• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مصير اليورانيوم المخصب.. القنبلة المؤجلة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية

عماد عنان١٨ أبريل ٢٠٢٦

رغم المؤشرات التي توحي بأن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تسير في اتجاه أكثر إيجابية، سعيًا إلى إنهاء الحرب المشتعلة منذ أواخر فبراير/شباط الماضي، وهو ما انعكس في بعض الخطوات والإشارات الصادرة عن الطرفين، فإن هذا المسار لا يزال محفوفًا بعُقد شديدة الحساسية، قادرة وحدها على تفجير التفاوض من أساسه وإعادة الأزمة برمتها إلى نقطة الصفر.

وفي مقدمة هذه العُقد يبرز ملف اليورانيوم المخصب الإيراني، بوصفه الاختبار الأكثر تعقيدًا وخطورة في مجمل التفاوض، ففي الوقت الذي خرج فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكد على نقل هذا اليورانيوم إلى الولايات المتحدة، تصر طهران، على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها إسماعيل بقائي، على أنه “لن يُنقل إلى أي مكان”، وأن مسألة نقله إلى الولايات المتحدة “ليست مطروحة من الأصل”، بل يذهب الخطاب الإيراني إلى أبعد من ذلك حين يتعامل مع هذا المخزون بوصفه جزءًا من السيادة الوطنية، أو كما وصفه بقائي: “مقدس كأرض إيران”.

هذا التناقض الحاد بين الطرحين لا يكشف فقط عن خلاف تقني حول مصير مادة نووية شديدة الحساسية، بل يعكس صراعًا أعمق على المعنى السياسي للاتفاق نفسه،  فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول ما إذا كان اليورانيوم سيبقى داخل إيران أو سيُنقل إلى خارجها، وإنما تحولت إلى معركة سيادة ورمزية سياسية محاطة بمجموعة من التساؤلات: من يمتلك القرار النهائي بشأن هذه المادة؟ ومن يفرض صيغة التسوية؟ وكيف يمكن لكل طرف أن يخرج من هذه المواجهة بسردية تحفظ له صورة الغلبة والانتصار أمام الداخل والخارج؟

– صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة ستتعاون مع إيران لانتشال اليورانيوم المخصب المدفون تحت أنقاض المنشآت التي قُصفت، تمهيدًا لنقله إلى الأراضي الأمريكية باستخدام معدات حفر ضخمة.

– نفت وزارة الخارجية الإيرانية بشكل قاطع هذه المزاعم، مشددة على أن اليورانيوم… pic.twitter.com/iRKo9kSzE7

— نون بوست (@NoonPost) April 18, 2026

ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الخط، لا لتبدد الغموض بل لتضيف إليه مزيدًا من الإرباك، بعدما أشارت إلى أنها غير قادرة في الوقت الراهن على التحقق من الحجم الفعلي للمخزون الإيراني أو أماكن وجوده، بسبب عدم توافر وصول كافٍ إلى المنشآت النووية التي تعرضت لأضرار خلال العمليات العسكرية.

وتشير التقديرات إلى أن إيران كانت، قبل حرب يونيو/حزيران 2025، تمتلك نحو 440.9 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تضعها تقنيًا على مسافة قريبة من مستوى 90% المرتبط بصناعة السلاح النووي، لكن الضربات التي استهدفت المنشآت النووية خلال الحربين الأخيرتين فتحت الباب أمام حالة من الضبابية الكاملة بشأن الكمية الفعلية التي لا تزال بحوزة طهران اليوم، وهو ما يمنح هذا الملف حساسية مضاعفة، ويجعله واحدًا من أخطر الألغام المزروعة في طريق أي تسوية مرتقبة.

اليورانيوم في المقاربة الأمريكية الإيرانية

يُعدّ اليورانيوم المخصب العقدة المركزية في أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، بل يمكن القول إنه جوهر الاشتباك الحقيقي بين الطرفين، والعقبة الأثقل أمام نجاح أي مسار تفاوضي، وتنبع خطورة هذا الملف من أن الخلاف حوله لا يتعلق بالتفاصيل الفنية وحدها، وإنما يرتبط منذ البداية باختلاف جذري في الرؤية والمقاربة والغاية النهائية التي يسعى إليها كل طرف.

من المنظور الأمريكي، تنظر واشنطن إلى ملف اليورانيوم المخصب باعتباره المعيار الحاسم لأي اتفاق، إذ يتمثل الهدف الأساسي بالنسبة لها في تحجيم القدرات الإيرانية ومنع طهران من الاقتراب من مستوى التخصيب الذي يتيح لها امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، ولهذا جاء اتفاق عام 2015، الذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى عام 2018، محمّلًا بقيود واضحة ومباشرة على هذا الملف، سواء عبر تحديد سقف التخصيب عند 3.67%، أو تقليص حجم المخزون الإيراني، أو النص على إخراج جزء كبير منه إلى خارج البلاد، في محاولة لإبعاد الخطر من منبعه وليس فقط تجميده مؤقتًا.

أما في المقابل الإيراني، فإن اليورانيوم المخصب لا يُنظر إليه باعتباره مجرد مادة قابلة للتفاوض أو بندًا فنيًا ضمن صفقة سياسية، بل يُتعامل معه بوصفه جزءًا من السيادة الوطنية ورمزًا من رموز الحق السيادي الذي لا يجوز المساس به.

ومن هنا جاء التشدد الإيراني في هذا الملف، إلى حد وصفه، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، بأنه “مقدس كأرض إيران”، وهي صياغة تختزل حجم الحساسية السياسية والرمزية التي تحيط بهذه القضية داخل طهران، وعليه فإن إبداء أي مرونة بشأنه لا يبدو مسألة سهلة أو قابلة للحسم السريع، بل يظل رهين ترتيبات شديدة التعقيد، تتطلب مواءمات دقيقة ومحفزات استثنائية وضمانات تسمح للنظام الإيراني بتسويق أي تنازل محتمل دون أن يبدو وكأنه تخلى عن أحد ثوابته السيادية.

وسط تأكيدات أميركية إسرائيلية بأن الحرب الأخيرة أبعدت احتمالية امتلاك إيران لسلاح نووي في المدى المنظور، في المقابل هناك تباين في المعلومات حول كمية اليورانيوم المخصب التي تمتلكها طهران حتى الآن. pic.twitter.com/kcJWdC7mWt

— NOW الشرق (@AsharqNOW) April 16, 2026

وفي ظل تمسك إدارة ترامب بجعل إخراج اليورانيوم المخصب من إيران بندًا محوريًا في أي اتفاق، مقابل إصرار طهران على الاحتفاظ به داخل أراضيها باعتباره خطًا أحمر، فإن فرص الوصول إلى تسوية وفق هذه الثنائية المتصادمة تبدو شديدة الصعوبة.

ومن ثم، يصبح الطرفان مدفوعين، بحكم تعقيد الواقع واستحالة فرض أحد التصورين بالكامل، إلى البحث عن صيغ بديلة وسيناريوهات وسط تتجاوز منطق الخروج الكامل من الأراضي الإيرانية، كما تتجاوز في الوقت نفسه الإبقاء عليه بالمعدلات المرتفعة والمقلقة نفسها، بما يفتح الباب أمام تسويات أكثر مرونة، لكنها تبقى مشروطة بقدرة الطرفين على التوفيق بين مقتضيات الأمن من جهة، واعتبارات السيادة والرمزية السياسية من جهة أخرى.

خيار الطرف الثالث

يبرز خيار “الطرف الثالث” بوصفه أحد السيناريوهات المطروحة على طاولة النقاش لمعالجة هذه العقدة المعقدة، إذ يقوم هذا الطرح على نقل المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، بدلًا من تسليمه مباشرة إلى الولايات المتحدة، باعتبار أن السيناريو الأخير يصطدم مباشرة بالحساسية الإيرانية تجاه مسألة السيادة الوطنية ويصعب تمريره سياسيًا داخل طهران.

وليس هذا الخيار جديدًا بالكامل على مسار التفاوض، إذ سبق أن طُرح في أكثر من مناسبة، كان أبرزها إعلان روسيا في يونيو/حزيران الماضي استعدادها لتسلّم اليورانيوم الإيراني في إطار أي اتفاق محتمل، قبل أن تعود وتجدد الإشارة إلى هذا الاستعداد مرة أخرى مؤخرًا.

ويكتسب هذا الطرح قدرًا إضافيًا من الجدية إذا ما استُحضر أن إيران نفسها كانت قد شحنت، في عام 2015، جزءًا من مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، في سابقة تؤكد أن مبدأ نقل المخزون إلى طرف ثالث ليس خارجًا عن التجربة التفاوضية السابقة، ولا مستحيلًا من الناحية العملية أو السياسية.

وفي السياق نفسه، برزت الصين هي الأخرى كإحدى الوجهات المحتملة التي يمكن أن تستقبل اليورانيوم الإيراني، أو تتولى التعامل معه عبر صيغ فنية تقلل من مستوى تخصيبه بما يبدد المخاوف الأمريكية، وهو ما يعكس أن النقاش لم يعد محصورًا فقط في ثنائية “البقاء داخل إيران” أو “النقل إلى الولايات المتحدة”، وإنما بات منفتحًا على حلول وسيطة تبحث عن مخرج يقلل حدة الصدام بين مقتضيات السيادة الإيرانية ومتطلبات الضمانات الأمريكية.

وتزداد وجاهة هذا السيناريو من حقيقة أن فكرة نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة لا تبدو مرفوضة بالكامل من الجانب الإيراني، بالنظر إلى أنها طُبقت بالفعل في إطار اتفاق 2015، كما أنها ليست مستبعدة تمامًا من الجانب الأمريكي أيضًا.

فرغم أن واشنطن رفضت المقترح الروسي في يونيو/حزيران الماضي، فإن هذا الرفض لم يتحول إلى إغلاق نهائي للباب أمام الفكرة، وهو ما يبقي خيار “الطرف الثالث” قائمًا بوصفه أحد البدائل الواقعية والقابلة للنقاش، وربما أحد أكثر السيناريوهات قدرة على توفير مساحة وسط بين موقفين متصادمين يصعب الجمع بينهما بصيغتهما القصوى.

بقاءه في إيران تحت رقابة مشددة

ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضًا، في حال تعذر تمرير خيار نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، التوصل إلى صيغة تبقي هذا المخزون داخل الأراضي الإيرانية، لكن تحت رقابة مشددة ومستمرة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما بمشاركة خبراء فنيين من دول أخرى توصف بالحياد، ضمن ترتيبات يتم التوافق عليها بين واشنطن وطهران.

وفي إطار هذا الطرح، يبرز كذلك خيار تجميد التخصيب عند مستويات منخفضة، أو وقفه بالكامل لفترة زمنية يجري التفاوض بشأنها، وهي نقطة تعكس في حد ذاتها أن أصل الفكرة ليس مرفوضًا من الجانبين، وإنما يدور الخلاف حول مداه الزمني وشروطه السياسية والفنية؛ إذ طرحت طهران فترة تمتد إلى خمس سنوات، في حين تحدث الأمريكيون عن أفق يصل إلى عشرين عامًا.

متحدث الخارجية الايرانية: بقدر ما يُعد التراب الإيراني مهماً ومقدساً بالنسبة لنا فإن اليوارنيوم المخصب هو كذلك

— وكالة تسنيم للأنباء (@Tasnimarabic) April 17, 2026

ويحمل هذا السيناريو قدرًا من الجاذبية للطرفين، لأنه يتيح لكل منهما مساحة مناسبة لحفظ مصالحه وسرديته السياسية، فمن جهة، يمنح إيران إمكانية التمسك بمبدأ السيادة الوطنية، طالما أن اليورانيوم المخصب لم يغادر أراضيها، وبما يجنبها كلفة التراجع الرمزي أمام الداخل.

ومن جهة أخرى، يوفر لإدارة ترامب مساحة أوسع لتسويق الاتفاق باعتباره نجاحًا في تجميد المشروع النووي الإيراني لسنوات طويلة، وفرض منظومة رقابة صارمة على المخزون المخصب، بما يقلص إلى حد بعيد فرص تحوله إلى قاعدة انطلاق نحو امتلاك سلاح نووي.

وبهذا المعنى، لا يقوم هذا الخيار على حسم الخلاف من جذوره بقدر ما يقوم على إدارته بصيغة وسطية، تُبقي لكل طرف ما يكفي من المكاسب السياسية، وتؤجل الانفجار الكامل لهذا الملف عبر ترتيبات رقابية وفنية مشددة ربما تفتح الباب لصدامات محتملة بين الحين والأخر.

السيناريو العسكري.. الخيار الشمشوني على الطاولة

وفوق كل هذه السيناريوهات، يظل خيار التصعيد والعودة إلى المقاربة العسكرية حاضرًا على الطاولة في ما يتعلق بكيفية التعامل مع المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب، صحيح أن هذا المسار قد يبدو، في اللحظة الراهنة، أقل ترجيحًا في ظل المؤشرات التي توحي بوجود رغبة متبادلة في إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، إلا أنه لم يخرج نهائيًا من حسابات الأطراف، بل يبقى احتمالًا قائمًا كلما اقتربت المفاوضات من حافة الانسداد.

وتزداد قابلية هذا الخيار للعودة إذا ما أصرت طهران على التمسك بموقفها المتشدد، وتعاملت مع ملف اليورانيوم المخصب باعتباره خطًا أحمر مغلقًا لا يقبل أي قدر من المرونة أو إعادة الصياغة التفاوضية، ففي هذه الحالة، لا يعود المأزق مقتصرًا على تعثر الاتفاق، بل يتحول إلى أزمة سياسية مباشرة بالنسبة لترامب، داخليًا وخارجيًا، إذ يجد نفسه أمام مفاوضات عاجزة عن إنتاج اختراق حقيقي في الملف الأكثر حساسية، بما يهدد صورته كرئيس قادر على فرض شروطه وانتزاع ما يقدمه بوصفه “نصرًا سياسيًا” على إيران.

أمريكا تعزز قواتها في المنطقة وسط تصريحات عن مفاوضات جديدة مع إيران.. ما القصة؟https://t.co/ENs8RNgRKC

— CNN بالعربية (@cnnarabic) April 18, 2026

ومن هنا، قد يصبح التصعيد العسكري، خاصة في ظل الحشد المكثف خلال الأيام الأخيرة، أحد المسارات التي يلجأ إليها ترامب بحثًا عن سردية انتصارية تعوض الإخفاق التفاوضي، حتى لو انطوى ذلك على مجازفة كبيرة قد تدفع المنطقة مجددًا إلى حافة الانفجار.

على أي حال، يبدو من غير المرجح أن يُحسم ملف اليورانيوم المخصب بصورة نهائية خلال جولة المفاوضات المرتقبة، بالنظر إلى كونه الملف الأكثر تعقيدًا وحساسية في مجمل التفاوض، والأشد احتياجًا إلى نقاشات ممتدة تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية مع الحسابات الفنية والتقنية.

ولهذا، فإن الاحتمال الأقرب لا يتمثل في الوصول إلى تسوية تفصيلية كاملة منذ الجولة الأولى، بقدر ما يتمثل في التمهيد لاتفاق عام أو إطار سياسي واسع، تُرحّل بموجبه التفاصيل الأكثر تعقيدًا إلى جولات لاحقة، خاصة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الطرفين، ومعهما الإقليم بأسره، يبدون في حاجة واضحة إلى هدنة سياسية تسمح بالتقاط الأنفاس بعد نحو خمسين يومًا من الحرب التي استنزفت الجميع، وخلّفت من الخسائر والتداعيات ما يجعل أي اختراق تفاوضي، ولو جزئيًا أو مؤجل التفاصيل، مكسبًا قابلًا للبناء عليه في المرحلة المقبلة.

علاماتالاتفاق النووي الإيراني ، البرنامج النووي الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، السياسة الإيرانية
مواضيعالاتفاق النووي الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السلاح النووي ، السياسة الأمريكية ، السياسة الإيرانية

قد يعجبك ايضا

سياسة

وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل.. الحكومة اللبنانية بلا نفوذ يُذكر

فيصل عيتاني١٨ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

“شعرتُ أنني وحش”: جنود إسرائيليون يصارعون الخزي وألم الضمير

توم  ليفنسون١٨ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

سجون الاحتلال الإسرائيلي.. عن صناعة الألم اليومي للأسرى وعائلاتهم

إيمان أبو زايد١٧ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑