ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما كان مقدم البرامج الحوارية الأمريكي ستيفن كولبير يبحث عن شخص يشرح لجمهور برنامجه “ذا ليت شو” مجريات الحرب الأمريكية مع إيران في أوائل شهر مارس/ آذار الماضي، اتجهت أنظاره نحو بريت ماكغورك، الذي سبق أن شغل منصب مستشار رئيسي لشؤون الشرق الأوسط لأربعة رؤساء أمريكيين.
وفي حديثه مع كولبير، صرح ماكغورك – الذي يعمل حالياً مستثمراً في رأس المال المغامر، ومحللاً في شبكة “سي إن إن” – قائلاً: “لا أعتقد أن مبررات هذه الحرب قد عُرضت بوضوح على الشعب الأمريكي”.
وأضاف: “قبل شن أي عملية عسكرية.. يجب أن تكون الرؤية واضحة تماماً في ذهن الرئيس بشأن ما يريد تحقيقه، وكيفية تحقيق ذلك. وهذه الميزة ليست دائماً نقطة القوة التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”.
لم يكن يقع اختيار كولبير على ماكغورك للحديث عن الحرب في الشرق الأوسط محض صدفة، فالرجل البالغ من العمر 52 عاماً، ورغم أنه ليس معروفاً على نطاق واسع خارج دوائر صنع السياسات، لعب دوراً فريداً وممتداً في السياسة الخارجية الأمريكية على مدار عقدين من الزمن.
ففي فترة اتسمت بالاستقطاب الشديد والتغييرات المستمرة للمسؤولين بين الإدارات المتعاقبة، تمكن ماكغورك من البقاء – والتميز – في ظل إدارات جمهورية وديمقراطية على حد سواء.
ومع انقطاعات قليلة، تولى ماكغورك حصة متزايدة من المسؤوليات المتعلقة بسياسة واشنطن في الشرق الأوسط، بدءاً من رئاسة جورج بوش الابن، مروراً بسنوات أوباما، ثم الاضطرابات التي رافقت الولاية الأولى لترامب، وصولاً إلى إدارة بايدن.
ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاق أو الاختلاف مع إرث ماكغورك، يُعدّ بمعنى من المعاني، بمثابة “اختبار رورشاخ” الذي يكشف عما إذا كان المرء يرى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال هذا القرن قد كُللت بالنجاح أم مُنيت بالفشل.

أمضى ماكغورك سنواته الأولى في العمل الحكومي مركزاً على جهود “بناء الدولة” خلال حرب العراق. ولكن بحلول عام 2021، عندما عاد إلى البيت الأبيض كنائب مساعد للرئيس جو بايدن، كان مصمماً على توجيه السياسة الخارجية الأمريكية في مسار مختلف تماماً عما سبق.
ووفقاً لأشخاص عملوا معه في ذلك الوقت، أخبر ماكغورك موظفي مجلس الأمن القومي أن عصر الطموحات الأمريكية الكبرى في الشرق الأوسط قد انتهى. وبات شعار ماكغورك المفضل هو “العودة إلى الأساسيات”.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، وخلال مشاركته في “حوار المنامة” الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، صرح ماكغورك بأنه بدلاً من السعي وراء “أهداف كبيرة ومبالغ فيها”، فإن إدارة بايدن ستنتهج “استراتيجية سليمة، بحيث لا تحدد الغايات والأهداف إلا بعد دراسة متأنية للحقائق على الأرض والتشاور مع أصدقائنا وشركائنا”.
إلا أن طموحات ماكغورك الدبلوماسية تحطمت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، عندما نفذت حركة حماس هجومها الدامي، مما أشعل شرارة هجوم إسرائيلي مضاد وكارثي، أجج بدوره اتهامات واسعة النطاق بأن الولايات المتحدة تمنح إسرائيل الغطاء والقوة لارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
على إثر ذلك، تحوّل منسق مجلس الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى هدف للانتقادات اللاذعة من أولئك الذين اعتبروه المهندس الرئيسي لتبني إدارة بايدن سياسة الدعم المطلق للحرب الإسرائيلية في غزة.
ويقول منتقدون، مثل رندا سليم، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز “ستيمسون”، إن ماكغورك كسب ثقة الرؤساء المتعاقبين من كلا الحزبين عبر تبنيه رؤية تُجسّد بشكل نموذجي الطريقة الأمريكية التقليدية في التعامل مع السياسة الخارجية.
وتضيف: “هذا الرجل يفضل الحلول السريعة وقصيرة الأجل للتعامل مع قضايا مزمنة ومتفاقمة في منطقة لا تتناسب معها الحلول الترقيعية المؤقتة”.
أما بالنسبة لماكغورك، فإن تأمين مكاسب تدريجية في الشرق الأوسط يُعد أفضل بكثير من السعي وراء أهداف تتسم بالغطرسة وغالباً ما تكون غير واقعية في منطقة بالغة التعقيد.
وفي سلسلة من المقابلات النادرة المسجلة مع مجلة “فورين بوليسي”، دافع ماكغورك عن رؤيته قائلاً: “من الحماقة الشائعة في السياسة الخارجية إعلان أهداف طموحة للغاية ثم التفكير لاحقاً في كيفية تحقيقها. الأهداف القريبة، والتقدم التدريجي، والمواءمة الدقيقة بين الغايات والوسائل – هذا هو النهج الأفضل حسب تجربتي”.
وقد غادر ماكغورك البيت الأبيض في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي بعد مواجهة متظاهرين في الحرم الجامعي وصفوه بـ”مجرم حرب”.
ولا يزال صدى إرث السياسي يتردد بقوة في الوقت الذي تشن فيه إدارة ترامب حربها العبثية مع إيران، وتتخبط للتعامل مع تداعيات تحركات ماكغورك المثيرة للجدل في أماكن أخرى من المنطقة.
وللحصول على صورة عادلة ومنصفة لمسيرة ماكغورك المهنية ومدى تأثيره، تحدثت مجلة “فورين بوليسي” معه ومع أكثر من عشرين شخصاً عملوا معه بشكل مباشر.
يقف ماكغورك ثابتاً في دفاعه عن طريقة تعامله مع حرب غزة، كما أن نجاحه في كسب ود رؤساء من كلا الحزبين يشير إلى احتمال عودته إلى دوائر السلطة السياسية في واشنطن مستقبلاً.
ولكن بالنسبة لمنتقديه، يمثل ماكغورك السبب والنتيجة معاً. فهو رمز صارخ لنهج الولايات المتحدة المضلل والخاطئ في الشرق الأوسط على مدار عقدين مدمرين، بدءاً من التداعيات الطائفية في العراق، مروراً بمستنقع الحرب بالوكالة في اليمن، والدمار الشامل الذي لحق بغزة، وصولاً إلى أحدث أزمة، وهي صدمة الطاقة العالمية التي أشعلتها الحرب مع إيران.

عندما أبلغه السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة بأنباء الهجوم الذي شنه مقاتلو حركة حماس في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وتفاصيله التي كانت تتكشف تباعاً، سارع ماكغورك بالرد برسالة دعم لا لبس فيها، قائلاً: “نحن معكم”.
وقد شكلت تلك الاستجابة الغريزية حجر الأساس للنهج الذي اتبعه ماكغورك في التعامل مع هذه الأزمة.
سبق لماكغورك أن عمل مع بايدن في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، كما دعم ترشحه للرئاسة في عام 2020. وعقب فوزه في الانتخابات، اختار بايدن ماكغورك ليكون كبير مستشاريه لشؤون الشرق الأوسط، وهو القرار الذي دفع بهذا الخبير الاستراتيجي الطموح لتولي المنصب الأهم والأكثر تأثيراً في مسيرته المهنية.
وفي سياق حديثه عن وجهات نظره السياسية، أشار ماكغورك إلى أنه يستلهم مقولة للرئيس الأمريكي الأسبق جون إف كينيدي، والتي جاء فيها: “الغاية من السياسة الخارجية ليست توفير متنفس لمشاعرنا سواء بالأمل أو السخط، بل غايتها صياغة الأحداث الواقعية في عالم حقيقي”.
من جانبه، أشاد جيمس جيفري – وهو دبلوماسي أمريكي مخضرم كان له نقاشات وخلافات حادة مع ماكغورك حول عدة قرارات تتعلق بسياسة الشرق الأوسط إبان فترة عملهما معاً في عهدي أوباما وترامب – بزميله السابق، واصفاً إياه بأنه أحد أمهر الدبلوماسيين في جيله.
وقال جيفري: “أعتقد أنه كان من بين أكثر المسؤولين الحكوميين تأثيراً في شؤون الشرق الأوسط خلال الإدارات الرئاسية الأربع الماضية”.
وأضاف موضحاً: “بريت يدرك جيداً معنى القوة، ويتقن الدبلوماسية، فهو يعرف كيف يبني علاقات جيدة مع الآخرين، ويدرك ما ينجح وما يخفق، فضلاً عن فهمه الدقيق لاحتياجات كل طرف. نهجه يتميز بموضوعية وتجرد من العواطف، ويهدف إلى دفع عجلة السياسة الخارجية عبر توظيف القوة الأمريكية”.
غير أن نهج السياسة الواقعية الذي يتبناه ماكغورك لم يكن ليتوافق مع الرؤية التي تعهد بايدن بإرسائها في البيت الأبيض إبان فوزه على ترامب في انتخابات عام 2020. أخذ بايدن على عاتقه عهداً بوضع حقوق الإنسان في صميم سياسته الخارجية. ولذلك، عندما اختار ماكغورك ليكون كبير مستشاريه لشؤون الشرق الأوسط، نظر المتشككون إلى هذه الخطوة باعتبارها “نذير شؤم”، وذلك وفقاً لما ذكره مسؤولون سابقون في الإدارة.
في غضون أيام قليلة من عودته إلى البيت الأبيض عام 2021، حط ماكغورك الرحال في العاصمة السعودية الرياض حاملاً رسالة حازمة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ففي ذلك الوقت، كان بايدن قد خاض حملته الانتخابية متعهداً بالتعامل مع السعودية كدولة “منبوذة”.
جاء موقف الرئيس الأمريكي في أعقاب توصل الولايات المتحدة إلى استنتاج مفاده أن ولي العهد قد وجه فريق اغتيال لقتل جمال خاشقجي – الكاتب السعودي البارز والمقيم في الولايات المتحدة – داخل القنصلية السعودية في إسطنبول عام 2018.
وبناءً على ذلك، أرسل بايدن مبعوثه ماكغورك لتوجيه توبيخ شديد اللهجة، مفاده أن البيت الأبيض سيوقف مبيعات الأسلحة الرئيسية للرياض حتى تحدّ من حربها ضد مقاتلي الحوثي المدعومين من إيران في اليمن. بعد أن تحولت تلك الحرب إلى عبء ثقيل يستنزف السعودية، أوضح ماكغورك بشكل جلي أن إدارة بايدن ستقلص مساعداتها العسكرية حتى تنسحب الرياض من المستنقع اليمني.
بتلك الخطوة، كان بايدن ينفذ التزامه بوضع حقوق الإنسان في صدارة أجندة سياسته الخارجية، ويفي بالوعد الذي قطعه على نفسه خلال حملته الانتخابية. وقد ساهمت تلك الضغوط في دفع السعودية نحو القبول بوقف هش لإطلاق النار في اليمن.
لكن ماكغورك صرّح بأنه لم يكن يرى أنه من الحكمة استخدام المساعدات العسكرية كعصا غليظة لتهديد حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. ربما سرّع قرار وقف إمداد السعودية بالأسلحة جهود المملكة للخروج من اليمن، إلا أنه أتاح لإيران فرصة تعزيز دعمها للحوثيين، والذين سرعان ما أصبحوا تهديداً إقليمياً كبيرًا بشكل غير متوقع.
وقد أثار تعليق المساعدات العسكرية حفيظة القيادة السعودية، التي كانت تسعى فعلا للخروج من المستنقع اليمني. أسفر هذا الشرخ عن سنوات من التوتر والفتور في العلاقات بين واشنطن والرياض.
وإزاء ذلك، بدأ ماكغورك في الضغط من أجل تصحيح مسار هذه العلاقات، وهو المسعى الذي اكتسب زخماً إضافياً عندما احتاج البيت الأبيض إلى مساعدة السعودية للحفاظ على انخفاض أسعار النفط، وذلك في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، والذي أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
علاوة على ذلك، رأى ماكغورك فرصة ذهبية لصياغة اتفاق دبلوماسي تاريخي بين إسرائيل والسعودية، وهي خطوة لم يكن من الممكن تحقيقها ما لم يبادر بايدن أولاً بإصلاح علاقاته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
أحدثت هذه الخطوة الدبلوماسية انقساماتٍ عميقةً في إدارة بايدن، وأثارت معارضة علنية وشرسة من الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي في الكونغرس، إذ اعتبر التقدميون أن هذه الخطوة تمثل خيانة صريحة لتعهد الرئيس بوضع قضايا حقوق الإنسان وتعزيز الديمقراطية في صميم أجندته السياسية.
أما ماكغورك، فلم ينظر يوماً إلى السياسة الخارجية من هذا المنظور.
في هذا الإطار، صرح لمجلة “فورين بوليسي” قائلاً: “بالنسبة لأي دبلوماسي أمريكي، يجب أن تكون قضية حقوق الإنسان مطروحة دائماً على طاولة النقاش، فهذا هو ما يميزنا عن غيرنا. ولكن لا ينبغي لهذه القضية أن تطغى على كافة المصالح الأخرى”.
وتابع موضحاً: “من منظور حقوق الإنسان، فإن بقاء دول الشرق الأوسط وغيرها تحت المظلة الأمريكية على مرّ السنوات سيجعلها أكثر تسامحاً واعتدالاً، مقارنة بما ستؤول إليه الأمور إذا ما أخلينا الساحة وتركناها لكل من الصين أو روسيا”.
في المقابل، كشف مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية، ممن عارضوا مسار التقارب مع السعودية، لمجلة “فورين بوليسي” أنه تم تهميشهم وإبعادهم عن المناقشات الرئيسية.
وقد بلغ هذا النقاش الداخلي ذروته وتُوج بلقطة “المصافحة” التي تردد صداها في جميع أنحاء العالم، حين سافر بايدن إلى السعودية ووجه للأمير محمد بن سلمان تلك التحية المثيرة للجدل، والتي شكلت حجر الأساس لعودة الدفء إلى العلاقات الثنائية.

عقب ذلك، كثف ماكغورك من رحلاته إلى منطقة الخليج في محاولة لصياغة اتفاق دبلوماسي بين إسرائيل والسعودية. غير أن حجر العثرة الرئيسي أمام هذا المسعى تمثل في كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية كجزء من هذه الصفقة الشاملة.
كانت القضية الفلسطينية بمثابة “نقطة عمياء” بالنسبة لماكغورك، وذلك وفقاً لما ذكره العديد من مسؤولي إدارة بايدن الذين عملوا معه في ملفات الشرق الأوسط. تبلورت رؤيته للمنطقة خلال السنوات الأولى من مسيرته المهنية التي أمضاها في العراق، ولم يُولِ اهتماماً كبيراً بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وعلى أي حال، لم يكن لدى بايدن نفسه اهتمام يُذكر بالدفع نحو مباحثات سلام إسرائيلية فلسطينية، فقد شهد فشل الرؤساء السابقين الواحد تلو الآخر فشلاً ذريعاً عندما حاولوا ذلك. وفي المقابل، تبنى بايدن سياسة تهدف إلى محاولة إدارة الصراع والسيطرة عليه عبر مبادرات اقتصادية متواضعة، كان الغرض منها تحسين الحياة اليومية للفلسطينيين ولو بشكل طفيف.
وعندما استعرض ماكغورك أولويات إدارة بايدن في الشرق الأوسط خلال خطابه في “حوار المنامة” عام 2021، لم يأتِ على ذكر الفلسطينيين أو قضيتهم على الإطلاق.
وفي هذا السياق، أشار العديد من المسؤولين الذين عملوا معه سابقا إلى أنه كان ينظر إلى القضية الفلسطينية بالأساس كورقة مساومة ضمن صفقته الإقليمية الكبرى، وليس كمشكلة جوهرية تستحق الاهتمام بحد ذاتها.
وقال أحد كبار المسؤولين الحكوميين السابقين الذين عملوا مع ماكغورك: “كان بريت يتعامل مع القضية الفلسطينية باستخفاف شديد وتجاهل تام”. وأضاف: “كان لسان حاله يقول: لا أحد يهتم بهذا الأمر، إنها قصة من الماضي. كانت هذه هي العقلية العامة السائدة والمسيطرة، على الأقل حتى اندلاع أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول”.
ولم يقتصر هذا النهج المتغطرس حيال الشرق الأوسط على ماكغورك فحسب، بل شمل أيضاً فريق الأمن القومي الأوسع في إدارة لبايدن. قبل ثمانية أيام فقط من هجوم حماس، تباهى جيك سوليفان، مستشار بايدن للأمن القومي، خلال مشاركته في “مهرجان ذا أتلانتيك” بأن “منطقة الشرق الأوسط اليوم تشهد هدوءاً واستقراراً لم تشهده منذ عقدين من الزمن”.
من جانبه، كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتبنى رؤية متأرجحة ومزدوجة حيال هذا الصراع. فوفقاً للتقارير، أسرّ لوزير الخارجية الأمريكي الأسبق أنتوني بلينكن بأنه لا يحمل تعاطفاً كبيراً تجاه الفلسطينيين، لكنه في الوقت ذاته يدرك تماماً أنه لا يمكنه التخلي عنهم إذا ما أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل (وهي الرواية التي نفاها مسؤول سعودي).
لكن على الصعيد الرسمي، كان موقف ولي العهد والحكومة السعودية ثابتاً في دعم القضية الفلسطينية.
استغرق الأمر أشهراً من المفاوضات المضنية قبل أن تتضمن الاتفاقية المقترحة أي تنازلات جوهرية تُسهم في إنعاش الآمال الفلسطينية المتضائلة في إقامة دولتهم المستقلة.
وفي هذا الإطار، عمل ماكغورك على تأمين خطط لسفر وفد دبلوماسي سعودي إلى مدينة رام الله قبل شهر من هجمات حماس في عام 2023، وهي خطوة كانت تهدف إلى إرسال إشارة تؤكد التزام الرياض بمساعدة السلطة الفلسطينية كجزء من أي صفقة قد تُبرم مع إسرائيل.
قالت آية المحيسن، رئيسة ديوان نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ: “نعتقد أن إدارة بايدن قد بذلت قصارى جهدها، لكننا كنا نأمل في أن تلعب دوراً أكثر فاعلية، لأننا نؤمن حقاً بأنه كان بإمكانها تقديم المزيد”.
ووفقاً للعديد من الدبلوماسيين في إدارة بايدن، كان إبرام اتفاق دبلوماسي إسرائيلي سعودي بمثابة “الحوت الأبيض” بالنسبة لماكغورك، في إشارة إلى هوس القبطان آهاب بصيد الحوت الذي شوّهه وقتله في نهاية المطاف في رواية “موبي ديك”.
لم يثنِ ذلك ماكغورك عن عزمه. ففي 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان الرجل يعكف على مناقشة المزيد من التفاصيل مع المسؤولين السعوديين، تحدوه الآمال في وضع اللمسات الأخيرة على مقترح نهائي قبل انقضاء ولاية بايدن.
غير أن كل تلك المساعي انقلبت رأساً على عقب في اليوم التالي، عندما نفذت حركة حماس هجومها المباغت، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، واقتياد 251 آخرين كرهائن إلى داخل قطاع غزة.
وفي الأيام الأولى التي أعقبت الهجوم، نصحت إدارة بايدن القادة الإسرائيليين أن لا ينقادوا وراء الشعور بالإهانة في تحديد طبيعة الرد. حث كبار القادة الأمريكيين، بمن فيهم ماكغورك، نظراءهم الإسرائيليين على عدم الانسياق وراء الرغبة العمياء في الانتقام أثناء عملية صنع القرار.
سرعان ما وجه ماكغورك أنظاره نحو محاولة التفاوض لإبرام صفقة لتبادل الرهائن. وفي أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، ساهم في إرساء أول وقف لإطلاق النار خلال الحرب، وهي هدنة استمرت أربعة أيام، وأدت إلى إطلاق سراح أكثر من 100 رهينة ممن احتُجزوا في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. وفي المقابل، وافقت إسرائيل على إطلاق سراح 240 أسيراً ومعتقلاً فلسطينياً كجزء من الاتفاق. غير أن هذه الهدنة انهارت قبل الأوان، وسرعان ما صعدت إسرائيل من حملتها العسكرية.
بحلول عطلة “عيد الشكر”، بدأ كبار المسؤولين في إدارة بايدن يشعرون بالهواجس والشكوك حيال الرد الإسرائيلي، إذ كانت الغارات الجوية الإسرائيلية تحصد أرواح المئات من النساء والأطفال بشكل يومي. كما كان الجيش الإسرائيلي يقتل موظفي الأمم المتحدة، والأطباء الفلسطينيين، وعمال الإغاثة، فضلاً عن إبادة عائلات بأكملها داخل مخيمات اللاجئين.
إزاء هذا الوضع المأساوي، رغب بعض المسؤولين الأمريكيين في أن يوجه بايدن دعوة صريحة لإسرائيل بإنهاء الحرب بحلول نهاية العام، وكان وزير الخارجية بلينكن متعاطفاً مع هذا الرأي.
لكن لم يكن ماكغورك وسوليفان وبايدن مستعدين للإقدام على مثل هذه الخطوة، وذلك وفقاً للعديد من المسؤولين الأمريكيين المشاركين في تلك المناقشات.
وقد طرح بعض مسؤولي الإدارة فكرة فرض شروط وقيود على استخدام المساعدات العسكرية الأمريكية، لكن آخرين – وفي مقدمتهم ماكغورك – جادلوا بأن القيام بذلك من شأنه أن “يكبّل إسرائيل”.
وفي هذا السياق، صرح ماكغورك مبرراً موقفه: “لم تكن هناك أي طريقة لوقف الحرب في غياب صفقة لتبادل الرهائن. لقد كانت هذه هي الحقيقة الساطعة منذ البداية”.

علاوة على ذلك، عكف ماكغورك على تسريع وتيرة شحنات الأسلحة إلى إسرائيل خلال الأشهر الأولى من الحرب، وشملت تلك الشحنات صواريخ هيلفاير وقنابل ضخمة تزن 2000 رطل، وهي الأسلحة المدمرة التي استُخدمت في شن الهجمات، وساهمت في الارتفاع المروع لأعداد الضحايا الفلسطينيين.
في غضون ذلك، كان على الولايات المتحدة أن تخوض معارك دبلوماسية مع إسرائيل بسبب رفضها المتكرر للسماح بإدخال كميات كبيرة من الإمدادات الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة المحاصر.
طوال فترة الحرب في غزة، صب منتقدو سياسة إدارة بايدن – سواء من داخل الحكومة أو خارجها – جام غضبهم على ماكغورك، وحمّلوه مسؤولية هذا النهج.
وقال مسؤول حكومي سابق عمل مع ماكغورك: “لقد شعرنا جميعاً بالصدمة والذهول في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، غير أن الإدارة تبنت منذ اللحظة الأولى نهجاً غذّى سردية مفادها أن الولايات المتحدة تنظر إلى أرواح الفلسطينيين على أنها أقل قيمة بطريقة أو بأخرى من أرواح الإسرائيليين”.
وفي معرض تعليقه على الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين في غزة، أضاف المسؤول: “لا أعتقد أن بريت أبدى اهتماماً كافياً، أو انخرط بشكل حقيقي في معالجة هذا الملف”.
على الجانب الآخر، يرى الدبلوماسي المخضرم جيمس جيفري أن دعم ماكغورك المطلق لإسرائيل كان القرار الصائب.

وقال جيفري: “في نهاية المطاف، تعززت المصالح الأمريكية بشكل هائل جراء التطورات التي أعقبت يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول المأساوي، وكان السماح للإسرائيليين بالرد، وتمكينهم والقتال إلى جانبهم، هو التصرف السليم”.
وأضاف: “يؤمن بريت إيماناً راسخاً بالسياسة الواقعية. كما أنه يتمتع بقدرة فائقة على تحديد الطرف الأقوى.. لقد كان يدرك تماماً أن نتنياهو الطرف الأقوى، وكان مصمماً على تغيير الحسابات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بناءً على ذلك. لعب بريت دورًا محوريًا في تمكين إسرائيل من هزيمة إيران ووكلائها، وهو ما عاد بفائدة عظيمة على إسرائيل والولايات المتحدة”.
نشأ ماكغورك في كنف والدين يعملان في سلك التدريس بمدينة بيتسبرغ، واستهل مسيرته السياسية كاتباً قانونياً لدى رئيس المحكمة العليا وليام رينكويست.
وفي أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، كان ماكغورك موجودا داخل مبنى المحكمة العليا في واشنطن، حينما اختطف عناصر من تنظيم القاعدة طائرات مدنية واصطدموا بها في برجي مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك ومبنى البنتاغون في أرلينغتون بولاية فرجينيا.
حينها، هرع ماكغورك مسرعاً إلى خارج المبنى الرخامي، ليرى أعمدة الدخان تتصاعد من مبنى البنتاغون، وأدرك في تلك اللحظة الفارقة أن هذا الهجوم سيغيّر مسار حياته كلياً.
بعد مرور عامين تقريباً، توجه ماكغورك جواً إلى العاصمة العراقية بغداد ليعمل مستشاراً قانونياً للفريق الأمريكي المكلف بتشكيل حكومة ديمقراطية جديدة في العراق، وذلك في أعقاب الإطاحة بالدكتاتور صدام حسين.
في البداية، كان ماكغورك من أوائل المتحمسين والمناصرين لجهود أمريكا الطموحة في مجال “بناء الديمقراطية” في الشرق الأوسط. بيد أنه سرعان ما أُصيب بخيبة أمل وفتور تجاه هذه الفكرة، وهو يراقب عن كثب انزلاق العراق إلى دوامة من العنف والتفجيرات التي كادت تمزق وحدة البلاد.
وفي عام 2005، استقطب الرئيس جورج بوش الابن ماكغورك إلى البيت الأبيض للمساعدة في إعادة صياغة استراتيجية الرئيس المتعثرة في العراق. هناك، كان ماكغورك جزءاً من فريق في البيت الأبيض ساهم في وضع خطة تقضي بإرسال 30 ألف جندي أمريكي إضافي إلى العراق، في إطار ما عُرف بـ “زيادة القوات”، بهدف الحيلولة دون انهيار البلاد.
سرعان ما أثبت ماكغورك جدارته ورسّخ مكانته كمستشار مفوّه داخل البيت الأبيض، حيث تميز بقدرته الفائقة على شرح القضايا المعقدة ببراعة، وتقديم خيارات واضحة للرئيس.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول كبير في إدارة بايدن سبق له العمل مع ماكغورك: “إنه يمتلك القدرة على إيجاد الطريقة الأكثر طمأنة لعرض أي موقف، ودائماً ما يجد حلاً نظرياً. قد لا ينجح هذا الحل دائماً على الصعيد العملي. لكن بالنسبة لكبار المسؤولين، فإنه من الفعال للغاية أن يكون هناك شخص يقول لهم: هذه هي المشكلة، وهذا هو الحل. وهو يقول ذلك بثقة كبيرة مراراً وتكراراً”.
وأثناء محاولاته للتنقل وسط حقول الألغام الطائفية في العراق، تحالف ماكغورك بشكل وثيق مع نوري المالكي، وهو سياسي شيعي عاد من المنفى في عام 2003، واعتمد على الدعم الأمريكي ليصل إلى منصب رئيس الوزراء في عام 2006.
كان المالكي شخصية مثيرة للانقسام، حيث واجه اتهامات بتأجيج الانقسامات الطائفية عبر دعمه للميليشيات الشيعية، وتهميش السنة والأكراد. رغم ذلك، دعم ماكغورك مساعي المالكي للفوز بولاية ثانية في عام 2010.
وفي رسالة وجهها في شهر فبراير/ شباط الماضي إلى الكونغرس للمطالبة بعقد جلسة استماع حول نفوذ ماكغورك في واشنطن، وصف النائب الجمهوري جو ويلسون المالكي بأنه “العامل الأهم والأوحد في صعود تنظيم داعش”. وكتب ويلسون أنه “من الصعب التقليل من حجم الضرر الذي ألحقه بريت ماكغورك بمصالح الأمن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط” جراء دعمه للمالكي الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران.
أما بالنسبة لماكغورك، فقد كان العمل مع المالكي أمرا ضروريا لم ينبع من ميوله الشخصية، بل فرضته حقيقة أن الزعيم الشيعي تمكن من جمع الأصوات اللازمة في البرلمان للعودة إلى منصب رئيس الوزراء.
شن الجمهوريون هجوماً لاذعاً على ماكغورك لفشله في استغلال علاقته مع المالكي للتفاوض على اتفاق يسمح ببقاء القوات الأمريكية في العراق، مما أجبر الولايات المتحدة في النهاية على سحب جميع قواتها بحلول نهاية عام 2011.
سرعان ما عادت مسألة دعمه للمالكي، وجهوده التفاوضية الفاشلة، لتطارده عندما رشحه أوباما في شهر مارس /آذار 2012 ليكون سفير الولايات المتحدة لدى العراق. عارض أعضاء جمهوريون في مجلس الشيوخ، بمن فيهم جون ماكين، ترشيحه بشدة، ووجهوا له انتقادات قاسية بسبب ما وصفوه بمناوراته ومكائده السياسية في العراق.
وقبل يوم واحد فقط من جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ في شهر يونيو/ حزيران من العام ذاته، سُربت رسائل بريد إلكتروني ورسائل نصية فاضحة بين ماكغورك ومراسلة كانت تعمل حينها لصالح صحيفة “وول ستريت جورنال”، أظهرت وجود علاقة غرامية بينهما أثناء فترة عملهما في العراق عام 2008.
وعلى إثر ذلك الفضيحة، اضطر ماكغورك لسحب ترشيحه بعد أن طالبه الجمهوريون بالتنحي، وبدا حينها أن صعوده السياسي قد توقف تماماً. (تزوج ماكغورك من تلك المراسلة في عام 2012، ولا يزالان يعيشان معاً حياة سعيدة، حسب تعبيره).
لكن بعد تلك الانتكاسة المهينة، تمكن ماكغورك من تجاوز المزيد من المتاعب. ففي العام التالي، عينه أوباما نائباً لمساعد وزير الخارجية لشؤون العراق وإيران، وذلك في الوقت الذي كان فيه تنظيم “الدولة الإسلامية” يوسع سيطرته في شرقي سوريا ويهدد بالتمدد نحو العراق.
كان جون كيري يصفه بـ”السكين السويسري”، وفقًا لمتحدث باسم وزير الخارجية الأسبق، في إشارة إلى قدرته على الخروج من شتى أنواع المشاكل.

في غمرة مساعي إدارة أوباما للعثور على مقاتلين قادرين على هزيمة التنظيم المتشدد بنجاح، ركزت أنظارها على قوة صغيرة من المقاتلين الأكراد السوريين ذوي التاريخ المعقد. كانت “وحدات حماية الشعب” الكردية ميليشيا ذات توجهات اشتراكية، ومتحالفة بشكل وثيق مع “حزب العمال الكردستاني”، وهو قوة كردية شنت هجمات إرهابية في تركيا في إطار صراع ممتد لعقود من أجل الحصول على الحكم الذاتي.
كان “حزب العمال الكردستاني” مصنفا ضمن المنظمات الإرهابية في الاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة. وفي الواقع، لم تكن هناك سوى فوارق ضئيلة جداً بين الحزب ووحدات حماية الشعب، إذ كانا يتدربان في المعسكرات الجبلية ذاتها في شمال العراق، ويتبادلان المقاتلين في بعض الأحيان. وقد أدى هذا التداخل إلى طمس الخطوط الفاصلة بين منظمة يصنفها البيت الأبيض إرهابية، وبين قوة تسعى الولايات المتحدة لتدريبها وتسليحها لقتال تنظيم الدولة الإسلامية.
برز ماكغورك بصفته المدافع الأول والداعم الأبرز لوحدات حماية الشعب في واشنطن، ودافع مراراً وتكراراً عن استقلالية هذا الفصيل وتميزه عن “حزب العمال الكردستاني”. وقد أثارت هذه الخطوة حفيظة الأتراك، ودفعت علاقة واشنطن بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى حافة الانهيار.
وفي هذا السياق، أقر مسؤولون أمريكيون معنيون بهذا الملف بأن التمييز بين المجموعتين كان محض أوهام إلى حد كبير، حتى أنهم أطلقوا على هذه القوة الكردية في أحاديثهم الخاصة اسم “ميليشيا بريت”، وذلك وفقاً لما أخبرتني به مصادر دبلوماسية في ذلك الوقت، وأكدته لي مؤخراً.
من جانبها، اتهمت تركيا تلك القوة المدعومة أمريكياً بتهريب الأسلحة إلى حزب العمال الكردستاني، ومارست ضغوطاً مكثفة على إدارة أوباما لعزل ماكغورك من منصبه. ووفقاً لأشخاص حضروا أحد الاجتماعات بين أوباما وأردوغان، فقد استشاط الرئيس التركي غضباً لرؤية ماكغورك جالساً في الغرفة، لدرجة أنه طالب بإخراجه منها.
ورغم ذلك، انتصر نهج ماكغورك في نهاية المطاف؛ حيث أثبتت وحدات حماية الشعب أنها القوة الأكثر فاعلية في المعارك ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وقد أشاد الجنرال المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية، جون ألين، الذي كان يقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية آنذاك، بالدبلوماسية البارعة التي انتهجها ماكغورك في إقناع الحلفاء الأتراك المترددين بالعمل مع أكراد العراق في عام 2014، وذلك لصد هجوم كاد أن يغير مسار الحرب في مدينة عين العرب السورية.
ووصف ألين تلك الواقعة بأنها كانت “لحظة مفصلية وحاسمة في مسار الحرب بأكملها” بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، قال الجنرال ألين: “لقد أثبت ماكغورك جدارته كدبلوماسي فذ على المستوى الشخصي، إذ يتمتع بقدر عالٍ من الابتكار والمرونة الفكرية. لقد منحني مساحة أوسع لتحقيق النجاح بدلاً من تكبيلي بالقيود”.
ومن بين المحطات البارزة الأخرى في مسيرة ماكغورك المهنية، نجاحه في تأمين الإفراج عن جيسون رضائيان، مراسل صحيفة “واشنطن بوست” في طهران. وكان رضائيان معتقلاً لدى السلطات الإيرانية منذ شهر يوليو/ تموز 2014، حيث أُودع في سجن إيفين سيء السمعة بالعاصمة الإيرانية، إثر اتهامات باطلة وُجهت إليه بالتجسس لصالح الولايات المتحدة.
وعن تلك التجربة، قال رضائيان: “لقد أمضى ماكغورك ساعات طوال، وسهر ليالي كثيرة في سبيل إنقاذ أرواح الأمريكيين، وأنا واحد منهم. لقد التقيت بالعديد من الأشخاص الذين يتبوأون مناصب رفيعة مماثلة، لكنهم لم يسهروا ليلة واحدة في سبيل إنقاذ مواطنين أمريكيين. لولا بريت ماكغورك لما كنت أقف هنا اليوم، ولست الشخص الوحيد الذي يمكنه قول ذلك”.
في شهر يناير/ كانون الثاني من عام 2016، قاد ماكغورك جهوداً معقدة لضمان إطلاق سراح رضائيان وثلاثة أمريكيين آخرين. بموجب تلك الصفقة، وافقت واشنطن على الإفراج عن عدد من الإيرانيين المحتجزين في الولايات المتحدة، والإفراج الفوري عن 400 مليون دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، وذلك بموجب تسوية مالية لا علاقة لها بمفاوضات الرهائن.
غير أن هذه الصفقة كادت أن تنهار في اللحظات الأخيرة عندما رفضت إيران السماح لزوجة رضائيان، يجانه صالحي، بركوب الطائرة برفقة زوجها. في تلك الأثناء، كان ماكغورك موجودا في فندق “إنتركونتيننتال” بمدينة جنيف السويسرية بصحبة المفاوضين الإيرانيين. اتصل السفير السويسري في إيران بماكغورك معربًا عن مخاوفه الشديدة من أن الحرس الثوري الإسلامي قد سيطر على العملية ولن يسمح لصالحي بمغادرة طهران.
اقتحم ماكغورك غرفة المفاوضين الإيرانيين غاضباً، وهددهم بحجب الأموال، ووقف عملية الإفراج عن السجناء الإيرانيين، ونسف الصفقة برمتها، ما لم يضمنوا مغادرة صالحي للأراضي الإيرانية على متن تلك الطائرة.
وينقل ماكغورك ما قاله للإيرانيين آنذاك: “لن تحصلوا على أي شيء حتى يستقل الجميع الطائرة. إذا لم يصعدوا جميعاً على متنها، فإن الأمر برمته قد انتهى”.

بيد أن الإفراج عن مبلغ الـ400 مليون دولار، والذي تكتمت عليه إدارة أوباما، انفجر في وجه ماكغورك عندما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن تفاصيل الاتفاق بعد ذلك بأشهر. اتهم الجمهوريون ماكغورك وإدارة أوباما بدفع فدية مالية ضخمة لإيران بشكل سري من أجل إتمام الصفقة. كما ندد ترامب مراراً بهذا الاتفاق أثناء حملته الانتخابية الرئاسية في ذلك العام، ووصفه بـ”العار”.
ورغم أن الأموال لم تكن جزءاً صريحاً ومباشراً من صفقة الرهائن، إلا أن ماكغورك أقر بأنه استخدمها كورقة ضغط حاسمة.
وقال رضائيان: “هناك انطباع سائد لدى البعض بأنه شخص بارد ومتبلد المشاعر ولا يكترث للآخرين. لكن تجربتي معه لم تكن كذلك على الإطلاق، خاصة عندما يتعلق الأمر بأرواح الأمريكيين”.
بعد أن أثبت براعته الفائقة في تنفيذ السياسات الأمريكية خلال عهدي بوش وأوباما، اصطدم ماكغورك في نهاية المطاف بخلافات جوهرية مع ترامب أثناء عمله كمبعوث خاص للإشراف على الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
كان ماكغورك من بين قلة من مسؤولي إدارة أوباما الذين أبقى عليهم ترامب في مناصبهم عند توليه الرئاسة. أراد ترامب من ماكغورك أن يساعده في توجيه الضربة القاضية لما يُسمى بـ “خلافة” تنظيم الدولة، وهو ما فعله ماكغورك.
لكن في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، بينما كان المقاتلون المدعومون أمريكياً في سوريا يخوضون معارك ضارية ضد آخر جيوب التنظيم، أصدر ترامب أمراً مفاجئاً بسحب القوات الأمريكية المقدر عددها بنحو 2000 جندي، والذين كانوا يقدمون الدعم لحملة مكافحة الإرهاب في البلاد.
أُصيب ماكغورك بصدمة كبيرة بسبب تخلي الولايات المتحدة عن المقاتلين السوريين الذين دفعوا أثمانا باهظة في تلك الحرب.
في اليوم التالي، أعلن وزير الدفاع جيم ماتيس استقالته من منصبه. سرعان ما اتخذ ماكغورك، الذي كان يخطط لمغادرة الإدارة في غضون أشهر لتولي منصب أكاديمي في جامعة ستانفورد، خطوة مماثلة.

رغم قصر مدة العزلة التي قضاها ماكغورك في ولاية كاليفورنيا، إلا أن ابتعاده شكّل مصدر ارتياح للعديد من الدبلوماسيين المخضرمين في واشنطن، والذين كانوا ينظرون إليه كعنصر يؤثر سلباً على السياسة الخارجية الأمريكية.
وانتقد معارضوه عدم إتقانه اللغة العربية، قائلين إنه كان يميل إلى أروقة السلطة أكثر من انشغاله بواقع الحياة اليومية، مما أعطاه صورة مشوّهة عن المنطقة.
وفي هذا الصدد، قال المسؤول الحكومي الكبير السابق: “أعتقد أنه شخص ذكي بذل قصارى جهده للتعامل مع مجموعة متنوعة من القضايا بالغة الصعوبة. لكنني لا أعتقد أنه شخص يعرف الشرق الأوسط جيداً… فهو يعرف القادة والمسؤولين الحكوميين، لكنه لا يعرف الشعوب ولا يحتك بها خارج أسوار الفنادق أو المجمعات الحكومية الرسمية”.
عبّر ماكغورك عن امتعاضه من هذه الآراء، وأشار إلى زياراته المتكررة للخطوط الأمامية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، معتبراً إياها دليلاً دامغاً على استعداده لتعريض حياته للخطر في سبيل الدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
وقال مسؤولون عملوا مع ماكغورك في إدارة بايدن واختلفوا معه، إنه تبنى خلال الحرب بين إسرائيل وحماس وجهة النظر الإسرائيلية باستمرار، وقلل من شأن تعنت إسرائيل في المفاوضات، وحمّل حماس معظم المسؤولية عن فشل جهود إنهاء الحرب.
مع توسّع الحرب في غزة عام 2024، بدأ كبار المسؤولين في إدارة بايدن يدافعون عن وقف تسليم بعض الأسلحة الأمريكية لإسرائيل، لتوجيه رسالة استياء واضحة. إلا أن ماكغورك عارض هذه الخطوة بشدة، ووصفها لاحقاً في مقابلة بودكاست بأنها فكرة “ساذجة وغير واقعية”.
بلغت حالة الاستياء الأمريكية ذروتها في الأول من أبريل/ نيسان 2024، عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية قافلة إغاثة تابعة لمنظمة “المطبخ المركزي العالمي” التي يديرها الطاهي الشهير خوسيه أندريس.
أسفر هذا القصف عن مقتل ستة من عمال الإغاثة الدوليين وموظف فلسطيني. ورغم مسارعة إسرائيل بالاعتراف بأنها هاجمت السيارات عن طريق الخطأ ومعاقبة عدد من القادة العسكريين، إلا أن هذه الضربة عززت موقف الأصوات الأمريكية التي تحث بايدن على تقليص شحنات الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل.

بعد مضي شهر على تلك الحادثة، اتفق بايدن مع فريقه على خطة متواضعة تقضي بتعليق تسليم القنابل التي تزن 2000 رطل لإسرائيل بصفة مؤقتة. كانت تلك المرة الوحيدة التي لم ترجح فيها كفة الرؤية التي يتبناها ماكغورك. مع ذلك، تولى ماكغورك بنفسه مهمة إزالة تلك الأسلحة على الفور من إحدى الشحنات التي كانت في طريقها إلى إسرائيل.
اعتبر ماكغورك هذا القرار خطأً فادحاً دفع حركة حماس إلى التصلب والتشبث بمواقفها، مما زاد من صعوبة جهود الوساطة لإنهاء الحرب.
وفي معرض تبريره، قال ماكغورك: “كانت وجهة نظري الأساسية تنصب على محادثات تبادل الرهائن. عندما علقنا شحنة من الذخائر ذات القوة التدميرية الهائلة، أو عندما تواترت الأنباء بأننا ندرس اتخاذ خطوات إضافية في هذا الاتجاه، شددت حماس مواقفها، أو توقفت تماما عن التفاوض”.
في المقابل، جادل عدد من المسؤولين السابقين في إدارة بايدن بأن الحرب الإسرائيلية في غزة كانت ستتخذ مساراً أسوأ بكثير لولا التدخلات الأمريكية المتكررة لكبح جماح الرد الإسرائيلي وتقييده. وعلى سبيل المقارنة، استشهد هؤلاء بقرار ترامب لاحقا السماح لإسرائيل بمنع دخول كافة المساعدات إلى قطاع غزة، وتصعيد حملة القصف الجوي.
وفي هذا السياق، قال عاموس هوكشتاين، وهو أحد كبار مستشاري بايدن، وعمل عن كثب مع ماكغورك: “لم يكن الحجم الهائل من الدمار ضرورياً، لكن حجم شبكة أنفاق حماس كان أكبر بكثير مما تخيله أي شخص”. وأضاف مبرراً النهج الأمريكي: “عندما كنا نرى أن الإسرائيليين يتمادون قليلاً، كنا نتدخل لكبح جماحهم. أضمن لكم أن الوضع كان سيصبح أسوأ بكثير لو لم نفعل ذلك”.
من جانبه، أوضح ديفيد ساترفيلد – وهو دبلوماسي مخضرم شغل منصب مبعوث بايدن الخاص للإشراف على المساعدات الإنسانية خلال حرب غزة – أن الرئيس كان يمتلك أوراق ضغط محدودة للغاية للتأثير على إسرائيل.
وعلى غرار ماكغورك، عارض ساترفيلد استخدام ورقة تعليق الأسلحة كأداة للضغط. كما أشار إلى أن بايدن لم يكن يمتلك التأثير السياسي الكافي على نتنياهو ليمارس عليه ضغطاً فعالاً يجبره على تغيير مساره.
وتابع ساترفيلد: “في مواجهة الفظائع التي وقعت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، فعلنا ما اعتقدنا أنه الخيار الأمثل، وبذلنا قصارى جهدنا لمنع تفشي الجوع والمجاعة. هل كان بإمكاننا فعل المزيد؟ وفقاً لتحليلي الشخصي، لم تكن الظروف والمعايير الضرورية لفعل المزيد متوفرة خلال إدارة بايدن”.
خلال أسابيعه الأخيرة في البيت الأبيض، تعاون ماكغورك مع فريق ترامب الانتقالي، حيث انخرط في جولات مكوكية مكثفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وقد قاد جهوداً حثيثة للتوسط في اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في اليوم الأخير من ولاية بايدن.
بيد أن هذا الاتفاق الهش لم يصمد سوى شهرين قبل أن تستأنف إسرائيل هجومها من جديد. وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2025، توصلت إسرائيل وحركة حماس إلى اتفاق أوسع لوقف إطلاق النار، حيث أعادت الحركة بقية الرهائن الذين أُسروا في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
رغم ذلك، لا يزال قطاع غزة منطقة حرب مميتة، حيث يقبع أكثر من نصف مساحته تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. وتعكف حركة حماس على إعادة فرض سيطرتها ونفوذها في المناطق التي لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر/ تشرين الأول حيز التنفيذ، قتلت إسرائيل مئات الفلسطينيين، في حين لقي أربعة جنود إسرائيليين حتفهم في غزة خلال الفترة ذاتها. لا تزال القضايا الجوهرية التي أدت إلى الحرب في غزة دون حل.

أكد العديد من كبار المسؤولين الذين ساهموا في صياغة الرد الأمريكي على أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول في إدارة بايدن،، في تصريحات علنية، أنهم غادروا مناصبهم وهم يشعرون بندم شديد على ما فعلوه.
أعرب كل من جيك سوليفان، ونائبه في البيت الأبيض جون فاينر، وفيليب غوردون مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس كامالا هاريس، عن شعورهم بالندم، ورأوا أنه كان بإمكانهم فعل المزيد لكبح جماح إسرائيل وإنقاذ أرواح الفلسطينيين في غزة. إلا أن هذا الشعور بالندم لم يجد طريقه إلى قلب ماكغورك.
بعد مغادرته أسوار البيت الأبيض، دافع ماكغورك مراراً وتكراراً عن سياسة إدارة بايدن في الشرق الأوسط. وقد جادل بأن حالة المنطقة في 20 يناير/ كانون الثاني 2025 أفضل بكثير مما كانت عليه منذ فترة.
واستعرض ماكغورك معاييره للنجاح، والتي تضمنت نجاح إسرائيل في تحييد التهديد الذي كان يشكله حزب الله في لبنان، والإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، وتراجع الميليشيات في العراق، وإضعاف إيران جراء الضربات الإسرائيلية، ومتانة العلاقات الأمريكية مع دول الخليج، وأخيراً التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة.
لكن ماكغورك أقرّ خلال نقاشاتنا قائلاً: “مع ذلك، فإن التداعيات الإنسانية لهذه الحرب تدمي قلب أي شخص عمل عليها، من كافة الجوانب، سواء تعلق الأمر بالرهائن داخل الأنفاق، أو بالمدنيين العالقين والمحاصرين فوق الأرض”.
وقال بعض المسؤولين الأمريكيين إن ماكغورك كان يتمتع بنفوذ غير مبرر على طريقة تفكير بايدن.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول كبير سابق في إدارة بايدن: “يخالجني الكثير من الندم حيال سياستنا في الشرق الأوسط، ومن الصعب جداً ألا نرى بريت القوة الدافعة الوحيدة وراء هذه السياسة. أعتقد أن الفكرة القائلة بأن الرئيس كان عنيداً بشأن القضايا التكتيكية غير صحيحة”.
لكن مسؤولين كبار آخرين في الإدارة أوضحوا أن بايدن عُرضت عليه خيارات أكثر صرامة للضغط على إسرائيل، لكنه هو من اختار عدم تبنيها.
وأكد مسؤول كبير آخر في الإدارة السابقة هذا الطرح قائلاً: “في نهاية المطاف، لم يكن جو بايدن بمنأى عن الخلافات العميقة حول كيفية التعامل مع أوراق الضغط ووقف الأسلحة. لقد اتخذ قراراته بنفسه وبمحض إرادته”.

أجرى ماكغورك انتقالاً سريعاً وسلساً خارج أسوار البيت الأبيض في عام 2025. فبعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على تولي ترامب مقاليد السلطة، انضم ماكغورك كشريك في شركة “لوكس كابيتال” الاستثمارية. وبعد فترة وجيزة، بدأ يظهر بانتظام على شاشة “سي إن إن” بصفته محللاً للشؤون العالمية.
فيما يتعلق بمسيرته السياسية، لا يزال ماكغورك متمسكاً بآرائه. ففي تصريح له في شهر يونيو/ حزيران 2025، وجّه رسالة لمنتقديه قائلاً: “إلى منتقدينا، أوجه هذا السؤال: حسناً، ما هو البديل الذي قدمتموه؟ ما هو البديل لخطة وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن؟ بصراحة، لم أسمع بدائل جيدة.. أعتقد أنه يتعين عليكم تقييم الأمور بناءً على المحصلة الإجمالية”.
المصدر: فورين بوليسي