إذا سألتَ أي زائرٍ لمحافظة دير الزور شرقي البلاد عن أحوالها سيجيبك بكل تأكيد أن الدمار فيها لا يشبه أي دمار آخر في عموم سوريا، والخدمات والمعيشة فيها من السوء بمكان، إذ أحالَ نظام الأسد المخلوع المدينة لركام ولم تنجو فعلياً سوى ثلاثة من أحيائها السبعة والعشرين التي لم يتبق منها سوى الأطلال. وتعاقبت على حكم المنطقة عدة تنظيمات وجماعات كان لكل منها مشروعها، وفعلت ما فعلت وزادت من كارثية الحال.
مضى عام ونصف تقريباً على تحرير المدينة، وكامل القسم الواقع غربي نهر الفرات من المحافظة المسمى بـ”الشامية”، تلاها تحرير الضفة الثانية الواقعة شرق النهر، المعروفة بـ”الجزيرة”، مطلع العام الجاري 2026، من يد قوات سوريا الديموقراطية (قسد).
فتحَ التحرير الأبواب أمام عودة الآلاف من مُهجري دير الزور سواء الذين نزحوا عنها داخلياً، أو ممن هُجروا منها إلى خارج البلاد، ومع عودة نسبة كبيرة من السكان للمحافظة لا تزال تعيش على الهامش من حيث الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار. ولسان حال الناس هناك يتساءل “هل من تحسن قريب واهتمام حكومي خاص يدفع قليلاً بعجلة الحياة في المحافظة المنكوبة، أم ستبقى مجرد وعود معسولة يذروها التسويف؟”.
واقع صعب
يمكن القول إن رغبة الأهالي في تحسين واقع دير الزور بعد التحرير تُعد السمة الأبرز التي تطغى على المشهد اليوم، رغم قسوة الظروف، فقد أُطلقت عدة مبادرات محلية في مناطق مختلفة من المحافظة، سعت إلى تحسين البنية التحتية وتوفير الحد الأدنى من الخدمات.
ورغم تصنيف هذه الجهود ضمن “المبادرات المحدودة”، نظرًا لاعتمادها على تبرعات صغيرة ومتوسطة، فإن أثرها كان ملموسًا في مجالات مثل الإنارة، وصيانة محطات المياه، وتأهيل عدد من المدارس، وتفعيل بعض خدمات البلديات، كما هو الحال في الميادين وبقرص تحتاني وحسرات والقورية والخريطة وموحسن وغيرها.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، أطلقت المحافظة حملة تبرعات واسعة بعنوان “حملة دير العز“، أعلن منظموها حينها أن حصيلتها بلغت نحو 30 مليون دولار، غير أن ما جُمع فعليًا يبدو أقل بكثير من الرقم المعلن، فيما بقي الجزء الأكبر من هذه الأموال حبرًا على ورق، وهو ما تعكسه محدودية الإنجازات على الأرض.
وتقود هذه المعطيات إلى خلاصة واضحة بأن حجم التحديات في دير الزور يتجاوز قدرة المبادرات الأهلية، مهما تعددت، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى دعم حكومي واسع وجاد، لم تظهر ملامحه حتى الآن بشكل فعلي.
وعود حكومية برسم الانتظار
خلال حديثنا مع عدد من المسؤولين الحكوميين في المحافظة حول المشاريع التي تعتزم الدولة تنفيذها، تباينت الإجابات بين اتجاهين، إذ أكد الفريق الأول أن ثمة مشاريع كبيرة قادمة لتنمية دير الزور، يُفترض أن يبدأ تنفيذها قبيل نهاية العام الجاري، مشيرين إلى وجود توصية خاصة من القيادة بضرورة الاهتمام بالمحافظة وتسريع وتيرة تنميتها، لكن هذا الخطاب يتكرر منذ أشهر، ولا يزال يُعاد طرحه دون أن ينعكس بشكل ملموس على الأرض.
في المقابل، أبدى فريق آخر قدرًا من التحفظ، ملمّحًا إلى أن هذه المشاريع قد تتأخر، في ظل محدودية التمويل المتاح للدولة، على حد وصفهم، وأن إحداث تغيير حقيقي في واقع المحافظة قد يستغرق سنوات، لا سيما في ظل حجم الدمار والتحديات القائمة.
ورغم ذلك، ثمة عدد من المشاريع التي يجري العمل عليها بوصفها خطوات أولية، من بينها إعادة تأهيل مطار دير الزور وتحويله إلى مطار مدني، إلى جانب الاستعداد للبدء بترميم جسر مدينة الميادين على نهر الفرات، الذي يربط مناطق الجزيرة، أسوةً بجسر الباغوز الذي خضع لترميم إسعافي في منتصف العام الماضي.
ومع الابتعاد عن مكاتب المسؤولين، تبقى أحاديث الشارع الديري وهمومه المعيار الأكثر دقة لقياس واقع المحافظة، وهو واقع لا يختلف كثيرًا عن بقية مناطق البلاد، حيث تتصدر المشهد شكاوى الغلاء وصعوبة المعيشة، وضعف الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب أزمة السكن وندرة المنازل الصالحة، والحاجة الملحة لتحسين القطاع الصحي وترميم شبكات الطرق والجسور.
إلى جانب ذلك، يثير تذبذب الوضع الأمني قلقًا متزايدًا، يترافق مع امتعاض شعبي من إعادة تدوير بعض فلول النظام والإفراج عن عدد منهم، في ظل ضبابية تحيط بالقوانين وآليات تطبيق العدالة. وقد بات هذا الملف من أكثر القضايا حساسية، مع تصاعد الانتقادات لطريقة التعاطي الرسمي معه، وما يتركه ذلك من أثر مباشر على ثقة الأهالي.
وضع أمني مُقلق وعدالة انتقائية
مع سقوط نظام الأسد، برزت قضية محاسبة فلول النظام كواحدة من أعقد المعضلات التي تواجه المرحلة الجديدة، فبينما يترقب ملايين السوريين تحقيق العدالة، يطغى في المقابل قدر من الضبابية وغياب الشفافية في أداء منظومة وزارة العدل السورية في التعامل مع هذا الملف.
ويرى كثيرون أن مسار المحاسبة لا يزال انتقائيًا، إذ يركّز على أسماء محدودة بعينها، بدلًا من ملاحقة منظومة الانتهاكات بأكملها، بما تحمله من شبكات ومسؤوليات متداخلة.
فمنذ التحرير، اتبعت السلطات السورية مقاربات متباينة في التعامل مع هذا الملف؛ إذ أُجريت تسويات لعدد كبير من عناصر النظام السابق، في حين خضع آخرون لاعتقالات مؤقتة، بالتوازي مع إحالة بعض الضباط والعناصر المتورطين في مجازر وجرائم بحق المدنيين إلى المحاكمة، وكان من أبرزها محاكمة عاطف نجيب.
أما في دير الزور، فلا يختلف المشهد كثيرًا عن بقية المناطق، حيث تتصدر مطالب محاسبة فلول النظام ورموزه أولويات الأهالي حتى اليوم، غير أن الإفراج عن عدد منهم من قبل السلطات الجديدة أسهم في تعميق حالة من فقدان الثقة بمسار العدالة، لا سيما مع بروز أسماء مثيرة للجدل مثل مدلول العزيز وفرحان المرسومي وغيرهما.
يُضاف إلى ذلك، جملة من الانتقادات الموجهة إلى تركيبة المنظومة الأمنية في المحافظة، إذ يتهمها البعض باحتوائها على أعداد كبيرة من فلول النظام السابق وعناصر مرتبطة بالميليشيات الإيرانية. كما سُجّلت تجاوزات خطيرة، من بينها حالات وفاة داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأمن الداخلي.
وكانت آخر هذه الحوادث في نيسان/أبريل الماضي، حين توفي الشاب أحمد العيادة أثناء احتجازه، قبل أن تُسلّم جثته إلى ذويه وعليها آثار تعذيب واضحة، ما أثار موجة غضب واستنكار، وعمّق المخاوف بشأن أساليب التعامل داخل هذه المراكز، ومدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية.
ونقل مصدر أمني في قوى الأمن الداخلي بدير الزور أن وفاة الشاب تعود إلى سكتة قلبية، على حد قوله، مشيرًا إلى أنه كان موقوفًا بتهمة الارتباط بالميليشيات الإيرانية، لكن هذه الرواية لا تبدد المخاوف، إذ إن الحادثة ليست الأولى من نوعها في المحافظة، فقد سبقتها حالات مشابهة، ما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة تعامل الأجهزة الأمنية مع المعتقلين.
وقد أثارت صور الشاب أحمد موجة غضب واسعة، نظرًا لما أظهرته من آثار تعذيب قاسية، في حين لم يصدر أي توضيح رسمي بشأن ملابسات الحادثة، الأمر الذي عمّق حالة القلق وفقدان الثقة لدى الأهالي.
الهجرة من جديد
أدى غياب الخدمات، إلى جانب حجم الدمار الواسع في دير الزور، وندرة المنازل الصالحة للسكن، والارتفاع الكبير في إيجاراتها، إلى نشوء موجات نزوح داخلية جديدة، قد يتحول بعضها إلى هجرة دائمة نحو محافظات أخرى. وقد لوحظت بالفعل حركة بيع متزايدة للعقارات، لا سيما في المدينة وريفها الشرقي.
يقول محمد العابد، أحد السكان العائدين إلى المدينة بعد نزوح دام تسع سنوات في تركيا:”“تضرر منزلي بشكل جزئي جراء قصف النظام، لكنه فعليًا غير صالح للسكن، لأنه محاط بأبنية آيلة للسقوط. الخدمات شبه معدومة، ومع قدوم الصيف يزداد الوضع سوءًا بسبب انتشار الزواحف والعقارب. حاولت العثور على منزل للإيجار، لكنني صُدمت بالأسعار التي تبدأ من 300 دولار. حتى في الريف، لا يختلف الوضع كثيرًا عن أحياء المدينة المدمرة من حيث غياب الخدمات. لا توجد أي ضوابط لتنظيم الإيجارات، ومع تزايد أعداد العائدين وارتفاع الطلب، ترتفع الأسعار بشكل كبير”.
ويضيف محمد: “في النهاية قررت بيع العقار والانتقال إلى ريف دمشق، حيث تبدو الأوضاع أفضل نسبيًا مقارنة بدير الزور. وإن تمكنت من بيعه، سأشتري منزلًا هناك. لا يبدو أن حال دير الزور سيتحسن قريبًا؛ فغالبية العائدين يصدمون بالواقع، بعضهم يعود من حيث أتى، وآخرون يستقرون في محافظات أخرى”.
يلخّص حديث محمد جانبًا كبيرًا من واقع دير الزور اليوم، فحتى الزائر للأحياء المدمرة يلحظ أن بعض المباني المتضررة جزئيًا تحولت إلى مساكن مؤقتة لعائلات عائدة من النزوح، وجدت نفسها عاجزة عن تحمّل تكاليف الإيجارات المرتفعة، في ظل غياب بدائل سكنية مناسبة.
أمام هذا الواقع الصعب، يعلّق أبناء دير الزور آمالهم على اهتمام حكومي خاص يعيد الحياة إلى محافظة أنهكتها الحرب أكثر من غيرها، دون مبالغة، فالقطاعان الصحي والخدمي يعانيان تدهورًا حادًا، ومعظم شبكة الطرق متهالكة، فيما تعمل البلديات بجهود كبيرة لكنها محدودة الإمكانات. كما أن أوصال المحافظة ما تزال مقطّعة بفعل دمار الجسور، في ظل مشهد عام يطغى عليه الركام والخراب.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مناطق “الجزيرة” التي تحررت حديثًا خارج نطاق الخدمات، ولم تصلها بعد عملية الدمج الحكومي. وخلال سنوات سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم تشهد هذه المناطق استثمارات تُذكر في البنية التحتية، إذ جرى التعامل معها بوصفها موردًا ماليًا، في استمرار لنهج النظام السابق الذي لم ينظر إلى دير الزور إلا من زاوية مواردها من النفط والغاز والزراعة.
ومع انبلاج مرحلة جديدة في سوريا، لا يملك أبناء دير الزور اليوم سوى التمسك بالأمل في واقع أفضل، بانتظار ترجمة الوعود الحكومية إلى خطوات فعلية، تشمل تحسين الوضع الأمني، وإصلاح المنظومة الأمنية، وتحقيق العدالة، بما يضمن ألا تذهب التضحيات سدى. يدرك الأهالي أن البلاد تبدأ من نقطة الصفر، لكن واقع دير الزور، كما يصفونه، ما يزال دون ذلك بكثير.