعض أنها جلية اليوم.

ورغم أن الدول النامية لم تكن بشكل عام أهدافاً مباشرة لحظر أوبك، إلا أن الدول غير المنتجة للنفط عانت من تضاعف أسعار الوقود أربع مرات. وقدّر البنك الدولي أن خسائر التجارة بلغت نحو نصف متوسط قيمة الصادرات والواردات في دول مثل البرازيل وكوريا الجنوبية، كما تراجع النشاط الصناعي في تلك الدول.

وبحلول منتصف السبعينيات، كانت الدول النامية غير المصدرة للنفط تحاول تمويل عجز ميزان مدفوعاتها المتزايد من خلال اقتراض المزيد من الأموال من الأسواق والمؤسسات المتعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي. 

ثم ضربت أزمة نفطية ثانية الاقتصاد العالمي خلال الثورة الإيرانية عام 1979، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر. وعند هذه النقطة، تجاوز التضخم في الولايات المتحدة نسبة 1 بالمئة شهرياً – وهي زيادة صادمة مقارنة بهدف الاحتياطي الفيدرالي المعتاد البالغ 2 بالمئة سنوياً – ولم تتم مواجهته إلا عندما قام بول فولكر، الذي تولى رئاسة الاحتياطي الفيدرالي في أغسطس/ آب 1979، برفع أسعار الفائدة إلى مستوى مذهل بلغ 20 بالمئة. وبما أن جميع قروض الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تقريباً كانت ممولة بالدولار الأمريكي، فقد ارتفعت تكاليف خدمة الديون في جميع أنحاء العالم النامي بشكل كبير.

كانت زيادات الفائدة التي أقرها فولكر مدمرة بشكل خاص لأنها وجهت ضربة مزدوجة للدول النامية. أولاً، تسببت في ارتفاع قيمة الدولار مقابل عملات دول الجنوب العالمي، مما يعني أن الدولة المقترضة ستدفع مبالغ أكبر من عملتها المحلية لسداد الأقساط المقومة بالدولار. ثانياً، أدت إلى قفزة في أسعار الفائدة المتغيرة على تلك الديون، وهي الفوائد التي تتقلب بشكل دوري. وأدى ذلك إلى ارتفاع مدفوعات الفائدة لنحو ثلثي الدول النامية التي كانت قروضها مرتبطة بأسعار فائدة متغيرة. لم تشهد الدول النامية انخفاضاً في أسعار الفائدة كما كانت عليه في أوائل سبعينيات القرن الماضي إلا مع الطفرة المالية العالمية التي امتدت من عام 2005 إلى عام 2008.

ما بدأ كحالات تعثر تدريجية في سداد الديون في منتصف سبعينيات القرن الماضي في دول مثل جامايكا وتركيا وزائير، تحوّل فجأة إلى مشكلة هيكلية عندما أعلنت المكسيك في أغسطس/ آب 1982 عجزها عن سداد ديونها المقومة بالدولار الأمريكي، رغم ضخامة اقتصادها. بحلول نهاية ذلك العام، كانت حوالي 40 دولة قد تأخرت في سداد مدفوعات الفوائد، وفي العام التالي كانت 27 دولة منها تتفاوض لإعادة هيكلة قروضها. 

عندما تتخلف دولة ما عن السداد، فإن ذلك غالباً ما يجعل الوضع المالي المحفوف بالمخاطر أكثر سوءاً. فقد يؤدي ذلك مثلاً إلى خفض قيمة العملة المحلية، مما يتسبب في تضخم إضافي يلتهم القدرة الشرائية للمواطنين، كما يمكن أن يؤدي إلى تدمير التصنيف الائتماني للبلاد، مما يجعل إعادة التمويل أكثر صعوبة ويجبر الحكومة على إعادة هيكلة الديون بطريقة تفرض تنازلات مؤلمة.

ومع تكشّف فصول أزمة الديون، دعا الدائنون الغربيون صندوق النقد الدولي للتفاوض نيابة عنهم، لكن التدخل زاد الأمور سوءاً بالنسبة للعديد من الدول. ومن خلال تحديد كيفية توجيه الدول المدينة لإنفاقها نحو سداد الديون، قام صندوق النقد الدولي، بدعم من البنك الدولي، بتقويض حرية العديد من الدول في إدارة ميزانياتها. 

وهكذا شُلّت حركة الصناعات الناشئة، وتوقف تقديم الخدمات الاجتماعية الحيوية، في ظل محاولة الدول الوفاء بمدفوعات الديون المعاد هيكلتها. كما أدى التخلي عن الاستثمارات الإنتاجية إلى صعوبة جني الأموال اللازمة لخدمة الديون المعاد هيكلتها، وكانت النتيجة أزمات اقتصادية أعمق في أفقر دول العالم.

خلال هذه الفترة، التي يُشار إليها غالباً باسم “العقد الضائع”، كانت مدفوعات الفائدة السنوية لبعض الدول تعادل كامل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لاقتصاداتها. وفي منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، استغرق الأمر أكثر من 20 عاماً لكي تعود مستويات نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومستويات الاستثمار إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. 

فقدت المؤسسات المالية الحافظة للأصول التي تأسست في مؤتمر بريتون وودز خلال الحرب العالمية الثانية الكثير من مصداقيتها، إذ اعتبرتها الدول النامية منفصلة عن الواقع في أفضل الأحوال، وعقابية واستغلالية في أسوأ تقدير. ولم تكن هذه التصورات غائبة عن ذهن الصين، التي كانت في ذلك الوقت من الدول المدينة في الجنوب العالمي، والتي لا تزال اليوم تشدد على خلو قروضها للدول النامية من الشروط.

حُلّت الأزمة في نهاية المطاف من خلال إلغاء الديون، ومبادرة صندوق النقد الدولي لفائدة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، والآلية المالية المبتكرة المعروفة باسم “سندات برادي”، التي سمحت للدول النامية باستبدال قسم من ديونها السيادية عن طريق إصدار أوراق مالية جديدة مدعومة بسندات الخزانة الأمريكية. 

وبعد أن تعلم المقرضون الغربيون الدرس، ابتعدوا لاحقاً عن الإقراض المخصص للبنية التحتية الذي كان يهيمن على محافظهم الاستثمارية في الستينيات والسبعينيات، وتحولت العديد من مؤسسات التنمية من القروض إلى المنح، ومنحت الأولوية لبرامج الصحة والتعليم والحوكمة. لكن الدول النامية كانت لا تزال بحاجة إلى الأموال لبناء الطرق والموانئ وغيرها من البنى التحتية الضرورية للنمو الاقتصادي، وهو ما أدى إلى انطلاق موجة قروض القطاع الخاص والاقتراض من الصين في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لسد هذه الفجوة.

الانتعاش

مع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت العديد من اقتصادات دول الجنوب العالمي في النمو مجدداً، مدعومة بطفرة في السلع الأساسية واستقرار نسبي في التجارة الدولية. والأهم من ذلك، أن تسوية الديون ساهمت في تحسين تصنيفاتها الائتمانية، مما سمح للعديد من الدول بالبدء في الاقتراض مرة أخرى من البنوك التجارية، أو ضمان القروض التي تحصل عليها مؤسسات محلية مدعومة من تلك البنوك. 

والأكثر أهمية هو أن العديد من الدول متوسطة الدخل، مثل الإكوادور وزامبيا وسريلانكا، بدأت في إصدار سندات في الأسواق المالية الغربية لأول مرة. ورغم تراجع إقراض القطاع الخاص للدول النامية إبان الأزمة المالية العالمية عام 2008، إلا أن الدائنين من القطاع الخاص في الدول الغنية سرعان ما استعادوا توازنهم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بحثاً عن عوائد أعلى في ظل بيئة أسعار فائدة منخفضة في الأسواق الغربية. 

ساد تفاؤل كبير بشأن قدرة العديد من الاقتصادات الناشئة على الصمود أمام الأزمة المالية بشكل أفضل من الدول الغنية. بين عامي 1985 و2024، وعلى الرغم من بقاء حصة الإقراض الخاص للدول متوسطة الدخل ثابتة تقريباً عند نحو 60 بالمئة، إلا أن نسبة الإقراض القادمة من البنوك التجارية انخفضت من 74 بالمئة إلى 21 بالمئة، بينما ارتفعت حصة السندات لتشكل 79 بالمئة من إجمالي القروض الخاصة.

وفي الوقت نفسه، برزت الصين كأكبر مقرض للدول منخفضة ومتوسطة الدخل. وكما هو الحال مع المقرضين من القطاع الخاص، كانت معظم هذه القروض مقومة بالدولار الأمريكي. كانت أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فترة تتطلع فيها الصين – التي استكملت تصنيع اقتصادها حديثاً – إلى تعزيز صادراتها حول العالم، وكان الإقراض وسيلة لدعم تدفق السلع والخدمات الصينية إلى الدول النامية، لا سيما في قطاعات البناء.

بدا أن الإقراض للشركاء في الجنوب العالمي يشكّل دورة إيجابية. تقديم الأموال للشركاء الذين يحتاجون لدعم مشاريع البنية التحتية عزز مكانة البنوك الصينية، وفي الوقت نفسه، حصلت تلك البنوك على عائد استثماري أعلى مما كانت تجنيه من سندات الخزانة الأمريكية. من أصل 475 مليار دولار من الديون الثنائية المستحقة على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل اليوم، تمثل القروض الصينية الحصة الأكبر، بما يتجاوز 147.5 مليار دولار، أي نحو 31 بالمئة.

لكن هذا الجيل الجديد من المقرضين فشل في إدراك مخاطر الإقراض المقوم بشكل أساسي بالدولار الأمريكي. لم يفرض الاحتياطي الفيدرالي زيادات جدية في أسعار الفائدة – وهي الأولى منذ السبعينيات – إلا عندما تسببت جائحة كوفيد-19 في موجة تضخم في الولايات المتحدة. شعر المقترضون في الجنوب العالمي بالتأثيرات على الفور، وسرعان ما وقعت بعض الدول، مثل غانا وسريلانكا، في فخ التخلف عن السداد.

كنتيجة جزئية لهذه التحديات، انضمت الصين مؤخراً إلى أهم مبادرتين دوليتين لتخفيف عبء الديون: “مبادرة تعليق خدمة الديون”، التي أطلقتها مجموعة العشرين خلال الجائحة لتخفيف التزامات الديون عن 73 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، و”الإطار المشترك لمعالجة الديون” الذي جاء بعدها. 

لكن التقدم كان بطيئاً بسبب الخلافات حول تقاسم الأعباء. على سبيل المثال، تأخرت عملية إعادة هيكلة ديون زامبيا، بينما أكدت بكين ضرورة أن تتحمل بنوك التنمية متعددة الأطراف خسائر أكبر وأن لا تطلب الكثير من البنوك الصينية. 

في غضون ذلك، لا تزال الصين تفتقر إلى آلية لتحديد كيفية توزيع البنوك للتعويضات والخسائر عندما يعجز المدينون عن سداد القروض الدولية للبنوك الصينية، الأمر الذي أدى إلى خلافات ومفاوضات تستغرق وقتاً طويلاً عبر المؤسسات المالية الصينية المترابطة.

دراما الديون التي تلوح في الأفق

بالنسبة للبنوك الصينية، ستكون الخسائر المحتملة الناجمة عن تخلف المقترضين عن السداد كبيرة ولكنها قابلة للحل، نظراً لأن الصين لا تزال تمتلك فوائض ضخمة من الدولار الأمريكي. لكن الخطر الأكبر الذي يواجه الصين يكمن في أنه كلما استغرق الأمر وقتاً أطول لتحديد المسؤولية عن الخسائر بين العديد من المؤسسات المالية الصينية المعنية، طالت فترة إعادة هيكلة الديون. هذه التأخيرات تهدد بتقويض سردية التعاون التي سعت الصين جاهدة لبنائها مع شركائها في الجنوب العالمي، مما قد يولّد لدى المقترضين نفس الانطباعات السلبية التي تشكلت لديهم تجاه المقرضين الغربيين خلال أزمة الديون السابقة.

في الواقع، تنذر أزمة الديون التي تلوح في الأفق اليوم بتعقيدات أكبر – للمقترضين والمقرضين – مما كانت عليه في الثمانينيات، ويرجع ذلك تحديداً إلى احتمال استمرارها لفترة أطول بكثير. بالمقارنة مع بضع عشرات من البنوك التجارية الكبرى التي كانت تمتلك الديون في الثمانينيات، هناك اليوم عدد أكبر بكثير من حاملي الديون. 

بناءً عليه، إضافة إلى التأخيرات الناتجة عن النزاعات المالية الداخلية غير المحسومة في الصين، قد تضطر الدول النامية أيضاً إلى التفاوض مع مئات من صناديق التقاعد الغربية، ومديري الأصول، وصناديق التحوط، وشركات التأمين، وغيرها من المؤسسات التي تمتلك الآن محافظ متنوعة من السندات الصادرة عن كيانات حكومية وخاصة في الجنوب العالمي. وكلما زاد تعقيد حل أزمة الديون، زادت صعوبة تعافي الدول التي بدأت مسار التصنيع حديثاً مثل سريلانكا أو زامبيا، مما يعني استمرار معاناة شعوبها.

ورغم أن استدامة الديون تعدّ قضية متنامية منذ خمس سنوات على الأقل، فقد أحدثت الحرب في إيران صدمة اقتصادية عالمية مفاجئة تجعل من شبه المؤكد أن يواجه العالم أزمة ديون طويلة الأمد.

أعلن المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة مؤخرًا أن الحرب في إيران هي أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ، وأن السياسيين والأسواق يقللون من شأن الأزمة. سيستغرق الأمر سنوات حتى تستأنف بعض حقول النفط والغاز المتضررة عملياتها. ورغم أن وقف إطلاق النار قد يخفف من توترات الشحن على المدى القصير، إلا أنه لا يوجد حل دائم للأزمة في مضيق هرمز. 

في غضون ذلك، من المرجح أن يرتفع التضخم، مما يزيد الضغط على بنك الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة. ستكون الدول الأشد فقراً هي الأكثر تضرراً، حيث ستضطر حكوماتها إلى إعادة هيكلة ميزانياتها للوفاء بالتزامات الفائدة بدلاً من الاستثمار في نموها الاقتصادي وتحسين معيشة مواطنيها.

رغم إمكانية تطبيق بعض الدروس المستفادة من أزمة الديون الكبرى السابقة على الأزمة الحالية، إلا أن طبيعة ديون اليوم الأكثر تعقيداً قد تؤدي على الأرجح إلى إطالة أمد الأزمة وفرض تحديات جديدة، بما في ذلك مسألة تقاسم الأعباء بين حاملي السندات والبنوك الصينية. 

لا توجد حلول سحرية واضحة، والأمر الوحيد المؤكد هو أنه كلما انتهت الحرب في وقت أقرب، تمكن العالم من التركيز بشكل أسرع على تخفيف هذه الضائقة الاقتصادية.

المصدر: فورين أفيرز

الوسوم: أمريكا والخليج ، أمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران
الوسوم: أزمة الطاقة ، أمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، ترجمات
تحميل هذا المقال بصيغة PDF
شارك هذا المقال
فيسبوك تويتر واتساب واتساب التليجرام البريد الإلكتروني نسخ الرابط
هنري توغندهات
بواسطة هنري توغندهات
المقال السابق نون بوست تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن

نشر هذا التقرير ضمن ملف:

ترجمات

ترجمات

تقارير يترجمها "نون بوست" من الصحافة الدولية.

أحدث ما نشر في هذا الملف:

  • تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن
  • كيف جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران؟
  • إعادة إيران إلى “العصر الحجري”.. تهديد ترامب يطلق العنان لعصر جديد من الوحشية 
part of the design
نشرة نون بوست الأسبوعية

قد يعجبك ايضا

تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن

تقسيم السودان لم ينجح في الماضي.. ولن ينجح الآن

أحمد كدودة أحمد كدودة ٩ أبريل ,٢٠٢٦
حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا

حسابات الحليف والعدو: إيران بين حماية “حزب الله” وتجنّب مواجهة أمريكا

عماد عنان عماد عنان ٩ أبريل ,٢٠٢٦
جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى

جبال وصحاري وساحل ممتد.. جغرافيا إيران هي سلاحها الأقوى

ميدل إيست آي ميدل إيست آي ٩ أبريل ,٢٠٢٦
dark

منصة إعلامية مستقلة، تأسست عام 2013، تنتمي لمدرسة الصحافة المتأنية، تنتج تقارير وتحليلات معمقة ومحتوى متعدد الوسائط لتقديم رؤية أعمق للأخبار، ويقوم عليها فريق شبابي متنوّع المشارب والخلفيات من دول عربية عدة.

  • سياسة
  • مجتمع
  • حقوق وحريات
  • آراء
  • تاريخ
  • رياضة
  • تعليم
  • تكنولوجيا
  • اقتصاد
  • صحافة
  • أدب وفن
  • ريادة أعمال
  • سياحة وسفر
  • سينما ودراما
  • طعام
  • صحة
  • ثقافة
  • أحدث التقارير
  • ملفات
  • مطولات
  • حوارات
  • بودكاست
  • تفاعلي
  • الموسوعة
  • بالصور
  • من نحن
  • كتّابنا
  • اكتب معنا
  • السياسة التحريرية
  • بحث متقدم
بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

تمت الإزالة من المفضلة

تراجع
Go to mobile version