ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما سُئل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون عن سبب التحوّل الجذري الذي دفعه إلى الدعوة للانسحاب الأحادي من قطاع غزة، استشهد بأغنية شعبية إسرائيلية تقول كلماتها: “ما يمكنك رؤيته من هناك، لا يمكنك أن تراه من هنا”، في إشارة إلى تغيّر المنظور الذي يُفترض أنه اكتسبه بعد تولي السلطة.
ورغم أن الانسحاب من غزة عام 2005 قد لا يكون نابعًا من تغيّر في القناعات بقدر ما كانت تغييرًا في الاستراتيجية، كما أقرّ كبير مستشاريه لاحقًا، إلا أن كلمات تلك الأغنية أصبحت شعارًا مأثورًا في السياسة الإسرائيلية، وتذكيرًا بأن زاوية النظر هي التي تحدد كل شيء.
وقد استحضر مؤرخ الهولوكوست، المولود في إسرائيل، عمر بارتوف، هذه المقولة عندما سُئل عن سبب وصفه للعدوان الإسرائيلي الشرس على غزة بالإبادة الجماعية. وقد أوضح أن إقامته في الولايات المتحدة، التي أمضى فيها أكثر من ثلاثة عقود، منحته المسافة الكافية لرؤية إبادة غزة على حقيقتها. وقال: “أعتقد أنه من الصعب جدًا أن تكون متجردًا وموضوعيًا عندما تكون هناك”.
لم يكتفِ بارتوف بإطلاق وصف الإبادة الجماعية على ممارسات إسرائيل، بل أعلنها بأعلى صوته عبر كبرى المنابر الإعلامية. وقد طرح حججه في مقال مطوّل نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز” في يوليو/ تموز 2025 بعنوان: “أنا باحث في الإبادة الجماعية. وأعرفها عندما أراها“. (وكان قد تطرق إلى بعض هذه الحجج في مقال نُشر في صحيفة “الغارديان” في 2024).
وقد أخبرني بارتوف أن هذا الموقف كلّفه خسارة العديد من العلاقات، رغم أن الأحداث اللاحقة لم تثبت صحة تحليله فحسب، بل أظهرت أيضًا حالة اللامبالاة بالمعاناة الفلسطينية التي باتت متفشية في المجتمع الإسرائيلي.
يُعد كتابه الجديد “إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث؟”، محاولة لتفسير تلك اللامبالاة. في الكتاب الذي صدر الثلاثاء، يقدم بارتوف سردًا مفصلًا لكيفية تحوّل إسرائيل من دولة واعدة تعهدت في وثيقة تأسيسها بـ “المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس”، إلى دولة تركّز على ما وصفه صراحة بـ”الاحتلال الاستيطاني والقومية الإثنية”.
لا يمكن اعتبار بارتوف، البروفيسور بجامعة براون في الولايات المتحدة، والذي يدرّس منهجًا يحظى بشعبية واسعة حول الهولوكوست والنكبة، مراقبًا محايدًا. كان والداه من الصهاينة المخلصين الذين شاركوا حرب عام 1948، وقد أمضى بدوره 4 سنوات في الجيش الإسرائيلي، خدم خلالها في الضفة الغربية وشمال سيناء وغزة، وانتهى به المطاف قائدًا لسرية مشاة. بعد ذلك، نال درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أكسفورد، ليصبح واحدًا من أبرز الباحثين في مجال الإبادة الجماعية.
أمضى بارتوف عقودًا في دراسة الحرب العالمية الثانية، ومعاداة السامية، وتلقين الفكر النازي، وفقدان الذاكرة الجمعي، وقد نشر 10 كتب عن الهولوكوست. لذلك، فهو يتحدث بسلطة معرفية كبيرة عندما يستنكر الطريقة التي تم بها استغلال الهولوكوست لأغراض سياسية، لتتحوّل إلى ما يشبه “ورقة توت كبيرة” كما يصفها في كتابه، قائلًا إن “أثرها المؤسف يكمن في الجمع بين لعب دور الضحية والتباكي على الذات، وبين الغرور والغطرسة ونشوة القوة”.
بالطبع، لا يهدف بارتوف إلى التقليل من فظائع حملة الإبادة النازية، بل يسعى لتوضيح طرق استغلالها لتشكيل النفسية الإسرائيلية والأيديولوجيا السياسية. ورغم أن الصهيونية سبقت الهولوكوست بعقود، إلا أن مقتل 6 ملايين يهودي هو ما حوّلها من حلم بعيد المنال إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق، وهو مشروع يقول بارتوف إنه جمع دائمًا بين تيارين رئيسيين: “الأول هو حركة استيطانية استعمارية قومية عرقية، والآخر هو حركة تحرر وانعتاق وإنقاذ لأقلية مضطهدة”.
الفكرة هنا أنه لو كان لليهود دولة خاصة بهم، لنجوا من تلك الفظائع التي لا توصف، وهي “حجة ليست خاطئة تمامًا”، كما يرى بارتوف.
من وجهة نظره، بدأت المشكلة بعد إعلان إسرائيل استقلالها عام 1948، حيث يقول: “عندما تُقرر الدولة أنها لن تكون دولة طبيعية، ولن يكون لها دستور، ولن تحدد حدودها، ولن تحاول بناء علاقة طبيعية مع مواطنيها الفلسطينيين، ولن تحاول على الأقل تقديم بادرة تعويض ومصالحة مع من طردتهم. عندما تفعل ذلك، تتغيّر طبيعتها”.
في مكالمة عبر الفيديو من منزله في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، بدا بارتوف متحفظًا ومتواضعًا، وأضفى شعره الأبيض وهيئته الأكاديمية مظهرًا رصينًا متباينًا مع قميصه الأسود وسترته الرمادية الأنيقة.
إصرار بارتوف على أن الصهيونية كانت في جوهرها حركة تحرر، يفسر رفضه تعريف نفسه بأنه مناهض للصهيونية. ويقول: “أنا لا أعرف حتى ماذا يعني ذلك”، مؤكدًا إيمانه بأن لليهود حقًا في تقرير المصير طالما أنهم لا “ينتهكون حقوق الآخرين”. بناءً على ذلك، فإنه يعلن أنه “معارض تمامًا وبشدة للصهيونية الموجودة في إسرائيل اليوم”.
يدرك بارتوف جيدًا أن نقده لن يكن كافيًا على الإطلاق بالنسبة للفلسطينيين ومؤيديهم. في مقال نُشر بمجلة أبحاث الإبادة الجماعية، اتهمت أستاذة قانون حقوق الإنسان، سونيا بولس، بارتوف وغيره من الباحثين بـ”استخدام مصطلح الإبادة الجماعية بطريقة تُضعف قوته”، وذلك جزئيًا من خلال تحليل المصطلح بمعزل عن احتلال فلسطين منذ عام 1948.
في نظر هؤلاء المراقبين، فإن “الخطأ الذي حدث” ليس لغزًا كبيرًا: فقد أطلقت القوى الإمبريالية الغربية العنان لمشروع استعماري استيطاني استهدف منذ نشأته “إقصاء وتهجير وقتل الفلسطينيين”، كما يلخّص بارتوف في الكتاب. ورغم أنه يرفض هذا الوصف باعتباره مفرطًا في التبسيط ولا يراعي تطلعات اللاجئين اليهود في أوروبا، إلا أنه يقرّ قائلًا: “هذا ما آلت إليه [الصهيونية]”.
يركّز الكتاب على كيفية حدوث ذلك تحديدًا، وكيف كان يمكن أن تسير الأمور بشكل مختلف. في تحليله لـ”الخطأ الذي حدث؟”، يركّز بارتوف ما يصفه بالخطيئة الأصلية في تأسيس إسرائيل، وهي عدم منح وزن قانوني ملموس للشعارات السامية الواردة في وثيقة إعلان الاستقلال، إلى جانب فشل المؤسسين لاحقا في تبني دستور وطني ووثيقة حقوق.
ويجادل بارتوف بأنه لو دفع ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، باتجاه أحد هذين المسارين، لربما كانت الدولة الناشئة قد تطورت إلى نوع من الديمقراطية الليبرالية التي طالما ادعت أنها تمثلها، مهما كان ذلك الادعاء زائفًا.
ورغم إدانته للمجتمع الإسرائيلي الحالي، يرى بارتوف مسارًا ضيقًا نحو التعايش السلمي للدولة مع جيرانها. وقد خصص جزءًا من كتابه لخطة الكونفدرالية التي تدعو إليها مجموعة من المثقفين الإسرائيليين والفلسطينيين تُعرف باسم “أرض للجميع“، وهي نسخة من مقترح نظرت فيه الأمم المتحدة عام 1947.
بموجب هذه الخطة، يُفترض أن تتعايش جنبًا إلى جنب دولتان فلسطينية ويهودية مستقلتان تتمتعان بالسيادة، مع تقسيم يتوافق تقريبًا مع حدود ما قبل عام 1967. يُسمح لمواطني الدولتين العيش والتنقل بحريّة في جميع أنحاء الإقليم المشترك، لكنهم يصوتون فقط في انتخابات دولتهم، بشكل لا يختلف كثيرًا عن الطريقة التي يمكن بها للإيطالي – على سبيل المثال – الإقامة والعمل في دول الاتحاد الأوروبي، والتصويت فقط في إيطاليا.
وأقرّ بارتوف بأن الفكرة تبدو بعيدة المنال في وقت لا تزال فيه الجثث تُنتشل من تحت أنقاض غزة، وتخوض فيه إسرائيل حربًا دموية أخرى. لكنه أشار إلى أن ميل الدولة إلى المواجهة العسكرية على حساب الدبلوماسية يعتمد كليًا على الدعم الأمريكي، وهذا الدعم يتعرض الآن لاختبار غير مسبوق.
نتيجة للإبادة الجماعية في غزة، باتت أغلبية واضحة من الناخبين الديمقراطيين في الولايات المتحدة تتبنى الآن نظرة سلبية تجاه إسرائيل. ومؤخرًا، أدى العدوان الأمريكي الإسرائيلي غير المدروس على إيران إلى تآكل الدعم في صفوف الحزب الجمهوري بشكل كبير. وقال بارتوف: “بدأت حركة ماغا تصبح معادية لإسرائيل”، بسبب “انقياد ترامب لنتنياهو في حرب غبية تمامًا”.
ورغم وجود نزعة من التحيز العرقي وراء فكرة أن مجموعة يهودية ثرية ونافذة تتلاعب بالحكومة الأمريكية، إلا أن الإشارة إلى معاداة السامية فقدت فاعليتها، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن تأثير المانحين المؤيدين لإسرائيل على السياسة الأمريكية، وحملة إسرائيل لإقناع الولايات المتحدة بشن حرب على إيران، أصبح أمرًا لا يمكن إنكاره.
بالإضافة إلى ذلك، أكد بارتوف أن تهمة معاداة السامية أصبحت جوفاء بسبب “تحويلها إلى سلاح” بشكل صارخ واستخدامها “كأداة لإسكات الناس”، بينما تنشر إسرائيل الدمار بين جيرانها. وقد قال في كتابه: “بعد ادعائها بأنها الحل الأمثل لمعاداة السامية، أصبحت إسرائيل الآن أفضل ذريعة لأعداء السامية في كل مكان. فهي دولة أصبحت تُدمن العنف والقمع، وتعتمد على القوى العظمى والنفوذ المالي، وتستغل فظائع الهولوكوست كمبرر للعنف المفرط ضد الفلسطينيين، بشكل دفع بعض مؤيديها السابقين إلى النفور منها في حالة من الانزعاج، أو الرعب والاشمئزاز”.
ونتيجة لذلك، قد يصل تسامح أمريكا مع حليفتها التقليدية في الشرق الأوسط أخيرًا إلى حدوده القصوى. ويتوقع بارتوف أنه في حال حجبت الولايات المتحدة دعمها العسكري – كما يطالب عدد متزايد من صناع القرار الديمقراطيين – “سيتعين على إسرائيل أن تمر بعملية مصالحة مع نفسها”. وفي ظل هذه الظروف، لن يكون أمامها خيار سوى الدبلوماسية. ومن المفارقات أن ذلك قد يكون أفضل أمل لما يسمى بالدولة اليهودية في مستقبل آمن ومزدهر.
زار بارتوف إسرائيل آخر مرة في ديسمبر/ كانون الأول 2024، حيث لا يزال ابنه وأحفاده يعيشون هناك، ولم تكن رحلة ممتعة. يتذكر قائلًا: “كان من الصعب حتى مجرد الجلوس في مقهى، فالناس يستمتعون بوقتهم ويعيشون حياة طبيعية، بينما تحدث إبادة جماعية على بعد مسافة قصيرة. لم أستطع تحمل ذلك، لأنك عندما تكون هناك، تصبح متواطئًا، ولا يمكنك تجنب ذلك مهما كان رأيك”.
وقد دفع بارتوف ثمن صراحته، فالعديد من أعز أصدقائه يعيشون في إسرائيل، أو “على الأقل كانوا من أعز أصدقائي حتى وقت قريب”. وأضاف: “ثمة حزن شخصي، فأنا الآن في السبعينيات من عمري، ومن الجميل أن يكون لديك أصدقاء قدامى، لكنني ربما أثرت غضب الكثير منهم”.
يقول بارتوف إن كتابه الجديد سيصدر بـ”تسع أو عشر” لغات، لكن العبرية ليست من بينها. ورغم أنه يعرض ترجمة الكتاب بنفسه، إلا أنه يقول إن دور النشر الإسرائيلية، حتى تلك التي تميل إلى اليسار، رفضت ذلك.
وأضاف: “أعتقد أنهم شعروا بالإهانة لأنني لا أتبنى رأيًا جيدًا تجاه ما يسمى باليسار الإسرائيلي، وقد كتبت عن ذلك. إنهم يشعرون بأنني ذلك الإسرائيلي المقيم في أمريكا في غرفة مكيفة، كما يقولون، يرتشف الإسبريسو، بينما هم يعانون”.
ربما يكون لهم الحق في ذلك، ولكن مرة أخرى، إذا كان الجمهور الإسرائيلي غير قادر على قراءة ما يكتبه بارتوف، فكيف يمكنهم أن يأملوا بأن يعرفوا ما رآه هو بوضوح من هناك، بينما لا يمكنهم رؤيته من هنا؟
المصدر: الغارديان