بين ليلة وضحاها، انتهى أحد أطول العهود الاستبدادية في أوروبا بعد أن أظهرت النتائج شبه النهائية للانتخابات العامة في المجر أن حزب تيسا بقيادة بيتر ماجيار حصل على نحو 138 مقعداً من أصل 199، أي ما يعادل أكثر من ثلثي البرلمان.
تمكّن هذه الأغلبية الحكومة الجديدة من إلغاء التعديلات الدستورية التي رسّخ بها فيكتور أوربان سلطته على مدى 16 عاماً، وتحوّل الانتصار إلى حدث استثنائي في السياسة المجرية والأوروبية.
وأقر أوربان بالهزيمة قائلًا إن النتائج “مؤلمة لكنّها واضحة”، وبهذا يطوي صفحة حقبة تزاوج فيها الشعبوية القومية مع التحالفات غير التقليدية مع موسكو وواشنطن و“إسرائيل”. فماذا تعني هذه النتائج خارجياً؟
العلاقة مع إدارة ترامب
تميّز العهد الأورباني بتقارب غير مسبوق مع التيار الترامبي في الولايات المتحدة، فخلال الحملة الانتخابية، زار جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي بودابست، ليتهمه الاتحاد الأوروبي وأجهزة الاستخبارات الأوكرانية بالتدخل ودعم أوربان.
وصل الأمر إلى أن فانس اتصل بالرئيس دونالد ترامب من فوق المنصة ليستمع الحشد إلى تأييده الصريح لأوربان.

ووعد ترامب نفسه بأن “تستخدم الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية لتعزيز المجر” إذا فاز أوربان، وهو تدخل سافر في انتخابات أجنبية لكنه عكس الطبيعة الشخصية للعلاقات بين الزعيمين.
وبالتالي فإن سقوط أوربان ليس مجرد تبدل حزبي بل انهيار لتحالف شخصي بين زعيم قومي مجري وحركة شعبوية أمريكية.
وتعمد بيتر ماجيار الرد على هذا التداخل بقوله إن “التاريخ المجري يُكتب في المجر، لا في واشنطن ولا في موسكو ولا في بروكسل”.
كما أكد في مقابلاته أنه لا يؤمن “بصداقات شخصية” في السياسة، مبينا أن العلاقات يجب أن تقوم على المصالح والقيم، وهو ما يعني أنه ليس “رجل ترامب” رغم خلفيته المحافظة.
ويدعو برنامج ماجيار إلى شراكة إستراتيجية مع الولايات المتحدة لكن أساسها الطاقة وتنويع مصادرها وليس التماهي مع أجندة البيت الأبيض.
لذلك يُتوقع أن تعود العلاقات مع واشنطن إلى إطار مؤسساتي طبيعي: تعاون في حلف شمال الأطلسي وقضايا الطاقة والدفاع، من دون لغة العدائية التي اتسمت بها خلافات أوربان مع إدارات ديمقراطية.
العلاقة مع الكرملين
في عهد أوربان، باتت المجر شريكًا مميزًا لموسكو في أوروبا، إذ عارض أوربان العقوبات ضد روسيا، وأعاق إقرار قرض أوروبي ضخم لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، واستمر بشراء النفط والغاز الروسي، فضلاً عن مشروع “باكس 2″ للطاقة النووية الذي ينفذه الروس.
وكان هذا التقارب جزءًا من استراتيجية أوربان لتقديم نفسه كصوت مغاير داخل الاتحاد الأوروبي واستغلال العلاقات مع الكرملين للحصول على مزايا اقتصادية وسياسية.

وأعلن ماجيار خلال حملته أنه سيبقي المجر في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وسيعمل على “علاقات براغماتية” مع روسيا.
كما ينص برنامجه على تقليص الاعتماد على الطاقة الروسية تمامًا بحلول عام 2035، ومراجعة مشروع “باكس 2″، ومضاعفة حصة الطاقة المتجددة.
لكنّه تعهد أيضاً بعدم إرسال قوات مجرية إلى أوكرانيا وعدم دعم انضمامها السريع للاتحاد الأوروبي، ما يعكس حرصاً على عدم قطع الجسور مع الكرملين.
من هنا يمكن توقع تحول للعلاقة مع موسكو من تحالف سياسي إلى علاقة مصالح محددة. إذ يتوقع أن يحرص ماجيار على الاحتفاظ بإمدادات الطاقة الروسية على المدى القصير بسبب حاجة الاقتصاد، لكنّها ستسعى بالتوازي إلى تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البنى التحتية الأوروبية.
كما سيصبح استخدام المجر لحق الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي أقل ارتباطاً بأجندة موسكو. ومع ذلك، سيبقى التعويل على الطاقة الروسية وعلى مشروع “باكس 2″ معوقاً لأي قطيعة سريعة، لأن إلغاء المشروع أو فرض حظر مفاجئ على واردات الغاز سيؤثر في المستهلكين والصناعة.
العلاقة مع الاتحاد الأوروبي
تعد العلاقة مع الاتحاد الأوروبي محور الاختبار الأهم، فخلال سنوات أوربان، تحولت المجر إلى “فيتو دائم” داخل المجلس الأوروبي، مستخدماً علاقات شخصية مع ترامب وبوتين لعرقلة قرارات الاتحاد حول أوكرانيا والهجرة وغيرها.
كما صُنّف هذا التوجه على أنه تراجع عن معايير سيادة القانون وحرية الإعلام، لذلك جمّدت بروكسل مليارات اليوروهات من الأموال المخصصة للمجر.
بعد فوز ماجيار، ساد شعور بالارتياح في عواصم أوروبية عدة، إذ قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن “المجر اختارت أوروبا، وقلب أوروبا ينبض بقوة أكبر في المجر”.
وأعربت دول أوروبية عن أملها في أن تتوقف المجر عن شل القرارات وأن يتم تمرير قرض أوكرانيا وأن يُفرج عن الأموال المجمدة.
مع ذلك، لا يمكن تصوّر عودة تلقائية إلى الحضن الأوروبي، إذ يتضمن برنامج ماجيار الانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، تعزيز استقلال القضاء، واستعادة سيادة القانون، وهي خطوات أساسية لتحرير الأموال المجمدة.
لكنّه أعلن أيضًا أنه لن يوافق على حصص الهجرة التي تقررها بروكسل، ولن يدعم عضوية أوكرانيا السريعة في الاتحاد الأوروبي، بل يطالب باستفتاء عليها.
ويعتزم أيضا الحفاظ على الحواجز الحدودية وسياسات دعم الأسرة المحافظة. لذلك، يتوقع أن يتحرك ماجيار في مساحة ضيقة: يوازن بين الرغبة في الاستفادة من تمويل الاتحاد والالتزام بالأجندة الشعبية الداخلية.
كما أن حرية ماجيار في التحرك ستظل محكومة بالإرث الاقتصادي لعهد أوربان: عجز الميزانية الكبير، اعتماد الاقتصاد على شركات موالية للحزب القديم، وتوقعات الأسواق. ولهذا، سيحتاج إلى إنجازات ملموسة لإقناع بروكسل بتحرير الأموال، وهو ما يتطلب إصلاحات مؤلمة قد تثير مقاومة داخلية.
العلاقة مع “إسرائيل“
كانت العلاقة بين أوربان و”إسرائيل” خاصة وفريدة، فخلال العدوان الإسرائيلي على غزة، دعا هذا المسؤول الخاسر، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى بودابست بعد صدور مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، ووعد بأن المجر لن تطبقها بحجة أن روما ليست جزءاً من القانون المجري.
وفي عام 2025 أعلن أوربان انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية قائلاً إنها أصبحت مسيسة في قراراتها ضد “إسرائيل”.

فيما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي القرار بأنه “جريء ومبدئي“، وتحدثا مع ترامب على الهاتف لإطلاعه على الخطوة.
كما استخدم أوربان حق الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي لتخفيف انتقادات الاتحاد لممارسات الاحتلال، ووقف قرارات ضد توسيع المستوطنات.
في المقابل، لا توجد مؤشرات قوية على أن ماجيار يحمل أجندة أيديولوجية مغايرة تجاه “إسرائيل” أو فلسطين. إذ أن برنامجه الانتخابي لم يتطرق إلى هذا الملف، ولا يوجد في سيرته السياسية ما يوحي بموقف حاد.
لكن مجرد خروج أوربان يعني أن “إسرائيل” خسرت صوتًا استثنائياً يحميها داخل الاتحاد الأوروبي. فالمحكمة الجنائية الدولية قد تستعيد دعماً أكبر من الدول الأوروبية، وقد يُرفع بعض غطاء المجر عن سياسات إسرائيلية مثيرة للجدل.
ومع ذلك، فإن من غير المرجّح أن تتحول بودابست إلى عاصمة معادية لـ”إسرائيل“، فالمصالح الاقتصادية والعلاقات الأمنية ستستمر، خاصةً أن ماجيار يمثل تياراً محافظاً يميل إلى تثبيت العلاقات مع حكومات يمينية في المنطقة.
ويكمن التغيير المتوقع في عودة السياسة الخارجية المجرية إلى الاستناد إلى مواقف الاتحاد الأوروبي الجماعية بشأن القضية الفلسطينية بدلا من ممارسات أوربان الفردية، ما يعني أن “تل أبيب” ستفقد شريكاً متحمّساً لكن لن تخسر علاقات دبلوماسية أو تجارية.