يشكّل القطاع الصحي في سوريا أحد أكثر الملفات التصاقًا بحياة المواطن اليومية، في ظل تحديات متراكمة تتعلق بتوفر الخدمات، واستقرار الكوادر، وقدرة المؤسسات على تلبية الطلب المتزايد. وفي مقابل هذه التحديات، تطرح وزارة الصحة جملة من المسارات التي تشمل التحول الرقمي، وإعادة تنظيم الموارد البشرية، وتوسيع التعاون الإقليمي والدولي.
ضمن هذا السياق، يبرز عدد من الملفات التي يتناولها هذا الحوار، من استدامة الموارد إلى مسار التحول الرقمي وحدود تطبيقه، مرورًا بمعالجة نقص الكوادر واستقطاب الأطباء السوريين في الخارج، إضافة إلى مخرجات اجتماعات الأردن وإمكانية ترجمتها إلى خطوات تنفيذية، وكذلك تنظيم ملف علاج المرضى السوريين خارج البلاد، وحدود الاعتماد على الدعم الدولي.
في هذا الحوار الخاص مع معاون وزير الصحة الدكتور حسين الخطيب، نناقش هذه القضايا من زاوية التنفيذ، وما الذي يجري العمل عليه فعليًا داخل الوزارة، وما يمكن أن ينعكس على واقع الخدمات الصحية في المرحلة المقبلة، وما يمكن أن يتبدل في المدى القريب ضمن قطاع ما تزال تحدياته مفتوحة على أكثر من احتمال.
أين تكمن اليوم الحلقة الأضعف في القطاع الصحي السوري؟، وما الذي يجعل معالجتها أكثر تعقيدًا في هذه المرحلة؟
الحلقة الأضعف حاليًا تكمن في استدامة الموارد، سواء البشرية أو المادية أو اللوجستية، والقطاع يعاني من ضغط كبير نتيجة سنوات طويلة من التحديات، ما أدى إلى تآكل البنية التحتية ونقص الكوادر وهجرة الخبرات.
تعقيد المعالجة اليوم مرتبط بعدة عوامل، أبرزها محدودية التمويل والعقوبات وتزايد الطلب على الخدمات، لا سيما في أمراض القلب والأورام. هذا الواقع يجعل أي تدخل بحاجة إلى مقاربة شاملة ومتدرجة.
تتحدث الوزارة عن التحول الرقمي في القطاع الصحي، في وقت ما تزال فيه كثير من المؤسسات تعمل بأنظمة تقليدية. أين وصل هذا المسار فعليًا على مستوى التطبيق؟، وما الإطار الزمني المتوقع للانتقال إلى نظام رقمي متكامل؟
غالبية القطاع ما يزال يعمل بالأنظمة الورقية والأنظمة المتفرقة، لكن في الوقت نفسه هناك خطوات عملية بدأت على الأرض باتجاه التحول الرقمي. بدأنا التطبيق الفعلي في عدد من المشافي كنقطة انطلاق، ونعمل على إدخال الأنظمة الرقمية بشكل تدريجي وفق مستوى الجاهزية، سواء من ناحية البنية التحتية أو تدريب الكوادر.
التحول الرقمي في قطاع بهذا الحجم لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، لأنه لا يتعلق بنظام تقني فقط، بل يتطلب تغييرًا كاملًا في آليات العمل، وهذا يحتاج إلى وقت وتدرّج. أما على مستوى الإطار الزمني، فنحن نسير ضمن خطة مرحلية تهدف إلى التوسع بشكل تدريجي ومنظم، للوصول إلى نظام رقمي متكامل يغطي أكبر عدد ممكن من المؤسسات الصحية خلال المراحل القادمة.
تشير المعطيات إلى استمرار النقص في الكوادر الصحية، ولا سيما في المناطق الريفية. ما هي الإجراءات التي باشرت الوزارة بتنفيذها لمعالجة هذا الخلل؟، وما النتائج التي تحققت حتى الآن على الأرض؟
تم العمل على عدة مسارات، من بينها تحفيز الكوادر عبر حوافز مالية ومعنوية، وإطلاق برامج تأهيل وتدريب مستمر، إلى جانب تحسين توزيع الكوادر بين المناطق. وتم إقرار زيادة نوعية في الرواتب ستُطبّق اعتبارًا من الشهر الخامس.
رغم تحقيق بعض التحسن في مراكز محددة، لا تزال الفجوة قائمة، خاصة في المناطق الريفية، وهو ما يتطلب حلولًا طويلة الأمد ترتبط ببيئة العمل والاستقرار المهني.
ما هي الخطة التي تعمل عليها الوزارة لاستقطاب الأطباء السوريين في الخارج؟، وما الحوافز أو الضمانات التي يمكن أن تدفعهم للعودة والانخراط مجددًا في النظام الصحي داخل البلاد؟
تعمل الوزارة على إعداد حزمة متكاملة تشمل تسهيلات إدارية وقانونية للعودة، ومعادلة الشهادات، إلى جانب تقديم حوافز مهنية ومالية. كما يتم إشراك الأطباء في برامج تطوير القطاع الصحي من خلال لجان وطنية متخصصة، مثل لجان مرضى الكلى والعناية المشددة، حيث يشارك فيها أطباء من المهجر.
كذلك يجري العمل على تحسين بيئة العمل، لأن قرار العودة لا يعتمد على الحوافز فقط، بل على وجود منظومة صحية قادرة على الاستيعاب والتطور.
في أعقاب مشاركتكم في اجتماعات الأردن، حيث طُرحت حزمة من مسارات التعاون الصحي، كيف تقرأون قابلية هذه التفاهمات للانتقال من مستوى التنسيق إلى التنفيذ الفعلي داخل النظام الصحي السوري، وما هو الإطار الزمني الذي تلتزمون ضمنه بظهور نتائج ملموسة على مستوى الخدمة؟
التفاهمات الإقليمية، ولا سيما تلك التي طُرحت خلال اجتماعات الأردن، تشكّل فرصة مهمة لتعزيز التعاون الصحي. الانتقال إلى التنفيذ يعتمد على وجود آليات متابعة واضحة، إلى جانب توفر تمويل مخصص. ومن المتوقع أن تبدأ النتائج الأولية بالظهور خلال فترة تتراوح بين 12 و24 شهرًا، في حال الحفاظ على زخم التنسيق واستمرار الدعم الفني.
فيما يتعلق بالمرضى السوريين في الخارج، خاصة اللاجئين الذين كانوا يتلقون العلاج على نفقة الدول المضيفة، بدأت تظهر آليات جديدة تُحمّل المرضى جزءًا من التكاليف. ما السياسة المعتمدة اليوم من قبل الوزارة تجاه هذا الملف؟، وكيف ستتعاملون مع الحالات التي لا تملك القدرة على الدفع؟
تتجه الوزارة إلى تنظيم هذا الملف بصورة أكثر استدامة، من خلال تنسيق مباشر مع الدول المضيفة والمنظمات المعنية، مع إعطاء الأولوية للحالات الحرجة. كما نعمل على تطوير آليات دعم مشتركة تضمن استمرار تقديم العلاج.
فيما يخص المرضى غير القادرين على الدفع، يجري العمل على تأمين تغطيات داعمة بالتعاون مع الجهات والمنظمات الإنسانية، بما يخفف العبء عن المرضى ويحافظ على استمرارية علاجهم.
ما حجم الاعتماد الحالي على المنظمات الدولية في تشغيل القطاع الصحي؟ وهل يمكن الاستمرار بهذا الشكل دون بناء استقلالية حقيقية للنظام الصحي؟
لا يزال هناك اعتماد ملحوظ على المنظمات الدولية في دعم الخدمات الصحية، خاصة في بعض المناطق، إلا أن هذا النموذج غير مستدام على المدى الطويل. التوجه الحالي يقوم على الانتقال التدريجي نحو تعزيز استقلالية النظام الصحي، من خلال بناء القدرات المحلية وتحسين التمويل الحكومي، مع الحفاظ على الشراكات الدولية كداعم وليس كبديل.