• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

لماذا تبقى الحرب بين تركيا وإسرائيل مؤجلة؟

زيد اسليم١٣ مايو ٢٠٢٦

في ديسمبر 2025، وقف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس إلى جانب رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس، خلال قمة ثلاثية حملت عناوين الأمن والطاقة والتعاون في شرق المتوسط. وبينما كانت عدسات الكاميرات تتابع المؤتمر الصحفي المشترك، أطلق نتنياهو تصريحًا حمل رسائل تتجاوز إطار التعاون الإقليمي المباشر، قائلًا: “على من يحلمون بإعادة بناء إمبراطورياتهم والسيطرة على أراضينا أن ينسوا ذلك”. لم يذكر تركيا صراحة لكن مضمون الرسالة ارتبط مباشرة بالتوتر المتصاعد مع أنقرة وبالتقارب الإسرائيلي المتزايد مع خصومها الإقليميين.

ذلك المشهد عكس تحولًا متسارعًا في طبيعة العلاقة التركية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، فالحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دفعت العلاقات بين الطرفين إلى واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، إذ صعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطابه السياسي إلى مستويات غير مسبوقة، واصفًا إسرائيل بـ”دولة الإرهاب”، ومتهمًا قادتها بارتكاب جرائم حرب، فيما استدعت أنقرة سفيرها وخفضت مستوى العلاقات الدبلوماسية، قبل أن تعلن وزارة التجارة التركية في مايو وقف جميع الصادرات والواردات مع إسرائيل.

ومع ذلك، استمرت خطوط عديدة تربط الطرفين في الخلفية، إذ لم تختفِ التدفقات التجارية بالكامل، والنفط الأذربيجاني واصل عبوره عبر ميناء جيهان التركي نحو إسرائيل، كما بقيت المصالح المرتبطة بالطاقة والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية عاملًا ضاغطًا يمنع انتقال التوتر السياسي إلى مواجهة مفتوحة.

ضمن هذا السياق، تبدو العلاقة التركية الإسرائيلية أقرب إلى صراع تديره المصالح أكثر مما تحكمه القطيعة الأيديولوجية المطلقة، فحدة الخطاب السياسي تتصاعد بصورة مستمرة، في وقت تستمر فيه قنوات الطاقة والتجارة والتحالفات الإقليمية في فرض إيقاع مختلف على حسابات الطرفين، الأمر الذي يجعل التوتر قائمًا ضمن سقف مضبوط حتى الآن، رغم اتساع رقعة الخلافات وتشابك ساحات التنافس بينهما.

الشريان الأذربيجاني

على بعد نحو مئة كيلومتر شرق باكو، يرقد حقل أذري–جيراق–غونشلي في أعماق بحر قزوين، أكبر الحقول النفطية في القطاع الأذربيجاني، والذي يغذي مباشرة خط باكو–تبليسي–جيهان، أحد أهم شرايين الطاقة العابرة للحدود في المنطقة. يمتد الخط من أذربيجان مرورًا بجورجيا وصولا إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، قبل أن تواصل شحنات النفط رحلتها جنوبًا نحو الموانئ الإسرائيلية، في مسار يوضح كيف أصبحت الطاقة جزءًا من البنية العميقة للعلاقات الإقليمية، حتى بين الأطراف التي تتبادل التصعيد السياسي والخطاب العدائي.

وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن النفط الأذربيجاني القادم عبر هذا الخط يغطي ما بين 40 و46٪ من احتياجات إسرائيل النفطية في بعض الفترات، ما يجعل الممر الممتد عبر الأراضي التركية ركنًا ثابتًا في معادلة الأمن الطاقوي الإسرائيلي.

وتزداد حساسية هذه المعادلة مع الموقع الذي تحتله أذربيجان داخل شبكة المصالح الإقليمية، فشركة النفط الحكومية الأذربيجانية “سوكار” تعد أكبر مستثمر أجنبي في تركيا، وتملك استثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والمصافي، فيما تحافظ بالتوازي على شراكات استراتيجية متينة مع إسرائيل في مجالات النفط والغاز والتعاون الطاقوي.

هذا التداخل يضع باكو في قلب مثلث معقد يجمع أنقرة وتل أبيب ضمن شبكة مصالح يصعب تفكيكها دون أثمان سياسية واقتصادية مرتفعة، فإسرائيل تعتمد على النفط الأذربيجاني، وتركيا تعتمد على أذربيجان بوصفها شريكًا استراتيجيًا ومصدرًا مهمًا للطاقة والاستثمارات، بينما تحتاج باكو إلى استقرار خطوط العبور والأسواق معًا للحفاظ على موقعها كمركز طاقة إقليمي.

“إسرائيل تستخدم نفط شركتكم في قتل الفلسطينيين”.. وقفة احتجاجية نظمها العشرات ضد شركة “سوكار” الأذربيجانية في مقرها باسطنبول والتي مازالت تمد الاحتلال بالنفط حتى الآن، مطالبين المسؤولين الأتراك بإغلاق أنابيبها التي تمر عبر الأراضي التركية#تركيا#طوفان_القدس pic.twitter.com/goN3KaqxV6

— نون بوست (@NoonPost) May 31, 2024

البعد القانوني يضيف طبقة أخرى من التعقيد، فخط باكو–تبليسي–جيهان يعمل بموجب اتفاقيات دولية تمنح الدول والشركات المشغلة ضمانات واسعة لاستمرار تدفق النفط، بصرف النظر عن التوترات السياسية أو التحولات الإقليمية. وتنص الاتفاقيات الخاصة بالدول المضيفة على حماية عمليات النقل وعدم تعطيلها، وهو ما قيد قدرة أنقرة على استخدام الخط كورقة ضغط مباشرة في مواجهة إسرائيل.

ولهذا استمرت تدفقات النفط حتى خلال أكثر مراحل التوتر السياسي حدة بعد الحرب على غزة، لأن أي تعطيل واسع كان سيهدد مكانة تركيا كممر موثوق للطاقة، ويفتح الباب أمام نزاعات قانونية وتعويضات مالية ضخمة، فضلًا عن إلحاق الضرر بأذربيجان نفسها، الحليف الأقرب لأنقرة في جنوب القوقاز. وقد ظهر حجم هذا التعقيد بوضوح عقب زلزال فبراير/شباط 2023، حين أعلنت الشركة المشغلة حالة القوة القاهرة في ميناء جيهان، ما أبرز مدى ارتباط القرار السيادي التركي بشبكة دولية من العقود وأسواق الطاقة والشركات العابرة للقارات.

ورغم تقارير تحدثت عن وقف أذربيجان صادراتها النفطية إلى إسرائيل خلال أواخر 2024، واصلت الناقلات رحلاتها عبر مسارات بحرية معقدة شملت استخدام وسطاء من دول ثالثة وتعطيل أنظمة التتبع في بعض مناطق شرق المتوسط، في مؤشر على قدرة شبكات الطاقة العالمية على إعادة تشكيل مساراتها بعيدا عن الخطاب السياسي المعلن.

كما حافظت شركات الطاقة الدولية الكبرى على دورها المحوري في تأمين جزء كبير من احتياجات إسرائيل النفطية، ما يعكس أن منظومة الطاقة المرتبطة بإسرائيل تتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة، وتمتد إلى شبكة دولية واسعة من المنتجين وشركات الشحن والتكرير والتجارة.

وفي موازاة ذلك، تحولت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة إلى مركز متنام لتصدير الغاز في شرق المتوسط، مستفيدة من حقولها البحرية الضخمة وعلاقاتها المتشابكة مع مصر والأردن، ففي أغسطس/آب 2025 وقعت تل أبيب صفقة غاز ضخمة مع مصر بقيمة 35 مليار دولار، تضمنت زيادة الإمدادات القادمة من حقل ليفياثان، في أكبر اتفاق تصدير غاز بتاريخ إسرائيل. كما ارتفعت صادرات الغاز إلى مصر والأردن خلال 2024، رغم الإدانات السياسية العلنية للحرب على غزة، وهو ما يعكس انفصالًا متزايدًا بين الخطاب السياسي ومتطلبات أمن الطاقة في المنطقة.

هذه الشبكة الطاقوية المعقدة جعلت النفط والغاز الأذربيجانيين عنصر تهدئة ضمني في العلاقة التركية الإسرائيلية، فاستقرار خطوط العبور والتصدير يصب في مصلحة جميع الأطراف، وأي اضطراب واسع قد ينعكس مباشرة على الأسواق وحركة الملاحة وأمن الإمدادات وعائدات العبور والاستثمار. ولهذا تبدو الطاقة في شرق المتوسط والقوقاز عاملًا لإدارة التوتر وضبط إيقاعه أكثر من كونها أداة صدام مباشر، في ظل تشابك المصالح بين تركيا وإسرائيل وأذربيجان ومصر واليونان وقبرص ضمن معادلة إقليمية يصعب على أي طرف الانسحاب منها دون كلفة مرتفعة.

التجارة التي لا تنقطع

في مايو 2024، أعلنت أنقرة تعليق جميع أشكال التبادل التجاري مع إسرائيل وقدمت القرار بوصفه خطوة عقابية ردًا على الحرب في غزة. جاء الإعلان مصحوبًا بخطاب سياسي حاد وتصريحات رسمية تحدثت عن إغلاق كامل لمسار التجارة والتصدير والترانزيت، ما أوحى بأن العلاقات الاقتصادية بين الطرفين دخلت مرحلة القطيعة الشاملة، لكن الأرقام التي ظهرت لاحقًا كشفت صورة أكثر تعقيدًا، وأظهرت أن الاقتصاد ظل يتحرك في اتجاه مختلف عن الخطاب السياسي المعلن.

فبحسب بيانات التجارة الدولية، بقيت تركيا خلال عام 2024 ضمن أكبر الدول المصدرة إلى إسرائيل، رغم الانخفاض الحاد مقارنة بالسنوات السابقة. وتشير بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية إلى أن واردات إسرائيل من تركيا بلغت نحو ملياري دولار خلال 2024 من منظور الإبلاغ الإسرائيلي، في حين أظهرت البيانات المعاد نشرها من الجانب التركي رقمًا أدنى بلغ نحو مليار و520 مليون دولار.

هذه الفجوة بين الرقمين تعكس تداخل عدة عوامل تشمل فروقات التوقيت والمنهجية، وإعادة توجيه البضائع عبر دول وسيطة، إضافة إلى وجود تدفقات تمر عبر قنوات لا تصنف رسميًا كتجارة تركية إسرائيلية مباشرة. كما أوضحت أنقرة نفسها أن جزءًا من الأرقام المعلنة يتضمن صادرات موجهة إلى الأراضي الفلسطينية تمر عبر البوابات الإسرائيلية، ما زاد من تعقيد قراءة البيانات التجارية بعد الحرب.

وفي الأشهر التي تلت إعلان الحظر، استمرت التجارة عبر شبكة متشعبة من المسارات غير المباشرة، إذ تحدثت تقارير إعلامية إسرائيلية ودولية عن لجوء المستوردين الإسرائيليين إلى استخدام موانئ وخطوط شحن تمر عبر جورجيا والإمارات وبلغاريا واليونان لإدخال البضائع التركية إلى السوق الإسرائيلية بعيدًا عن المسارات المباشرة.

أعلنت شركة “ريبكون يو إس إيه” (الفرع الأمريكي لشركة ريبكون التركية للصناعات الدفاعية) تغيير اسمها رسميًا إلى “باليجين تكنولوجيز”، في خطوة تهدف للنأي بنفسها عن هويتها التركية بعد موجة غضب واسعة واتهامات لها بتوريد ذخائر ومعدات عسكرية لـ “إسرائيل”.

– جاء التحول المفاجئ بعد كشف… pic.twitter.com/KEy6YZ4Rca

— نون بوست (@NoonPost) March 12, 2026

كما اتجهت بعض الشركات إلى تغيير وثائق الشحن أو استخدام وسطاء وشركات من دول ثالثة لإخفاء الوجهة النهائية للبضائع. وفي أغسطس 2025، شددت أنقرة القيود على السفن المرتبطة بإسرائيل ومنعت رسو بعضها في الموانئ التركية، مع فرض متطلبات إضافية تتعلق بخطابات الضمان والحمولات، غير أن هذه الإجراءات دفعت التجارة إلى مزيد من التعقيد والالتفاف بدلًا من توقفها الكامل.

بلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين تركيا وإسرائيل قبل الحرب نحو 6 مليارات دولار، مع اعتماد قطاعات إسرائيلية واسعة على المنتجات التركية، خصوصًا الحديد والصلب ومواد البناء والكيماويات والأجهزة الكهربائية والمنسوجات. كما أظهرت بيانات مجلس المصدرين الأتراك أن الصادرات التركية إلى إسرائيل كانت تتركز في قطاعات صناعية استراتيجية ومواد وسيطة تدخل مباشرة في قطاعات البناء والصناعة والطاقة. ورغم الانخفاض الحاد في 2024، ظلت هذه القطاعات تحتفظ بحضور واضح داخل السوق الإسرائيلية، ولو عبر قنوات غير مباشرة.

العامل الاقتصادي الداخلي لعب دورًا حاسمًا في هذه المعادلة، فتركيا كانت تواجه خلال تلك الفترة ضغوطًا تضخمية حادة وتراجعا في قيمة الليرة وارتفاعًا في معدلات البطالة، ما جعل كلفة المقاطعة الكاملة مرتفعة على قطاعات واسعة من الاقتصاد التركي. كما أن وقف تدفق النفط الأذربيجاني عبر ميناء جيهان أو تعطيل شبكات الطاقة المرتبطة بإسرائيل كان سيلحق ضررًا مباشرًا بأذربيجان، الحليف الأقرب لأنقرة في جنوب القوقاز، ويهدد عائدات العبور والاستثمارات المرتبطة بالطاقة. ولهذا بدت الإجراءات التركية أقرب إلى إدارة مدروسة للتصعيد منها إلى محاولة لإحداث قطيعة اقتصادية كاملة.

ضمن هذا السياق، تحولت التجارة والطاقة إلى قنوات غير مباشرة لإدارة الخلاف بين الطرفين، إذ إن استمرار بعض التدفقات التجارية، وبقاء خطوط الطاقة مفتوحة، وفر مساحة لتفادي الانتقال من التصعيد السياسي إلى مواجهة اقتصادية أو استراتيجية شاملة. كما حافظ على حد أدنى من الترابط يسمح بإمكانية إعادة ترميم العلاقات مستقبلًا، على غرار ما حدث بعد أزمات سابقة مثل حادثة سفينة مرمرة عام 2010، حين مرت العلاقات بسنوات من التوتر قبل أن تعود القنوات الدبلوماسية والاقتصادية تدريجيا.

شبكة التوازن الإسرائيلية

في الثاني والعشرين من ديسمبر 2025، اجتمع قادة إسرائيل واليونان وقبرص في القدس المحتلة في قمة ثلاثية عكست توجها نحو بناء شبكة تعاون أوسع في مجالات الدفاع والطاقة والأمن البحري والبنية التحتية، ضمن مسار إقليمي يتعامل مع تركيا بوصفها أحد أهم المتغيرات في معادلات شرق المتوسط. وتحدثت تقارير ومراكز دراسات إسرائيلية وتركية عن انتقال هذا التقارب من مرحلة التعاون القطاعي المحدود إلى مستوى أكثر شمولًا يرتبط بإعادة رسم توازنات المنطقة، خصوصا بعد سنوات من التوتر المتصاعد بين أنقرة وتل أبيب.

تعود جذور هذا المسار إلى عام 2010، حين تدهورت العلاقات التركية الإسرائيلية عقب حادثة سفينة مرمرة. منذ ذلك الوقت بدأت إسرائيل توسيع شراكاتها مع اليونان وقبرص، مستفيدة من التوترات التاريخية القائمة بين هذه الأطراف وتركيا، سواء في ملفات بحر إيجه والجرف القاري أو في قضية قبرص، أو في النزاع المتعلق بترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. ومع اكتشافات الغاز الضخمة في المنطقة، اكتسب هذا التقارب بعدًا استراتيجيًا إضافيًا، لأن حقول الطاقة البحرية تحولت إلى محور تنافس جيوسياسي يرتبط بالممرات البحرية وخطوط التصدير وموازين النفوذ الإقليمي.

ضمن هذا السياق، برز منتدى غاز شرق المتوسط كأحد أهم الأطر المؤسسية التي أعادت تشكيل توازنات الطاقة في المنطقة، فالمنتدى الذي يضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وإيطاليا وفرنسا والأردن وفلسطين تأسس من دون إشراك تركيا، ما جعله بالنسبة إلى أنقرة مؤشرًا على محاولة إعادة تنظيم سوق الطاقة الإقليمية بطريقة تقلص دورها الجغرافي والسياسي.

وفي المقابل، رأت إسرائيل في المنتدى منصة تمنحها شبكة أوسع من الشراكات الاقتصادية والأمنية، وتوفر لها مسارات تصدير بديلة لا تعتمد على الأراضي التركية. ولهذا اتجهت تل أبيب خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز صادرات الغاز نحو مصر وتوسيع التعاون مع منشآت التسييل المصرية، بالتوازي مع تطوير مشاريع الربط الكهربائي والطاقة مع قبرص واليونان.

العقدة اليونانية–القبرصية داخل هذه الشبكة اكتسبت بعدًا عسكريًا متزايدًا، لأن التعاون امتد إلى المناورات الجوية والبحرية وصفقات التسليح وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب المشترك. وفي نهاية 2025 أعلن قادة إسرائيل واليونان وقبرص دراسة إنشاء قوة تدخل سريع لحماية منشآت الطاقة في شرق المتوسط، إضافة إلى تأسيس مركز للأمن السيبراني البحري في قبرص.

مع احتدام الصراع بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” مع إيران، تصاعد مؤخرًا داخل دوائر الأمن الإسرائيلية نقاشات حول موقع تركيا في خريطة التهديدات بعد طهران… فما أسباب تزايد “التركوفوبيا” الإسرائيلية؟

اقرأ المزيد في المادة التالية 👇👇https://t.co/QLO5BJFoHb pic.twitter.com/5kJGhkAbWd

— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026

في الخطاب الإسرائيلي، رافق هذا المسار تصاعد واضح في توصيف تركيا باعتبارها تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد. وتبنت مراكز أبحاث وسياسيون إسرائيليون مفاهيم تتحدث عن الطموحات العثمانية الجديدة وضرورة بناء شبكة تحالفات إقليمية لموازنة النفوذ التركي. كما ظهرت في السنوات الأخيرة أطروحات إسرائيلية تتحدث عن إحياء ما يسمى “عقيدة المحيط“، وهي استراتيجية قديمة تقوم على بناء شراكات مع قوى غير عربية أو أطراف إقليمية محيطة لمواجهة التحولات في البيئة الإقليمية.

تعمل إسرائيل بصورة أساسية على بناء شبكة موازنة متعددة المستويات، تقوم على تنويع مسارات الطاقة وتعزيز التحالفات البحرية والعسكرية وتوسيع البنية المؤسسية الإقليمية، بما يقلل من قدرة تركيا على الانفراد بالتأثير في شرق المتوسط. وفي هذا الإطار تلعب مصر دورًا محوريًا بوصفها منفذًا عمليًا لتصدير الغاز الإسرائيلي، فيما توفر اليونان وقبرص عمقًا أوروبيًا وأمنيًا، وتمنح أذربيجان إسرائيل قناة طاقوية مرتبطة بالقوقاز عبر شريك يحتفظ بعلاقات وثيقة مع أنقرة نفسها.

ما أبرز مخرجات القمة التي جمعت الاحتلال الإسرائيلي وقبرص واليونان، وما هي دلالات توقيت انعقادها، وما الرسائل الإسرائيلية التي وجهت إلى تركيا من خلالها؟ وهل تكون منطلقًا لتشكيل جبهة ثلاثية تستهدف أنقرة؟

📍تفاصيل أكثر في هذا التقرير 👇https://t.co/wU6nsUZhPa pic.twitter.com/1nzSMgq2ie

— نون بوست (@NoonPost) December 30, 2025

هذا التشابك يجعل المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة ثنائية بين تركيا وإسرائيل، فتركيا ما تزال تمتلك واحدًا من أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي، وتملك عمقًا جغرافيًا يمتد نحو القوقاز وآسيا الوسطى والبلقان والشرق الأوسط، كما تحتفظ بعلاقات اقتصادية وأمنية واسعة مع دول يصعب استبعادها من أي معادلة إقليمية.

ولهذا تبدو التحالفات التي تبنيها إسرائيل أقرب إلى أدوات لتقييد النفوذ التركي وإعادة توزيع موازين القوة في شرق المتوسط، أكثر من كونها مشروعًا قادرًا على فرض حصار استراتيجي شامل على أنقرة. وفي المقابل ردت تركيا على هذه التحركات عبر تعميق حضورها في ليبيا وتوقيع اتفاقيات بحرية وأمنية وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، في إطار سباق نفوذ مفتوح على خرائط الطاقة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية في شرق المتوسط.

القرن الأفريقي

في 26 ديسمبر 2025، أعلنت إسرائيل اعترافها بصوماليلاند في خطوة تكشف عن توجه إسرائيلي متصاعد نحو توسيع الحضور في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، فالإقليم المطل على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم يمنح أي قوة حاضرة فيه قدرة على مراقبة حركة الملاحة والتأثير في طرق التجارة والطاقة العابرة بين آسيا وأوروبا.

أهمية هذه الخطوة بالنسبة إلى تركيا ترتبط مباشرة بالحضور التركي المتنامي في الصومال، حيث تعد أنقرة من أبرز داعمي الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وتمتلك قاعدة عسكرية ومشاريع تدريب ودعم أمني واسعة. ولهذا فسر الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند على أنه جزء من إعادة تشكيل شبكة نفوذ إقليمية تمتد من شرق المتوسط حتى القرن الأفريقي، بالتنسيق مع أطراف إقليمية مثل الإمارات وإثيوبيا ضمن مسار يهدف إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي قرب باب المندب وخليج عدن وتأمين خطوط الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر.

كما تنظر إسرائيل إلى القرن الأفريقي بوصفه مساحة مهمة لمراقبة التحركات البحرية المرتبطة بجماعة الحوثي، خاصة بعد تصاعد الهجمات على السفن التجارية والإسرائيلية في البحر الأحمر منذ الحرب على غزة.

هذا التوسع الإسرائيلي يتقاطع مع التمدد التركي المتسارع في أفريقيا، حيث عززت أنقرة خلال السنوات الأخيرة حضورها الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في القارة، خصوصا في القرن الأفريقي. ولذلك تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس متزايد على الموانئ والممرات البحرية وشبكات النفوذ السياسي.

ومع ذلك تواجه هذه التحركات قيودا واضحة، لأن دولا مثل إثيوبيا والهند تحافظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة بينها تركيا وإيران، كما أن أي انخراط إسرائيلي أوسع في القرن الأفريقي يصطدم بحساسيات إقليمية ودولية معقدة.

توتر لا ينفجر

يتضح لنا أن التوتر التركي الإسرائيلي يتحرك داخل مساحة شديدة التعقيد، تحكمها معادلة ردع ومصالح متشابكة أكثر مما تحكمها الرغبة في الذهاب إلى مواجهة مباشرة، فأنقرة رغم خطابها السياسي الحاد تجاه إسرائيل منذ الحرب على غزة، ما تزال جزءًا من المنظومة الغربية وعضوًا رئيسيًا في حلف شمال الأطلسي، كما أن تحركاتها الإقليمية ظلت محكومة بسقف يمنع الانزلاق إلى صدام عسكري مفتوح مع تل أبيب.

وفي المقابل تدرك إسرائيل أن التعامل مع تركيا يختلف جذريًا عن التعامل مع فاعلين إقليميين أصغر، لأن أنقرة تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، وحضورًا واسعًا في سوريا وشرق المتوسط والبحر الأسود والقوقاز، إضافة إلى شبكة علاقات أمنية واقتصادية تجعل أي مواجهة مباشرة محفوفة بكلفة مرتفعة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

كما تلعب السياسة الداخلية في البلدين دورا مهما في إبقاء التوتر ضمن حدود محسوبة، فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواجه ضغوطًا اقتصادية وانتخابية داخلية تجعل الخطاب التصعيدي تجاه إسرائيل أداة فعالة لاستعادة جزء من التأييد الشعبي وامتصاص الغضب المرتبط بالحرب على غزة، من دون الدخول في مواجهة تفرض أثمانا اقتصادية وأمنية يصعب تحملها.

وفي إسرائيل يستخدم بنيامين نتنياهو بدوره صورة التهديد التركي لتعزيز تماسك ائتلافه اليميني وتبرير توسيع شبكة التحالفات الإقليمية في شرق المتوسط والبحر الأحمر. وهكذا يتحول التصعيد السياسي في كثير من الأحيان إلى جزء من إدارة التوازنات الداخلية بقدر ما هو تعبير عن صراع جيوسياسي فعلي.

خبير الأمن والدفاع بمعهد “RUSI” د. إتش إيه هيلير: محاولات “إسرائيل” لتصوير تركيا كـ “إيران جديدة” لم تنجح خارج حدودها؛ فثقل أنقرة الاستراتيجي داخل حلف “الناتو” أقوى من أي محاولة تأطير سياسية. pic.twitter.com/lEbyNhf2f6

— نون بوست (@NoonPost) May 8, 2026

في الخلفية تستمر قنوات الاتصال غير المعلنة في العمل، سواء عبر وسطاء إقليميين مثل أذربيجان أو عبر تفاهمات أمنية واستخباراتية مرتبطة بمنع الاحتكاك المباشر، خصوصًا في الساحة السورية. فهناك إدراك متبادل لدى الطرفين بأن أي خطأ ميداني واسع قد يدفع المنطقة إلى أزمة يصعب احتواؤها، خاصة مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل سوريا في مناطق تنشط فيها قوات ومؤسسات مرتبطة بتركيا. ولهذا ينظر إلى احتمال وقوع اشتباك غير مقصود في سوريا باعتباره السيناريو الأكثر حساسية لأنه قد يفرض على الطرفين الانتقال من الحرب الكلامية إلى مواجهة ميدانية لا يرغب أي منهما في توسيعها.

العامل الأمريكي يزيد هذه المعادلة تعقيدًا، خصوصًا مع تصاعد الشكوك الإقليمية حول حدود الالتزام الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط، فالدول الحليفة لواشنطن باتت تراقب بحذر تراجع القدرة الأمريكية على فرض توازنات مستقرة أو تقديم ضمانات أمنية مطلقة، وهو ما يدفع قوى إقليمية مثل تركيا وإسرائيل إلى بناء شبكات ردع وتحالفات أكثر استقلالية.

يبدو أن العلاقة التركية الإسرائيلية تتجه نحو نموذج “الخصومة المضبوطة”، تنافس حاد على النفوذ والطاقة والممرات البحرية، يقابله حرص متبادل على منع الانفجار الكامل، لأن كلفة الحرب المباشرة تبقى أعلى بكثير من مكاسبها المحتملة لكلا الطرفين.

علاماتالتطبيع التجاري ، السياسة التركية الخارجية ، السياسة التركية تجاه إسرائيل ، العلاقات الإسرائيلية التركية ، العلاقات التركية الأذربيجانية
مواضيعالسياسة التركية ، العلاقات التركية الإسرائيلية

قد يعجبك ايضا

سياسة

خطة المليار شيكل.. 5 أدوات إسرائيلية لتثبيت احتلال الجولان السوري

نون إنسايت١٣ مايو ٢٠٢٦
سياسة

وحدات “هاغمار” الاستيطانية.. ماذا نعرف عن جيش الظل الإسرائيلي؟

نون إنسايت١٣ مايو ٢٠٢٦
سياسة

تسريبات “رويترز” وما وراءها.. كيف تدير السعودية معركتها مع إيران؟

عماد عنان١٣ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑