ما بين ثماني دول، سبعٌ منها عربية، وفي النقطة الفاصلة بين المحيط الهندي وخليجي العقبة والسويس، يقع البحر الأحمر، أو بحر القُلزم كما اعتاد العرب تسميته نسبةً إلى مدينة القُلزم القديمة الواقعة على تخوم السويس الحالية، أو “بحر الحجاز” و”بحر اليمن” كما ورد في كتب الجغرافيين، من أمثال الإدريسي والمسعودي.
هذه التسميات التي أُطلقت على هذا البحر الممتد طولًا، والمختنق عند بدايته ونهايته، ألصقت البحر بالتراث العربي والإسلامي، وجعلته امتدادًا جغرافيًا للسواحل العربية، قبل أن تُطلق عليه لاحقًا تسمية “البحر الأحمر”، نسبة إلى لون طحالبه النادرة ذات الحمرة الشديدة.
تطول قائمة الأسماء وفقًا للحضارات التي سكنت أطراف شواطئه، لكن أيًا من مسمياته لا يعكس تنوعًا لغويًا بقدر ما يؤكد تغير تموضعه الجيوستراتيجي عبر الزمن؛ من مجرد بحرٍ غني بالثروات، إلى ممر استراتيجي تتنافس عليه القوى الاستعمارية، وترتمي على أطرافه القواعد العسكرية المعلنة والخفية لدولٍ تبعد عنه أميالًا ومسافات، رغبةً في الهيمنة على واحدٍ من أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم.
فما المميزات الجغرافية والاستراتيجية التي يتمتع بها البحر الأحمر؟ وما أهميته اللوجستية إقليميًا ودوليًا في ظل الصراعات المتعاظمة حوله، وتعدد جزره وسواحله؟ ولماذا تحمل حدوده وشواطئه أعباء التطبيع الإقليمي، والحروب البحرية، وصراعات الطاقة والتجارة، في سلةٍ واحدة؟ وأين تقع “إسرائيل” من كل ذلك؟
من يملك البحر.. يحكم العالم
وفقًا للبحوث التاريخية، فإن المصريين القدماء كانوا أول من أبحر في البحر الأحمر، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 2500 ق.م و1500 ق.م، بهدف التجارة مع الممالك المنتشرة على طول سواحله. أما المقدسي، ففي كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، فقد أكد أن البحر الذي عبره بنو إسرائيل هربًا من فرعون هو البحر الأحمر.
ومنذ بداياته، عُرف البحر الأحمر بوصفه طريقًا للتجارة، إذ كانت البضائع تتوقف في مدينتي السويس أو عيذاب، ثم تُنقل برًا إلى الساحل المصري على البحر الأبيض المتوسط، ومنه إلى إيطاليا فأوروبا، ثم تطور هذا الدور لاحقًا مع شق قناة السويس في نوفمبر/تشرين الثاني 1869، حين تقاسم الإيطاليون والفرنسيون النفوذ على خط التجارة، قبل أن تتغير موازين السيطرة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
أما اللحظة المفصلية الأولى في التاريخ الحديث للبحر الأحمر، فجاءت إثر حرب عام 1967، حين شنت “إسرائيل” حربًا على الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، وكان من بين دوافعها الرئيسية السعي للوصول إلى البحر الأحمر، وانتزاع القدرة المصرية على إغلاق مضيق تيران، ما تسبب لاحقًا بإغلاق قناة السويس إثر احتلال “إسرائيل” لشبه جزيرة سيناء، وانتهى إلى حضور “إسرائيلي” أقوى في ملاحة البحر الأحمر، بعدما تحول نفوذها من وجود محدود في إيلات إلى سيطرة جيوستراتيجية على مداخل البحر.
بيئيًا، يكتسب البحر الأحمر أهمية عالمية بسبب غزارة الحياة البحرية وتنوعها، إذ يُعد أحد أهم النظم البيئية وأكثرها تنوعًا في العالم. وتنتشر في مساحته البالغة 438 ألف كيلومتر مربع أكثر من ألف نوع من اللافقاريات، وما بين 300 و365 نوعًا من الشعاب المرجانية الصلبة واللينة، التي تؤوي نحو 25% من الكائنات البحرية.
كما يُعد منجمًا للطمي الغني بالزنك والنحاس والفضة والذهب، فيما تزخر الصحارى المحاذية له بأحجار التلك والجرانيت والأسبستوس والمايكا، إضافة إلى الرمال البيضاء المستخدمة في صناعة الزجاج.
أرادت السعودية إعادة ضبط البحر الأحمر من خلال ميناء ينبع بعد إغلاق مضيق هرمز، وخفضت إنتاجها بنحو مليوني برميل بوميًا
📍ميناء ينبع السعودي.. هل يكسر هيمنة مضيق هرمز؟https://t.co/JndyOPFOSQ pic.twitter.com/ujHlBPaoDL
— نون بوست (@NoonPost) March 27, 2026
وهو، إلى جانب ذلك، أحد أكثر البحار ملوحةً في العالم، إذ ترتفع نسبة الأملاح فيه بنحو 4% فوق المتوسط العالمي، نتيجة ارتفاع معدلات التبخر، وقلة الأمطار، وغياب الجداول والأنهار الكبيرة الرافدة، فضلًا عن اتصاله المحدود بالمحيط الهندي، بالإضافة إلى طبيعة الجزر البركانية المنتشرة في وسطه، والتي تُعد خاملةً في معظمها، باستثناء بركان جزيرة جبل الطير الذي ثار عام 2007.
وتستفيد من هذا الغنى الجغرافي والطبيعي سبع دول عربية، هي: السعودية، ومصر، والسودان، وجيبوتي، والصومال، واليمن، والأردن، فيما تُعد إريتريا الدولة الثامنة المطلة عليه. وفي السادس من يناير/كانون الثاني 2020، أسست هذه الدول منظمة إقليمية حملت اسم “مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن”، بهدف تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، والتنسيق في ما بينها بشأن الممر المائي وأمن الملاحة فيه.
ورغم أن التحالف يضم الدول المشاطئة للبحر، وهو الإطار المنطقي لإدارة منطقة بهذا الحجم، إلا أن طبيعة البحر الأحمر، ووجود دول غير مطلة عليه لكنها تمتلك مصالح استراتيجية فيه، يجعل التوافق على كثير من القضايا محكومًا بالتعثر في حال استثنائها، مثل إثيوبيا وبعض الدول الخليجية والأجنبية.
ويزداد هذا التعقيد بالنظر إلى حجم التجارة التي تمر بين طرفيه، من مضيق باب المندب جنوبًا إلى رأس محمد شمالًا، حيث يتفرع البحر إلى خليجي العقبة والسويس. ووفق أحدث التقديرات، يمر عبر هذا الممر البحري ما بين 12% و15% من حجم التجارة العالمية السنوية، بقيمة تتجاوز تريليون دولار وأكثر من 700 مليار يورو.
كما تعبر مياهه ما بين 20% و30% من حاويات الشحن العالمية، إضافة إلى نحو 6.2 مليون برميل نفط يوميًا، بينما يمر عبر مضيق باب المندب أكثر من 21 ألف سفينة سنويًا، بمعدل 57 سفينة يوميًا، ما يجعل أي اضطراب فيه مؤثرًا مباشرة على نحو 1.3% من إجمالي التجارة العالمية في اللحظة نفسها، قبل أن تتفاقم الخسائر والأضرار تباعًا.
وقد أحاط بهذا الحراك التجاري الضخم عدد من الموانئ التجارية والاقتصادية المهمة على جانبي البحر، فمن الجهة الآسيوية، تبرز الموانئ السعودية، وفي مقدمتها ميناء جدة الإسلامي، وميناء الملك فهد الصناعي بينبع، وميناء ينبع التجاري، وميناء الملك عبد الله في رابغ، وميناء ضباء، وميناء جازان، وميناء نيوم الجديد، إلى جانب موانئ فرعية أخرى. والموانئ اليمنية؛ الحديدة، والمخا، والصليف، إضافة إلى ميناء العقبة الأردني.
أما من الجهة الإفريقية، فهناك الموانئ المصرية؛ السويس، ونويبع، والغردقة، وسفاجا، وحوض البترول، إلى جانب الموانئ السودانية؛ بورتسودان، والميناء الشمالي، والجنوبي، والأخضر، والخير، والأمير عثمان دقنة، وجميعها تقع ضمن النطاق الجغرافي نفسه لبورتسودان، باستثناء الأخير الذي يتبع جزيرة سواكن.
وفي جيبوتي يبرز ميناء دورالة، بينما تضم الصومال موانئ مقديشيو، وبربرة، وبوصاصو، وكسمايو، وفي إريتريا ميناءا مصوع وعصب. أما أكبر موانئ البحر الأحمر فهو ميناء جدة الإسلامي، الذي يتراوح معدل مناولة الحاويات فيه بين 7.5 و8 ملايين حاوية سنويًا، يليه ميناء الملك عبد الله بمعدل يتراوح بين 3.5 و4.5 ملايين حاوية، وهو الأسرع نموًا في المنطقة.
ويأتي بعدهما ميناء العين السخنة المصري، بحجم مناولة يتراوح بين 2.5 و3.5 ملايين حاوية، والذي يشكل ضلعًا أساسيًا في محور صناعي ولوجستي ضمن منطقة قناة السويس، التي يمر عبرها نحو 20 ألف سفينة سنويًا، ثم ميناء جيبوتي بمعدل يتراوح بين مليون و1.5 مليون حاوية، بوصفه الذراع اللوجستي لنحو 90% من تجارة إثيوبيا الخارجية.
وهناك أيضًا ميناء بورتسودان، بمعدل مناولة يتراوح بين 0.8 ومليون حاوية، لكنه يسجل تراجعًا متواصلًا خلال السنوات الأخيرة، تأثرًا بالأوضاع السياسية وضعف البنية التحتية، إضافة إلى ميناء العقبة الأردني، الذي يقترب معدل مناولته من الرقم نفسه، مع أهميته الحصرية بوصفه المنفذ البحري الوحيد للأردن.
ولا تقتصر أهمية البحر الأحمر على التجارة والموانئ، بل يحتضن أيضًا سلسلة من أبرز الوجهات السياحية في العالم، بفضل مياهه الدافئة، وشعابه المرجانية، وأنشطة الغوص، واستكشاف حطام السفن العسكرية في أعماق مياهه، خصوصًا قبالة سواحل مصر والسودان والسعودية. وفي الوقت نفسه، تعمل السعودية على تطوير مشاريع سياحية جديدة، من بينها جزيرة سندالة، ومشروع أمالا، ومنتجع شيبارة وغيرها.
كما تمر أسفل مياهه ثلث كابلات الإنترنت المستخدمة عالميًا، ما يجعل أي استهداف لها تهديدًا مباشرًا بحرمان مئات الملايين من مستخدمي الشبكة من خدمات الاتصال والتعاملات التجارية الرقمية.
الصراع على السواحل والجزر
عسكريًا، يُعد البحر الأحمر وخاصة المنطقة المحاذية لمضيق باب المندب، أحد أكثر المناطق عسكرة في العالم، إذ يقدر عدد القواعد العسكرية فيه بنحو 31 قاعدة عسكرية نشطة، تتبع إحدى عشرة دولة، وتستضيفها ست دول هي؛ جيبوتي والصومال والسعودية وأريتيريا والأردن واليمن.
حيث تحتضن جيبوتي تسع قواعد، ومن المرشح أن يرتفع العدد مع احتمالية قيام السعودية بإنشاء قاعدة بها، بينما تضم الصومال سبع قواعد، والسعودية ست قواعد جميعها تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، وإريتريا 4 قواعد والخامسة تتبع لروسيا وهي قيد الإنشاء، بينما يضم الأردن ثلاثة قواعد عسكرية أمريكية، واليمن قاعدتين عسكريتين في جزيرتي سقطري وميون.
تخضع هذه القواعد لقوانين الدول المنشئة لها، وبعضها تشترك بها أكثر من دولة، بالإضافة لحلف الناتو ومجموعة الإتحاد الأوروبي، وهناك وجود عسكري شبه دائم عبر السفن والغواصات العسكرية على سواحل البحر وجزره وموانئه، وذلك تحت حججٍ مختلفة؛ منها حماية الملاحة، ومكافحة القرصنة، بالإضافة إلى حاجة خفية من التنافس الدولي على مناطق النفوذ.
ففي جيبوتي مثلًا، هناك تواجدٌ عسكري لخمس دول على الأقل، هي الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا، حيث تعتمد الدولة التي ينتشر الفقر بين أكثر من نصف سكانها على واردات الموانئ في 70% من ناتجها المحلي، لذا كان استثمارها لموقعها الجغرافي في الحصول على مدخولات اقتصادية حجر أساسٍ في اقتصادها منذ الاستقلال، بدأ ذلك بالقاعدة الفرنسية التي أبقت فيها فرنسا ألفي من جنودها بعد إعلان استقلال جيبوتي عنها عام 1977.
ومنذ ذلك التاريخ استخدمت فرنسا وجودها في تلك القاعدة للتوسع في بناء القواعد العسكرية، والتدخل في العمق الإفريقي، مقابل توفير التمويل الأساسي لحكومة جيبوتي والدفاع عنها وضمان استمراريتها، ثم ومع بداية الألفية الحديثة وتصاعد عمليات القرصنة الصومالية واليمنية، أصبح لأثيوبيا وجود دائم في ميناء جيبوتي، خاصة إثر إقدامها على تطويره والإشراف التدريجي عليه.
ثم ومنذ عام 2009 انطلقت الإمارات في تمويل وبناء محطات في ميناء دوراله، والذي يبعد 12 كم عن ميناء جيبوتي القديم، بينما تقوم السعودية حاليًا بتطوير ميناء تاجورا الجديد في شمال جيبوتي، ما يُتيح لكلٍ منهما امتيازات اقتصادية ووجودًا دائمًا متعدد الأوجه (عسكري، دبلوماسي، تجاري) وهيمنة دائمة عبر اتفاقيات شراكة طويلة الأمد.
هناك أيضًا وجود عسكري أمريكي يعود إلى عام 2002، مع إنشاء “فرقة العمل المشتركة للقرن الإفريقي”، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من القيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”. ويتمركز هذا الوجود في معسكر ليمونير بجيبوتي، وهو المقر السابق للجيش الفرنسي، ويُعد القاعدة العسكرية الدائمة الوحيدة للولايات المتحدة في إفريقيا.
ومن خلال هذه القاعدة، تُنسق الولايات المتحدة معظم عملياتها وهجماتها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما تضم مركزًا لمكافحة القرصنة تشارك في مهامه عدة دول، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وقوات الناتو. وفي إطار هذا التواجد، تقدم واشنطن لجيبوتي نحو 38 مليون دولار سنويًا.
وعلى سواحل البحر الأحمر في جيبوتي أيضًا، أنشأت اليابان عام 2010 أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها منذ الحرب العالمية الثانية، وتضم نحو 400 عنصر، تحت مبرر مكافحة القرصنة الصومالية. ثم افتتحت الصين عام 2017 أول قاعدة عسكرية لها في إفريقيا، في الموقع نفسه تقريبًا.
وفي العام ذاته، افتتحت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في الصومال، بينما كانت الإمارات والسعودية قد سبقتا ذلك منذ عام 2015، عبر إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في بربرة، بجمهورية أرض الصومال، وأخرى في ميناء عصب الإريتري، دعمًا لعملياتهما العسكرية في اليمن.
كما تُشير تقارير إلى وجودٍ عسكري “إسرائيلي” في كلٍ من جزيرة دهلك الأريتيرية، وميون وسقطرى اليمنيتين، في ضوء السيطرة الإماراتية عليهما وطبيعة التعاون الأمني والعسكري بين الكيانين.
وإلى نشاطٍ إيراني في الموانئ الإريترية عبر كلٍ من الأصول الاقتصادية والاستراتيجية، وقاعدتها البحرية التي وافقت أريتريا على بنائها عام 2008 في ميناء عصب، ومدنٍ تحت أرضية، وأسطولٍ بحري مكون من مدمرة ألفاند وسفينة بوشهر اللوجستية، خاض منذ عام 2011 وحتى 2020 أكثر من 180 مواجهة مسلحة مع القراصنة ورافق 2900 سفينة.
ولا يعني هذا التواجد الكثيف في أي حالٍ من الأحوال اكتظاظًا عسكريًا، فسواحل البحر تحتضن قرابة ما بين 379 -500 جزيرة، وإلى جانب الشعب المرجانية يرتفع عددها إلى ما يقارب 1496 جزيرة معظمها صغيرٌ جدًا، لكنه مناسب طبوغرافيًا لإنشاء نقاط تصنت غير مكشوفة، حيث تُوزع الجزر بواقع 126 جزيرة أرتيرية أبرزها دهلك وفاطمة، و6 جزر لجيبوتي، و144 جزيرة للسعودية أهمها تيران وصنافير، و36 جزيرة للسودان أبرزها سواكن، و26 جزيرة لمصر، و41 جزيرة لليمن أهمها بريم المعروفة بـميون وحنيش.
وتتميز معظم هذه الجزر بموقعها الاستراتيجي، وشواطئها الممهدة، وصلاحية أراضيها لإقامة مطارات عسكرية، وتوزيعها الاستراتيجي ما بين مضيقي تيران، وباب المندب، بالإضافة إلى طبيعتها البركانية، وشعبها المرجانية غير المسكونة.
معارك على ضفاف الأحمر
على خط التجارة والطاقة، وبمميزات سياحية وثروات طبيعية غنية، ونتيجة موقعٍ استراتيجي من الصعب استبداله، أضحى البحر الأحمر ساحة للحروب والصراعات، بدأ ذلك بشكلٍ جلي خلال القرن التاسع عشر، ضمن السياسة الاستعمارية الأوروبية التي عُرفت بـ “التكالب على إفريقيا”.
في خضم هذه السياسة خضعت إفريقيا وسواحلها للغزو المباشر، وللتقسيم، ولإشعال الخصومة بين الحكام المحليين، ولتهديد خطوط الملاحة والتجارة، وهكذا تنافس على الحوض الأحمر كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث سيطرت بريطانيا على عدن وشمال الصومال وأخضعت مصر للحماية.
بينما وضعت فرنسا يدها على جيبوتي، فيما استعمرت إيطاليا الصومال الجنوبي وأريتيريا، لتدخل روسيا (الاتحاد السوفيتي) على الخط إبان الحرب العالمية الثانية، عبر كلٍ من الصومال ومصر واليمن الجنوبي، ولاحقًا أثيوبيا، ثم وفي خضم استقلال الدول من الاستعمار وتصاعد الخلافات الداخلية والصراعات الإقليمية، وتغيرت معسكراتها بالتزامن مع دخول الولايات المتحدة على الخط.
ثم وفي مطلع التسعينيات، أصبحت الصراعات في حوض الأحمر تتراوح ما بين نزاعات محلية، أو تنافس إقليمي على النفوذ والموانئ، أو صراعٍ دولي على تأمين التجارة والطاقة، وكثيرًا ما تداخلت هذه الصراعات وتحولت من شكلٍ إلى آخر، متجاوزةً في تأثيرها حدود الإقليم ومساحاته.
من بين هذه الصراعات؛ حرب الثلاثين عامًا بين إثيوبيا وأرتيريا، التي استمرت حتى عام 1991، نتيجة خوف إثيوبيا من فقدان واجهتها البحرية إن استقلت أريتيريا، حتى وافقت إثيوبيا على الاستقلال على أن يكون له وصولية لميناء عصب ضمن تفاهمات اقتصادية وأمنية بين البلدين، قبل أن تتجدد الحرب مرة أخرى ما بين 1998-2000، لتفقد إثيوبيا وصوليتها، ويغدو الميناء مجرد ممرٍ تجاري مجاورٍ لها.
– حذّرت جماعة الحوثي من أنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه التصعيد الإقليمي، بينما أكدت أن أي توسيع للحرب سينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
– اعتبرت الجماعة أن الولايات المتحدة أدخلت نفسها في مأزق إستراتيجي كبير، بعدما وسّعت تدخلها العسكري في المنطقة وسعت لجر أطراف… pic.twitter.com/dGIyLohDNR
— نون بوست (@NoonPost) March 23, 2026
والتدخل العسكري الأمريكي في الصومال، منذ عام 1994 وحتى 2001، الذي وإن جاء بشكلٍ متقطع إلا أنه تسبب في إدراج الصومال على قائمة الإرهاب، وإقامة مقر عسكري للقيادة الإفريقية ضمن الجيش الأمريكي، وهناك أيضًا النزاعات الحدودية بين أرتيريا وجيبوتي، منذ 2008 وحتى 2018، التي تدخلت قطر وسيطًا فيها، قبل أن تقطع أريتيريا علاقاتها مع قطر، وتخفض جيبوتي التمثيل الدبلوماسي لها، ما دفع قطر للانسحاب من الوساطة واستمرار النزاع بأشكالٍ مختلفة حتى اليوم.
في هذا السياق أيضًا، جاءت عملية “أطلانطا” لمواجهة القرصنة في خليج عدن، التي أطلقها الاتحاد الأوروبي عام 2008، بمشاركة كل من النرويج، وصربيا، وأوكرانيا، ونيوزيلندا، إلى جانب روسيا، والصين، واليابان، والهند، وكوريا الجنوبية. وقد شكّلت العملية نقطة انطلاق لسباق عسكرة شواطئ البحر الأحمر المستمر حتى اليوم، تحت مبررات متعددة، من بينها حظر السلاح في الصومال، ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات والفحم النباتي، إضافة إلى مراقبة أنشطة الصيد في المنطقة.
بدخول الإتحاد الأوروبي إلى المياه الحمراء، بدا أن التمركز فيها لم يعد تقليديًا، بل أصبح عابرًا للدول في المرحلة الأولى، تمظهر ذلك حين أصبحت التوترات الحدودية والسيادية مدخلًا لنفوذ الدول الكبرى، مثل النزاع بين إريتريا واليمن حول جزر حنيش في التسعينيات، وهو صراع مباشر على السيطرة البحرية والمواقع الاستراتيجية لكنه كشف أهمية الجزر الصغيرة في موازين القوة البحرية.
تعاظم ذلك إثر اندلاع الحرب في اليمن، حين أصبح ممرًا بحريًا متصلًا ببؤرة صراع مشتعلة، أطرافها الحوثيون المدعومون من إيران، في مواجهة التحالف العربي الذي ضم كًلا من السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وقطر (استُبعدت عام 2017) ومصر والمغرب والأردن والسودان (حتى 2019)، وبدعمٍ لوجستي من الولايات المتحدة وبريطانيا، وصومالي عبر المجال الجوي والمياه الإقليمية، وباكستاني عبر السفن الحربية، وأممي عبر قرار مجلس الأمن 2216.
خلال هذا الصراع ظهرت أهمية السيطرة على الساحل الغربي لليمن، والجزر المطلة على مضيق باب المندب، بالتوازي مع تنوع أدوات الحرب، من هجمات بالصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والألغام البحرية، ما أدخل البحر الأحمر في عصر “الحرب البحرية غير المتماثلة”، وجعل تهديد الملاحة جزءًا من أدوات الحرب.
تسبب ذلك تاليًا، في تصاعد التنافس الإقليمي على الموانئ والقواعد العسكرية، خاصة من قبل الإمارات والسعودية وتركيا وقطر وإيران، في المرحلة الأولى لم يكن ذلك أكثر من صراع نفوذٍ بحري في محاولة للتحكم بسلاسل الإمداد وخطوط الملاحة، ثم أصبح تأكيدًا على العقدة الجيوسياسية للبحر، وأهميته الحيوية.
لكن الاضطراب الأكبر في مياهه بدأ منذ دخول جماعة أنصار الله الحوثي على خط السابع من أكتوبر إسنادًا للمقاومة الفلسطينية وعمليتها في السابع من أكتوبر 2023، وما اتصل بهذا الدخول من تحولات سريعة ارتبطت بتاريخٍ طويلٍ من الاهتمام “الإسرائيلي” في البحر الأحمر، وتصاعد لأهميته كحجر زاوية في معادلة الأمن “الإسرائيلي”.
نجوم زرقاء على صفحة البحر الأحمر
بعيدًا عن أهميته الجيوستراتيجية والاقتصادية، يكتسب البحر الأحمر أهمية مركزية في العقيدة الأمنية “الإسرائيلية”، يبدأ ذلك من الموروث الديني اليهودي، الذي يرى فيه ممرًا للنجاة من فرعون، وبداية أخرى للأسباط الاثنا عشر ما بين صحراء سيناء وفلسطين.
ثم يمتد في الفكر الأمني المؤسس، الذي سعى من خلاله بن غوريون لاستباق أي حصارٍ عربي بتوسعٍ “إسرائيلي” على المنافذ البحرية والمنابع المائية والطرق التجارية، لذا فما إن استتب الأمر لاحتلال فلسطين عام 1948، حتى أعلن أن السيطرة “الإسرائيلية” على البحر الأحمر أولوية يجب المبادرة إليها للفكاك من محاولات الحصار والتطويق.
تحقق ذلك فعليًا، بعد أقل من شهر على هدنة 1949، حين اندفعت جماعات الهاجاناة جنوب النقب لتحتل منطقة أم الرشراش المتاخمة لخليج العقبة، أحد تفرعي (رأس محمد) المخرج الشمالي من البحر الأحمر، وهناك غير اسم المدينة إلى إيلات، وبنى منفذه الوحيد على البحر الأحمر.
ليُعلن بن غوريون في حفل افتتاحه عام 1951، أن (أساطيل داود وسليمان ستشق طريقها من جديد في البحر الأحمر بعد توقف دام أكثر من ألفي عام)، لكن ذلك لم يكن كافيًا لتحقيق الوصولية “الإسرائيلية” التامة إلى عمق البحر الأحمر، خاصة مع حالة العداء المتبادلة مع الدول العربية المشاطئة السبع، وانعكاسات هذه الحالة على الإغلاق المصري المتكرر لمضيق تيران في وجه السفن “الإسرائيلية”.
أرق هذا الإغلاق الفكر “الإسرائيلي” الذي بنى أسطولًا بحريًا يربط حيفا بموانئ العالم، لكنه ظل محاصرًا في المياه الحمراء، ما دفع قائد البحرية “الإسرائيلية” كانستلون في ذاك الوقت للتصريح بأن كيانه يُعد العدة لفرض حصارٍ على الدول العربية عبر تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة يهودية.
وهو الهدف الذي اتفق مع نوايا كلٍ من بريطانيا وفرنسا بالسيطرة على قناة السويس، وتحقق بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين حاولت “إسرائيل” الالتفاف على الخنق الاستراتيجي المصري لبوابتها على البحر الأحمر، وهو ما تحقق عندما سيطرت القوات “الإسرائيلية” على شبه جزيرة سيناء ووصلت إلى شرم الشيخ.
ورغم أن الحرب انتهت بانسحاب “إسرائيل” من سيناء بعد أقل من عامٍ واحد، تحت ضغط الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي، إلا أن القبضة المصرية لم تعد كما كانت، إذ نشأ ترتيب أممي تقوم فيه الأمم المتحدة بنشر قوات دولية في سيناء وشرم الشيخ، لضمان بقاء مضائق تيران مفتوحة أمام الملاحة “الإسرائيلية”.
وهو ما فرض واقعًا إقليميًا جديدًا، أكد أن البحر الأحمر لم يكن هامشًا على الأحداث، أو مجرد ساحة تنافس، بل جزءًا مهمًا من الحسابات العسكرية “الإسرائيلية”، بينما ترسخت قيمة مضائق تيران كنقطة اختناق استراتيجية، ليُمهد ذلك لاستخدامها فتيلًا لحرب 1967.
• أعادت السعودية تشغيل خط أنابيب “شرق-غرب” لنقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بهدف تجاوز مضيق هرمز الذي توقفت فيه الحركة بسبب الحرب على إيران.
• الخط الذي بُني في ثمانينيات القرن الماضي يصل طوله إلى نحو 750 ميلًا، وتعمل شركة أرامكو على رفع تدفق… pic.twitter.com/c9pC4hL14j
— نون بوست (@NoonPost) March 12, 2026
والتفافًا على ذلك، توجهت “إسرائيل” لتحييد قناة السويس، إذ وفقًا لوثيقة سرية أمريكية صدرت عام 1963، فقد تم التخطيط لإطلاق قناة موازية لقناة السويس، أعمق وأضخم، تتسع للفرقاطات البحرية وحاملات الطائرات والموانئ العائمة، تمتد من خليج العقبة حتى مدينة عسقلان، وتعبر قطاع غزة، بطول 160 ميلًا، وعمق 1500 قدم، وبشراكة بين “إسرائيل” وبريطانيا والولايات المتحدة، تُعرف بقناة “بن غوريون“، وتستهدف إنهاء مكانة قناة السويس أو إضعافها بالحد الأدنى.
لكن المخطط الذي سعى إلى تحقيق استقلالية بحرية “إسرائيلية” كاملة، تربط البحر المتوسط بخليج العقبة من دون المرور عبر أراضٍ أو ممرات قابلة للإغلاق سياسيًا أو عسكريًا، لم يرَ النور، إذ بدا حلم الاستقرار الإقليمي والتمويل الاقتصادي السخي بعيد المنال في ظل تجدد الحروب والنزاعات خلال عامي 1967 و1973.
ومع اندلاع حرب 1967، سحبت مصر قوات الأمم المتحدة وأغلقت مضائق تيران ردًا على الهجوم “الإسرائيلي” المباغت، فيما سيطرت “إسرائيل” على سيناء وشرم الشيخ، ما دفع مصر إلى إغلاق قناة السويس. ثم ازداد الحصار العربي حدة عام 1973، عندما فرضت القوات المصرية واليمنية حصارًا على مضيق باب المندب، وأغلقته في وجه الملاحة “الإسرائيلية”.
وبعد ذلك بشهرين، وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول 1973، أسهمت الدول الغربية في فك الحصار عن “إسرائيل”، وخصصت مجموعة من السفن لضمان إبقاء المضيق مفتوحًا، قبل أن يُستتبع ذلك بجهد دولي أسفر عن فتح تيران وصنافير أمام سفن “إسرائيل” وتجارته.
وخلال السنوات الممتدة بين 1967 و1973، تعرضت التجارة العالمية لصدمة غير متوقعة، وفقد البحر الأحمر جزءًا كبيرًا من أهميته نتيجة تحول طرق التجارة نحو رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى تباطؤ النمو العالمي، وظهور قاعدة اقتصادية عامة مفادها أن التجارة تنخفض بنسبة 5% كلما زادت المسافة البحرية بنسبة 10%، وهي قاعدة ظلت مؤثرة في الاقتصاد العالمي حتى اليوم.
اللافت هُنا، أن إغلاق السويس ومضائق تيران، لم يمنع الاحتلال من محاولة القفز على الحواجز وتشكيل مناطق نفوذٍ تتجاوزها، فنهاية الستينيات وإيان انحسار الاستعمار البريطاني عن الجنوب اليمني، ضغط دبلوماسيو الكيان على بريطانيا، للحفاظ على نفوذٍ بريطاني في مضيق باب المندب، أقله عدم تسليم جزيرة ميون (بريم) للدولة اليمنية الجديدة.
تجلى ذلك على لسان وزير الخارجية “الإسرائيلي” حينها، آبا إيبان الذي قال: “إذا سقطت جزيرة ميون في أيدٍ غير صديقة، سينتج خطرُ مشابه لما حدث في خليج العقبة وقد يكون أكبر”، لكن الإقناع “الإسرائيلي” فشل في تمرير أهدافه عبر بوابة الأمم المتحدة، فلجأ إلى أثيوبيا، لشراء قواعد لهم في جزرها المتناثرة.
في تلك الفترة، كانت “إسرائيل” تحتفظ بعلاقات تاريخية مع إثيوبيا، بدءًا من عهد إمبراطورها هيلاسلاسي الذي ادعى نسبه إلى النبي سليمان، وصولًا إلى عام 1970 حين استأجرت “إسرائيل” ثلاث جزرٍ من أثيوبيا، هي أبو طير وحالب ودهلك، وانطلقت من هناك تدعم إثيوبيا ضد أريتيريا، وفرنسا ضد جيبوتي.
– يقع معسكر الخشعة (مقر اللواء 37 مدرع) في منطقة حيوية غرب وادي حضرموت، حيث يمثل نقطة الوصل الرئيسية التي تربط بين الوادي والصحراء، ويتحكم في الطريق الدولي المؤدي إلى محافظتي شبوة وعدن.
– يُصنف المعسكر كأكبر قاعدة عسكرية في محافظة حضرموت، فالسيطرة عليه ستقوّض قدرة الانتقالي… pic.twitter.com/7dA08NxXeY
— نون بوست (@NoonPost) January 3, 2026
عام 1975، أصبح النفوذ “الإسرائيلي” في البحر الأحمر يمتد من خليج العقبة شمالًا، مرورًا بجزيرتي رواجيات ومكهلاوي المتاخمتين لحدود السودان، وجزيرتي حالب وفاطمة المتاخمتين للسعودية، ومن ثم سنشيان ودميرا، وهي من أقرب الجزر إلى باب المندب، ثم اختتُم ذلك باتفاقية السلام مع مصر 1979 التي ضمنت حرية ملاحة كاملة حتى باب المندب.
لكن التحركات الفعلية تركزت منتصف التسعينيات، إثر دعمٍ “إسرائيلي” عسكري وسياسي لأريتيريا في مواجهة اليمن، ظهر من خلال مهاجمة قطعٍ بحرية وكوماندز “إسرائيلي” لجزيرة حنيش اليمنية، عام 1995، ورفع العلم “الإسرائيلي” عليها، قبل أن يُكشف النقاب عن تعليمات “إسرائيلية” لأريتيريا بعدم التفاوض مع اليمن.
أحد أوجه التعاون امتدت لصفقات تسليح وتدريب شملت 4 آلاف جندي أريتيري، وعتادًا من مروحيات وقذائف، ما دفع الجامعة العربية لدعم اليمن في نزاعها، لينتهي في عام 1998، حين أصدرت هيئة التحكيم الدائمة في لاهاي حكمها بإعادة أرخبيل حنيش لليمن، وفق السيادة الإقليمية، مع تقاسم لحقوق الصيد مع أرتيريا.
بمطلع الألفية الحديثة، اكتسب الوجود “الإسرائيلي” زخمًا أكبر في ظل التمركز الأمريكي، ثم تعاظم ذلك عبر عمليات مكافحة القرصنة متعددة الجنسيات، التي أتاحت دورًا خفيًا له في كلٍ من جيبوتي والصومال وشواطئ أرتيريا، خاصة بعد تفجير الفندق الذي يملكه “إسرائيلي” في مومباسا في كينيا.
هذه السيطرة أتاحت لـ”إسرائيل” استخدام قواعدها في دهلك الأرتيرية، للهجوم على مجمــع اليرموك للصناعات الدفاعية بالخرطوم في تشرين الأول/أكتوبر 2012، إضافة لهجومٍ آخر عام 2018 انطلق من القواعد نفسها، بالتزامن مع سلسلة تدريبات عسكرية وبحرية ضمن “التحالف الاستراتيجي للولايات المتحدة” والمنتدى الرباعي الذي يعرف بـ I2U2 والذي يضم الامارات والهند و”إسرائيل” والولايات المتحدة.
اكتمل مشهد التحالف باتفاقيات التطبيع 2020، التي منحت “إسرائيل” نقاط قوة متعددة في البحر الأحمر، من خلال الاتفاقيات الأمنية مع الإمارات، وما أفرزته من تعاونٍ أمني وعسكري في منطقة باب المندب، والجزر اليمنية (ميون، سقطرى، حنيش) التي وضعت الإمارات يدها عليها خلال حربها، والتحالف العربي على اليمن، ثم امتد للسودان.
حيث أكدت تقارير استخباراتية عدة، وجود ضباط وخبراء فنيين إسرائيليين في هذه الجزر، كما ثُبتت أنظمة رادار ومراقبة إلكترونية متطورة، تتيح هذه الأنظمة لكلٍ من “الإسرائيليين” والإماراتيين، إمكانيات مراقبة في “الزمن الفعلي” لجميع التحركات البرية والبحرية في المنطقة.
وفقًا لتقريرٍ صادرٍ عن وزارة الاستخبارات “الإسرائيلية” فإن التطبيع مع السودان، يمثل مدخلًا مهمًا على البحر الأحمر، عبر رصد مسارات تهريب الأسلحة من الشمال للجنوب، وتموضع أقرب من الملاحة الإيرانية على طول البحر الأحمر، بل إن التطبيع مع السودان يمتد لاستبدال مشروع قناة بن غوريون بمشروع أنابيب نقلٍ للطاقة والنفط (إيلات- عسقلان) مشتركٍ مع الإمارات والسودان.
بهذا الانخراط السريع، شاركت “إسرائيل” بين عامي 2021 و2022 في ست مناورات بحرية مهمة في نطاق البحر الأحمر، سواء مع الولايات المتحدة أو مع دول عربية وأوروبية أخرى، كان على رأسها مناورة الدرع الرقمي بين الجيشين “الإسرائيلي” والأمريكي (سبتمبر 2022) ويعد التدريب هو الأول من نوعه الذي يجمع قطع بحرية إسرائيلية وقطع بحرية مُسيرة غير مأهولة تتبع القوة 59 من الأسطول الخامس الأمريكي.
تلاه تدريبُ آخر عام 2022، لمدة 18 يوماً تقوده القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، بالاشتراك مع 9000 فرد وما يصل إلى 50 سفينة من أكثر من 60 دولة شريكة ومنظمة دولية.
لكن حجر العثرة في وجه التوسع “الإسرائيلي” جاء عام 2023، بإسناد الحوثيين للمقاومة الفلسطينية، ومحاصرتهم لخط الملاحة “الإسرائيلي” واستهدافهم لأكثر من مئة سفينة مرتبطة بإسرائيل، أو الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، الأمر الذي رفع تكاليف الشحن البحري، وأفضى إلى رد عسكري دولي.
خلال الأشهر الأخيرة من 2025، حققت “إسرائيل” موطئ قدمٍ جديد في المياه الحمراء، عبر توقيعها اتفاق سلامٍ مع إقليم أرض الصومال، الذي يُتيح لها التمركز في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ومراقبة متقدمة للحوثيين والإيرانيين، خاصة وأن الإقليم “شبه مستقل”، شغوف بالانفصال عن السودان، وموعود باستثمارات إماراتية سخية واتفاقيات إثيوبية لاستغلال موانئه، ما يهيئ أرضية مستقرة لوجودٍ “إسرائيلي” دائم على سواحله.
وفقًا لدراسة حملت عنوان “إعادة هندسة البحر الأحمر: التداعيات الجيوسياسية للشراكة الإسرائيلية–الإماراتية“، فإن الوجود “الإسرائيلي” في قاعدتي بربرة أو زيلع (قيد الإنشاء)، مع ميزة تمترس حاملة طائرات غير قابلة للغرب في جنوب خليج عدن، تؤمن رصد التحركات البحرية لكلٍ من إيران وباكستان وتركيا.
كما تمنح ميزة قتالية في الحرب على الحوثيين، إذ تفصل أرض الصومال عن السواحل اليمنية قرابة 300-500 كم فقط، ما يسمح لها بنشر رادارات متقدمة، ومنظومة إنذار مبكر، واعتراضِ سريع، ومنصات إطلاق لفرق الكوماندوز البحري والطائرات المسيرة، دون الحاجة لرحلات طيران طويلة، مع طائرات إمدادٍ بالوقود لضرب الحوثيين.
اليوم، تتمركز في البحر الأحمر قرابة نصف القوات الجوية “الإسرائيلية” بما يُقارب 449 طائرة مقاتلة، تبدأ طلعاتها الجوية من خليج العقبة حتى جنوبي المضيق، بالإضافة إلى فرقة مدرعات كاملة، وفرق الاستطلاع والمساحة، ومخازن الأسلحة، ونقاط الاستطلاع، ومجموعة غواصات “دولفينا” المحملة بصواريخ نووية، والقادرة على الغوص لأسابيع تحت مياه البحر.
بُعيد الحرب “الإسرائيلية” الثانية على إيران، وإثر إعلان الحوثيين دخولهم الحرب، تجددت المخاوف “الإسرائيلية” من إغلاق مضيق باب المندب في وجه ملاحتها، على غرار إسنادهم لغزة، ما دفعها لمضاعفة قواتها في البحر الأحمر، وتركيز قطعٍ بحرية بشكلٍ دائم، بالتوازي مع تعزيز التنسيق بين القوات البحرية والجوية والبرية، في محاولة لإضعاف دور الحوثيين.
إقليميًا وعالميًا، تضاعفت المخاوف من تذبذب أسعار الطاقة، واضطراب مسارات التجارة والاقتصاد، وأُعيد إحياء مخططات قديمة لمدّ سكك حديدية، وإنشاء أنابيب نفط، وشق قنوات وخطوط بديلة للبحر الأحمر، ببوابتيه وحراسه شمالًا وجنوبًا، وسط تردد كبير حيال الكلفة الاقتصادية والزمنية والسياسية لأي من هذه البدائل.
بهذا، لم يعد البحر الأحمر مجرد جغرافيا تفصل بين قارتين، بل عقدة تختصر توازنات العالم بأسره. فمنذ أن تحول إلى أحد أهم شرايين الاقتصاد الدولي، لم يعد خاضعًا لمنطق الجغرافيا وحدها، بل لمنطق القوة، حيث تتزاحم على مياهه المصالح، وتتقاطع فوقه طرق التجارة مع مسارات الصراع عليها، وتُرسم على ضفافه حدود النفوذ أكثر مما تُرسم حدود الدول.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة البحر الأحمر بوصفه مساحة مائية محايدة، بل باعتباره مرآة تعكس تحولات القوة والنفوذ في العالم الجديد، واختبارًا دائمًا لقدرة الدول على التكيّف مع جغرافيا لا ترحم؛ إذ لا يكفي أن تطل على البحر لكي تحكم، بل عليها أن تفهم توازناته، وإلا وجدت نفسها خارج معادلة التاريخ.