• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

سوريا الجديدة.. لماذا بقي الريف خارج خريطة التعافي؟

فتون استانبولي١٧ أبريل ٢٠٢٦

تعد هيمنة العاصمة دمشق على مراكز صنع القرار السياسي والاقتصادي من أبرز القضايا المتجذّرة تاريخيًا، وقد أفضى هذا التمركز إلى تعميق الفجوة بين المركز والأطراف. وبعد سقوط نظام الأسد، ارتفعت توقعات السوريين بإعادة توزيع أكثر عدالة للخدمات، وتوسيعها نحو المناطق التي طالها الإهمال لعقود وبقيت خارج أولويات التنمية.

غير أن مؤشرات الواقع الخدمي تُظهر استمرار نمطٍ غير متوازن في توزيع الموارد، حيث يتركّز جانب من جهود الحكومة والمحافظات على تعزيز الخدمات في مراكز المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، في تحسينات قد يراها البعض نوعية أو “رفاهية”، في وقتٍ لا تحظى فيه مناطق الريف المتضررة بالاهتمام الكافي لتأمين أبسط الخدمات الأساسية، فقد عانت لسنوات من ضعف الخدمات والبنى التحتية، وتفاقمت معاناتها بعد الدمار الواسع، ما جعل إعادة تأهيلها ضرورة ملحّة.

وبعد أكثر من عام على سقوط النظام، يبدو أن الآمال بإعادة العدالة الخدمية للأرياف لم تتحقق بعد؛ فالمدن، ولا سيما العاصمة دمشق، ما زالت تستحوذ على جهود إعادة التأهيل والخدمات، بينما لا تزال الأرياف مهمّشة.

عودة السكان وسط الدمار

تشير  تقارير الأمم المتحدة، ومنها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، إلى أن نحو نصف البنية التحتية في سوريا تضرر أو دُمّر، ما انعكس على الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، وجعلها أكثر صعوبة في العديد من المناطق الريفية. وفي ريف دمشق، تعرضت مناطق مثل داريا والغوطة الشرقية لدمار شبه كامل في المنازل والخدمات، ما فرض واقعًا معيشيًا صعبًا على السكان، ورغم الحديث عن إعادة الإعمار، فإنها تبقى بطيئة بسبب محدودية التمويل وحجم الدمار الكبير الذي يفوق قدرات الدولة الحالية.

ورغم الدمار، بدأ بعض السكان بالعودة تدريجيًا إلى مناطقهم ومحاولة استئناف حياتهم، كما في مخيم اليرموك وجنوب دمشق وداريا،، حيث عاد آلاف الأهالي رغم نقص الخدمات، وقاموا بترميم منازلهم بجهود ذاتية في ظل غياب الدعم الرسمي، ما جعلهم يتحملون العبء الأكبر في إعادة الحياة إلى مناطقهم.

ولا يقتصر الواقع على المناطق المدمّرة فقط، بل يشمل أيضًا مناطق لم تتعرض لدمار كبير، لكنها ما تزال تعاني من ضعف مزمن في المنظومة الخدمية منذ سنوات طويلة.

المواطن عزيز أسمر عاد ليفتتح محلا صغيرا للخضروات في مبنى متضرر داخل مخيم اليرموك (وكالة الأناضول)

تتداخل مشكلات ريف دمشق بشكل معقّد، حيث يتصدر تدهور الخدمات الأساسية أبرز اهتمامات السكان، من المياه والكهرباء إلى النفايات والصرف الصحي والطرق والإنترنت. ويكشف هذا التداخل أن الأزمة لا ترتبط بنقص الموارد فحسب، بل بخلل أعمق في إدارة وتوزيع الخدمات، ما يؤدي إلى تعطل المنظومة الخدمية بشكل شامل.

يكشف واقع الكهرباء عن اختلال واضح في عدالة التوزيع بين العاصمة ومحيطها، حيث تبدو مراكز المدن أكثر استقرارًا من حيث التغذية، في حين تعيش مناطق الريف على وقع انقطاعات طويلة ومتكررة دون جدول تقنين واضح.

يقول خالد خاناتي، أحد سكان المعضمية: “تنقطع الكهرباء لدينا لأكثر من تسع ساعات متواصلة، بينما نسمع عن تحسّن كبير في العاصمة لم نره ولم نلمسه. كل هذا الحديث عن الكهرباء لا يشملنا، بل يخص دمشق فقط، أما نحن فلا نزال على الهامش”.

كما تعاني مناطق ريف دمشق من أزمة صحية وبيئية حادة نتيجة تراكم النفايات وتدهور شبكات الصرف الصحي، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة السكان، وقد تكررت حالات غمر المياه الآسنة للمنازل والشوارع، واختلاطها أحيانًا بمياه الشرب في مناطق مثل السبينة والدويلعة وداريا، ما يزيد من مخاطر انتشار الأمراض.

تقول جميلة العقاد، من سكان منطقة حجيرة: “قضينا العيد في حالة مأساوية، حيث غمرت مياه الصرف الصحي منازلنا وشوارعنا، ورغم مناشداتنا لم يصل أي رد حتى الآن”.

من جهة أخرى، تتكدس النفايات في الشوارع والأحياء لفترات طويلة، ما يدفع الأهالي أحيانًا إلى حرقها كحل مؤقت، وهو ما يسبب دخانًا كثيفًا وروائح كريهة وانتشار الحشرات والأمراض التنفسية. وتشير أم محمد من المعضمية، وهي مصابة بالربو، إلى أن روائح حرق النفايات تؤدي إلى تفاقم نوبات المرض لديها وصعوبة في التنفس، ما يضطرها أحيانًا للبقاء في غرف مغلقة، مع قلق مستمر على صحة أطفالها، وتضيف أن سيارات البلديات لا تلتزم بمواعيد منتظمة لترحيل القمامة، وقد تتغيب لأيام، ما يدفع السكان للبحث عن حلول بديلة للتخلص من النفايات.

يضاف إلى ما سبق، أزمة المياه، فمع تراجع الاعتماد على الشبكات العامة بسبب الجفاف وتضرر البنية التحتية وضعف الضخ، ما دفع السكان إلى بدائل مكلفة كالصهاريج والآبار. وتوضح نسيبة إبراهيم من الحجيرة أنها تشترك مع جيرانها في شراء المياه بسبب صعوبة وصولها بشكل منتظم، إضافة إلى أن الصهاريج غالبًا ما تشترط تعبئة أكثر من خزان، ما يجعل تأمين المياه عملية معقدة وغير مستقرة.

كذلك مشكلة ضعف الإنترنت وبطئه قائمة حتى في المدن، لكنها تتفاقم في المناطق الريفية بسبب ضعف البنية التحتية وانخفاض جودة التغطية وكثرة الانقطاعات، ما يجعل الاتصال غير مستقر ويؤثر على العمل والدراسة والحياة اليومية. ويضطر بعض الأهالي إلى حلول فردية مثل تقوية الإشارة أو استخدام أكثر من مزود خدمة، لكنها تبقى مكلفة ومحدودة ولا تعالج أصل المشكلة.

تقول ريم عثمان، طالبة جامعية من دوما: “إن الإنترنت ينقطع بشكل متكرر، ما يدفعني للبحث عن إشارة أقوى داخل المنزل أو خارجه، وهو غير قابل للاعتماد في الدراسة أو العمل، رغم الحديث عن تحسينات في خدمات الاتصالات دون انعكاس ملموس على الواقع اليومي”.

بين المركز والريف: قراءة في اختلال توزيع الموارد

يقدم النائب في مجلس الشعب السوري، الأستاذ مؤيد الحبيب، في حديثه لـ”نون بوست” قراءة أوسع لأسباب هذا التفاوت في مستوى الخدمات بين المدن والأرياف، فيقول:

“نحن ندرك أننا نمر بمرحلة استثنائية، والظروف في البلاد صعبة للغاية. هناك تركيز أساسي على الجيش والأمن على حساب بقية القطاعات مثل التعليم والصحة والخدمات والبنى التحتية، إضافة إلى إعادة الإعمار وجبر الضرر، والتي ما تزال محدودة. على سبيل المثال، لم تشهد مدينة داريا تدخلًا حكوميًا يُذكر، إذ تحقق ما فيها من إنجازات بجهود محلية بعد عودة السكان عام 2018، عقب تهجير ودمار كامل عام 2016، حيث أُنشئت مدارس ومساجد وثانوية شرعية، وتم تحسين الطرق وحفر آبار مياه بجهود أهلية. وعند التعميم على ريف دمشق، يتبين أن الوضع مشابه، في ظل دمار واسع طال أرياف ريف دمشق وحمص وحلب، إضافة إلى مدن مثل دير الزور التي تضرر مركزها بشكل كبير”.

ويضيف: “هنا يبرز خيار بين إعادة إعمار الأرياف أو التركيز على المدن الكبرى التي تجذب الاستثمار وتشكل واجهة الدولة، خصوصًا دمشق، إذ يبدأ الانطباع الأول عن البلاد من المطار. لذلك تم التركيز على دمشق ثم حلب باعتبارهما واجهتين أساسيتين لسوريا الجديدة”.

وعند سؤاله عن شعور العدالة والتهميش لدى الناس، أجاب: “من حيث العدالة، لا توجد عدالة في توزيع الموارد، إذ ترى الأرياف أنها أولى بالدعم بسبب ما تعرضت له من دمار وتهجير، في حين ترتبط سياسات الدول غالبًا بالتركيز على إبراز العاصمة لتشجيع الاستثمار”.

مضيفًا أن التنفيذ الفعلي يتركز في المدن الكبرى عبر مشاريع تحسين مثل تعبيد الطرق وترصيف الأرصفة وتأهيل الحدائق، في حين تعاني مناطق الريف من نقص في خدمات أساسية مثل المياه والصرف الصحي،”لذلك فإن شعور التهميش عام، خاصة في مناطق الثورة السابقة. ومع هذا، فإن ما يُقدَّم لدمشق وحلب لا يوازي حجم الحاجة، إذ إن دمشق أيضًا عانت من إهمال طويل الأمد في البنية التحتية والطرق والأرصفة والحدائق، رغم عدم تعرضها لدمار مباشر”، بحسب قوله.

بدائل الدعم

رغم إعلان محافظة ريف دمشق عن تنفيذ حزمة من المشاريع الخدمية خلال عام 2025، شملت قطاعات الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والصحة، مع خطط إضافية للعام 2026 تحت عناوين تطويرية مثل “ريفنا بيستاهل”، إلا أن هذه الجهود، وفق ما أقرّ به المسؤولون أنفسهم، لا تزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية للسكان.

وتُرجع الجهات المعنية هذا التفاوت في مستوى الخدمات إلى عوامل متعددة، من بينها تفاوت جاهزية البنية التحتية بين المناطق، وحجم الأضرار السابقة، إضافة إلى صعوبات جغرافية وضغط سكاني متزايد.

“الأمن، الكهربا، والمي… كلو بده شغل”. مراسل نون سوريا يستطلع آراء الأهالي حول أداء المجلس البلدي في داريا، وسط تباين في التقييم بين التقصير والواقع الصعب. pic.twitter.com/Ss1gBT1UzG

— نون سوريا (@NoonPostSY) February 3, 2026

في هذا السياق يضيف النائب مؤيد الحبيب، قائلًا: “هناك مدنًا كاملة ما تزال تفتقر إلى كل شيء، مثل الحجر الأسود، التي يشرف عليها ضمن عمله في مجلس الشعب، إذ تعاني المنطقة من دمار شبه كامل وغياب للخدمات الأساسية، من صرف صحي وكهرباء وحتى تغطية خليوية ضعيفة أو معدومة، فيما يقتصر تدخل الدولة على بعض الآليات لفتح الطرق وترحيل الأنقاض، دون توفر حتى أبسط المستلزمات مثل أغطية المناهل”.

ويشير إلى أن “هذه المنطقة تفتقر إلى وجود مجتمع محلي قادر على الإسهام في إعادة الإعمار، بينما توجد مناطق أخرى مثل المعضمية وداريا ودوما وحرستا والنبك وغيرها، حيث يسهم المجتمع المحلي ورجال الأعمال في تحسين الواقع المعيشي والبنى التحتية، ما يعكس تفاوتًا واضحًا في مستوى التعافي بين منطقة وأخرى”.

كما يبين أن جزءًا من جهود إعادة الإعمار يتم عبر منظمات محلية ودولية، مثل “فريق ملهم التطوعي”، التي تساهم في ترميم المدارس والمشافي وصيانة بعض الطرق والخدمات، بينما تعمل الدولة ضمن إمكانياتها على دعم البلديات، مع التركيز على التخطيط المسبق لمشاريع مستقبلية قابلة للتنفيذ عند توفر التمويل، في حين لا يزال دورها التنفيذي في الأرياف محدودًا، ويقتصر على فتح الطرق وترحيل الأنقاض.

فجوة بين الأسباب والتحسن

ترتبط هذه الفجوة بخلل أعمق في العلاقة بين الريف والمدينة، إذ تركزت الاستثمارات تاريخيًا في المدن الكبرى بوصفها مراكز قرار، فيما بقيت الأرياف في موقع أقل حظًا من حيث التنمية، ما أدى إلى تراكم فجوات خدمية واقتصادية يصعب معالجتها بسرعة.

في هذا السياق، يشير الدكتور عرابي عبد الحي، الباحث في الشأن السوري، في حديثه لـ”نون بوست”، إلى أن بعض المحافظين يتجهون إلى إبراز إنجازات سريعة ومرئية عبر افتتاحات أو جولات ميدانية أو أعمال صيانة محدودة، تُقدَّم كإنجازات إعلامية، حتى وإن لم تكن مرتبطة بالأولويات الخدمية الأكثر إلحاحًا.

كما يوضح أن بعض التدخلات، مثل تحسين طرق أو أرصفة في مواقع محددة، قد تأتي في وقت تكون فيه احتياجات أوسع، كإصلاح شبكات الطرق المتضررة على نطاق أكبر، ما يعكس ضعفًا في ترتيب الأولويات وغياب رؤية خدمية شاملة، إلى جانب الضغط الواقع على المسؤولين لإظهار نتائج أمام الجهات الأعلى في مختلف مستوياتها الإدارية.

بعد أن دمرتها طائرات الأسد، إعادة ترميم مدرسة وتأهيلها لاستقبال الطلاب في مدينة داريا بريف دمشق على يد فريق ملهم التطوعي. pic.twitter.com/fYsWTNw0gs

— نون سوريا (@NoonPostSY) October 1, 2025

ويضيف أن هذا النمط من العمل يخلق ما يشبه “مجتمع الاستعراض”، حيث تُنفذ مشاريع سريعة أقرب إلى الإنجاز الإعلامي منها إلى الحلول البنيوية طويلة الأمد، في حين أن تحسين البنية التحتية الحقيقية يحتاج إلى تخطيط وصبر واستراتيجيات ممتدة.

في خضم هذا الواقع المعقّد، لا تبدو أزمة الريف في سوريا حالة استثنائية بقدر ما هي انعكاس لاختلال يمكن معالجته، كما تُظهر تجارب دول أخرى نجحت نسبيًا في تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، فالقضية لا تقتصر على تحسين خدمات محدودة، بل تتعلق بإعادة صياغة العلاقة التنموية بين المدينة والريف على أسس أكثر توازنًا وعدالة.

وهو ما تعكسه بعض النماذج مثل إسطنبول، حيث لم تعد الأطراف مجرد امتداد مهمّش، بل أصبحت جزءًا من خطط التوسع الخدمي والاستثماري، عبر تطوير شبكات البنية التحتية من مياه وصرف صحي وطرق ونقل وخدمات عامة، بالتوازي مع تخفيف الضغط عن مركز المدينة، بما يعكس قناعة متزايدة بأن استقرار المدن يرتبط مباشرة باستقرار محيطها الريفي.

يعبّر د. عرابي عن أمله بوجود رؤية تنموية واضحة لدى المحافظات والمجالس المحلية والدولة، تقوم على تحويل المدن إلى مراكز إقليمية مرتبطة بريفها اقتصاديًا وخدميًا، بحيث تكون المدينة جزءًا من شبكة إقليمية تشمل الريف والمعابر وخطط التسويق والإنتاج، بما يعزز التكامل بين المناطق بدل تمركز التنمية في المدينة وحدها.

مشيرًا إلى أن غياب هذه الرؤية يدفع سكان الريف إلى الهجرة نحو المدن نتيجة ضعف الخدمات وفرص العمل، ما يفاقم الضغط السكاني على المدن ويزيد من مشكلات الفقر والعشوائيات والاختلالات الاجتماعية، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى اختلال عمراني واجتماعي أكبر يتمثل في تضخم المدن وتراجع دور الريف واتساع الفجوات الطبقية، ما يستدعي معالجة مبكرة لتفادي تداعيات أكثر تعقيدًا.

وبينما لا يمكن إسقاط أي تجربة بشكل مباشر على الواقع السوري، تظل التساؤلات قائمة حول إمكانية تحول الريف من طرف مهمّش إلى فاعل في التنمية، أو استمرار اتساع الفجوة في ظل معالجات جزئية لقضايا مترابطة في جذورها.

علاماتإعادة إعمار سوريا ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، ريف دمشق ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعإعمار سوريا ، الأزمة السورية ، الشأن السوري ، سوريا ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

اختناق مضيق هرمز.. كيف يهدد موائد العالم؟

نون إنسايت١٧ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

حتى “المحافظون الجدد” يعترفون بعبثية حروب الشرق الأوسط

أوين جونز١٧ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

ذراع الموساد في المحاكم الدولية.. ما قصة “شورات هادين”؟

نون إنسايت١٦ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑