• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الأندلس الأموية.. إمارة العلم والعمران والتسامح

أحمد سيف النصر١٦ أبريل ٢٠٢٦

بينما كانت سيوف بني عباس تلاحق بني أمية، نجح الأمير الشاب عبد الرحمن بن معاوية في النجاة بنفسه والفرار نحو أفريقيا، ومنها استثمر بذكاء الأوضاع الداخلية المضطربة التي عصفت بالأندلس آنذاك، فحشد تأييد اليمانيين والبربر، ثم عبر المضيق ونزل بساحل البيرة في ربيع الآخر 138هـ،/ 755م وهو مفعم بالآمال لتحقيق حلمه بتأسيس دولة أموية في تلك البلاد.

دشن دخوله حقبة جديدة في تاريخ الأندلس، فبانتصاره في موقعة “المسارة” على “يوسف الفهري”، طوى صفحة عصر الولاة المثقلة بالنزاعات والحروب، ليدخل قرطبة ظافرًا، ويضع حجر الأساس لإمارته المستقلة عام 756م.

وخلال سنوات حكمه الـ33، انهمك “عبدالرحمن الداخل” في توطيد أركان دولته وإخماد الثورات الداخلية ضد حكمه، كما برع في غرس النموذج الأموي المشرقي في البيئة الأندلسية، وسار خلفاؤه من بعده على نهجه في صون وحدة البلاد والتصدي لأطماع الممالك المسيحية شمالًا.

ومع تولي عبد الرحمن بن الحكم (822–852م)، بلغت الأندلس مرحلة متقدمة من التمدن والرفاه، فازدهرت الزراعة والصناعة وحركة التجارة، كما تعاظمت قوة الدولة العسكرية ونجحت في صد غزوات النورمان عام 230هـ/844م.

وفي القرن العاشر الميلادي، بلغت الدولة قمة مجدها حين أعلن عبد الرحمن الناصر قيام الخلافة عام 316هـ، رغبةً منه في إبراز قوة دولته ونديتها للقوى الكبرى، وفي هذا العصر، غدت قرطبة منارة لأوروبا بشوارعها المضاءة ومكتباتها وبيمارستاناتها، وزاحمت بغداد والقاهرة في ازدهارها العمراني والثقافي. ويتفق مؤرخو الأندلس على أن عصر الدولة الأموية بقرطبة مثل الذروة السياسية والحضارية التي لم تبلغها البلاد في أي حقبة أخرى من تاريخها.

ملامح الدولة الأموية بالأندلس

على المستوى السياسي، قامت الدولة الأموية في الأندلس على نظام حكم وراثي ارتكز على وصية الأمير للأصلح، وتبدأ إجراءات التولية ببيعة خاصة في القصر تليها بيعة عامة. وتركزت السلطة بيد الأمير يعاونه “الحاجب” (الرجل الثاني في الدولة)، وجهاز إداري ضم الوزراء والكُتاب وولاة المدن، إضافة إلى “صاحب المدينة” المسؤول عن أمن البلاد.

إداريًا، قُسمت الأندلس في العهد الأموي إلى مجموعة من “الكور” والمدن التي يديرها عمال يعينهم الأمير، ولضمان استقرار الحكم وتقليص نفوذ القوى التقليدية، اعتمدت الدولة على الصقالبة في المناصب الحساسة والحرس الخاص.

أما عسكريًا، فقد خاضت الأندلس في العهد الأموي صراعًا ممتدًا مع الممالك المسيحية في الشمال، بدءًا من صد هجوم شارلمان في سرقسطة ووصولًا إلى هزيمة النورمان عام 230هـ، وتمكنت من تطوير جيش نظامي محترف، خاصة في عهد عبد الرحمن الناصر (912–961م).

حدود الدولة الأموية عام 931 مـ، (ويكيميديا)

كذلك حصن عبد الرحمن الناصر السواحل الجنوبية وضم موانئ المغرب المواجهة للأندلس في مليلية وسبتة وطنجة لمواجهة التهديدات الخارجية، إضافة إلى دعمه البربر المعادين للفاطميين في المغرب، وقد رافق هذا التطور ازدهار في الصناعات الحربية، فبرزت طليطلة كمركزًا لصناعة السلاح، وأُنشئت دور لصناعة السفن في إشبيلية.

درهم سك في مدينة الزهراء في عهد عبد الرحمن الناصر، (ويكيميديا)

اقتصاديًا، بلغت الأندلس في العهد الأموي أوج ازدهارها، وشهدت نهضة زراعية متقدمة اعتمدت على أنظمة ري متطورة كالسواقي والقنوات والسدود، كما نشطت الصناعة، خاصة في مجالات النسيج والخزف، وازدهرت التجارة الداخلية والخارجية حتى أصبح الدينار القرطبي عملة تُتداول في أوروبا والمشرق، وتنوعت مصادر دخل الدولة ما بين الخراج والجزية والزكاة والضرائب والغنائم والرسوم التجارية.

ولم تقتصر قوة الدولة على الجانب المادي، بل امتدت إلى المجال الدبلوماسي، حيث أقامت شبكة علاقات واسعة مع القوى الكبرى، واستقبل البلاط الأموي سفارات من بيزنطة وأوروبا، بل واستقبل ملوكًا سعوا إلى التحالف وطلب الدعم.

قاعة الاستقبال في قصر الخلافة بمدينة الزهراء، (ويكيميديا)

المجتمع الأندلسي في العهد الأموي

في كتابه تاريخ المسلمين في الأندلس، يستعرض الدكتور سهيل طقوش كيف كان المجتمع الأندلسي في العهد الأموي خليطًا من الهويات العرقية، ومتناقض الانتماءات سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فقد تألف المجتمع الأندلسي في تلك الفترة من عرب وبربر وصقالبة ومولدين ومستعربين ويهود، ولكل منهم ميل للسكن في بقعة معينة. فالعرب غالبوا في قرطبة، وكثر المولدون في إشبيلية وطليطلة، وغلب البربر في غرناطة وقرمونة ومالقة.

ومنذ الفتح (93هـ) شكل العرب الطبقة الحاكمة وهيمنوا على مفاصل الدولة العليا. وإلى جانبهم، مثل البربر القوة الضاربة في الجيش، وتزايد ثقلهم العسكري لا سيما في عصر العامريين. كما لعب الصقالبة دورًا محوريًا في شؤون الحكم. بينما شكل المولدون (السكان الأصليون المعتنقون للإسلام) الغالبية السكانية وبرزوا في الميادين العلمية.

وعاش المستعربون (المسيحيون) واليهود في إطار من التسامح أتاح لهم ممارسة شعائرهم وإدارة شؤونهم الخاصة، وقد تبنى المستعربون اللغة والثقافة العربية، واشتغلوا في الزراعة وبعض الحرف وشاركوا بدرجات متفاوتة في الإدارة. أما اليهود، فبرزوا في النشاط التجاري، خاصة في تجارة السلع الفاخرة كالحرير والتوابل، إلى جانب تفوقهم في بعض الحرف كالحلي والطب.

النهضة الثقافية والعلمية

اتسم أهل الأندلس بالتدين والمحافظة، وساد في البداية مذهب الأوزاعي منذ الفتح، ثم في عهد الأمير هشام بن عبد الرحمن (788–796م) أدخل الفقهاء العائدون من رحلاتهم العلمية من المشرق “مذهب مالك”، ليتسيد الأخير المشهد الفقهي بالأندلس.

ويؤكد المؤرخون أن بلاد الشام كانت رافدًا أساسيًا للحياة الدينية والعلمية في الأندلس، إذ ارتحل إليها كثير من العلماء الأندلسيون لينهلوا من معارف علمائها، ثم عادوا لنشر علوم القرآن والحديث والقراءات في ربوع الأندلس، كما أثمرت هذه الروابط العلمية ببزوغ نجم علماء أفذاذ نافسوا أقرانهم في المشرق، وكان في طليعتهم بقي بن مخلد القرطبي.

كذلك وصل إلى الأندلس شخصيات من المشرق، ولعل أشهرهم “زرياب” الذي كان أثر كبير في عهد عبد الرحمن الأوسط، إذ لم يطور الغناء والموسيقى فحسب بإضافة الوتر الخامس للعود، بل نقل أصول الأناقة وآداب المائدة، وانتقلت تلك الفنون من الأندلس إلى أوروبا.

في الواقع، شهد العصر الأموي في الأندلس إبداعًا شمل طيفًا واسعًا من المعارف كالشعر والنثر والتاريخ وعلوم اللغة والسير، ولم يقف الإبداع الأندلسي عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الابتكار بظهور فنون جديدة كفن “الموشحات” التي وضع لبنتها الأولى مقدم بن معافى القبري، كما برزت في تلك الحقبة قامات موسوعية تركت أثرًا خالدًا وفي مقدمتها ابن عبد ربه صاحب “العقد الفريد”.

أما في العلوم المدنية، فقد أسهم الأندلسيون بالعهد الأموي في علمي الرياضيات والفلك، وتربع أطباء الأندلس على عرش الطب، حتى بات ملوك أوروبا يفدون إلى قرطبة للاستشفاء، وبرز أبو القاسم الزهراوي كأعظم جراح في العصور الوسطى بابتكاره لأكثر من 200 أداة جراحية. وفي علوم الفلك والرياضيات، تألق مسلمة المجريطي بجهوده في فصل المعادن الثمينة وتطوير الجداول الفلكية، وشاركه في هذا التميز الزرقالي، وابن السمح، وابن الصفار.

وبرع في الكيمياء عباس بن فرناس إلى جانب محاولته الشهيرة للطيران، ورغم ما واجهه المشتغلون بالفلسفة من تضييق واتهامات بالزندقة من قبل بعض الفقهاء، إلا أن فلاسفة لامعين مثل ابن مسرة نجحوا في وضع أسس فكرية توائم بين الفلسفة المشرقية والبيئة الأندلسية. كذلك حظي تعليم الإناث في العهد الأموي الأندلسي بالكثير من الاهتمام، وكان الكثير منهن يعملن في الكتاتيب.

وعلى الصعيد المؤسسي، كانت قرطبة مركز جذب تعليمي بفضل مدارسها ومكتباتها، وقد أرسى عبد الرحمن الداخل دعائم الحركة العلمية ببناء مدارس شملت مناهجها العلوم الشرعية، والطب، والرياضيات، والآداب، وظل لمسجد قرطبة دور محوري كمنارة علمية كبرى.

في الواقع، لعب الأمراء والخلفاء الأمويون دورًا محوريًا في صناعة تلك النهضة، فكان الأمير عبد الرحمن بن الحكم مهوسًا بجمع الكتب واستنساخها من المشرق، ولم يكتفِ بنو أمية بالرعاية، بل كان منهم شعراء ومؤرخين ولغويين.

الفضاء الحضري في الأندلس

جسد التطور العمراني في الأندلس إبان العصر الأموي نهضة حضارية شاملة عكست قوة الدولة وهيبتها، وقد أولى أمراء وخلفاء بني أمية بالأندلس اهتمامًا بالغًا بالعمارة والمنشآت المدنية، وخصصوا لها ميزانيات ضخمة.

لقد تبلور البناء الحضاري في العهد الأموي في استراتيجية شاملة لم تقتصر على التحصينات العسكرية كالقصبات والحصون والأسوار، بل امتدت لتشمل تشييد مدن متكاملة، ومرافق مدنية كالحمامات والقناطر المائية والحدائق، فضلًا عن تأسيس دور لسك العملة وبيمارستانات (مستشفيات)، إضافة إلى رصف الشوارع وإنارتها ليليًا، وتوصف قرطبة في القرن العاشر الميلادي بأغنى وأجمل مدن أوروبا.

جانب من حديقة قصر قرطبة مقر أمراء بني أمية في الأندلس قبل أن ينقل عبد الرحمن الناصر مقر الحكم إلى مدينة الزهراء، (ويكيميديا)

وقد وثق المؤرخون ازدهار قرطبة التي ضمت آلاف الدور، ومئات المساجد والحمامات والحوانيت والخانات، لتصبح “قنطرة الوادي” و”الجامع الكبير” و”مدينة الزهراء” شواهد حية على قمة الإبداع المعماري الذي مزج بين الأصالة المشرقية والابتكار الأندلسي.

ويعتبر الجامع الكبير بقرطبة دُرة هذا النتاج المعماري، وضع لبنته الأولى عبد الرحمن الداخل عام 170هـ محاكاةً للمسجد الأموي بدمشق، وشهد توسعات متعاقبة في عهود الأوسط والمستنصر والحاجب المنصور. وحتى اليوم لازال هذا المسجد شاهدًا حيًا على هذا المجد، وقد أُدرج ضمن مواقع التراث العالمي عام 1984م.

جامع قرطبة، (ويكيميديا)

وبالتوازي مع العمارة الدينية، أنشأ الأمراء “المُنى” (المنتزهات والقصور الخاصة)، بدأت بـ “رصافة الداخل” بناها الأمير عبد الرحمن الداخل، وسماها باسم رصافة جده هشام بن عبد الملك بن مروان، ثم “منية نصر” بناها عبد الرحمن الأوسط (822–852م) التي استقبلت سفارات بيزنطة، وصولًا إلى منية قنطيش ومنية الناعورة والمنية المصحفية و”المنية العامرية”، وكلها قصور ومجمعات ضمت حدائق ونباتات جُلب أغلبها من المشرق.

قنطرة قرطبة، (ويكيميديا)

كما شمل التطوير العمراني المرافق العامة والخدمية، حيث انتشرت الأسواق المنظمة في الحواضر والقرى، واشتهرت إشبيلية وغرناطة بحماماتها البديعة، كذلك شهد القطاع الصحي نهضة كبرى بإنشاء بيمارستانات متطورة، فاحتضنت قرطبة وحدها خمسين مستشفى في القرن الرابع الهجري، شملت أقسامًا متخصصة حتى للأمراض النفسية.

ونتيجةً للانفجار السكاني الذي شهدته قرطبة، شيد عبد الرحمن الناصر عام 325هـ 936م مدينة “الزهراء” في الجهة الغربية من العاصمة، لتكون مقرًا جديدًا وقاعدةً لإدارة شؤون الدولة، وقد استغرق تشييدها نحو أربعين عامًا، وكانت تحفة معمارية حوت مجمعات قصورية باذخة كقصر “المؤنس” و”قصر الخلافة” و”قصر الزهراء”، وزُودت بمرافق متطورة شملت ثكنات عسكرية، ودورًا لسك العملة، وأنظمة مياه وصرف صحي.

أطلال مدينة الزهراء، (ويكيميديا)

وتحتل سيرة مدينة الزهراء مقامًا عاليًا في تاريخ الأندلس المعماري والفني، إلا أن مكانتها السياسية تراجعت لاحقًا لصالح مدينة “الزاهرة” التي بناها المنصور بن أبي عامر عام 368هـ لتكون مركزًا لسلطانه.

من ذروة المجد إلى فوضى الطوائف

يمكن تقسيم تاريخ الدولة الأموية في الأندلس إلى ثلاث فصول زمنية، بدأت بالذروة والتمكين (756–976م)، ثم انتقلت إلى الوصاية العامرية (976–1009م)، وانتهت بفتنة كبرى (1009–1031م) مزقت أوصال الدولة وحولتها إلى فسيفساء من الممالك الصغيرة.

لقد بلغت الدولة الأموية بالأندلس أوج قوتها في عهدي عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، وفي هذه الحقبة، تركزت السلطة في يد إدارة مركزية قوية، واستعاد الأمويون هيبتهم البحرية، فجعل الناصر من الأسطول الأندلسي قوة في البحر المتوسط.

وبوفاة الحكم المستنصر وتولي الطفل هشام الثاني، حدث فراغ في السلطة استغله الحاجب محمد بن أبي عامر (المنصور) الذي استأثر بالحكم وحول الخليفة إلى ألعوبة، وأسس دولة داخل الدولة، ورغم ما تميز به عهد ابن أبي عامر وعهد ابنه من قوة عسكرية واستقرار ورخاء اقتصادي، إلا أن هذا النظام الموازي أضعف الدور التقليدي للنظام الأموي.

ثم تضافرت عوامل بيئية واقتصادية من جفاف ضرب القطاع الزراعي وصراعات اجتماعية بين العرب والبربر والصقالبة في زعزعة استقرار البلاد، بجانب الصراع المستمر مع الممالك المسيحية، وانفجر الوضع حين حاول “شنجول” (ابن المنصور) إجبار الخليفة على تسميته وليًا للعهد.

هذا الطموح أشعل فتنة كبرى وحربًا دامت عقدين، تنازع خلالها الأمراء الأمويون والبربر وغيرهم على السلطة، حتى سقطت الخلافة الأموية بالأندلس عام 1031م وقام على أنقاضها نظام سياسي جديد سمي بملوك الطوائف، فاستقل حكام الولايات بما كان تحت أيديهم، وتلقبوا بألقاب الملوك، وقد وجد في إحدى مراحل هذا النظام تسعة وثلاثون دولة.

انتهى الحضور السياسي للخلافة الأموية في الأندلس مع حلول عام 1031م، غير أن شعاعها الحضاري أبى الأفول، وحتى الآن لازال هناك العديد من الآثار الخالدة للدولة الأموية في الأندلس، كما استقرت قرطبة في ذاكرة التاريخ كأبهى حلمٍ أموي أضاء مغارب الأرض، وشاهدًا حيًا على مجدٍ استعصى على الاندثار رغم عواصف الزمن والسياسة.

علاماتالأمويون ، الحضارة الأندلسية ، الحكم الأموي ، الدولة الأموية ، العصر الأموي
مواضيعإرث بني أمية ، الأندلس ، الإسلام والحضارة ، التاريخ ، الحضارة الإسلامية

قد يعجبك ايضا

تاريخ

سكّ العملة ومشاريع الري: كيف أسّس الأمويون اقتصادًا مزدهرًا؟

أحمد سيف النصر٣١ مارس ٢٠٢٦
تاريخ

“مخطط باراغواي”: الخطة السرية الإسرائيلية لترحيل سكان غزة في السبعينيات 

بن ريف٢٨ مارس ٢٠٢٦
تاريخ

كيف مهّد الأمويون الطريق لازدهار الحضارة الإسلامية؟

أحمد سيف النصر٢٤ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑