لم يكونوا مجرد رجال أعمال يقفون على هامش المشهد، بل شكّل بعضهم شريانًا اقتصاديًا أساسيًا لنظام الأسد، وأسهموا في استمراره خلال سنوات الحرب، أسماء مثل نعيم الجراح، خالد قدور، يسار إبراهيم، حسام قاطرجي، وسيم قطان، وخضر علي طاهر، ليست سوى نماذج لقائمة أطول من الفاعلين الاقتصاديين الذين ارتبطت مصالحهم ببنية السلطة، وتقاطعت أنشطتهم مع مسارات العنف والتكسب من الحرب.
ففي حالات كثيرة، لم يكن من ارتدى البذلة وربطة العنق أقل أثرًا ممن حمل السلاح، إذ ارتبطت أدوارهم بتمويل الشبكات، وتسهيل الالتفاف على العقوبات، وتعزيز اقتصاد قائم على الانتهاكات، بما فيها التهجير والنهب.
وقد أثارت التسويات المالية التي أُبرمت مع بعض هؤلاء عبر لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أسئلة جوهرية حول حدود المساءلة، فهل تعني هذه التسويات إغلاق هذا الملف المعقّد والاكتفاء باسترداد جزء من الأموال؟ أم أنها تبقى إجراءً جزئيًا لا يمسّ جوهر المسؤوليات المرتبطة بما جرى؟
لا تعني حقائب الأموال المستردة إغلاق الدفاتر القديمة، هذا هو الرهان الذي يخوضه المجتمع المدني السوري اليوم. ففي مواجهة ما يُحكى عن محاولات اختزال العدالة مع أوليغارشية الأسد بـ”قرارات إدارية صامتة”، تتمحور المعركة الآن حول مسعىً واحد: ألا تتعدى عملية استعادة المال من هؤلاء كونها إجراء مالي يدخل في مسار العدالة الانتقالية ولا يغني عنه أو ينهيه.
هل تسقط التسويات الاقتصادية الحق العام أم تفتح الباب لمساءلة أوسع؟
برزت تساؤلات واسعة بالتوازي مع موجة غضب اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، عقب توالي الأنباء عن إبرام تسويات مع رجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق، حيث عبّر كثيرون عن صدمتهم من عودة هذه الشخصيات إلى الواجهة.
“حمشو كان الشريك الأول لماهر الأسد بسرقة الأبنية والحديد منها وبناء ثروة”، مراسل نون سوريا ينقل لنا احتجاجات الأهالي ضد قرار لجنة مكافحة الكسب الغير مشروع بالتسوية مع محمد حمشو. pic.twitter.com/FNX2cowqcP
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 10, 2026
لم تأتِ موجة الغضب دفعة واحدة، بل تدرّجت مع توالي الإعلان عن التسويات، فقد بدأ المسار مطلع عام 2026 مع بروز اسم محمد حمشو، الذي أعلن عبر صفحته الرسمية عن التوصل إلى تسوية ضمن ما عُرف ببرنامج “الإفصاح الطوعي”، في خطوة اعتُبرت اختبارًا أوليًا لهذا النهج. ومع مرور الأشهر، اتسع نطاق الإجراءات ليشمل مراحل تنفيذية أكثر وضوحًا، كان أبرزها في نيسان/أبريل 2026، حين أُعلن عن استلام الدولة أصولًا تعود لكل من وسيم قطان ونعيم الجراح بعد تسويات مماثلة، وبين هاتين المحطتين، تصاعدت التوقعات بأن تشمل العملية أسماء أخرى مرتبطة باقتصاد الحرب، ما جعل كل إعلان جديد يُقرأ ليس كإجراء مالي معزول، بل كجزء من مسار أوسع يثير تساؤلات متراكمة حول حدوده وغاياته.
في المقابل، حرصت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع على التأكيد في أكثر من مناسبة أن مسار“الإفصاح الطوعي” لا يُلغي المسار القضائي، بل يسير بالتوازي معه، بهدف تقليص زمن التقاضي وتخفيف العبء عن القضاء دون المساس بجوهر العمل القانوني.
تسويات “لجنة الكسب غير المشروع” تصل إلى وسيم قطان ونعيم الجراح، المقربين من نظام الأسد المخلوع.. ماذا تعني هذه الخطوة؟ pic.twitter.com/brZ8ZhoV19
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 15, 2026
وأوضحت اللجنة أن دورها يقتصر على معالجة الجانب المالي واسترداد الأموال، مشيرة إلى أنها تواصل تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح إلى الجهات المختصة، تمهيدًا لمرحلة لاحقة من المتابعة القضائية. كما شددت على أن المحاسبة الجرمية والجزائية، بما في ذلك الجرائم والانتهاكات الجسيمة، تقع ضمن اختصاص القضاء وهيئات العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ولا تدخل ضمن صلاحياتها.
وبذلك، تؤكد هذه التصريحات أن التسويات الاقتصادية لا تُسقط الحق العام، ولا تُلغي أو تُقيّد أي مسار آخر من مسارات العدالة، سواء عبر الادعاء العام أو الشخصي أو ضمن أطر العدالة الانتقالية، ما يبقي باب المساءلة مفتوحًا من حيث المبدأ.
غير أن هذا التوضيح يفتح إشكالية أعمق، إذ تكشف هذه التأكيدات عن فجوة واضحة بين النص القانوني والتطبيق العملي؛ فالحق العام لا يتحوّل تلقائيًا إلى إجراءات ملموسة ما لم يُدفع باتجاه تفعيله، وهو ما يعيد طرح السؤال حول ما إذا كانت هذه التسويات تمثل نهاية لملفات مفتوحة أم بداية لمسار مساءلة أوسع وأكثر جدية.
من يحرّك العدالة خارج قنوات الدولة التقليدية؟
ما يزال جزء واسع من النقاش العام يحمّل “الدولة” وحدها مسؤولية إنتاج العدالة، وهو تصوّر يختزل العدالة في كونها قرارًا سياسيًا أو إداريًا يصدر من الأعلى. غير أن تجارب العدالة الانتقالية تثبت أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع عبر أدوات ضغط مجتمعية مستمرة تمنع إغلاق الملفات تحت مسمى “الضرورات الاقتصادية”.
وهنا يبرز دور المجتمع المدني كـ”حارس للحق العام”، فدوره يتجاوز التوثيق السلبي إلى خلق حالة من الرقابة الشعبية التي تجعل تكلفة “الإفلات من العقاب” سياسيًا واجتماعيًا باهظة جدًا. فالمساءلة هنا ليست مجرد إجراء قانوني، بل هي عملية استعادة للمجال العام، وضمان ألا تنفرد السلطة بتقدير حجم الضرر أو ثمن التسوية بعيدًا عن أعين الضحايا وأصحاب الحقوق الأصليين.
بين استرداد المال العام ومطلب العدالة، تُفجّر تسوية لجنة الكسب غير المشروع مع “محمد حمشو” جدلًا واسعًا.. إليك التفاصيل. 👇 pic.twitter.com/FVwAzUOKFw
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 8, 2026
يتضاعف هذا الدور في ملفات مثل التسويات الاقتصادية، لأن التعامل معها كإجراء مالي فقط يعني خسارة فرصة لفهم ما هو أعمق: كيف تشكّلت الثروات، وأين تداخل المال مع العنف، ومن استفاد من سنوات الحرب. لذلك يصبح تحريك المجتمع المدني لهذه الملفات ضرورة لمنع اختزال العدالة في قرارات إدارية صامتة، عبر الإصرار على أن استرداد الأموال مجرد خطوة إجرائية أولية لا تعفي أحدًا من المسؤولية الجنائية أو الأخلاقية. وبهذا المعنى، لا ينافس المجتمع المدني القضاء، بل يسنده ويضغط باتجاه تفعيله، ويمنع تحويل العدالة إلى مجرد صفقات مالية جزئية.
قراءة حقوقية لمسار التسويات ودور المجتمع المدني
في حديث خاص مع نون بوست، قدّم الأستاذ فضل عبد الغني الشقفة، الناشط الحقوقي البارز والباحث في القانون الدولي، ومؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قراءة تفصيلية لدور المجتمع المدني في ملفات المساءلة الاقتصادية، وحدود التسويات الجارية مع رجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، وإمكانات إدماجها ضمن مسار العدالة الانتقالية.
وفي إجابته عن السؤال الأول حول الدور العملي الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في هذا الملف، أشار إلى أن “الدور الأساسي الذي يمكن أن يضطلع به المجتمع المدني ليس الادعاء القضائي المباشر، إذ تبقى هذه الصلاحية حكرًا على الجهات القضائية المختصة، بل هو بناء الملفات التوثيقية القابلة للاستخدام أمام المحاكم”.
وأوضح أن منهجية العمل في الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقوم على التحقق من مصادر متعددة ومستقلة قبل إثبات أي واقعة، وبناء ملفات وفق معايير قابلة للاستخدام في التقارير الأممية والمحاكم الجنائية الدولية.
“أنا لحالي رحلي ١٣٠ باب… وين حمشو؟ ما يجو يحاسبوه؟” موجة غضب شعبي بعد إعلان محمد حمشو “تسوية” مع لجنة مكافحة الكسب غير المشروع. التفاصيل مع مراسل نون سوريا. pic.twitter.com/Yt6Dl1OhDX
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 10, 2026
وأضاف أن هذه الملفات، عند الحديث عن رجال الأعمال، لا تقتصر على الجوانب المالية، بل تمتد إلى توثيق التورط في تمويل عمليات القمع أو تسهيلها، “وهو ما يرقى في بعض الحالات إلى المسؤولية الجنائية بموجب القانون الجنائي الدولي”. كما أشار إلى أن المجتمع المدني قادر على تقديم شكاوى لدى المقررين الخاصين للأمم المتحدة وهيئات المعاهدات والدول المعنية بالعقوبات، إضافة إلى تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية، وفق ما تم تطبيقه سابقًا في ملفات تخص مسؤولين عسكريين وأمنيين.
وفي ما يتعلق بالتسويات الاقتصادية الجارية عبر لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، أوضح الشقفة أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإفصاح الطوعي بحد ذاته، بل في نطاق تطبيقه، قائلًا إن المشكلة “إذا اقتصرت على الشق المالي دون الشق الجنائي والمعلوماتي تتحول إلى أداة لإغلاق الملفات لا لفتحها”.
صحيفة الغاردين البريطانية:
📌 اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية تعمل مع عائلات الضحايا لبناء قضية ضد فادي صقر، مع تأكيد توفر أدلة كافية على تورطه
📌 الإجراءات القضائية بحق صقر، القائد السابق لميليشيا الدفاع الوطني، تمثل علامة فارقة في مسار العدالة بسوريا
📌 الاتهامات تشمل… pic.twitter.com/F0QHWmTtSe
— نون سوريا (@NoonPostSY) April 30, 2026
ورأى أن الإطار المطلوب يجب أن يقوم على ثلاثة عناصر:
- أولًا، اشتراط الإفصاح الكامل عن مصادر الثروة وشبكات العلاقات كشرط لإتمام أي تسوية.
- ثانيًا، ربط التسوية بالتزام قانوني بتقديم معلومات عن الشبكات الأوسع، بما فيها التهرب من العقوبات وتبييض الأموال.
- ثالثًا، تخصيص جزء من الأموال المستردة لصناديق تعويض الضحايا بإشراف آليات شفافة تشارك فيها منظمات المجتمع المدني.
وشدد على أنه “حين تُبنى التسويات على هذا النحو يتحول المال من بديل عن العدالة إلى مدخل نحوها”.
الاقتصاد في قلب العدالة الانتقالية
في سياق الحديث عن مستقبل المساءلة في سوريا، تتقاطع ملاحقة رجال الأعمال مع أسئلة أوسع تتعلق بجوهر العدالة الانتقالية وحدودها، فالقضية لا تتوقف عند استرداد الأموال أو التسويات المالية، بل تمتد إلى تفكيك البنى التي سمحت بتراكم الفساد وتداخله مع السلطة والاقتصاد.
وفي هذا الإطار، أوضح الشقفة أن “ضمان عدم التكرار، وهو أحد الأعمدة الأربعة للعدالة الانتقالية إلى جانب الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، لا يتحقق بالملاحقة الجنائية وحدها، وإن كانت ضرورية. فالملاحقة الجنائية لرجال الأعمال المتورطين في دعم الانتهاكات تُنتج أثرًا رادعًا فعليًا فقط حين تترافق مع إصلاح بنيوي للمنظومة التي أتاحت هذا التورط أصلًا، أي الإصلاح التشريعي لقطاع الأعمال، وإنهاء احتكارات النظام السابق، وفك ارتباط رأس المال بالأجهزة الأمنية”.
ويضيف أن ما توثقه الشبكة السورية لحقوق الإنسان يُظهر أن بعض رجال الأعمال الذين أثروا في ظل النظام السابق استفادوا بشكل مباشر من الحصار الاقتصادي المفروض على المناطق الخاضعة للمعارضة، ومن عقود إعادة الإعمار المشروطة بالولاء السياسي. هذه الوقائع ليست مجرد جرائم مالية بالمعنى الضيق، بل هي في بعض حالاتها أعمال مُعينة على ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
بهذا الطرح، تتضح أن المساءلة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن مسار العدالة الانتقالية، إذ تتجاوز فكرة استرداد الأموال أو التسويات الجزئية، لتصبح جزءًا من عملية أوسع تستهدف تفكيك منظومة الفساد وإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والثروة على أسس قانونية ومؤسساتية جديدة.