في ظل تعثّر المسار التفاوضي بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي أرهقت الجميع، برزت مؤشرات وبعد فشل انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات التي كان يُفترض أن تستضيفها إسلام آباد خلال الأيام الماضية، نتيجة التباين الحاد في المقاربات التفاوضية، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو، بعد جولة شملت عُمان وباكستان، في محاولة لكسر حالة الجمود عبر طرح مقترح إيراني تم التشاور بشأنه مع الحلفاء، قبل نقله إلى الجانب الأمريكي.
ولا يمكن قراءة هذه الزيارة في إطارها البروتوكولي فقط، إذ إن توقيتها يتقاطع مع مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، والتوترات المرتبطة بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز والتلويح بغلق مضيق باب المندب، وما يحمله ذلك من انعكاسات على الاقتصاد العالمي، وهو ما منح التحرك الإيراني بعدًا سياسيًا يتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي.
ومن هذا المنطلق، طُرحت مجددًا فرضية اضطلاع روسيا بدور الوساطة، خاصة في ضوء إعلان الكرملين استعداده للإسهام في استعادة الاستقرار، ما أثار نقاشًا واسعًا حول مدى قدرة موسكو على لعب هذا الدور، في ضوء ما تمتلكه من أدوات ونفوذ، مقابل التحديات التي قد تعترض هذا المسار، فضلًا عن التساؤلات المرتبطة بما يميزها عن أدوار وساطة أخرى محتملة، مثل باكستان.
طهران تبحث عن مخرج.. لماذا روسيا؟
في هذه المرحلة الدقيقة، تبدو إيران في حاجة إلى طرف يتجاوز دور “ناقل الرسائل” المحايد إلى الولايات المتحدة، لتفضّل شريكًا قادرًا على الإسناد السياسي قبل أن يكون وسيطًا محايدًا، وفي هذا السياق، تبرز روسيا كخيار مرجّح، في ظل شراكة استراتيجية آخذة في التنامي بين الجانبين، غذّتها تحديات مشتركة، أبرزها العقوبات الغربية والاحتكاك المستمر مع المعسكر الغربي.
وعلى الرغم من أن موسكو تبنّت مقاربة حذرة منذ اندلاع الحرب، فإنها لا تُبدي تحفظًا على الانخراط في مسار تهدئة، خاصة مع اتساع نطاق التداعيات الاقتصادية للصراع بما يمس مصالح قوى كبرى، من بينها روسيا والصين، إلى جانب حلفائهما في الشرق الأوسط.
انطلاقًا من هذه المعطيات، اتجهت طهران إلى موسكو، سعيًا لتفعيل دورها في هذه المرحلة، بعد تعثر المسار التفاوضي في إسلام آباد ووصوله إلى حالة من الجمود، رغم محاولات التهدئة الخطابية التي تقلّل من حجم التباينات، لا سيما في الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الملف النووي.
ما الذي يميز موسكو عن إسلام آباد؟
تتمتع روسيا بجملة من المقومات التي تمنحها أفضلية نسبية على باكستان في حال الاضطلاع بدور الوساطة، في مقدمتها ثقلها الدولي كقوة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب قدرتها على التأثير في ملفات تتقاطع مباشرة مع التعقيدات القائمة بين إيران والولايات المتحدة، مثل التعاون النووي والعسكري وقطاع الطاقة.
كما تمتلك موسكو خبرة تراكمية في إدارة الأزمات الدولية، وكان لها دور محوري في صياغة الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي انسحب منه لاحقًا دونالد ترامب، ما يمنحها إلمامًا تفصيليًا بطبيعة الخلافات ونقاط التباين بين الأطراف، ويعزز قدرتها على الانخراط في مسار تفاوضي معقّد.
في المقابل، يستند الدور الباكستاني إلى اعتبارات لوجستية وجيوسياسية، أبرزها القرب الجغرافي وعلاقاتها المقبولة مع مختلف الأطراف، لكنه يظل محدودًا من حيث القدرة على تقديم ضمانات سياسية كبرى أو دفع الطرفين نحو تسوية شاملة.
ومع ذلك، لا يُتوقع أن يؤدي انخراط موسكو — حال حدوثه — إلى إقصاء دور إسلام آباد، بل قد يتخذ المسار شكل تنسيق تكاملي بين الطرفين، خاصة في ظل ما تتمتع به القيادة الباكستانية من قنوات اتصال جيدة مع دوائر صنع القرار في واشنطن، بما في ذلك مؤسساتها السياسية والعسكرية.
ماذا تمتلك موسكو من أوراق ضغط؟
تدخل روسيا معادلة الوساطة — حال قبولها بهذا الدور — وهي مسلّحة بحزمة من أوراق الضغط التي تؤهلها لتكون فاعلًا مؤثرًا بين إيران والولايات المتحدة، في مقدمتها علاقتها الاستراتيجية المتنامية مع طهران، والتي تمنحها قدرة على التأثير غير المباشر في دوائر صنع القرار الإيراني، وهو عامل قد يكون محل اهتمام لدى واشنطن في أي مسار تفاوضي.
إلى جانب ذلك، تستند موسكو، كما أسلفنا، إلى خبرة تراكمية في الملف النووي، بحكم دورها في الاتفاق النووي الإيراني 2015، ما يتيح لها فهمًا دقيقًا لنقاط الخلاف، وقدرة على تقديم مقاربات تقنية ورقابية يمكن أن تسهم في تضييق فجوة التباين بين الطرفين.
كما تعزّز موقعها التفاوضي عبر ثقلها في سوق الطاقة العالمي، باعتبارها أحد كبار المنتجين والمصدّرين، بما يمنحها ورقة ضغط مؤثرة يمكن توظيفها لدفع الأطراف نحو التهدئة والانخراط في التفاوض، خاصة في ظل حساسية إمدادات الطاقة واستقرار الأسعار عالميًا.
وعلى صعيد آخر، ورغم التوترات القائمة، تحتفظ موسكو بقنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن، ما يمنحها هامشًا للتحرك الدبلوماسي ونقل الرسائل بشكل مباشر، والقيام بدور يتجاوز الوساطة التقليدية إلى انخراط أكثر فاعلية في إدارة الأزمة، ويضاف إلى ذلك ثقلها المؤسسي كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي، وامتلاكها حق النقض (الفيتو)، وهو ما يتيح لها التأثير في مسار الشرعية الدولية لأي اتفاق محتمل، سواء عبر تمريره أو تعطيله.
وفي الإطار الإقليمي، تستفيد روسيا من شبكة علاقات متشعبة تشمل أطرافًا مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك قنوات تواصل مع إسرائيل ودول الخليج، وهو ما يعزز موقعها كوسيط محتمل قادر على التواصل مع مختلف الأطراف المعنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمتلك الدب الروسي القدرة على توفير قدر من الضمانات السياسية لأي تسوية محتملة، لا سيما إذا ما ترافقت وساطتها مع دعم من الصين، الأمر الذي قد يضفي على أي اتفاق ثقلاً دوليًا أكبر ويعزز فرص استدامته.
ضعف الثقة.. التحدي الأبرز
على الرغم من تعدد أوراق القوة التي تمتلكها روسيا للاضطلاع بدور الوساطة، فإن جملة من التحديات قد تُقوّض فاعلية هذا الدور وتحدّ من تأثيره، في مقدمة هذه التحديات تراجع مستوى الثقة لدى الولايات المتحدة تجاه موسكو، إذ تنظر واشنطن إلى التحركات الروسية بعين الحذر، وهي مقاربة تعمّقت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من اتساع الفجوة بين روسيا والمعسكر الغربي.
كما تثير طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران تساؤلات حول مدى حيادية الدور الروسي، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى التشكيك في قدرتها على أداء دور الوسيط النزيه، هذا التشكيك قد يضع موسكو أمام معادلة معقّدة، فإثبات الحياد يتطلب قدرًا من الضغط على الإيرانيين، وهو خيار قد تتحفّظ عليه روسيا خشية الإضرار بعلاقتها مع حليف استراتيجي.
يُضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في القلق داخل دوائر صنع القرار الأمريكية من تنامي النفوذ الروسي في الشرق الأوسط حال نجاحها في إدارة هذا الملف، وهو ما قد يدفع بعض الأطراف داخل واشنطن إلى التحفّظ على منح موسكو دورًا محوريًا في تسوية الأزمة، حتى وإن لم يكن هذا التحفّظ بالضرورة موحّدًا داخل الإدارة نفسها.
من هنا تبدو الوساطة الروسية، رغم القدرات وأوراق الضغط والإمكانيات المؤهلة، محكومة باعتبارات سياسية معقّدة، لا تتعلق فقط بقدرتها على التأثير، بل أيضًا بمدى قبول الأطراف الأخرى — وعلى رأسها واشنطن — بهذا الدور وحدوده.
في المقابل، لا يعني ذلك أن فرص نجاح روسيا في هذا الدور محدودة أو معدومة؛ إذ لا تزال تمتلك هامشًا للتحرك يمكن أن يفضي إلى تحقيق اختراقات جزئية في مسار التهدئة، سواء عبر خفض التصعيد، أو فتح قنوات تفاوض مباشرة، أو تثبيت هدنة مؤقتة، بما يسهم في تقليص فجوة التباين بين إيران والولايات المتحدة.
غير أن الوصول إلى اتفاق شامل أو فرض تسوية سياسية نهائية يظل رهين معادلة أكثر تعقيدًا، تتجاوز قدرة الوسيط وحده، وترتبط في جوهرها بمدى استعداد واشنطن للانخراط بجدية في تسوية متوازنة تقودها موسكو، وبمستوى المرونة التي قد تبديها طهران في التعاطي مع الضغوط والوساطات، بما يسمح بتقديم تنازلات متبادلة تفتح الطريق أمام تسوية قابلة للاستمرار.