ترجمة وتحرير: نون بوست
رفض أعضاء اللجنة الوطنية الديمقراطية مشروع قرار رمزي يهدف لتحجيم نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” وتدفقات “الأموال المظلمة” في الانتخابات التمهيدية للحزب. ورغم أن هذه النتيجة لم تكن مفاجئة، إلا أنها مثّلت ضربة قوية للجناح الذي ضاق ذرعًا بالتدخلات الأخيرة للمنظمة المؤيدة لإسرائيل في الشأن الداخلي للحزب.
كما أرجأ الحزب أيضًا الحسم في مشروعي قرار شاملين يتعلقان بنزاعات الشرق الأوسط، كانا يدفعان باتجاه دعم فرض شروط على المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل. وقد تمت إحالة هذه الإجراءات إلى “مجموعة عمل الشرق الأوسط” الناشئة داخل الحزب، والتي تعقد اجتماعها الرابع هذا الأسبوع دون أن تنجح في بلورة أجندة واضحة حتى الآن.
وعلى الرغم من أن تمرير هذه القرارات لم يكن متوقعًا، إلا أن النتائج تعكس حالة من الارتباك داخل مؤسسة الحزب التي لا تزال تصارع لتحديد كيفية الرد على التعقيدات السياسية المتزايدة المحيطة بإسرائيل و”أيباك”، تزامنًا مع التحول الحاد في مواقف قاعدتها الشعبية التي بدأت تبتعد عن الحليف التقليدي للولايات المتحدة.
وقد نص مشروع القرار المتعلق بـ “أيباك” على ضرورة إدانة اللجنة الوطنية الديمقراطية لـ “التأثير المتزايد للأموال المظلمة” في انتخابات الحزب، مع الإشارة صراحةً إلى المنظمة المؤيدة لإسرائيل التي ضخت عشرات الملايين من الدولارات في الانتخابات التمهيدية الأخيرة بولايتي إلينوي ونيوجيرسي.
من جانبهم، برر عدة أعضاء في لجنة القرارات تصويتهم بالرفض بأنهم أقروا في وقت سابق قرارًا عامًا يدين تأثير “الأموال المظلمة” في انتخابات التجديد النصفي دون تسمية منظمات بعينها. وفي سياق متصل، شطب أعضاء اللجنة صياغات من ذلك القرار العام كانت تشير بالتحديد إلى الإنفاق الهائل من لجان العمل السياسي المرتبطة بقطاعي الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
وقد عزز كين مارتن، رئيس اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، هذا التوجه عبر منصة “إكس”، موضحًا: “لقد قُدمت إلينا قرارات متنوعة تستهدف صناعات ومجموعات مختلفة، وبدلًا من التعامل معها فرادى، آثرنا تمرير رفض شامل”. وأضاف: “موقفي كان واضحًا منذ اليوم الأول وهو ضرورة إنهاء نفوذ الأموال المظلمة في سياستنا وإعادة السلطة إلى الشعب”.
وفي المقابل، أشادت المنظمات المؤيدة لإسرائيل بقرار اللجنة إبطال هذا المشروع غير الملزم، حيث صرحت ديرين سوزا، المتحدثة باسم “أيباك”، في بيان: “لقد أوضحت اللجنة الوطنية اليوم أن لجميع الديمقراطيين، بما في ذلك الملايين من أعضاء أيباك، الحق في المشاركة الكاملة في العملية الديمقراطية، وهو ما نعتزم القيام به تمامًا”.
من جهتها، اعتبرت هالي سويفر، المستشارة السابقة لكامالا هاريس والرئيسة التنفيذية للمجلس الديمقراطي اليهودي في أمريكا، أن نتائج التصويت تؤكد أن موقف الحزب تجاه إسرائيل لم يشهد تحولًا جذريًا كما يُروج له البعض.
وفي معرض تعليقها، أوضحت سويفر: “هناك تصورات خاطئة ناتجة عن وجود فصيل يساري متطرف وصاخب داخل حزبنا، لكنهم لا يقودون المشهد هنا بأي حال”. وأضافت أن اللجنة الوطنية ككل لم تتزحزح عن ثوابتها كمنظمة جامعة لليهود الأمريكيين وداعمة للعلاقة الأمنية الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، وضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
في المقابل، فندت أليسون مينيرلي، عضو اللجنة الوطنية الديمقراطية، والتي قدمت المقترح المتعلق بـ”أيباك”، هذا الطرح، معتبرة أن هناك “جدوى من ذكر لجان العمل السياسي” بالنظر لجهودها الفردية في التأثير على انتخابات الحزب. وأعربت في مقابلة عقب التصويت عن خيبة أملها رغم أنها لم تتفاجأ بالنتيجة، قائلة: “القيادة لا ترغب في استمرار هذا النقاش، لكن قواعدنا الشعبية تصرّ عليه، هذه قضايا شائكة تتطلب مواجهة مباشرة بدلًا من سياسة ترحيل الأزمات، فالناس سئموا الانتظار”.
تأتي هذه التجاذبات وسط أرقام صادمة كشف عنها استطلاع لمركز “بيو” للأبحاث هذا الأسبوع، أظهرت أن 80 بالمئة من الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون للحزب يحملون آراءً سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ 69 بالمئة العام الماضي، و53 بالمئة عام 2022. كما عزز استطلاع لشبكة “إن بي سي نيوز” هذا الاتجاه، مشيرًا إلى أن 57 بالمئة من الديمقراطيين ينظرون لإسرائيل نظرة سلبية، وهو تحول دراماتيكي مقارنة بنسبة 35 بالمئة عقب أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ويواجه الحزب صعوبة مستمرة منذ سنوات في استيعاب هذا التحوّل داخل قاعدته، وهو التحدي الذي عاد للواجهة مع انخراط إسرائيل في العملية العسكرية الأمريكية في إيران، والتي لا تحظى بشعبية في الولايات المتحدة. وتفاقم الوضع في ظل التوترات بسبب تدخل “أيباك” في الانتخابات التمهيدية. وفي دلالة على حساسية الملف، كشف عضو في اللجنة الوطنية الديمقراطية لـ”بوليتيكو” عن تلقيه اتصالات بشأن هذه القرارات من اثنين من المرشحين المحتملين لرئاسيات 2028.
وقد شكّل كين مارتن فريق عمل الصيف الماضي لتوجيه سياسة الحزب تجاه الشرق الأوسط. إلا أن هذا الفريق لم يبدأ عمله بجدية حتى الآن، ويعاني من خلل وظيفي داخلي، حيث يشكو بعض الأعضاء من افتقاره إلى النفوذ داخل الجهاز الحزبي الأوسع.
وكان بعض أعضاء فريق العمل، المكون من ثمانية أعضاء، يأملون في أن يؤدي عرض القرارات على لجنة أكبر إلى فتح نقاش جادّ حول القضايا المتعلقة بإسرائيل. إلا أن أعضاء لجنة القرارات أعادوا الإجراءات إلى فريق العمل، مع التعبير عن مخاوفهم بشأن وتيرة العمل والتقدم الذي تم إحرازه.
وأبدى النشطاء التقدميون والجماعات المؤيدة للفلسطينيين استياءهم من رفض اللجنة الوطنية الديمقراطية توجيه انتقاد مباشر لـ”أيباك”، وتأجيل اتخاذ إجراءات بشأن مقترحات تضمنت الاعتراف بـ “دولة فلسطين”، ووقف أو تقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل.
وفي هذا السياق، صرحت مارغريت ديريوس، رئيسة معهد فهم الشرق الأوسط، وهي مجموعة ضغط مؤيدة للفلسطينيين ضغطت من أجل تبني القرارات: “لقد أثبت تصويت اليوم مرة أخرى أن قيادة الحزب الديمقراطي غافلة تمامًا عن أحد أكبر التهديدات الوجودية التي تواجه الحزب”. وأضافت: “على قيادة الحزب أن تستيقظ”.
المصدر: بوليتيكو