بقرارها الانسحاب من منظمة الدول المصدرة للبترول “أوبك” وتحالف “أوبك+”، لم تغادر الإمارات سوق النفط، بل غادرت الغرفة التي كانت تحدد لها كم برميلًا تستطيع أن تبيع.
وجاء القرار في خضم توتر جيوسياسي وحرب أغلقت مضيق هرمز وشلت حركة الإمدادات، لكنه لا يعني زيادة فورية في المعروض، بل يمثل سؤالا عن من يملك قرار البرميل، فمن أبرز الرابحين والخاسرين من الخطوة؟
الرابح المباشر: الإمارات
تعد أبوظبي الرابح الواضح من هذا التحول، لأنه يكسر قيد الحصص الذي حدّ من قدرتها على تحويل طاقتها الإنتاجية إلى صادرات فعلية.
فالإمارات تمتلك قدرة إنتاجية تقترب من 4.85 مليون برميل يوميًا وتستهدف 5 ملايين، لكنها كانت ملزمة داخل أوبك+ بضخ ما بين 3.5 و3.8 ملايين برميل يوميًا.
وخلال الحرب، انخفض الإنتاج إلى 2.4 مليون برميل يوميًا، وتراجعت الصادرات إلى نحو 1.6 مليون بسبب إغلاق هرمز، لكن سبب الانسحاب لا يتعلق بزيادة فورية في المعروض، بل باستعادة حرية استخدام هذه الطاقة عندما تسمح الظروف.
فقد استثمرت الإمارات مليارات الدولارات في رفع قدراتها الإنتاجية، إذ رفعت أدنوك خطتها الرأسمالية إلى نحو 150 مليار دولار لبلوغ سعة 5 ملايين برميل يوميًا، بزيادة تقارب 40% مقارنة بمستواها السابق.
لكن نظام الحصص جعل جزءًا معتبرًا من هذه الاستثمارات غير مستغل، وحوّل الطاقة الإضافية إلى قدرة معلقة أكثر منها نفوذًا فعليًا في السوق.
لذلك، يعيد الانسحاب لأبوظبي السيطرة على البرميل: متى تنتج، وكم تصدّر، وبأي شروط تبيع؟ فالخطوة لا تعني إعلان حرب أسعار، بل استعادة زر التحكم في الإنتاج والتسعير والتعاقد.
ويتصل التوقيت أيضًا بفكرة “الحصاد الآن”، فالإمارات تدرك أن النفط لن يبقى أصلًا مضمونًا إلى الأبد، وخاصة أن القطاعات غير النفطية شكلت 77.3% من الناتج المحلي الحقيقي في الربع الأول من 2025.
لذلك تريد الإمارات جني أكبر عائد ممكن من قدراتها النفطية الحالية، وتوظيفه في مشاريع التنويع الاقتصادي بدل إبقاء جزء منه مقيدًا بحصص جماعية.
وتملك أبوظبي ورقة إضافية في هذا الاتجاه: خام مربان، الذي يجد طلبًا قويًا في آسيا. ومع غياب قيود الحصص، تستطيع الإمارات إبرام عقود أكثر مرونة، وتقديم شروط أفضل لمصافي الهند والصين وكوريا الجنوبية، بما يعزز حصتها السوقية دون أن تضطر إلى إغراق السوق.
ورغم أن الحرب قلصت التصدير وأبقت الإنتاج الفعلي عند مستويات متدنية، فإن الإمارات تبني للحظة ما بعد الأزمة. فحين تتحسن ظروف الشحن، ستكون أبوظبي قد استعادت قرار البرميل كاملًا، كطرف يريد تحويل الاستثمار النفطي إلى نفوذ تجاري طويل الأمد.
الخاسر المباشر: أوبك والسعودية
على الطرف الآخر، يخسر تحالف أوبك جزءًا من قدرته على ضبط السوق، فالخسارة ليست في فقدان عضو فحسب، بل في فقدان طاقة احتياطية مهمة تبلغ 1.54 مليون برميل يوميًا.
كما أن حصة أوبك+ من الإنتاج العالمي تتراجع، ما يضعف قدرتها على إرسال إشارة موحدة للمستثمرين بأن اللاعبين الكبار يتحركون بإيقاع واحد. وتكررت انسحابات دول صغيرة من قبل، لكن خروج عضو بهذا الحجم يرفع التساؤلات حول صلابة النظام.
ويتوقع أن تتحمل السعودية تحديدًا كلفة أكبر، فاقتصادها يعتمد على أسعار مرتفعة، وإستراتيجيتها القائمة على تخفيض الإنتاج للحفاظ على الأسعار تُصبح أكثر كلفة عندما يقرر شريك خليجي رفع إنتاجه في المستقبل.
وتملك السعودية أكبر طاقة احتياطية، لكن بدون الإمارات سيتعين عليها وحدها القيام بدور “الموازن” بين العرض والطلب. كما أن الخروج يعزز أصواتًا داخل أوبك تطالب بحصص أعلى، ما قد يشجع منتجين آخرين على السعي لمرونة أكبر.
ولا يعد النزاع بين الرياض وأبوظبي جديدًا، ففي 2021، طالبت الإمارات برفع خط أساس حصتها داخل أوبك+ وحصلت على زيادة، لكنها بقيت ترى أنها تستحق أكثر، وفي 2023 انتشرت شائعات عن خروجها من المنظمة ونفتها مصادر داخل أوبك.
ولكن اليوم أصبح الخروج حقيقة، ما يجعل المنظمة أمام اختبار: هل تستطيع الحفاظ على الانضباط دون إظهار أنها تعاقب من يريد الاستثمار في زيادة إنتاجه؟
الرابح المشروط
قد يرى المستهلكون والاقتصادات المستوردة للنفط في انسحاب الإمارات فرصة، لكن فوائدها مشروطة.
فإذا تمكنت الإمارات من رفع الإنتاج إلى طاقة 4.85 مليون برميل يوميًا بعد عودة طرق التصدير، فإن المعروض العالمي قد يزداد وتخف الضغوط على الأسعار. وهذا سيكون خبرًا جيدًا لمصافي آسيا التي تشتري الخام الإماراتي وتحتاج إلى إمدادات مستقرة.
لكن الواقع أن الإمارات لا تستطيع اختبار حريتها الآن، فالحرب عطلت حركة ناقلات النفط، وكانت أبوظبي تصدر حوالي 1.6 مليون برميل يوميًا عبر ميناء الفجيرة وخط الأنابيب.
كما أن البنية التحتية تضررت، ما يعني أن رفع الإنتاج الكامل يتطلب وقتًا واستثمارات لإصلاح المنشآت. ولذلك فإن أي زيادة في المعروض ستتأخر، ولن يشعر المستهلكون بفوائدها إلا عندما تعود الشحنات إلى مسارها الطبيعي.
حتى في حال انتهاء الحرب على إيران، سيحدد رد فعل السعودية وبقية أعضاء أوبك+ شكل الأسواق. فإذا ردت الرياض بخفض إنتاجها أكثر لإبقاء الأسعار مرتفعة، فقد لا يشعر السوق بزيادة كبيرة.
وإذا سمحت بدخول المزيد من النفط، فقد تتراجع الأسعار تدريجيًا، ما يجعل توقع الكاسب أمرًا مشروطًا بالسياسة والاقتصاد في آنٍ واحد.
هناك أيضًا سيناريوهات أكثر تقلبًا، إذ يحذر بعض المحللين من حرب حصص إذا شعرت دول أخرى أن الإمارات حصلت على امتياز يمكن أن يطالبوا بمثله.
السيناريو الأكثر تهدئة أن يبقى الأثر محدودًا إذا ظل القرار سياسيًا أكثر منه إنتاجيًا، والثاني أن يؤدي رفع الإمارات إنتاجها تدريجيًا إلى ضغط متوسط على الأسعار.
والسيناريو الثالث وهو الأصعب أن يدخل التحالف في سباق حصص يضعف الأسعار بشدة. وفي كل هذه الحالات، يبقى الربح مرهونًا ببراميل فعلية لا بيانات صحفية.
الخاسر المحتمل
أما الخاسر المحتمل فهم دول مثل العراق والجزائر ونيجيريا التي تعتمد على أسعار نفط مرتفعة لتغطية نفقات حكومية كثيرة.
فإذا أدت الحرية الإماراتية لاحقًا إلى زيادة واضحة في المعروض، فإن بعض المنتجين مثل الدول المذكورة قد يجدون أنفسهم في وضع هش.
فأي انخفاض ملموس في الأسعار قد يضر بميزانياتها ويقوض قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية أو الاستقرار الاجتماعي.
ولا يعد وهؤلاء المنتجين في وضع يسمح لهم بتحمل حرب حصص طويلة، ما يجعلهم ضحية محتملة إذا تحولت الحرية الإماراتية إلى معروض إضافي يضغط على الأسعار.
لكن هذا الخطر نفسه مشروط بحدوث زيادة ملموسة، فطالما ظل التصدير مقيدًا، ستبقى الأسعار مرتفعة نسبيًا، وسيبقى المنتجون الأضعف محميين من الصدمة. كما أن أي انخفاض في الأسعار قد يُقابَل بتخفيضات جديدة من السعودية لتعويض الفائض.