فتح استهداف الموانئ والمنشآت النفطية والمجال الجوي في الخليج تساؤلات أوسع من سؤال الخسائر المباشرة: هل تختبر إيران دفاعات دول مجلس التعاون فقط، أم تفحص قدرتها على التصرف كجبهة واحدة في لحظة حرب إقليمية؟
ولم تعد المعركة عسكرية فقط، فقد ذهبت الإيكونوميست إلى أن صواريخ إيران تحاول دقّ إسفين بين دول الخليج، فيما يطرح المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية ISPI السؤال من زاوية أخرى: هل يخرج مجلس التعاون من الحرب أكثر تماسكًا أم انقسامًا؟
بهذا المعنى، لا تسأل الهجمات عن قوة الدفاع الجوي وحدها، بل عن شيء أعمق: هل دول الخليج جبهة واحدة فعلًا، أم بلدان تجمعها المخاوف من إيران وتفرّقها الجغرافيا والعلاقة مع واشنطن و”إسرائيل”؟
هل تحاول إيران شقّ الصف الخليجي؟
استهداف انتقائي
لا تضغط إيران على الخليج ككتلة واحدة، بل تختار نقاط ضعف محددة. وقد أوحى استهداف موانئ الفجيرة وخورفكان، وهما منفذان يلتفان على مضيق هرمز، لكثير من المحللين أن الهدف ليس ضرب منشآت بقدر ما هو تذكير بأن تجاوز المضيق ليس آمنًا.
في الوقت نفسه، استهدفت إيران منشآت الطاقة في السعودية والكويت وقطر، ما جعل مراقبين يتحدثون عن “عشرات نسخ هجوم أرامكو 2019”.
ورفعت هذه الضربات الكلفة الاقتصادية للحرب وجعلت أمن الطاقة محورًا للتفاوض، وليس مجرد معركة عسكرية. وأشارت بيانات ACLED إلى أن الإمارات كانت الأكثر تعرضًا للهجمات، بينما كانت الكويت أكثر تعرضًا للخسائر البشرية.
ويرى بعض المحللين أن إيران أرادت بذلك إرسال رسائل مختلفة: عقاب الإمارات بسبب تطبيعها مع “إسرائيل”، والضغط على باقي الدول، واستثناء نسبي لعمان تشجيعًا لدورها كوسيط.
تعتذر علنًا وتلوّح عسكريًا
لا تعمل إيران بالصواريخ فقط، بل بالرسائل المتناقضة أيضًا، ففي خطاب علني، قدّم الرئيس مسعود بزشكيان اعتذارًا للدول المجاورة التي تعرضت لهجمات إيرانية، وقال إن طهران لا تسعى إلى مواجهة معها، لكن هذا الاعتذار لم يلغِ خطاب الحرس الثوري التصعيدي ضد الجيران.
ووفق معهد الدوحة للدراسات، بلغت المفارقة ذروتها عندما استؤنفت الضربات بعد ساعات من اعتذار بزشكيان، ضد قطر والبحرين والإمارات والسعودية، ما عكس تناقضًا بين خطاب التهدئة السياسي ومسار الحرس الثوري.
ثم أضافت طهران طبقة أخرى من الالتباس تتمثل في الإنكار، فبعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، نفى الحرس الثوري إطلاق أي صواريخ أو مسيّرات باتجاه دول الخليج، وقال إن القوات الإيرانية “لم تطلق شيئًا نحو أي دولة”، رافضًا تقارير عن هجمات على منشآت المنطقة.
هذه الازدواجية تخدم هدفًا سياسيًا: تفتح باب التهدئة أمام العواصم الخليجية التي تريد النأي بالنفس، لكنها تبقي التهديد قائمًا لمن يقترب أكثر من واشنطن أو “إسرائيل”. كما تسمح لطهران بتصوير الخليج باعتباره ضحية لتورطه مع القواعد الأمريكية، لا خصمًا مباشرًا لها.
حرب نفسية
تدير إيران معركة رسائل موازية، فهي تحاول أن تزرع داخل الخليج سؤالًا مزعجًا: هل الوجود الأمريكي يحمي الدول الخليجية أم يجعلها أهدافًا في أي مواجهة مع إيران؟
في هذا السياق، حذّر الحرس الثوري من أن أي دولة تُستخدم أراضيها أو قواعدها في عمليات أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران قد تدخل دائرة الاستهداف.
وتستخدم إيران الخرائط كجزء من هذه الحرب النفسية، ففي مايو/أيار 2026، نشرت بحرية الحرس الثوري خريطة لمنطقة تقول إنها تقع تحت سيطرتها في مضيق هرمز، تمتد شرقًا حتى خط بين جبل مبارك الإيراني وإمارة الفجيرة.
لم تكن الخريطة مجرد بيان ملاحي، بل رسالة إلى الإمارات وبقية الخليج بأن الموانئ البديلة خارج هرمز ليست بعيدة عن الضغط الإيراني.
هل توحد الخليج أم انقسم تحت الضغط؟
دفعت الهجمات دول الخليج إلى رفع مستوى التنسيق الدفاعي، وتبادل الإنذار، وتشغيل دفاعاتها الجوية بكثافة، لا سيما مع اتساع نطاق الهجمات الصاروخية والمسيّرة، وأصدرت بيانات مشتركة تدين إيران.
تتمثل أهم نقاط التماسك في الخوف المشترك من انهيار صادرات النفط والغاز، إذ أن تعرض منشآت الطاقة السعودية والقطرية والكويتية للهجمات جعل الدول تتعاون لتأمين خطوط الأنابيب والموانئ.
ومع ذلك، فإن الاعتماد المختلف على هرمز يخلق اختلافًا أساسيًا: الدول الواقعة خلف المضيق (الكويت، البحرين، قطر) تشعر بتهديد أكبر، بينما لدى السعودية والإمارات منافذ جزئية عبر البحر الأحمر والفجيرة.
وهو ما يفسر لماذا تدفع بعض الدول نحو تسوية سريعة بينما ترى أخرى في استمرار الضغط وسيلة لإجبار إيران على التراجع. وتظهر بعض التباينات بوضوح عند تحليل مواقف كل دولة.
- الإمارات والبحرين: تعرّضتا لهجمات مكثفة، لكنهما اتخذتا موقفًا صقوريًا، فقد أبدت أبوظبي استعدادًا أكبر للانخراط في تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز وطالبت بضرورة “تجريد إيران من قدراتها الصاروخية”، كما اتخذت المنامة بوصفها مقر الأسطول الخامس الأمريكي، موقفًا مشابهًا.
- السعودية: تمتلك خطوط أنابيب شرق-غرب تمنحها هامش مناورة، لذا تبنّت موقفًا أكثر حذرًا، فقد استضافت قمة جدة التشاورية الاستثنائية نهاية أبريل/نيسان لكنها رفضت استخدام أراضيها لإطلاق هجمات على إيران، مفضلة حلولًا دبلوماسية.
- قطر: ركزت على حماية منشآت الغاز ووساطتها التقليدية، فهي تدعو إلى وقف الحرب وتفادي التصعيد، لكنها لم تستطع تجنب الضربات. ومع ذلك، ترفض الانجرار إلى تحالف صدامي مع إيران، وتحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران.
- الكويت: تعتمد كليًا على مضيق هرمز، لذا تسعى لإنهاء الحرب سريعًا. ورغم تعرضها لهجمات مدمرة، تحفظت على التصعيد ودعت إلى حل سياسي.
- عمان: حافظت على خطاب أكثر توازنًا، يجمع بين إدانة الهجمات وتأكيد الحياد الإيجابي والدعوة إلى الحوار، بما ينسجم مع دورها التقليدي كقناة وساطة.
وتظهر هذه الاختلافات أن مجلس التعاون لا يتصرف كتحالف أمني موحد، بل كإطار تنسيق سياسي، فكل دولة تحسب مصلحتها بناءً على جغرافيتها وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية.
حتى في الملفات الاقتصادية، تميل بعض العواصم الخليجية إلى حساب مصالحها منفردة، وهو ما يظهر في ملفات مثل سياسة النفط، فخروج الإمارات من تحالف أوبك النفطي، مثلاً، يدل على سعيها لاستقلال اقتصادي حتى في ظل الخطر المشترك.
ويخلص معهد ISPI الإيطالي إلى أن دول الخليج بعد الحرب على إيران لا تقف في موقع تفكك كامل، لكنها أيضًا لا تتحرك ضمن رؤية استراتيجية واحدة، وفق تقديره.