• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف أعادت الحرب الإيرانية تشكيل الضغوط على الاقتصاد التركي؟

زيد اسليم١٨ أبريل ٢٠٢٦

تتحرك مؤشرات الاقتصاد التركي تحت ضغط موجة صدمات خارجية متلاحقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية أعادت تشكيل معادلات الطاقة والتجارة والأسعار. فمع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، انتقلت تداعيات الصراع سريعًا من الميدان العسكري إلى قلب الأسواق العالمية، لتنعكس على اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على الواردات وفي مقدمتها تركيا.

وقد أدت الضربات التي طالت منشآت النفط والغاز في الخليج، وما تبعها من اضطراب في حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز، إلى قفزة حادة في أسعار الطاقة، حيث ارتفع خام برنت من نحو 72 دولارًا للبرميل إلى ما يزيد على 100 دولار خلال أسابيع، بالتوازي مع صعود ملحوظ في أسعار الغاز الطبيعي المسال.

في هذا السياق، تلقت تركيا صدمة اقتصادية مركبة بحكم اعتمادها الكبير على استيراد الطاقة، ما انعكس مباشرة على سعر الصرف وتكاليف الإنتاج ومستوى الأسعار. ومع تراجع الليرة واستمرار الضغوط التضخمية، بدأت آثار الأزمة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، من فواتير الطاقة إلى أسعار الغذاء والنقل.

وتشير المعطيات إلى أن تأثير الحرب امتد عبر قنوات مترابطة تشمل كلفة الطاقة، وسعر الصرف، وعجز الحساب الجاري، وصولًا إلى أسعار السلع الأساسية، وهو ما يضع الاقتصاد أمام اختبار معقد يرتبط مساره إلى حد كبير بتطورات المشهد الإقليمي واحتمالات استمرار حالة عدم اليقين.

أين تتركز الصدمة فعليًا؟

تكشف المؤشرات المتاحة أن مركز الضغط في الاقتصاد التركي لا يرتبط بنقص فعلي في الإمدادات بقدر ما يتصل بارتفاع كلفتها. فوفق تصريحات وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، لم تواجه البلاد اضطرابًا مباشرًا في تدفق النفط أو الغاز، إذ لا تتجاوز حصة نفط الشرق الأوسط نحو 10% من إجمالي الإمدادات، كما استمر تدفق الغاز الإيراني دون انقطاع. ومع ذلك يظل عامل عدم اليقين قائمًا في ظل بيئة إقليمية متقلبة، خصوصًا مع حقيقة أن كل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر برميل النفط ترفع فاتورة الطاقة التركية بنحو 400 مليون دولار سنويًا.

في هذا الإطار تتجلى طبيعة الصدمة في كونها سعرية بالدرجة الأولى. فتركيا، باعتبارها مستوردًا رئيسيًا للطاقة، تتأثر مباشرة بحركة الأسعار العالمية بغض النظر عن استقرار الكميات. وقد بلغت فاتورة واردات الطاقة نحو 62 مليار دولار في عام 2025، ما يوضح حجم الانكشاف على تقلبات الأسواق الدولية. وفي المقابل تبقى التجارة المباشرة مع إيران محدودة نسبيًا، قياسًا بحجم الاقتصاد، حيث بلغت الصادرات التركية إليها نحو 2.3 مليار دولار خلال العام نفسه، مقابل واردات بنحو 2.2 مليار دولار خلال أول أحد عشر شهرًا، ما يجعل تأثيرها القطاعي أقل وزنًا من تأثير أسعار الطاقة.

وتبرز تقديرات وزارة الخزانة والمالية مدى حساسية الاقتصاد لهذه المعادلة، فقد بني البرنامج الاقتصادي لعام 2026 على افتراض متوسط سعر لخام برنت عند 65 دولارًا للبرميل، بينما سجل المتوسط الفعلي منذ بداية العام نحو 77.4 دولارًا، مع مؤشرات في الأسواق الآجلة بلغت 84.1 دولارا بنهاية مارس/آذار.

وتشير التقديرات إلى أن متوسطًا في حدود 85 دولارًا يدفع التضخم للارتفاع بما بين 3.6 و4.4 نقاط مئوية، ويوسع عجز الحساب الجاري بنحو 1.1% إلى 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ويخفض النمو بما يتراوح بين 0.6 و1.5 نقطة مئوية، إضافة إلى زيادة عجز الموازنة بنحو 0.6% من الناتج.

وحتى مع تراجع أسعار النفط لاحقا إلى حدود 98 دولارًا للبرميل في أبريل/نيسان، فإنها ظلت أعلى بكثير من الفرضيات التي استند إليها البرنامج الاقتصادي. وهو ما يعني أن الاقتصاد التركي ما زال يتعامل مع مستوى مرتفع من الضغط، وإن كان أقل حدة من ذروة الصدمة الأولى، في ظل استمرار ارتباط كلفة الطاقة بمسار التوترات الإقليمية.

التضخم وسعر الصرف

أعادت الحرب خلط مسار التضخم في تركيا في لحظة كان فيها الاقتصاد يحاول استعادة قدر من التوازن عبر التشديد النقدي والزيادات الضريبية. فبعد أشهر من التباطؤ البطيء، أظهرت بيانات هيئة الإحصاء التركية أن التضخم السنوي بلغ 31.53% في فبراير/شباط الماضي، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 30.87% في مارس/آذار الماضي، غير أن هذا التراجع المحدود لم يعكس تحسنًا مريحًا بقدر ما كشف عن انتقال الضغوط إلى مكونات أكثر حساسية في سلة الأسعار.

فقد سجل تضخم الغذاء والمشروبات غير الكحولية 32.36%، وبلغ تضخم النقل 34.35%، فيما وصل تضخم السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى إلى 42.06%. كما جاءت أكبر المساهمات في التضخم السنوي من الغذاء بواقع 8.25 نقاط مئوية، ثم السكن والطاقة بواقع 6.04 نقاط، ثم النقل بواقع 5.45 نقاط، بما يؤكد أن أثر الحرب لم يبق محصورًا في كلفة الطاقة المباشرة، وإنما تمدد سريعًا إلى الغذاء والخدمات والنقل والسكن.

هذا التحول دفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في تقديراته، إذ بات يتوقع أن يتراوح التضخم بنهاية عام 2026 بين 15% و21%، بينما ذهب صندوق النقد الدولي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لشهر أبريل/نيسان إلى تقدير متوسط تضخم سنوي يبلغ 28.6% خلال العام، مع خفض توقعات نمو الاقتصاد التركي إلى 3.4% بدلا من 4.2%.

وتعكس هذه الفجوة بين التقديرات الرسمية والدولية اتساع مساحة القلق من أن تؤدي صدمة الطاقة إلى تعطيل مسار الهبوط التدريجي للتضخم، خصوصًا إذا استمرت أسعار النفط والغاز فوق المستويات التي بنيت عليها الفرضيات الحكومية.

وفي سوق الصرف ظهرت آثار الصدمة بصورة أشد وضوحًا. فقد اقترب الدولار في مطلع أبريل/نيسان الجاري من مستوى 44.5 ليرة، ثم لامس السوق مستوى 45 ليرة تقريبًا، في انعكاس مباشر لتزايد الطلب على العملات الصعبة وخروج جزء من التدفقات الأجنبية.

ولمنع تراجع أكبر في الليرة، لجأ البنك المركزي إلى مزيج من الأدوات الدفاعية، فأوقف دورة التيسير عند 37%، ورفع تكلفة التمويل الليلي إلى ما يقارب 40%، بالتوازي مع تدخلات مباشرة في سوق النقد الأجنبي ومبادلات للذهب والعملات. ووفق تقديرات تداولتها تقارير دولية فإن هذه العمليات استنزفت نحو 55 مليار دولار من إجمالي الاحتياطيات خلال شهر واحد، وقلصت احتياطي الذهب بنحو 120 طنًا في أسبوعين، فيما باع المستثمرون الأجانب ما يقارب 6 مليارات دولار من أدوات الدين التركية خلال أربعة أسابيع فقط.

– كشف تقرير اقتصادي أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بدأت تضغط بقوة على الاقتصاد التركي، بعدما تسارعت وتيرة التضخم وارتفعت المخاوف في الأسواق، بينما سارع المستثمرون الأجانب إلى سحب عشرات المليارات من الأصول التركية.

– أقدم مستثمرون أجانب على بيع ما بين 25 و30 مليار دولار… pic.twitter.com/F6oBNVP5Cl

— نون بوست (@NoonPost) March 14, 2026

هذا الدفاع المكلف عن العملة تزامن مع تدهور ملموس في المؤشرات الخارجية. فقد أظهرت بيانات فبراير/شباط الماضي الرسمية عجزًا في الحساب الجاري بلغ 7.5 مليارات دولار في شهر واحد، مع تراجع صاف في الاحتياطيات الرسمية قدره 10.6 مليارات دولار خلال الشهر نفسه.

كما أشارت تقديرات أخرى إلى أن السلطات باعت أو رهنت ما يوازي 20 مليار دولار عبر المقايضات، وأنفقت أكثر من 30 مليار دولار من الاحتياطيات منذ اندلاع الحرب، بينما تحدثت مصادر أخرى عن استنزاف أكبر وصل إلى 55 مليار دولار، إلى جانب مبيعات واسعة من الذهب. ويعكس هذا كله أن استقرار الليرة خلال الأسابيع الأخيرة لم يكن نتاج تحسن بنيوي، وإنما نتيجة تدخلات باهظة الكلفة.

في الوقت نفسه تحاول الحكومة الحد من انتقال صدمة النفط إلى السوق المحلية عبر آلية الضريبة المتحركة على الوقود، التي سمحت بحسب تقديرات صحفية، بامتصاص نحو ثلثي الزيادة في الأسعار. غير أن هذه السياسة بدت بدورها محدودة القدرة على الاستمرار إذا طال أمد الأزمة. وقد حذر وزير المالية محمد شيمشيك من أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط قد تضيف ما بين 4.5 و5 مليارات دولار إلى عجز الحساب الجاري، بما يعادل نحو 1.1 إلى 1.4 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، كما قد ترفع التضخم بما يتراوح بين 3.6 و4.4 نقاط مئوية.

من الطاقة إلى الغذاء

يمتد أثر ارتفاع أسعار الطاقة في تركيا عبر سلسلة مترابطة تبدأ من الوقود وتصل مائدة الغذاء، فتكاليف الطاقة تشكل نحو 70% من كلفة إنتاج الأسمدة، ما يجعل أي زيادة في أسعار النفط والغاز تنعكس مباشرة على أسعار المدخلات الزراعية، ثم على كلفة الإنتاج وصولًا إلى أسعار القمح والمنتجات الغذائية الأساسية. ومع ارتفاع كلفة النقل والكهرباء والغاز، تتسع دائرة التأثير لتشمل مراحل التخزين والطحن والتوزيع، وهو ما يفسر تسارع انتقال الضغوط إلى أسعار الغذاء.

تزامنت هذه الضغوط مع عوامل داخلية زادت من حساسية السوق، فقد تراجع إنتاج القمح بنحو 6% في عام 2025 نتيجة الجفاف، فيما تشير تقديرات أخرى إلى انخفاض أكبر بلغ 13.7% ليصل إلى 17.9 مليون طن، إلى جانب انكماش قطاع الزراعة والغابات والصيد بنسبة 8.8% خلال العام نفسه.

وفي محاولة لاحتواء هذه الضغوط، رفعت الحكومة دعم الإنتاج الزراعي بنسبة 27% في عام 2026، مع تقديم دعم مباشر بلغ نحو 310 ليرات للدونم. وفي المقابل تبدو التوقعات للموسم الجديد أكثر تفاؤلًا، إذ تشير تقديرات إلى إمكانية وصول إنتاج القمح في موسم 2026/2027 إلى نحو 19.8 مليون طن، بل وترفعه بعض التقديرات إلى 20.5 مليون طن، ما يعكس تذبذبًا في التوقعات مرتبطًا بعوامل المناخ واستقرار الإمدادات.

في سوق الغذاء يظهر الخبز بوصفه المؤشر الأكثر حساسية لهذه التحولات. فهو يوفر ما بين 45% و50% من السعرات الحرارية اليومية للفرد، ما يجعله سلعة مركزية في إنفاق الأسر. ومع ارتفاع كلفة الإنتاج ارتفع سعر رغيف الخبز بوزن 200 غرام من 15 ليرة إلى 17.5 ليرة اعتبارًا من أبريل/نيسان الجاري، بنسبة زيادة تقارب 17%.

ويعكس هذا الارتفاع تأثير تكاليف الغاز والكهرباء والدقيق، حيث يبلغ سعر الغاز بالجملة المخصص لمنتجي الخبز نحو 10.39 ليرات للمتر المكعب مقابل نحو 18 ليرة للاستخدامات الأخرى، وهو ما يمثل دعمًا غير مباشر للقطاع. ورغم ذلك، ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز للمنازل بنحو 25%، لتصل كلفة فاتورة استهلاك منزلي عند مستوى 100 كيلوواط/ساعة إلى 323.8 ليرة، ما يعني أن الضغوط انتقلت إلى المستهلك النهائي بدرجات متفاوتة.

ولتقليل أثر هذه الزيادات، فرضت الحكومة رقابة مباشرة على أسعار الخبز واشترطت موافقة وزارة التجارة على أي تعديل، مع فرض غرامات تصل إلى 159 ألف ليرة على المخالفين. غير أن هذه الإجراءات تعمل على إبطاء انتقال الكلفة أكثر من قدرتها على إلغائها، في ظل استمرار ارتفاع عناصر الإنتاج.

أدوات الحكومة بين الاحتواء والكلفة

تعكس استجابة الحكومة التركية للأزمة مقاربة تقوم على احتواء الصدمة وتوزيع آثارها، أكثر من السعي لإلغائها بالكامل، ففي التقدير الرسمي، ينظر إلى التداعيات الاقتصادية للحرب بوصفها قابلة للإدارة. وفي هذا السياق، أكد نائب الرئيس جودت يلماز أن الاقتصاد يواجه ضغوطًا قصيرة الأجل مع انعكاسات ممتدة، مشددًا على أن البرنامج الاقتصادي مستمر مع تكييف أدواته وفق المتغيرات الجديدة.

في قلب هذه المقاربة، تبرز آلية الضريبة المتحركة على الوقود كأداة رئيسية لامتصاص الصدم وتظهر تقديرات وزارة الخزانة أن هذه الآلية تستوعب نحو 75% من زيادات أسعار الوقود، بما يخفف انتقالها المباشر إلى المستهلكين، فيما تقدر كلفتها المالية بنحو 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي عند افتراض سعر نفط في حدود 85 دولارا للبرميل. ويعكس هذا التوجه خيارًا واضحًا يقوم على توزيع العبء بين الموازنة العامة والأسعار، بدلًا من تمرير الزيادة دفعة واحدة إلى السوق.

بالتوازي عززت الحكومة برامج الدعم، خاصة في القطاع الزراعي، حيث خصصت في موازنة 2026 نحو 168 مليار ليرة لدعم الإنتاج، مع تحديد دعم يصل إلى 403 ليرات للدونم لمحاصيل أساسية مثل القمح والشعير والذرة.

وفي هذا الإطار، كثفت وزارة التجارة الرقابة على الأسواق، ووسعت صلاحياتها لمواجهة الاحتكار والمضاربات، مع فرض غرامات تصل إلى 159 ألف ليرة على المخالفين، إلى جانب تنظيم أسعار الخبز ومنع زيادتها دون موافقة مسبقة.

أما في قطاع الطاقة فتظهر محاولة لتخفيف الكلفة عبر مزيج من الدعم وإعادة التوازن في الأسعار، فقد امتصت الحكومة نحو ثلثي زيادات الأسعار في بعض الفترات، بينما تكبدت شركة الغاز الحكومية “بوتاش” خسائر كبيرة وصلت إلى نحو 44.9 مليار ليرة في عام 2024 نتيجة تثبيت الأسعار. ومع تزايد الضغط على المالية العامة، اتجهت الحكومة إلى نقل جزء من الكلفة تدريجيًا، فرفعت أسعار الكهرباء والغاز بنحو 25% في أبريل/نيسان، مع تطبيق نظام شرائح يحد من أثر الزيادة على الاستهلاك المنخفض.

وتستفيد أنقرة كذلك من هوامش تخفيف إضافية في مزيج الطاقة، حيث ارتفعت حصة الطاقة الكهرومائية في إنتاج الكهرباء إلى نحو 40% في مارس/آذار الماضي مقارنة بـ 21% قبل عام، في حين تراجعت مساهمة الغاز الطبيعي إلى 8% بعد أن كانت 20%، ما يقلل جزئيًا من الاعتماد على الوقود المستورد.

هل يمتص الاقتصاد التركي الصدمة؟

يتحرك الاقتصاد التركي في مواجهة صدمة مركبة، مدعومًا بعوامل قوة واضحة، ومقيدًا في الوقت نفسه بهوامش ضيقة تتأثر بسرعة بتقلبات الخارج.

فبحجم ناتج يناهز 1.6 تريليون دولار، ونمو بلغ نحو 3.6% في عام 2025، يحتفظ الاقتصاد بقدرة على الاستمرار، خاصة مع غياب اضطرابات مادية مباشرة في إمدادات الطاقة، واستمرار تدفق الغاز إلى جانب توسع قدرات الغاز الطبيعي المسال والبنية التحتية لإعادة التغويز.

كما أسهم تحسن الأمطار في رفع مساهمة الطاقة الكهرومائية، بالتوازي مع تسارع الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح، وبدء إنتاج الغاز من حقل “صقاريا” في البحر الأسود، الذي تشير التقديرات إلى قدرته على تغطية ما يصل إلى 30% من احتياجات تركيا خلال العقد المقبل.

وتعزز هذه العوامل قدرة الاقتصاد على امتصاص جزء من الصدمة، خاصة مع توقعات بانخفاض عجز الحساب الجاري إلى نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وهو مستوى يمكن تمويله في ظل استمرار تدفقات رؤوس الأموال. كما يسهم تراجع الاستهلاك المحلي بفعل ارتفاع الأسعار في تقليص الطلب على الواردات، ما يخفف جزئيًا من الضغوط الخارجية في وقت حافظت فيه وكالة “فيتش” على التصنيف الائتماني عند B+ مع نظرة “مستقرة”، وهو ما يوفر قدرًا من الثقة في الأسواق.

في المقابل، تكشف الأرقام عن مستويات ملموسة من الهشاشة، فقد اتسع العجز التجاري إلى نحو 11.3 مليار دولار في مارس/آذار، وبلغ العجز الجاري التراكمي قرابة 35.4 مليار دولار حتى فبراير/شباط. وتشير هذه المؤشرات إلى أن قدرة الامتصاص قائمة، لكنها تتآكل مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز فوق المستويات التي بنيت عليها التقديرات الرسمية، وهو ما دفع بعض المؤسسات إلى رفع توقعاتها لمتوسط التضخم في 2026 إلى نحو 28.9%.

وتبقى اتجاهات الطاقة العامل الحاسم في رسم المسار المقبل، فاستقرار الأسعار قرب مستويات أقل يمنح الاقتصاد فرصة لاحتواء الصدمة ضمن إطار تباطؤ مسار خفض التضخم، مع استمرار الحاجة إلى سياسة نقدية مشددة لفترة أطول. أما بقاء الأسعار قرب 100 دولار للبرميل أو ارتفاعها نحو 130 دولارًا، فينقل الضغط من كلفة الطاقة إلى الحساب الجاري ثم إلى سعر الصرف، قبل أن يظهر بوضوح في أسعار الغذاء والسكن والنقل.

وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التركي في 2026 إلى 3.4%، وهو مستوى قريب من تقديرات مؤسسات تصنيف أخرى، ما يعكس تحول الحرب إلى عامل اقتصادي مباشر يؤثر في التوقعات، وليس مجرد حدث سياسي عابر، وعلى هذا الأساس تتحدد قدرة الاقتصاد التركي على امتصاص الصدمة بمدى استقرار أسواق الطاقة واستمرار التدفقات المالية، في معادلة تجمع بين عناصر الصمود ومصادر الضغط في آن واحد.

علاماتأزمة الاقتصاد التركي ، الاقتصاد التركي ، التضخم في تركيا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن التركي
مواضيعالأزمة الاقتصادية ، الاقتصاد التركي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الشأن التركي

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

بالأرقام والخرائط: كم تخسر إيران يوميًا من حصار موانئها؟

نون إنسايت١٤ أبريل ٢٠٢٦
اقتصاد

أزمة ديون تلوح في الأفق.. كيف تؤثر الحرب الإيرانية على الاقتصاد العالمي؟

هنري توغندهات١٠ أبريل ٢٠٢٦
اقتصاد

مليارات تحت القصف.. كيف يدفع عمالقة التكنولوجيا ثمن الحرب؟

نون إنسايت٨ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑