• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف أدى تناقض الهدف من الحرب على إيران بين أمريكا وإسرائيل إلى تقويضها؟

حسين بنائي١١ أبريل ٢٠٢٦

وسط الأنقاض في جامعة شريف للتكنولوجيا بطهران، أبريل/ نيسان 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست

أدى إعلان الرئيس دونالد ترامب ليلة الثلاثاء عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، إلى إنهاء القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ولو مؤقتًا. لكن هذا الإعلان لم يقدم الكثير لحل التناقض الاستراتيجي في صميم الحملة الأمريكية الإسرائيلية، والتي لم تكن أي من الحكومتين مستعدة للاعتراف بها علنًا. كان الشريكان يخوضان الحرب نفسها لأسباب مختلفة جوهريًا.

بالنسبة لإسرائيل، كان احتمال المواجهة المباشرة مع الجمهورية الإسلامية يلوح في الأفق منذ عقود، وقد عكفت على دراسة النظام الإيراني بدقة وتفصيل قلّما ضاهتهما واشنطن. ولأن إسرائيل تدرك أن بقاء النظام هو المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية، فقد ركز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على تصفية القيادات وتغيير النظام كأهداف رئيسية لهذه الحملة.

وعلى النقيض من ذلك، دخلت إدارة ترامب الصراع على أساس افتراض أن إظهار القوة العسكرية يمكن أن يجبر قيادة النظام على إبرام صفقة. وقد استندت الولايات المتحدة على المنطق نفسه في حملة “الضغط القصوى” التي انتهجتها في رئاسة ترامب الأولى ضد طهران، وكذلك قرار الإدارة الحالية بالإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

بعبارة أخرى، دأب التخطيط الاستراتيجي الأمريكي تجاه إيران على منح الأولوية للقضايا القابلة للحل (مثل أعداد الصواريخ ومستويات تخصيب اليورانيوم) بهدف الوصول إلى اتفاق نووي، بينما تعامل مع التزام طهران الأيديولوجي بالحفاظ على النظام كقضية ثانوية.

هاتان النظريتان للقضية ليستا متكاملتين، بل تسيران في اتجاهين متعاكسين. أنتج التوتر بينهما حملة منسقة إجرائيًا وعملياتيًا، لكنها تائهة وتفتقر للبوصلة على المستوى الاستراتيجي. قراءة إسرائيل للجمهورية الإسلامية – والتي تفترض أن بقاء النظام هو المفتاح الأساسي لفهم السلوك الإيراني – هي القراءة الأكثر دقة، حتى وإن كانت الاستنتاجات التي خلص إليها نتنياهو بناءً على ذلك مشكوكًا فيها من الناحية الاستراتيجية.

قيام إسرائيل بالتصفية الممنهجة لأي مُحاور إيراني ذي مصداقية يهدد بإغلاق المساحة الدبلوماسية التي تتطلبها حسابات ترامب لإبرام الصفقات، في حين أن إشارات ترامب الدورية إلى انفتاحه على اتفاق قوّضت الضغوط التي تعتمد عليها الرؤية الإسرائيلية الرامية إلى تفكيك النظام. وسواء صمد وقف إطلاق النار أم لا، فقد انكشفت فجوة متفاقمة بين أهداف إسرائيل والولايات المتحدة، وبات بإمكان الجمهورية الإسلامية أن تدعي إثبات ما جادل به مؤسسوها دائما: وهو أن البقاء، بأي حال من الأحوال، يمثل انتصارًا.

النظام الأمني

بعد وقت قصير من ثورة عام 1979، خرق آية الله الخميني تقليدًا طويلًا من الهدوء السياسي الشيعي، وهو العقيدة التي كانت ترى أنه لا يمكن لأي سلطة سياسية شرعية أن تقوم حتى ظهور الإمام الثاني عشر، وأن الدور الصحيح لرجال الدين حتى ذلك الحين هو الإرشاد الأخلاقي، وليس. ألغى الخميني هذا التقليد، مجادلًا بأن غيبة الإمام المهدي نفسه تفرض على الفقيه الإسلامي البارز تولي السلطة السياسية وتهيئة الظروف لعودة الإمام.

في يناير/ كانون الثاني 1988، وبعد مرور ثماني سنوات على الحرب الإيرانية العراقية، ذهب الخميني إلى أبعد من ذلك. تحت وطأة التناقضات بين المثالية الثورية ومتطلبات الحكم في زمن الحرب، أعلن أن مصالح الدولة الإسلامية – ما أسماه “مصلحة النظام” – تعلو فوق كل شيء، بما في ذلك المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، ومنها الصلاة والصيام والحج. وهكذا انصهر البعد اللاهوتي والاستراتيجي تمامًا في بوتقة واحدة، وأصبح الحفاظ على الجمهورية الإسلامية هو أسمى الواجبات الدينية.

وعندما توفي الخميني عام 1989، تم تعديل الدستور الإيراني، وتحولت سلطة الفرد إلى مؤسسات ضمن هيكل يتألف من مراكز قوى متداخلة. تم فصل الرتبة الفقهية عن السلطة السياسية – وهو تنازل فرضته حقيقة أن أحدًا من تلاميذ الخميني لم يكن يمتلك المكانة الفقهية التي تتطلبها ولاية الفقيه -، وأعيد تنظيم الحرس الثوري، وقوات الباسيج شبه العسكرية، والسلطة القضائية، ومجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، مع ازدواجية متعمدة في تصميم المؤسسات. كان الهدف هو ضمان ألا يؤدي تدمير أي مؤسسة إلى انهيار النظام بأكمله.

كان اغتيال إسرائيل للمرشد الأعلى علي خامنئي في فبراير/ شباط الماضي بمثابة الاختبار الأخطر لهذا التصميم في تاريخ الجمهورية الإسلامية. قدمت عملية خلافة المرشد، التي تمت تحت قصف جوي أمريكي إسرائيلي مستمر، إثباتًا على صحة هذا التوجه. ففي غضون عشرة أيام من وفاة خامنئي، اجتمع مجلس خبراء القيادة واختار مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى، وهي العملية التي تمت بضغط مباشر من الحرس الثوري على أعضاء المجلس، وفقًا لروايات متعددة في وسائل إعلام غربية كبرى.

وكان اختيار مجتبى خامنئي، الذي كان يوصف بالمتشدد حتى قبل مقتل والده وزوجته وطفله، قرارًا أمنيًا اتُّخذ لمصلحة استمرارية النظام. وفي أول بيان علني له، تعهد مجتبى بمواصلة الحرب، وإبقاء مضيق هرمز مغلقًا، والحفاظ على ما وصفه بقيم الثورة الإسلامية التي لا تتجزأ.

ومع تعيينه، أعادت الجمهورية الإسلامية تشكيل نفسها وفق تفسير لعقيدتها التأسيسية يركّز بشكل أكبر الأمن، وتُمنح فيه الأولوية لبقاء المؤسسات والقيادة الاستراتيجية على الاعتبارات الفقهية التقليدية. وإذا كانت رؤية الخميني الأصلية قد وصفت المرشد الأعلى بأنه “الملك الفيلسوف”، فقد أفسحت تلك الرؤية الطريق الآن لدور الزعيم الأمني.

اعرف عدوك

تابعت إسرائيل هذا التطور عن كثب. بينما يتنافس الملف الإيراني في واشنطن مع مجموعة واسعة من التهديدات العالمية، وتتعامل كل إدارة أمريكية معه وفق سياستها الخاصة، فإن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اعتبرت الجمهورية الإسلامية تهديدًا وجوديًا منذ نشأتها.

تميل واشنطن إلى قراءة إيران من خلال البيانات المجمعة من الاستخبارات الإلكترونية وصور الأقمار الصناعية، بينما تقرأها إسرائيل من خلال عقود من اختراق الحرس الثوري، والبرنامج النووي، والدائرة المقربة من المرشد الأعلى. هذا العمق الاستخباراتي مكّن إسرائيل من فهم طريقة تفكير القيادة الإيرانية، ومخاوفها، وأبرز نقاط ضعفها.

طبقت إسرائيل هذه المعرفة التي اكتسبتها بشق الأنفس بلا رحمة، حيث قتلت خامنئي وسبعة من كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات في اليوم الأول من الحرب. وبعد أسابيع، اغتالت علي لاريجاني، سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي والشخصية التي كان يُعتقد على نطاق واسع أنها تدير البلاد بعد وفاة خامنئي. لم يكن نتنياهو غامضًا بشأن الغرض من الحملة، فقد أكد أن الضربات تخلق “الظروف المثلى” لإسقاط الحكومة و”منح الشعب الإيراني الفرصة للإطاحة بها”.

عكست الحملة رؤية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن حتمية البقاء لدى الجمهورية الإسلامية متجذرة بعمق في بنيتها المؤسسية، لدرجة أن أي استراتيجية لا تصل إلى حد تفكيك النظام ستترك التهديد الجوهري قائمًا. وفقًا لهذه النظرية، فإن الجمهورية الإسلامية، مهما فُرضت عليها من قيود، ستعمل دائمًا على إعادة بناء قدراتها واستئناف حملتها ضد إسرائيل.

كانت طريقة ترامب في التعاطي مع القضية مختلفة، إذ دخلت إدارته الصراع بتوقعات مفادها أن القيادة الإيرانية – في مواجهة تدمير برنامجها النووي وتصفية مرشدها الأعلى – ستفرز في نهاية المطاف زعيمًا أكثر استعدادًا للتفاوض من سابقيه.

كان إيمان ترامب اللامحدود ببراعته في إبرام الصفقات محورًا لسياسته تجاه إيران منذ ولايته الأولى. ومنذ انسحابه من “خطة العمل الشاملة المشتركة” في عام 2018، ظل يصرّ على أنه وحده القادر على الوصول إلى الاتفاق الشامل الذي فشل مساعدو الرئيس باراك أوباما في تحقيقه.

وقد أصرّ ترامب علنًا على رغبته في المشاركة في اختيار زعيم إيران القادم، وشبّه عملية “الغضب الملحمي” – وهو اسم الحملة الأمريكية على إيران التي بدأت في أواخر فبراير/ شباط – بالعملية الأمريكية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتنصيب ديلسي رودريغيز رئيسة مؤقتة. بدا ترامب واثقًا من ظهور مُحاور إيراني يتفهم المصالح الأمريكية.

ترتكز هذه الثقة على قراءة خاطئة للمبدأ الأساسي للجمهورية الإسلامية، وهي قراءة لا تشاركها فيها إسرائيل، مهما كانت حساباتها الخاطئة الأخرى. خلافًا لفنزويلا، حيث كان رحيل مادورو نتاجًا لصفقة بين قوى علمانية لديها مصالح مشتركة، فإن ما يحرك الجمهورية الإسلامية هو عقيدة بقاء النظام، ما يجعل أي ترتيب مماثل مستحيلا، حتى لو فُهم على أنه يخدم استقلال البلاد. ولاء الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية ذو طابع ديني، مما يجعل احتمال صعود نسخة إيرانية من رودريغيز أمرًا مستبعدًا للغاية.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتباين فيها مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن إيران. سبق أن فرض ترامب وقفًا لإطلاق النار رغم الاعتراضات الإسرائيلية لإنهاء حرب الـ12 يوما في يونيو/ حزيران 2025. والآن، حتى مع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن التوتر بين النظرتين الإسرائيلية والأمريكية يجعل من الصعب على الطرفين إيجاد مسار موحد لإنهاء الصراع بشكل دائم.

أعلن ترامب أن تغيير النظام قد تحقق بالفعل، ونفى في الوقت نفسه أنه سعى إليه يومًا. وهدد بتدمير إيران بشكل كامل، فيما أرسل إشارات انفتاح على صفقة. كما وصف رئيس البرلمان الحالي، محمد باقر قاليباف، كمحاور واعد، رغم أن قاليباف – القائد السابق في الحرس الثوري – نفى علنًا أي إمكانية للتفاوض.

في الوقت نفسه، تستمر حملة الاغتيالات الإسرائيلية، رغم اعتراف نتنياهو بأنه “لا يستطيع الجزم بأن الشعب الإيراني سيسقط النظام”. وقال في مارس/ آذار الماضي بنبرة متعالية: “يمكنك أن تقود شخصًا إلى الماء، لكن لا يمكنك إجباره على الشرب”.

والنتيجة هي حربٌ خاضتها كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل سعيًا لتحقيق أهداف تجعل استراتيجية الطرف الآخر أقل قابليةً للتحقيق. استهداف إسرائيل المستمر للقيادة الإيرانية جل إمكانية توصل ترامب إلى مخرج تفاوضي أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، تقوّض إشارات ترامب بالانفتاح على التفاوض استراتيجية إسرائيل، حيث تمنح طهران الأمل في انحسار الضغط بدلًا من استنتاج عدم وجود مخرج دبلوماسي، وهو بالتحديد الاستنتاج الذي تريد إسرائيل أن تصل إليه إيران.

وقد منحت الفجوة بين أهداف ترامب ونتنياهو طهران توقعات معقولة بأن شراكة أعدائها لن تدوم، سواء مع وقف إطلاق النار أو من دونه.

البقاء والتقدم

تمتلك إسرائيل فهمًا أكثر تفصيلًا ودقة لديناميكيات النظام الإيراني مقارنة بالولايات المتحدة. مع ذلك، لم تضع إسرائيل ولا واشنطن في اعتبارهما بالشكل الكافي مدى تأثير العداء الخارجي في ترسيخ شرعية الجمهورية الإسلامية منذ الثورة.

تكرر وصف الخميني للولايات المتحدة بـ “الشيطان الأكبر”، وإسرائيل بأنها إهانة لكرامة المسلمين، في كل المؤسسات الحكومية لعقود من الزمن، مما خلق عدوًا دائمًا يمكن من خلاله تبرير ضرورة الوصاية الدينية.

وقد دافعت طهران عن تمويلها لمحور المقاومة – وهي شبكة القوى الإقليمية التي تضم حماس وحزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق – على أسس مماثلة. فمن خلال وكلائها، أبقت الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة على مسافة بعيدة، مع الحفاظ على سردية النظام الموجهة لقاعدته الشعبية بأن إيران دولة ثورية محاصرة باستمرار. ورغم أن هذه السردية لا تحظى بقبول كبير لدى غالبية الإيرانيين، إلا أن فئة كبيرة منهم تدافع عنها بحماس شديد.

أدى تفكيك إسرائيل لـ”محور المقاومة” بين عامي 2023 و2025 إلى إزالة الطبقة الوسيطة التي كانت تسمح لإيران بامتصاص الضغوط الخارجية دون مواجهتها مباشرة. هكذا اختبرت حرب الـ12 النظام من جديد، لكن الهياكل الأساسية للنظام في طهران ظلت متماسكة.

ومع انهيار الاقتصاد الإيراني، أدت احتجاجات يناير/ كانون الثاني إلى قيام النظام بأعنف حملة قمع منذ الثورة. مع ذلك، استخلصت طهران الدروس نفسها التي استخلصتها من كل الأزمات السابقة: وهي أن البديل عن الصمود هو الاندثار، وأن الاعتراف بالضعف أمام خصم يسعى لاستغلاله لن يؤدي إلا إلى تعجيل زوال النظام.

عزز الصراع الحالي هذا الاعتقاد لدى طهران، حيث يؤمن النظام أنه إذا تمكن من الصمود في وجه الضغوط الخارجية وفرض تكاليف باهظة على خصومه لاستنزاف إرادتهم السياسية، سيكون قد انتصر. من منظور طهران، فإن مجرد بقاء الجمهورية الإسلامية بعد عملية “الغضب الملحمي” يُعد شكلًا من نصرا استراتيجيا يؤكد ادعاء النظام بالاستمرارية. بل إن الحرب أكدت صحة ادعاء طهران بأن الهدف النهائي للخصم هو القضاء على الثورة الإسلامية.

بالنسبة للقاعدة المؤيدة للنظام، وللكثير من الإيرانيين الذين يعارضون الحكومة لكنهم يرفضون تفكيك الدولة من الخارج، كان هذا التأكيد دافعا للصمود بشكل لم تتوقعه واشنطن ولا إسرائيل. لقد ثبت أن القوة العسكرية المطلوبة لكسر إرادة الجمهورية الإسلامية أكبر بكثير مما توقعه الحليفان، حيث جعلت الحرب معارضي النظام في الداخل أقل ميلًا للمطالبة بإسقاطه، مما أبطل الفرضية التي قامت عليها الاستراتيجية الإسرائيلية.

ومع تلاشي الفوارق بين استهداف النظام وتدمير الدولة نتيجة الضربات على البنية التحتية المدنية والجامعات والأحياء السكنية، زاد استياء الإيرانيين – من كافة الأطياف السياسية – من عبثية أساليب الضغط التي انتهجتها إدارة ترامب.

هذا التبرير الظاهر لسردية النظام التأسيسية سمح لطهران بإدارة الحرب بشكل أكثر عدوانية مما كان يمكن أن تفعله في ظروف أخرى.

فمن خلال إغلاق مضيق هرمز، فرضت إيران واحدًا من أكبر اضطرابات إمدادات النفط المسجلة في التاريخ، مما أدى إلى أزمة طاقة عالمية. ومن خلال ضرب جميع دول مجلس التعاون الخليجي لأول مرة منذ ما عُرف بـ “حرب الناقلات” في أواخر الثمانينيات، أثبتت إيران إمكانية فرض تكلفة باهظة ومستمرة على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وقد حذر المرشد الأعلى الجديد في أول تصريح له من أن المسؤولين الإيرانيين يدرسون “فتح جبهات أخرى لا يملك العدو فيها خبرة تذكر، ويعاني فيها من ضعف شديد”. وقد أكد المجلس الأعلى للأمن القومي أن وقف إطلاق النار ليس إنهاء للأعمال العدائية، بل هدنة مؤقتة، حيث قال بوضوح إن الاتفاق “لا يعني إنهاء الحرب”، وأن “أيدينا لا تزال على الزناد، وإذا ارتكب العدو أدنى خطأ، سيُواجه بكل قوة”.

الخسائر التي تكبدتها إيران للحفاظ على هذا الموقف فادحة. نزح أكثر من 3.2 مليون إيراني بسبب القصف، وتضررت البنية التحتية العسكرية والنووية بشكل كبير، ولا يزال الاقتصاد – الذي أنهكته العقوبات وانهيار العملة عقب حرب الـ12 يومًا – على حافة الانهيار.

كانت احتجاجات يناير/ كانون الثاني دليلًا على ضعف الشرعية الشعبية للنظام قبل بدء الحرب. ولكن في ظل اعتماد إمبراطوريته الاقتصادية، ونفوذه السياسي، والمبرر الديني لوجوده، على استمرار الجمهورية الإسلامية، سيكون لدى الحرس الثوري الإيراني كل الدوافع لتصعيد الموقف في حال لم يصمد وقف إطلاق النار.

حقيقة غير متماسكة

يحمل التنافر الاستراتيجي التي اتسمت بها الحملة الأمريكية الإسرائيلية عواقب وخيمة، لا سيما بالنسبة لواشنطن. خلال حرب الـ12 يوما، كانت إسرائيل مستعدة لمواصلة الحملة بهدف تغيير النظام، قبل أن يأمر ترامب نتنياهو بقبول وقف إطلاق النار.

والآن، عاد هذا التوتر – الذي تم احتواؤه آنذاك بسبب الطبيعة المحدودة للعملية الأمريكية الرامية إلى تقويض القدرات النووية الإيرانية – بشكل أكثر تعقيدًا. يبدو أن ترامب قد نجح مرة أخرى في هندسة هدنة مؤقتة على الأقل، ولكن إذا أراد الإبقاء على خيار المفاوضات قائما، سوف يتعين عليه مواجهة حكومة إسرائيلية تملك أهدافا حربية أكثر راديكالية من أهدافه. قد يتحوّل التوتر – الذي تم احتواؤه بعناية حتى الآن – سريعًا إلى انقسام حقيقي حادّ، ولن تتوانى طهران عن استغلاله.

بعبارة أخرى، تملك واشنطن خيارات قليلة جيدة لإنهاء الحرب بشكل دائم وفق شروطها. إعلان النصر على أساس تقويض القدرات العسكرية الإيرانية، مع الإبقاء على مؤسسات الجمهورية الإسلامية وأيديولوجيتها، سيؤدي إلى النتيجة التي صُممت السياسة الأمريكية تجاه إيران على مدى أربعة عقود لمنعها: نظامٌ ناجٍ من الاختبار الأقصى، ولديه كل الحوافز لإعادة بناء قدراته وتعزيزها برؤية جديدة واضحة.

لقد ضحت الجمهورية الإسلامية لعقود من الزمن برفاهية شعبها وإمكانيات الإصلاح الداخلي بهدف البقاء. بالنسبة للأطراف المتشددة المتبقية من النظام، التي تعتبر استمرار الجمهورية الإسلامية واجبًا دينيًا وثوريًا في الأوقات العادية، فإن الاستسلام الآن لا يعني إلا الاندثار بشكل طوعي.

لقد أخطأت الولايات المتحدة في قراءة هذا المنطق طوال 47 عامًا، وتكلفة هذا الخطأ اليوم هي حرب لا تزال بلا مخرج دائم، وشريك يجر الدفة في اتجاه مختلف، ونظام عالمي سيتواصل عدم استقراره بعد أي تسوية قد تقبلها واشنطن في نهاية المطاف.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتأمريكا وإيران ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ، المشهد الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، ترامب رئيسًا ، ترامب وإسرائيل ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

آراء

بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟

رغد الشماط٧ أبريل ٢٠٢٦
آراء

أربعة أمور تتوقعها دول الخليج من الولايات المتحدة بعد حرب إيران

مهند سلوم٢٨ مارس ٢٠٢٦
آراء

وزير خارجية عُمان: أمريكا فقدت بوصلتها وعلى أصدقائها قول الحقيقة

بدر البوسعيدي١٩ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑