• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تداعيات الحرب الإيرانية على الساحة السورية

محمد سرميني١١ أبريل ٢٠٢٦

شخصان من عين ترما بريف دمشق يتفحصان آثار الدمار الذي لحق بمبنى سكني بعد سقوط صاروخ إيراني تم اعتراضه

أحدثت المواجهة العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران اضطرابًا واسعًا في البيئة الإقليمية للشرق الأوسط، ولم تكن سوريا بمنأى عن ارتداداته، رغم بقائها خارج الانخراط المباشر في العمليات. فالساحة السورية، بحكم موقعها الجيوسياسي ووضعها الداخلي المفتوح، لا تبدو مجرد هامش جغرافي للصراع القائم، بل أقرب إلى ميدان قابل لامتصاص تداعياته، واختبار حدوده، وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك فيه.

في الصراع القائم تتراجع سوريا من موقعها كقضية مستقلة لصالح قضية أوسع تتعلّق بإنهاء نفوذ إيران في المشرق واحتواء تداعيات ذلك أمنيًا. وهذا التحول لا يُغيّر فقط زاوية النظر الدولية، إنما يُعيد تعريف وظيفة الجغرافيا السورية، وعما ستكون عليه؛ ممرًا أم ساحة للرد أم منطقة عازلة أم ملفًا للتفاوض، وغالبًا ما يقود هذا النمط من التفكير إلى تجميد مسارات التسوية الشاملة، والاكتفاء بإدارة حد أدنى من الاستقرار الهش، القابل للاحتواء لا للحل.

ضمن هذه المعادلة، تواجه الحكومة السورية تحدّيًا كبيرًا؛ فهي من جهة تحاول تقديم نفسها كشريك في منع الانفجار الإقليمي وضبط الحدود، مستفيدة من موقعها بين العراق ولبنان، لكنها من جهة أخرى تبدو محدودة القدرة على فرض سيادتها، خاصة مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وما تحمله من رسائل تتجاوز البعد العسكري إلى إعادة رسم حدود الفعل والسيطرة.

ويزداد هذا التعقيد مع تحول مقاربة عدد من الفاعلين الإقليميين تجاه سوريا من منظور سياسي إلى منظور أمني بحت، أي أنّ التحدي يُصبح حول قدرة سوريا على منع انتقال الفوضى منها أو عبرها لا حول إعادة بناء استقرارها الداخلي فحسب.

عسكريًا، لا تبدو سوريا مرشحة لحرب شاملة بقدر ما هي مرشحة لتكون ساحة لتبادل الرسائل الميدانية كلما ضاقت خيارات المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى والإقليمية، فارتفاع كلفة الاشتباك المباشر يدفع الأطراف إلى استخدام ساحات وسيطة، حيث يمكن توجيه الرسائل عبر ضربات دقيقة تستهدف مخازن أو ممرات أو شخصيات مرتبطة بشبكات النفوذ الإقليمي، وهو نمط يتعزز مع استمرار “إسرائيل” في تثبيت مقاربة “الأحزمة الأمنية”، وتوسيع نطاق ردعها الاستباقي، بما في ذلك الجبهة السورية؛ حيث هدّدت مؤخرًا باستهداف معبر المصنع الحدودي.

في هذا الإطار، يُتوقّع أن تتجه المرحلة المقبلة نحو تكثيف العمليات المحدودة والعمل الاستخباري وإعادة رسم خطوط المنع الجوي والناري، خصوصًا في الجنوب ومحيط دمشق والمناطق الحدودية الشرقية. وهذا يعني أنّ البنية العسكرية المرتبطة بإيران ستتعرض لضغط مزدوج: استهداف مباشر من جهة، وضغط داخلي لإعادة ترتيب الأولويات بعد الخسائر التي لحقت بطهران من جهة أخرى.

ومع ذلك، لا يبدو أن الهدف الإيراني هو خوض مواجهة مفتوحة في سوريا، بقدر ما هو الحفاظ على حد أدنى من النفوذ كأداة ردع مؤجل، يمنع خسارة الساحة بالكامل.

اقتصاديًا، تظهر سوريا كأحد أكثر المتضررين، رغم عدم كونها طرفًا فاعلًا في الحرب، فكل تصعيد إقليمي يرفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، ويضغط على اقتصاد هش يعاني أصلًا من محدودية الموارد.

وقد بدأت آثار ذلك بالظهور عبر تراجع التغذية الكهربائية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، ونقص المشتقات النفطية، إضافة إلى تعطل المرافق الحيوية وتراجع التحويلات المالية، كما أنّ أي اضطراب طويل في أسواق الطاقة أو الممرات التجارية، خصوصًا في الخليج، سيقوّض فرص التعافي غير المباشر التي كانت تعوّل عليها دمشق، سواء عبر الاستثمارات أو الدعم أو النشاط التجاري. لذلك، فإن الحديث عن “فرص” قد تتيحها الحرب لسوريا يبدو مبالغًا فيه، لأن بنية الاقتصاد حاليًا أقرب إلى استقبال الصدمات منها إلى تحويلها إلى مكاسب.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الخطر الأبرز يتمثل في إعادة تعريف سوريا كحيز أمني لا كدولة خارجة من الحرب، أي أنها قد تُقرأ بوصفها نطاقًا متقدمًا للأمن الإسرائيلي، وممرًا ينبغي ضبطه أمريكيًا، ومجالًا تسعى إيران إلى عدم خسارته، وساحة نفوذ متداخلة لقوى إقليمية أخرى، وإذا ترسخ هذا التعريف، فإن فكرة الدولة ذات السيادة المتماسكة ستبتعد أكثر، حتى لو بقيت البنية الشكليّة قائمة.

في ضوء ذلك، قد تُعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها داخل سوريا، خصوصًا في المناطق الشرقية والبادية، إذا ما اعتبرت أن تقليص النفوذ الإيراني يمر عبر ضبط هذه المساحات، في المقابل، تبدو “إسرائيل” أكثر ميلًا إلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على إعادة ترتيب وضبط البيئة الحدودية المحيطة بها، مما قد يُحوّل الجنوب السوري إلى مساحة ضغط أمني دائم، لا إلى ساحة اشتباك ظرفي.

بالمحصّلة، لا تبدو الساحة السورية مرشحة لأن تكون رابحًا في هذه الحرب، حتى لو توقفت أو تحوّلت إلى هدنة مؤقتة، فالتداعيات السياسية تعني مزيدًا من تهميش الوضع الداخلي، والعسكرية تعني استمرار الاستباحة، والاقتصادية تعني تعميق الهشاشة، بينما تشير التحولات الاستراتيجية إلى إعادة تعريف موقع سوريا مرّة أخرى كساحة تُدار فيها الصراعات لا كدولة تستعيد توازنها.

علاماتأزمة سوريا ، الآراء ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، الشأن السوري
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن السوري ، النفوذ الإيراني

قد يعجبك ايضا

آراء

كيف أدى تناقض الهدف من الحرب على إيران بين أمريكا وإسرائيل إلى تقويضها؟

حسين بنائي١١ أبريل ٢٠٢٦
آراء

بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟

رغد الشماط٧ أبريل ٢٠٢٦
آراء

أربعة أمور تتوقعها دول الخليج من الولايات المتحدة بعد حرب إيران

مهند سلوم٢٨ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑