في حي بطن الهوى، داخل بلدة سلوان وعلى بُعد نحو 400 متر من المسجد الأقصى، تعيش أكثر من 84 عائلة فلسطينية (قرابة 700 فرد) تحت تهديد الإخلاء منذ عام 2015، استناداً إلى قانون إسرائيلي لعام 1970 يتيح لليهود المطالبة بأملاك ما قبل 1948، ويمنع الفلسطينيين من الحق ذاته. وخلال هذه السنوات، أخرجت قوات الاحتلال الإسرائيلي بالفعل عشرات العائلات من منازلها، وتحولت البيوت إلى نقاط استيطانية تتوسع داخل الحي تحت حماية الاحتلال.
في المقابل، يقع حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة، وقد أُنشئ عام 1956 لإيواء عائلات فلسطينية هُجّرت عام 1948. اليوم، يدفع الاحتلال نحو تغيير طابعه عبر مشاريع استيطانية ثابتة، أبرزها المصادقة في عام 2026 على إقامة مدرسة دينية يهودية للحريديم من 11 طابقاً على مساحة تقارب 5 دونمات، تتضمن سكنًا لمئات المستوطنين، في موقع يتوسط الحي.
وما يجمع بين الحيّين أنه في بطن الهوى يُعاد توزيع الملكية عبر المحاكم، وفي الشيخ جراح يُعاد تشكيل الحي عبر البناء الاستيطاني. وفي الحالتين، يتقلّص الحضور الفلسطيني داخل أحياء قائمة في قلب القدس.
في هذا الحوار الخاص لـ “نون بوست”، نستضيف الدكتور أحمد أمارة، محامٍ في مجال حقوق الإنسان وباحث في قانون الأراضي العثماني وتاريخ الاستيطان في القدس ومؤلف كتاب”الاستيطان في أحياء القدس”، إلى جانب الباحث المقدسي فخري أبو دياب، عضو لجنة الدفاع عن سلوان، وكلاهما من الأصوات التي تواكب وتفكك آليات المنظومة القانونية والاستيطانية في القدس وانعكاساتها على الوجود الفلسطيني داخل الأحياء.
كيف تفسّر ما يحدث في سلوان والشيخ جراح كنوع مختلف من الاستيطان يتم داخل قلب الأحياء السكنية وليس على أطراف المدينة؟
يعني، ما يتم بالأساس هو وفق الأيديولوجيا التي تبنّتها الصهيونية الدينية القومية المتشددة، والتي تنتهج ما يُسمّى “الاستيطان في القلوب”. أي إن الاستيطان ليس على التلال أو في أطراف البلد، وإنما في قلبها. أولاً، في القلب بمعناه لديهم، أي في كل نقطة أو بقعة ضمن ما يُسمّى “أرض إسرائيل الكبرى”. وحتى في الداخل، أي في المدن الساحلية كاللد والرملة، وكذلك داخل الأحياء، أي في قلب الأحياء الفلسطينية.
كل مرحلة من الاستيطان، وكل أيديولوجيا، لها أهدافها ومحفّزاتها المختلفة. وإذا تحدّثنا بشكل خاص عن القدس، فإن هذا التوجّه تصاعد بشكل أكبر بعد فكرة أوسلو، ومع التفكير بإمكانية تقسيم القدس، فكان التوجّه منذ ذلك الوقت نحو الاستيطان في قلب الأحياء في شرق القدس، بهدف منع أي تقسيم سياسي مستقبلي لها.
عملياً، ما حدث وتطوّر في هذه المرحلة هو الاعتماد على قانون إسرائيلي يسمح بالمطالبة بأملاك كانت يهودية قبل عام 1948، وهو قانون يُطبَّق فقط في شرق القدس. وغالباً ما تتولّى هذه المطالبات جمعيات استيطانية يمينية وليس أصحاب الأراضي أنفسهم، لأن أي مالك إذا كان موجوداً قبل عام 1948 جرى تعويضه بعد ذلك، سواء بأرض أو بيت أو مال.
لكن هذه الجمعيات تبحث عن ثغرات قانونية ووقائع تاريخية قائمة، ويتم دعمها بشكل كبير من بلدية القدس، ووزارة العدل، ووزارة المالية، ومن جهات أخرى مثل صندوق أراضي إسرائيل، والقيم على أملاك الغائبين، أو القيم العام في القدس. وكل هذه الجهات تدعمهم في كيفية الحصول على هذه الأملاك، وبعد السيطرة عليها يتم إخلاء العائلات الفلسطينية، ثم يُخطَّط لإقامة مستوطنات ومؤسسات أكبر، بحيث تتحوّل هذه المناطق إلى أحياء استيطانية.
تشير إلى دور الجمعيات الاستيطانية في “قلب الأحياء الفلسطينية”. كيف تعمل هذه الجمعيات عملياً كفاعل قانوني أم سياسي أم كلاهما؟
هذه الجمعيات هي في الأساس جمعيات سياسية استيطانية، لكنها في الوقت نفسه توظّف البنية القانونية والسياسية المتاحة لها ضمن المنظومة القائمة، في ظل الحكومة الحالية وتصاعد النفوذ اليميني المتطرف، وتستفيد من كل ما يتيحه النظام من محاكم ومؤسسات وقرارات وميزانيات، إلى درجة أنها تظهر أحياناً وكأنها NGOs عادية.
في التسعينيات، صدر قرار حكومي بتشكيل لجنة لفحص كيفية سيطرة هذه الجمعيات على أملاك داخل القدس، سواء في البلدة القديمة أو في سلوان. آنذاك، وُجدت مؤشرات على تواطؤ وتعاون بين مؤسسات رسمية عدة، مثل وزارة الإسكان، والقيم على أملاك الغائبين، وصندوق أراضي إسرائيل، ودائرة أراضي إسرائيل، في نقل أملاك، سواء كانت فلسطينية أو مصنفة سابقاً كـ”أملاك يهودية قبل 1948″، إلى هذه الجمعيات.
ومن بين هذه الجمعيات “عطيرت كوهنيم”، إضافة إلى جمعيات أخرى مثل “إلعاد” التي تُعرف أيضاً باسم “إلعير دافيد” أو مشروع “نحو مدينة داود” في سلوان.
في تلك المرحلة، كان المناخ السياسي العام أكثر تحفظاً تجاه هذا النوع من النشاط، لكنه لاحقاً تغيّر تدريجياً ليصبح أكثر دعماً له. ومع صعود الصهيونية الدينية وتعاظم نفوذ اليمين المتطرف في الحكومة، أصبحت هذه الجمعيات أكثر تمكيناً، واستُخدمت لها البنية السياسية والقانونية والمالية بشكل أوسع لدفع مشاريعها.
وخلال السنوات الـ15 إلى 20 الأخيرة، توسّع هذا النهج بشكل ملحوظ في عدة مناطق داخل القدس، مثل بطن الهوى، الشيخ جراح، البلدة القديمة، وادي الربابة، بيت حنينا، ورأس العمود، وغيرها من الأحياء التي تشهد هذا النمط من الاستيطان داخل قلب الأحياء السكنية.
إلى أي مدى يمكن اعتبار الإخلاءات في بطن الهوى جزءًا من منظومة قانونية سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني داخل القدس؟
يعني، إلى حد كبير، واضح أن هناك جواً سياسياً عاماً يتم استغلاله من قبل هذه الجمعيات، وقد جرى تهيئة البنية التحتية بشكل واسع لهذا الغرض. فمن الناحية القانونية، يوجد مجال لتفسيرات قانونية مختلفة تُستخدم أحياناً لتمنع الإخلاءا ، بينما في المستوى الآخر هناك إجراءات لا ترتبط فقط بالتأويل القانوني، بل تتجاوزه.
فمثلًا، هناك تدخلات حكومية عبر أدوات غير قانونية مباشرة، مثل ملف المواقع الأثرية أو ما يُعرف بسلطة “الحدائق الوطنية”، حيث أُعطيت إدارة وصيانة “حديقة مدينة داود” عملياً لجمعية استيطانية مثل “إلعاد”. كذلك توجد قرارات صادرة عن جهات مثل القيم على أملاك الغائبين، والتي ساهمت في نقل أملاك وإتاحتها لصالح جمعيات استيطانية.
إضافة إلى ذلك، هناك ميزانيات خُصصت لهذه الجمعيات بهدف ترميم بعض البيوت أو تطوير مشاريع داخل الأحياء. وبالتالي، لا يتعلق الأمر فقط بتفسيرات قانونية، بل أيضاً بقرارات سياسية مباشرة، إلى جانب استخدام المنظومة القانونية القائمة واستغلالها ضمن هذا السياق.
كيف تُستخدم الادعاءات التاريخية أو الدينية داخل المسار القانوني لتبرير الإخلاء أو الاستيطان في أحياء مثل الشيخ جراح وبطن الهوى؟
تُستغل هذه الادعاءات ضمن جزء محدد من المنظومة القانونية القائمة، باعتبارها امتداداً للبنية القانونية الموجودة أصلًا. فهناك تعديل قانوني إسرائيلي ينص على أن كل الأملاك التي كانت تحت “حارس أملاك العدو” الأردني قبل عام 1967، وهي عملياً أملاك يهودية انتقلت إلى هذا الحارس، قد عادت بعد 1967 إلى إدارة “القيم العام” الإسرائيلي، وهو جسم تابع لوزارة العدل.
في هذا الإطار، جرى تعديل يتيح لأي شخص يهودي أو وريث يهودي المطالبة بأملاكه التي تعود لما قبل 1948 عبر هذا الجسم، أي “القيم العام”، وبالتالي استعادتها. هنا دخلت جمعيات استيطانية واستغلت هذا المسار، وبدأت تدّعي أنها اشترت أو حصلت على هذه الأملاك من عائلات يهودية أو من ورثتها.
وفي بعض الحالات، لعبت مؤسسات يهودية دوراً في نقل الملكية، كما في حالة الشيخ جراح، حيث قامت “لجنة الطائفة السفاردية الشرقية” في القدس بنقل حقوقها في الأرض إلى جهات مرتبطة بجمعيات استيطانية.
وفي بطن الهوى، استندت بعض الادعاءات إلى وجود وقف يهودي (مثل وقف يهود اليمن) يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، حيث قام ممثلون عن جمعيات استيطانية بتعيين أنفسهم كمتولين على هذا الوقف، ثم توجهوا إلى “القيم العام” وقدموا ادعاءات بملكيتهم أو تمثيلهم القانوني لهذه الأملاك. وبناءً على ذلك، تم نقل الملكيات إليهم على الورق، لتبدأ بعدها دعاوى إخلاء ضد العائلات الفلسطينية.
هذه الدعاوى تُبنى غالباً على روايات تاريخية أو دينية، مثل أن هذه البيوت كانت لعائلات يهودية قبل عام 1948، أو أنها كانت كنيساً أو وقفاً دينياً. وغالباً ما يُستند أيضاً إلى واقع القدس في أواخر الفترة العثمانية، حين كانت مدينة متعددة السكان والأديان، وتميزت بتنوع اجتماعي وديني واسع ، التي سمحت به الإمبراطورية العثمانية.
لكن هذا التنوع التاريخي تم استغلاله اليوم ضمن مسار قانوني، سياسي، بحيث يتحول إلى أداة لإثبات “ملكية تاريخية” تُستخدم عملياً في الإخلاء. وفي المقابل، لا يتمتع الفلسطينيون بنفس القدرة على استعادة أملاكهم التي صودرت في أماكن مثل بطن الهوى، الشيخ جراح، الطالبيّة، البقعة، البلدة القديمة، وحي المغاربة وغيرها.
وبهذا الشكل، يُستخدم هذا القانون وإطاره الإداري بطريقة تجعل المنظومة تعمل في اتجاه واحد، حيث تتحول الادعاءات التاريخية إلى مسار قانوني يقود إلى الإخلاء، ثم إلى خلق واقع استيطاني جديد على الأرض.
كيف تفسّر العلاقة المتداخلة بين القانون والسياسة والجغرافيا في إعادة تشكيل الأحياء الفلسطينية داخل القدس؟ ومن أين يبدأ التأثير فعلياً؟
في النهاية، هناك عدة قوانين تشكّل جزءاً من هذه المنظومة، منها قانون أملاك الغائبين وقانون استملاك الأراضي، وقانون الأراضي للمصلحة العامة الذي يعود إلى عام 1943 في فترة الانتداب البريطاني. كما توجد قوانين تتعلق بالزراعة، إضافة إلى تفسيرات للقوانين العثمانية فيما يخص الأوقاف، وأراضي الميري، وأراضي المحلول، وأراضي الموات. إلى جانب ذلك، هناك قانون الشؤون القانونية والإدارية لعام 1970 وتطبيقاته.
في المحصلة، تشكّل هذه القوانين منظومة قانونية متضافرة هدفها مصادرة الأملاك الفلسطينية ونقلها إلى الدولة أو إلى جهات يهودية، كجزء من مشروع أوسع لتهويد القدس وإعادة تشكيل الجغرافيا القانونية والسياسية لها، ولفلسطين بشكل عام.
وعند النظر إلى السياق الأوسع، نرى أن كثيراً من هذه القوانين التي طُبّقت داخل فلسطين بعد عام 1948، جرى توسيعها أو تكييفها بعد عام 1967، سواء من خلال تشريعات مباشرة في القدس أو عبر أوامر عسكرية مشابهة في الضفة الغربية، وهي متشابهة إلى حد كبير من حيث المضمون، خاصة فيما يتعلق بأملاك الغائبين، ومصادرة الأراضي العامة، أو عدم الاعتراف بأنواع معينة من الأراضي كالميري والمحلول والموات.
ومن هنا، فإن ما يجري في سلوان والشيخ جراح لا يمكن فصله عن هذه المنظومة الأوسع، بل هو امتداد مباشر لها، حيث تتقاطع القوانين مع القرارات السياسية لتنعكس في النهاية على الأرض، من خلال إعادة تشكيل الأحياء والجغرافيا السكانية.
هل ما يجري في سلوان والشيخ جراح يمكن فهمه كسياسة واحدة لإعادة هندسة الأحياء الفلسطينية داخل القدس أم أنه سلسلة حالات منفصلة؟
لا، طبعاً، ما يجري هو جزء من سياسة عامة، جرى النقاش حولها واتخاذ قرارات بشأنها، وتُنفَّذ بشكل منتظم على مدى عقود. فالحركة الاستيطانية اليهودية أو الصهيونية، عبر تاريخها، عملت بصورة منظمة ومتواصلة.
إذا نظرنا تاريخياً، نجد أنه قبل عام 1948 كان التركيز أساساً على الاستيطان في المدن الساحلية. وبعد عام 1948، جرى العمل على تعزيز السيطرة على الحدود والثغور، وكذلك على إعادة السيطرة على مدن كبيرة مثل حيفا ويافا. وبعد عام 1967، برز نمط الاستيطان على التلال، فيما عُرف لاحقاً بـ”استيطان التلال”.
أما في المرحلة الأخيرة، فقد ظهرت الأيديولوجيا التي تقوم على ما يُسمّى “الاستيطان في القلوب”، أي داخل الأحياء الفلسطينية، كما نراه اليوم. بل إن هذا النمط امتد أيضاً إلى داخل أحياء يهودية، بهدف إعادة تشكيل المجتمع نفسه باتجاه أكثر تديناً، بما يعزز رفض أي انسحاب من أي جزء من الأرض.
إلى جانب ذلك، ظهرت ما يُعرف بـ”الأنوية التوراتية”، وهي مؤسسات وجمعيات عملت على الاستيطان داخل مدن إسرائيلية كبيرة، وداخل أحياء في المدن الساحلية مثل اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا، بهدف الحد من التمدد العربي والفلسطيني، خاصة مع انتقال بعض العائلات اليهودية من هذه المناطق.
كما أن كل موجة استيطانية كانت ترتبط غالباً بسياق سياسي معيّن، مثل اتفاقيات أو انسحابات. فعقب اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، بدأت موجة استيطانية جديدة في الضفة الغربية. وبعد اتفاقيات أوسلو، برزت موجة أخرى، خاصة في أحياء القدس، بهدف منع أي تقسيم مستقبلي. وكذلك بعد الانسحاب من غزة، نشطت “الأنوية التوراتية” داخل المدن الساحلية وداخل مدن أخرى مثل تل أبيب.
بالتالي، لا يمكن فهم ما يجري كحالات منفصلة، بل هو مسار ممنهج ومترابط، يرتبط بسياقات تاريخية وسياسية متعاقبة، ويهدف في مجمله إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والوجود السكاني بشكل مدروس.
ما مدى فعالية الأدوات القانونية المتاحة للفلسطينيين في مواجهة أو تأخير أوامر الإخلاء في بطن الهوى والشيخ جراح، في ظل استخدام قانون “الأمور القانونية والإدارية” لعام 1970 لصالح الجمعيات الاستيطانية؟
يعني من الصعب فصل هذا السؤال عن الواقع القائم، لأنه فعلياً يوجد جهد قانوني كبير وممتد منذ عقود، فقضية مثل الشيخ جراح شهدت عملاً قانونياً متواصلاً منذ بداية السبعينيات وحتى اليوم. ومع ذلك، فإن المنظومة القانونية ليست في صالح الفلسطينيين، والتعامل معها ليس لصالحهم، لكنها تبقى الأداة المتاحة والفرصة القانونية الرسمية الوحيدة.
في المقابل، رأينا أن التحرك الشعبي يمكن أن يدعم المسار القانوني، كما حدث في الشيخ جراح، لكن عملياً تبقى هذه الأدوات محدودة. فالمحاكم تفسّر القوانين بطريقة تخدم السياق القائم، وفي كثير من الأحيان تنسجم مع الأيديولوجيا السائدة، رغم أن المجال كان موجوداً، على مستوى محاكم الصلح أو حتى المحكمة العليا، لاتخاذ قرارات مختلفة، إلا أن ذلك لم يحدث، وبقي المناخ القانوني العام غير مُنصف للفلسطينيين.
مع ذلك، هناك حالات محدودة شهدت نجاحاً جزئياً أو تأجيلاً للإخلاءات، وغالباً ما ارتبطت بعمل مهني مكثف في جمع الأدلة. ففي عدد من القضايا، شاركتُ كشاهد خبير، واعتمدتُ على إعداد تقارير تستند إلى بحث معمّق في الأرشيف العثماني، والأرشيف البريطاني، وسجلات المحاكم الشرعية، بهدف تفنيد الادعاءات المقدَّمة حول ملكية الأراضي. وقد ساهمت هذه الأدلة، في بعض الحالات، في دعم الملفات القانونية وتأجيل الإجراءات أو تحقيق نتائج جزئية.
كما أن هناك تفسيرات قانونية يمكن أن تخدم الفلسطينيين، لكن تأثيرها يبقى محدوداً في ظل واقع أوسع، خاصة مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية وسيطرتها المتزايدة على بنية القضاء، وهو ما بدأ منذ سنوات في محاكم الصلح في القدس وامتد لاحقاً، ما جعل التحدي القانوني أكثر تعقيداً.
في النهاية، يبقى المسار القانوني قائماً على أدوات مثل جمع الأدلة التاريخية وتقديمها ، من الأرشيفات العثمانية والبريطانية وسجلات المحاكم الشرعية، لكن فعاليته تظل نسبية، وغالباً ما تقتصر على التأجيل أو تحقيق إنجازات جزئية، وليس تغيير المسار العام لهذه القضايا.
إذا استمرت هذه السياسات، كيف سيتغير واقع السكن والملكية للفلسطينيين في القدس قانونياً؟
عملياً، لا توجد إحصائية دقيقة تحدد عدد الأملاك الفلسطينية المهددة، خاصة ضمن الفئة التي يمكن الادعاء بأنها كانت تعود لجمعيات أو لأفراد يهود قبل عام 1948. لكن بشكل عام، من الواضح أن هناك توسعاً مستمراً في عمليات الإخلاء، مع انتقالها من حي إلى آخر. فقد ظهرت هذه الحالات في المصرارة، والشيخ جراح، وسلوان، وعدة أحياء داخل سلوان، ورأس العمود، وبيت حنينا، وشعفاط، إضافة إلى مناطق مثل جبل المكبر وبيت صفافا.
وهذا المسار يتقاطع أيضاً مع عملية “تسوية الأراضي” الجارية في القدس، والتي يُتوقع أن تؤدي إلى تسجيل مساحات واسعة إما كأملاك غائبين أو كأملاك دولة. وفي المحصلة، يُخشى أن تُستخدم هذه العملية لتعزيز السيطرة على الأراضي وتسخيرها ضمن مشروع أوسع لتهويد القدس وإعادة تشكيل المدينة ديموغرافياً وقانونياً.
كيف تُعدّ الإخلاءات والاستيطان في بطن الهوى والشيخ جراح انتهاكاً لقواعد القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة؟
تُعد هذه السياسات انتهاكاً على عدة مستويات. أولاً، تُعتبر القدس الشرقية، وفق القانون الدولي، أرضاً محتلة، ما يجعلها خاضعة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، وخاصة المادة 49 التي تحظر نقل سكان الدولة القائمة بالاحتلال إلى الأراضي المحتلة، كما تحظر مصادرة الأملاك الخاصة.
إضافة إلى ذلك، فإن إخلاء السكان الذين عاشوا في منازلهم لعقود طويلة يشكّل انتهاكاً لحقوق أساسية، مثل الحق في السكن، والملكية، والعيش بكرامة. كما أن سياسات الاستيطان، وفق القانون الدولي الإنساني، تُعد غير قانونية، وقد تُصنّف، في بعض الأطر القانونية مثل نظام روما، كجريمة حرب، نظراً لما تنطوي عليه من نقل للسكان وتغيير للتركيبة السكانية في الأرض المحتلة.
ومن خلال معايشة مباشرة لما يجري في سلوان والأحياء المحيطة، ينقل فخري أبو دياب، باحث مقدسي وناشط ميداني، وعضو في لجنة الدفاع عن أراضي سلوان، رواية ترتكز على التجربة الحية، موضحاً تأثير هذه السياسات على العائلات ومستقبل وجودها في المدينة، كما يقدّم صورة حيّة من الميدان تجمع بين البعد الإنساني والتفاصيل اليومية لما يعيشه السكان، إلى جانب عرض الوقائع المرتبطة بالـ إخلاءات والاستيطان في القدس .
ما حجم الاستيلاء والإخلاءات في حي بطن الهوى حتى الآن؟ وما طبيعة الواقع الذي تعيشه العائلات هناك تحت التهديد المستمر؟
حتى الآن تم الاستيلاء على نحو 23 منزلاً في الحي، فيما تواجه 76 شقة خطر الإخلاء الفوري. وقد أُخرجت عائلات من منازلها بالقوة، وتمت السيطرة على بيوتها وإحلال مستوطنين مكانها، بينما تعيش عائلات أخرى تحت تهديد دائم بالإخلاء في أي لحظة.
تُطرح هذه القضايا داخل المحاكم تحت غطاء “نزاع قانوني على الملكية”، في حين أن جوهرها يرتبط بالصراع على الأرض والوجود. فالمسألة ليست قانونية بقدر ما هي سياسية بامتياز، تُدار عبر أدوات قانونية لتكريس واقع استيطاني جديد.
حي بطن الهوى يشكّل نقطة ربط بين حي البستان والمستوطنات في منطقة رأس العامود. ويقع حي البستان إلى الشرق منه، بينما تحدّه من الغرب منطقة وادي حلوة، التي يطلق عليها الاحتلال اسم “مدينة داوود”. ومن هذا الامتداد تتصل البؤر الاستيطانية باتجاه المسجد الأقصى، ومن جهة رأس العامود نحو مستوطنات أخرى تمتد حتى محيط حي الشيخ جراح المهدد أيضاً، في إطار مسار يهدف إلى إحكام تطويق المسجد الأقصى تدريجياً وعزله،وهو هدف يعمل عليه الاحتلال بشكل ممنهج.
ما يجري ضمن المخطط المعروف باسم “أورشاليم” أو “الحوض التاريخي” يهدف إلى إعادة تشكيل محيط المسجد الأقصى، وعزله تدريجياً عن محيطه الفلسطيني، عبر تفريغ سكاني متدرج، وإعادة هندسة الواقع الديمغرافي والجغرافي للقدس بما يخدم مشروعاً استيطانياً واضح المعالم.
كيف تُفسَّر طبيعة الاستهداف الذي يتعرض له حي بطن الهوى؟ وما هي أبعاده ؟
حي بطن الهوى، جزء لا يتجزأ من بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك، ويقع داخل ما تسميه سلطات الاحتلال “الحوض التاريخي” أو “الحوض المقدس”، الممتد من حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة إلى سلوان جنوب المسجد الأقصى. وهي منطقة تُعد من أخطر بؤر الاستهداف المباشر للوجود الفلسطيني في القدس، حيث تتصدر سلوان هذا الاستهداف من حيث الكثافة والعمق.
حي بطن الهوى يواجه ادعاءات من سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية بملكية نحو 5200 متر مربع، بزعم أنها كانت ممتلكات يهودية تعود إلى القرن التاسع عشر، بين عامي 1881 و1886. هذه الادعاءات غير مثبتة ولا تستند إلى أي وقائع قانونية حقيقية، وإنما تُستخدم كمدخل لفرض وقائع على الأرض.
الإشكال الجوهري في البنية القانونية التي تُدار من خلالها هذه القضايا، حيث تُقبل ادعاءات الملكية المقدمة من مؤسسات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية، بينما يُحمَّل السكان عبء إثبات العكس. أي أن قاعدة “البينة على من ادّعى” تُقلب بشكل كامل، لتصبح البينة على من “يُدّعى عليه”، وهو ما يشكّل خللاً بنيوياً في المنظومة القانونية ذاتها.
ويعيش في هذه المنازل نحو 900 شخص، فوق أراضٍ فلسطينية تضم مباني قائمة منذ أكثر من 50 عاماً، وبعضها يعود إلى 70 أو 80 عاماً. كما أن جزءاً من السكان هم لاجئون تم تهجيرهم عام 1948 من الجزء الغربي من مدينة القدس، ويملكون وثائق ملكية أصلية هناك، إلا أن هذه الوثائق لا يُعترف بها داخل المحاكم الإسرائيلية، في دلالة على ازدواجية صارخة في المعايير.
القضية ممتدة منذ نحو 20 عاماً دون حسم، ودون أدلة نهائية، ضمن مسار قانوني طويل يُدار ببطء مقصود. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى القضاء باعتباره جهة محايدة، بل كجزء من منظومة الاحتلال نفسها، التي توفر غطاءً قانونياً لعمل الجمعيات الاستيطانية والمؤسسات الرسمية، بهدف ترسيخ السيطرة على الأرض.
كيف ينعكس الطرد من المنازل في القدس على الحياة الاجتماعية والنفسية للعائلات الفلسطينية؟
ما يجري في القدس لا يمكن وصفه كإخلاء منازل أو نزاع على ملكية، بل هو طرد مباشر لعائلات تُرمى في الشارع دون مأوى، بعد أن عاشت في بيوتها سنوات طويلة، وأحياناً أجيالاً كاملة. إن البيت للمقدسي في هذه الحالة ليس جدراناً وسقفاً فقط، بل هو ذاكرة وحياة وارتباط كامل بالأرض، ويمثل تاريخ العائلة ومستقبلها في آن واحد.
فقدان البيت لا يعني خسارة مكان السكن فقط، بل تفكك العائلة وتشتيتها بشكل واسع. وفي ظل استحالة إيجاد بدائل سكنية داخل القدس نتيجة سياسات الهدم ومنع تراخيص البناء، تجد العائلات نفسها في العراء، وكأنها تبدأ حالة لجوء جديدة داخل مدينتها.
هذا التحول القسري يضرب الاستقرار الإنساني بشكل مباشر، فحتى الانتقال الطبيعي بين البيوت يترك أثراً، فكيف عندما يكون الطرد إلى الشارع. ومع وجود مستوطنين داخل الأحياء، وشركات حراسة، وقوات احتلال دائمة، يتحول الحي إلى بيئة مضطربة تشبه حالة الطوارئ المستمرة.
الحياة اليومية لم تعد طبيعية، كل التفاصيل أصبحت خاضعة للخوف؛ حركة الأطفال، العودة من المدارس، الذهاب إلى المتاجر، وحتى التنقل داخل الحي. كل ذلك بات محكوماً باحتمال دائم للاعتداء أو الاعتقال أو المواجهة.
هناك أيضاً تغيير مفروض على النسيج الاجتماعي نفسه، من خلال إدخال واقع غريب على بيئة اعتاد الفلسطينيون، وخاصة المقدسيون، أن يعيشوا فيها ضمن عادات وتقاليد وعلاقات عائلية مستقرة. هذا التغيير القسري يضغط على المجتمع ويفكك بنيته تدريجياً.
ما يجري لا يقتصر على من يُطردون من منازلهم، بل يمتد إلى من ما زالوا داخلها، حيث يعيشون تحت تهديد دائم وضغط مستمر، بينما تتحول الحياة في ظل هذه الظروف إلى حالة من الخوف والترقب وفقدان الاستقرار، وصولاً إلى انهيار الإحساس بالأمان بشكل كامل.
ما الأثر الإنساني الذي تكشفه حادثة إخلاء قسري في حي بطن الهوى؟
ما جرى مع عائلة الشويكي في حي بطن الهوى يعكس بوضوح طبيعة الإخلاءات القسرية في القدس، حيث جرى إخراج العائلة بالقوة من منزلها، وإلقاء أثاثها في الشارع دون أي اعتبار لوضعها الإنساني أو الصحي.
من بين أفراد العائلة سيدة مسنّة ومريضة لا تستطيع الحركة بشكل طبيعي، وكانت بحاجة إلى رعاية ومرافقة دائمة في أدق تفاصيل حياتها اليومية. ومع تنفيذ الإخلاء، وجدت نفسها خارج المنزل دون تنظيم لأدويتها، رغم معاناتها من عدة أمراض، من بينها الضغط، وحاجتها إلى أدوية تتطلب ظروف حفظ خاصة.
وتبلغ القسوة ذروتها عند لحظة الإخراج، إذ حُملت السيدة على أكتاف أحفادها ووُضعت في الشارع، لتبقى في مواجهة المجهول دون مأوى أو حماية. ما جرى لم يتوقف عند فقدان المسكن، بل أدى إلى انهيار كامل لشعور الاستقرار والطمأنينة.
ومن زاوية إنسانية مباشرة، تُظهر الصورة سيدة تنظر إلى البيت الذي عاشت فيه حياتها كاملة، حيث تزوجت وأنجبت وربّت أبناءها وزوّجتهم، قبل أن تُجبر على مغادرته في لحظة واحدة. هذا المشهد خلّف أثراً بالغ القسوة انعكس مباشرة على حالتها النفسية والصحية نتيجة الصدمة.
وتختصر حالة عائلة الشويكي مستوى العنف الكامن في عمليات الإخلاء، إذ لا يتوقف الأمر عند خسارة بيت، بل يمتد إلى اقتلاع الإنسان من ذاكرته ومكانه، ودفعه إلى حالة من الانكشاف وفقدان الاستقرار بشكل مفاجئ.
كيف تعكس عمليات الهدم والتغيير في حي البستان بسلوان طبيعة السياسات الاستيطانية في محيط المسجد الأقصى؟
حي البستان في سلوان يُعد من أكثر المناطق استهدافاً في القدس، إذ يمتد على مساحة تقارب 70 دونماً ويضم نحو 115 منزلاً يسكنها قرابة 1500 شخص، معظمهم من الأطفال.
تُبرر سلطات الاحتلال وبلدية القدس الغربية هذا الاستهداف وهدم البيوت بادعاء البناء دون تراخيص، رغم أنها لا تمنح أصلاً أي إمكانية للفلسطينيين للحصول على تراخيص. وإلى جانب ذلك، يشمل التعامل مع الملف مباني أُقيمت قبل عام 1967، رغم عدم حاجتها لأي إجراءات ترخيص.
ومع تطور المخطط، تتغير ملامح الحي تدريجياً، إذ تُحوَّل أجزاء منه إلى مواقف سيارات للمستوطنين، بالتوازي مع مشاريع حدائق توراتية تهدف إلى إعادة صياغة هوية المكان وفرض طابع استيطاني جديد عليه.
ومنذ السابع من أكتوبر، تسارع واضح في عمليات الهدم، حيث جرى هدم 54 منزلاً من أصل 115، سواء عبر الجرافات أو من خلال إجبار السكان على الهدم الذاتي.
ويحمل الهدم الذاتي قسوة مضاعفة، إذ تُجبر العائلات على إزالة منازلها بأيديها لتفادي تكاليف مالية مرتفعة تفرضها بلدية الاحتلال، ما يحوّل البيت إلى تجربة انهيار قسري بدلاً من كونه مساحة حياة.
أما على مستوى الموقع، فيتموضع حي البستان في قلب سلوان، على مسافة لا تتجاوز 300 متر جنوبي المسجد الأقصى، الأمر الذي يضعه ضمن مسار أوسع يستهدف خنق البلدة القديمة وعزل المسجد عبر سياسات تقوم على الإخلاء والهدم وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي.
كيف تعكس المخططات الاستيطانية في حي الشيخ جراح آليات تغيير الملكية والهوية الجغرافية في القدس؟
في حي الشيخ جراح تتكثف المخططات الاستيطانية التي تعتمد على ادعاءات ملكية تعود لما قبل عام 1948، والتي تُستخدم كأداة للسيطرة على منازل الفلسطينيين، وقد أفضت بالفعل إلى انتزاع عدد منها خلال السنوات الماضية. في المقابل، تعود ملكية أراضي الحي إلى جهات فلسطينية وأردنية، بموجب اتفاقية أُبرمت في خمسينيات القرن الماضي بين الحكومة الأردنية ووكالة “الأونروا”، خُصصت لإسكان عائلات فلسطينية هُجّرت قسراً عام 1948، خصوصاً من أحياء مثل البقعة وغيرها.
وبالتوازي مع ذلك، يُخطط لإقامة مبنى من 11 طابقاً على أرض مصادرة تبلغ مساحتها نحو 5 دونمات، خُصص لما يُسمى مدرسة دينية يهودية (يشيفا). ورغم تقديمه كمنشأة تعليمية، فإنه يتضمن سكناً دائماً لمئات الطلاب الحريديم المتشددين، ما يجعله عملياً نقطة استيطانية ثابتة داخل الحي. ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً، بل يأتي في سياق زرع بؤرة استيطانية داخل النسيج الفلسطيني بغطاء تعليمي، بهدف تكريس وجود دائم وفرض واقع جديد على الأرض.
إن اختيار الموقع لم يكن عشوائياً، إذ يقع بجوار مسجد الشيخ جراح ومقام الأمير حسام الدين الجراحي، أحد القادة الذين رافقوا صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس عام 1187، والذي سُمّي الحي باسمه لاحقاً، لما له من دور ديني وتعليمي وصوفي في المنطقة.
المشروع لا يستهدف البنية العمرانية فقط، بل يمتد إلى طمس الرموز التاريخية والدينية، وإعادة صياغة الرواية في المكان عبر تغيير الأسماء والمعالم، واستبدالها بمسميات توراتية و استيطانية.
ويأتي هذا التوجه ضمن ما يُعرف بالحوض التاريخي للقدس الممتد من الشيخ جراح حتى سلوان، حيث تتكامل المشاريع الاستيطانية بهدف تفكيك الترابط الجغرافي بين الأحياء الفلسطينية، وعزل شمال القدس عن البلدة القديمة والمسجد الأقصى عبر إحلال مستوطنات وبؤر استيطانية تفصل المدينة عن محيطها الفلسطيني.
ما الرسالة والدعوات المطروحة في مواجهة سياسات تهويد القدس وما تتعرض له من تغيير ممنهج لهويتها وواقعها؟
يُسخّر الاحتلال كامل إمكانيات دولة الاحتلال لفرض واقع استيطاني تهويدي على مدينة القدس، ضمن مسار متواصل يعيد تشكيل معالم المدينة وهويتها بشكل يومي.
إن مسؤولية الحفاظ على القدس والمقدسات لا يمكن أن تبقى محصورة بالمقدسيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية، يُفترض أن تتحول إلى مشاريع فعلية تعزز صمود القدس وأهلها وتضمن بقاءها مدينة عربية إسلامية، بدل الاكتفاء بالأقوال التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ على الأرض.
لكن الواقع يسير في اتجاه مختلف، مع تسارع المشاريع التهويدية التي تدفع المقدسيين إلى الشعور بأنهم غرباء في مدينتهم، في ظل تغيّر متواصل في الهوية والمعالم نتيجة الاستيطان وتكثيف المشاريع الممولة لإعادة تشكيل المشهد.
ما يصدر عن المؤسسات الفلسطينية والعربية والإسلامية وحتى الدولية لا يتجاوز في الغالب ردود فعل على سياسات الاحتلال، دون وجود خطط أو استراتيجيات حقيقية لتثبيت القدس وأهلها.
في المقابل، يستمر الاحتلال في هدم المنازل بهدف تغيير التركيبة السكانية وإضعاف الوجود الفلسطيني، من دون أن يقابله أي مشاريع إسكان أو إعادة إعمار تضمن بقاء العائلات في أحيائها وتعزز صمودها بعد الهدم.
ومع استمرار هذا الواقع، يهدد غياب التدخل الفاعل بتسريع تنفيذ نهج رسّخه بنيامين نتنياهو منذ تسعينيات القرن الماضي، يقوم على اختراق الأحياء الفلسطينية بالاستيطان وربطها بمشاريع أوسع تهدف إلى فرض واقع دائم في القدس.
لذلك، من الضروري العمل على حماية هوية القدس ومنع طمسها أو تغييرها، إلى جانب تكثيف الجهود على مشاريع قابلة للتطبيق على الأرض، تركز على الاستثمار والحماية وتعزيز صمود السكان.