ترجمة وتحرير: نون بوست
يتابع أكثر من 7000 شخص صفحة مصففة الشعر وخبيرة التجميل السورية على منصة “فيسبوك”. تمتلئ الصفحة بصور تسريحات الشعر، والتحولات المذهلة قبل التصفيف وبعده، والخصلات الشقراء المصبوغة التي تداعبها أناملها بعناية، فضلاً عن صور لمكياج العرائس وتجهيزات حفلات الخطوبة.
أسفل إحدى الصور في حفل خطوبة، تتراكم التعليقات. كتبت إحدى الزبونات: “سلمت يداك الجميلتان”، وردت العروس معلقة: “حبيبتي هلوش (تقصد هالة)، شكراً لكِ على هذا العمل الرائع”، لتتوالى الردود بـ “آلاف التبريكات”.
وفي أحدث الصور المنشورة، تظهر هالة – العاشقة لصبغات الشعر – بقصة شعر قصيرة باللون البنفسجي الفاتح، تعلو وجهها ابتسامة عريضة وعفوية وهي تقدم درساً في فن تصفيف الشعر. بالنسبة لوالديها، هي هالة، ابنتهما الكبرى بين 4 أبناء.
داخل منزل العائلة في جبال مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية، والتي كانت ذات يوم معقلاً حصيناً لنظام بشار الأسد، يستعرض والداها صوراً من حفل خطوبتها الذي أُقيم عام 2021.
في تلك الصور، تطل هالة بفستان وردي فاتح مزين بأقمشة شفافة، وتضع تاجاً فضياً وقلادة وقرطين، منتعلة حذاءً ذا كعب عالٍ بلون فضي، وتزين شفتيها بأحمر شفاه فاقع، وتضع وردة على صدرها. يُبرز مكياجها عينيها الزرقاوين الثاقبتين اللتين ورثتهما عن والدها.
تقف هالة أمام عدسة الكاميرا متخذة وضعيات أشبه بالرقص، في لقطات تفيض بسعادة عادية.
غير أنه لا شيء في تلك الصور يوحي بحجم الرعب الذي كانت تزرعه في مكان آخر. ففي الوقت الذي التُقطت فيه تلك الصور التذكارية، كانت هالة تعمل حارسة في قسم النساء داخل أحد السجون التي يديرها نظام الأسد.
داخل أقبية ذلك السجن، تقول العديد من المعتقلات السابقات إن مجرد غيابها المؤقت كان يبعث الارتياح، حتى أن فترة غيابها بسبب خطوبتها مرت عليهن كأنها “عطلة”.
كانت تعمل مصففة شعر ذائعة الصيت نهاراً، وتلعب في السر دور الجلاد في جهاز المخابرات الجوية التابع للنظام. كانت تتفنن في تعذيب المعتقلات وتتلذذ بمعاناتهن. حياة مزدوجة تجسد قسوة دكتاتورية دموية، وتعكس طبيعة الأتباع الذين أداروا آلة القمع الوحشية.
يعمل والد هالة في مجال البناء. يوم الجمعة، الثامن من مايو/ أيار، وأثناء زيارة مجلة “نيولاينز”، كان يرتدي زي عمل أزرق اللون عليه آثار الزراعة والعناية بالحيوانات، بينما تعتني والدتها بشؤون المنزل.
في منزلهم بمدينة جبلة، حيث ترعرعت هالة، يربي الأب قطيعاً يضم نحو 20 ماعزاً، وُلد أحدثها قبل خمسة أيام. يُطل المنزل على تلال خضراء تكسوها أزهار شقائق النعمان الربيعية. على أريكة في غرفة المعيشة، يحتسي والداها مشروب “المتة” بعيون محتقنة بالدموع. وعلى بُعد مئات الأميال، لا تزال المعتقلات السابقات يتذكرن صدى صوت هالة وهو يتردد في ممرات السجن المظلمة.
في 18 مارس/ آذار الماضي، أُلقي القبض على هالة. وُجهت إليها تهم بارتكاب “انتهاكات وعمليات تعذيب” ضد السجناء إبان حكم نظام الأسد، ومن المقرر أن تمثل أمام محاكم العدالة الانتقالية لمحاكمتها.
بين جدران سجن المخابرات الجوية في حي المزة بالعاصمة دمشق، كانت هالة تُعرف باسم آخر: “منيرة”. يُعد جهاز المخابرات الجوية من أكثر أفرع الأجهزة الأمنية التابعة للأسد إثارة للرعب، ولطالما وجهت له المنظمات الحقوقية اتهامات بممارسة التعذيب الممنهج، وتنفيذ عمليات إعدام، والإخفاء القسري.
وقد كشف تقرير صدر عام 2025 أن أكثر من ألف سوري لقوا حتفهم في سجن مطار المزة العسكري إبان حكم الأسد، في حين مرّ ما لا يقل عن 29 ألف معتقل عبر هذا السجن سيء السمعة بين عامي 2011 و2017. وتقدر المنظمات الحقوقية أن أكثر من 100 ألف شخص اختفوا قسرياً في سوريا خلال سنوات الحرب، ابتلعت شبكة السجون التابعة للنظام عدداً كبيراً منهم.
وتؤكد عدة معتقلات سابقات أن هالة (أو منيرة) كانت من بين أكثر السجانات بثا للخوف، ويستذكرن كيف كان صوتها وحده كافياً لإسكات زنازين بأكملها وبث الرعب في نفوس القابعين فيها.
لأول مرة منذ اعتقالها، تحدث والدا هالة لمجلة “نيولاينز” من منزلهما الجبلي في جبلة. قال والدها بنبرة منكسرة: “لقد كانت مجرد فتاة صغيرة”.
في حي “المزة 86” الدمشقي، حيث استقرت هالة قبل بضعة أشهر، لا يزال العديد من السكان يؤكدون أنهم لا يستوعبون حتى الآن سبب اعتقالها.
يقع صالون التجميل الذي كانت تديره حتى لحظة اعتقالها في شارع مزدحم يعج بالمقاهي والبقالات والمحلات التجارية الصغيرة. يقول السكان إن الجميع هناك يعرفون بعضهم البعض، في أجواء ألفة تشبه إلى حد كبير حياة القرى والأرياف.
على واجهة المحل، لا تزال اللافتة القديمة ظاهرة بالكاد تحت الاسم الجديد الذي وضعته امرأتان استلمتا إدارة الصالون قبل شهر.
أما في الداخل، فتحيط ثلاث مرايا كبيرة بطاولة صغيرة تتجمع حولها نساء الحي لاحتساء مشروب “المتة” المفضل لديهن، وتناول الطعام، وتبادل أطراف الحديث لساعات طوال وهن جالسات على أريكة صفراء اللون. وفي هذا المكان بالذات، كانت هالة تعيش أيضاً، إذ خصصت سريراً صغيراً في الغرفة الخلفية للصالون.
تصف جل النساء الذين التقينا بهن في هذا الحي الوضع الحالي في سوريا بأنه “سيء للغاية”. تقول إحدى السيدتين اللتين استلمتا إدارة الصالون إن زوجها – الذي عمل لسنوات كسائق في جيش الأسد، على حد قولها – قد تعرض للاعتقال مرات عدة.
ويشير السكان إلى أنه منذ سقوط النظام، باتت لهجة الشخص، أو مسقط رأسه، أو وظيفته العسكرية السابقة، مبررات كافية لإثارة الشبهات حوله.
في أزقة الحي، لا تدور الأحاديث كثيراً حول نظام السجون الذي تُتهم هالة بالعمل لصالحه – وهو النظام المرتبط منذ زمن طويل بالتعذيب والإخفاء القسري والموت في الاعتقال – بل تتركز النقاشات حول الخوف المهيمن حاليا: الخوف من الاعتقالات، وعمليات الانتقام، وتصفية الحسابات. ولهذا السبب، شكل خبر اعتقال هالة صدمة مدوية.
في هذا السياق، تقول إحدى العاملات الحاليات في الصالون، في إشارة إلى الاعتقالات المرتبطة بعناصر النظام السابق: “لقد شهدنا اعتقالات في الحي، لكن هذه هي المرة الأولى التي تُعتقل فيها امرأة”.
يتحدث الكثيرون في الحي عما يصفونه بـ “المبالغة” في توجيه الاتهامات. تقول امرأة أخرى: “يجب أن تقتصر المحاسبة على أولئك الذين أصدروا الأوامر”. يوافقها الرأي زوج إحدى مصففات الشعر اللاتي استلمن الصالون قائلاً: “كان الكثير من الناس مجرد آلات لتنفيذ الأوامر”، وهي حجة تتردد أصداؤها كثيرا منذ سقوط الأسد، ومفادها أن “المسؤولية تقع على عاتق قيادات عليا في مكان آخر”.
ترفع إحدى النساء ذراعيها تعبيراً عن عدم تصديقها لتلك الاتهامات الموجهة لهالة، وتقول: “إنها مجرد مصففة شعر تعمل في مجال تجميل النساء. كيف يمكن لما نقرأه عنها أن يكون صحيحاً؟”.
وعلى بُعد أقل من مئة متر، تقول مديرة معهد التجميل الذي كانت هالة تُقدم فيه دورات تدريبية، إنها سلمتها مفاتيح سيارتها قبل بضعة أيام من الاعتقال لكي تقوم بغسلها وتنظيفها. وتضيف المديرة: “لقد قدمت حصتين تدريبيتين ثم اختفت فجأة”. وبعد ثلاثة أيام، علمت المديرة بنبأ اعتقال هالة.
في إحدى زوايا معهد التجميل الذي بات فارغاً، بقي رأس دمية بشعر أشقر، كان يُستخدم للتدريب على تسريحات الشعر، مهملاً.
على صفحة المعهد على منصة “فيسبوك”، يظهر رأس الدمية في صور يرجع تاريخها إلى 14 مارس/ آذار الماضي، أي قبل أربعة أيام فقط من الاعتقال. تظهر هالة وهي تُعلم طالبتين تقنيات تصفيف الشعر. يجمع أهالي الحي على وصف عملها بأنه “احترافي للغاية”. وتعقب مديرة المعهد: “لو لم تكن بارعة في عملها، لما حظيت بكل هذه الشعبية”.
وتوضح المديرة أنها وظفت هالة دون أن تطلب منها تقديم سيرة ذاتية، واكتفت بالاستناد إلى سمعتها الطيبة التي يتداولها سكان الحي.
أكملت هالة جلسة اختبار عملية، ونشر المعهد بعدها إعلاناً ترويجياً على “فيسبوك” جاء فيه: “حولي شغفك من مجرد هواية إلى مهنة احترافية من خلال دورة شاملة في التجميل وتصميم الأظافر”.
وقبل اعتقالها؛ كانت هالة تحلم بالاستقرار الدائم في حي “المزة 86”. وفي هذا الحي، ذي الأغلبية الساحقة من الطائفة العلوية – وهي الطائفة التي ينحدر منها الأسد، والتي تنتمي إليها هالة نفسها، والتي شكلت لعقود من الزمان إحدى الركائز الأساسية للنظام السوري – حظيت الشابة باحتضان سريع وترحيب حار.
وكانت النساء يتوافدن لاحتساء “المتة” في صالونها، حتى إن إحدى زبوناتها دعتها لحضور حفل زفافها.
وكانت هالة قد انتقلت للعيش في هذا الحي في شهر مارس/آذار 2025، أي بعد ثلاثة أشهر من سقوط نظام الأسد. وتقع الوكالة العقارية التي أجرت لها الصالون في الجهة المقابلة للشارع مباشرة. ويقول العاملون في الوكالة إنهم رأوا شابة عزباء تصل بمفردها، ووصفوها بأنها كانت “لطيفة” و”ودودة”.
ويؤكدون أنها أصبحت، وفي وقت قياسي، وجهاً مألوفاً ومعروفاً في المنطقة، لدرجة أن أحد الوكلاء العقاريين يتذكر كيف سألته ذات مرة عن التكلفة المطلوبة لشراء الصالون وامتلاكه بشكل كامل؛ إذ كانت ترغب في البقاء هناك “للأبد”.
ويُصر السكان على أنهم لم يكونوا يعرفون شيئاً عن ماضيها، لكن أحد الوكلاء العقاريين يعترف بأنه، قبل نحو عام، توقف رجل أمام الصالون وادعى أنه يعرف وجهها؛ حيث زعم ذلك الرجل أن هالة كانت تعمل في سجن المزة العسكري.
ويُعلق الوكيل العقاري ببساطة على تلك الحادثة قائلاً: “كنت أظن فقط أنها امرأة قوية البنية”، ثم يضيف بعد برهة: “كما أنها كانت جميلة.. والجميع هنا كان يقول ذلك”.
وجمعت مجلة “نيو لاينز” شهادات من خمس معتقلات سابقات، وصفن بشكل مستقل ومتقاطع أنماطاً متشابهة من الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها هالة داخل السجن.
بالنسبة للمعتقلة السابقة هبة دروبي، تبدأ ذكرياتها عن هالة من مظهرها الخارجي أيضاً؛ وتحديداً عينيها الباهتتين، وعدساتها اللاصقة الملونة، وشعرها. ولكن، ما كان يرافقها دائماً في يديها هو تلك الأنابيب البلاستيكية الخضراء التي أطلق عليها المعتقلون السوريون تهكمًا اسم “الأخضر الإبراهيمي” – في إشارة ساخرة إلى المبعوث الأممي الأسبق الذي يحمل الاسم ذاته والذي يعني اللون الأخضر – وهي الأداة التي كان يستخدمها السجانون لضرب السجناء بقسوة، وتعلق هبة قائلة: “لم تتردد هالة يوماً في استخدام هذا الأنبوب لضربنا”.
وأُلقي القبض على هبة في شهر سبتمبر/أيلول 2017 برفقة والدتها، للاشتباه في وجود صلات تربط زوجها بجماعة “هيئة تحرير الشام” الإسلامية المسلحة. وقد أمضت هبة سبع سنوات عجاف في سجون نظام الأسد، قبل أن تُعانق الحرية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو اليوم الذي سقط فيه الأسد. وتقول هبة إن بعض النساء كنّ يُستهدفن داخل سجن المزة أكثر من غيرهن.
وتستذكر معتقلة سابقة أخرى تلك الأيام قائلة: “كان الجميع يدرك تماماً أنه كلما كانت الفتاة أجمل، زاد استهدافها والتركيز عليها.. وهبة كانت جميلة جداً”، وفي حديثها لمجلة “نيو لاينز”، روت هبة تفاصيل لقائها الأول مع منيرة (وهو الاسم الحركي لهالة داخل السجن)، والذي حدث أثناء التفتيش الجسدي قُبيل إدخالها إلى الزنزانة.
وأجبرت منيرة هبة على خلع ملابسها بالكامل، ثم أخذت تتفحص شعرها وتسألها عما إذا كان طبيعياً. وفي مرة أخرى، فعلت الشيء ذاته بشعر هبة قبل أن تشده بقسوة وعنف.
وتوضح هبة، التي تنحدر من مدينة حمص (إحدى حواضر وعواصم الانتفاضة السورية)، أنها سرعان ما أدركت أن منيرة كانت تكنّ كراهية وحقداً دفيناً ومحدداً تجاه المعتقلات. وتضيف هبة: “كانت تنعتنا بـ”السنيات”.. وكانت تقول إننا نستحق الحرق”.
وعن حياة منيرة السابقة كمصففة شعر، تقول هبة إنها لم ترَ منها داخل السجن سوى أثر واحد فقط: “مقصها”.
وتستذكر هبة ذلك اليوم المشؤوم الذي اقتحمت فيه منيرة زنزانتهن برفقة حارسين، وكان بداخل الزنزانة خمس نساء. كانت منيرة تمسك بمقص في يديها، وقالت لهن بلهجة حاسمة ومرعبة: “إما الإطار (الدولاب) أو المقص”. و”الدولاب” هو أسلوب تعذيب وحشي وشائع يُجبر فيه المعتقل على الالتواء داخل إطار سيارة قبل أن ينهال عليه الجلادون بالضرب. وتعلق هبة: “كنا في حالة من الرعب الشديد.. لذلك اخترنا المقص”.
حينها، بدأت منيرة بقص شعورهن بعشوائية ووحشية، وتصف هبة المشهد قائلة: “تعالت الصرخات والبكاء”. كانت جميع النساء في الزنزانة ذوات شعر طويل، وتضيف هبة: “كانت تمسك بشعورنا بعنف شديد.. وكانت تضحك.. تضحك بصوت عالٍ وهي تنتزع خصلات منه بقوة”.
وتؤكد هبة مراراً وتكراراً أن تلك الضحكات هي أكثر ما حُفر في ذاكرتها وترك أثراً لا يُمحى، قائلة: “كنت أرى بوضوح أنها تستمتع بما تفعله”. وأثناء قص شعورهن، أمطرتهم منيرة بوابل من الشتائم المقذعة، قائلة لهن: “أنتن عاهرات.. جئتن من الملاهي الليلية، وتعملن في الليل”.
وفي حادثة أخرى، تروي هبة أن منيرة فتحت باب الزنزانة بينما كانت بعض النساء يؤدين الصلاة، فصرخت فيهن قائلة: “أيتها السنية، لماذا تصلين؟ لقد هزمناكم.. أنتم تستحقون الحرق”.
وفي يوم الاستفتاء الصوري الذي نظمه الأسد لتمديد فترة حكمه في عام 2021، تتذكر هبة كيف فتحت منيرة الزنزانة وهي تعتمر قبعة عسكرية، لتصرخ فور فتحها الأبواب: “بالروح، بالدم، نفديك يا بشار”، ثم أمرت المعتقلات بالإجبار على ترديد هذا الهتاف وراءها.
ومن خلال الشهادات التي جُمعت، طفت تفاصيل معينة على السطح مراراً وتكراراً: الصمت المطبق الذي يخيم على الزنازين بمجرد وصول منيرة، والشتائم المستمرة، والرعب من مجرد طلب الإذن بالذهاب إلى دورة المياه عندما تكون هي في مناوبة الحراسة.
وفي روايات النساء، لا تبدو منيرة مجرد حارسة عادية، بل ككيان شيطاني مشبع بنشر الرعب في أرجاء السجن. وتشير هبة إلى ذلك قائلة: “لقد خضعنا جميعاً للاستجواب بشأن حارسة أخرى تم اعتقالها أيضاً، وقد أجمعنا كلنا على أنها لم تكن تعاملنا بنفس الطريقة الوحشية التي كانت تعاملنا بها منيرة”.
وتتابع هبة قائلة: “كانت جلسات التحقيق تتضمن بالفعل ألواناً من العنف والضرب، لكن في العادة، لم يكن لدى الحراس أي سبب لإيذائنا خارج غرف التحقيق. أما منيرة، فكانت تتفنن في تعذيبنا وإهانتنا خارج أوقات الاستجواب”.
ويؤكد المعتقلون أن الإهانات كانت وجبة يومية متواصلة؛ فداخل الزنزانة، تحولت حتى عملية التهوية إلى أداة للعقاب؛ فعندما ترتفع درجات الحرارة بشكل خانق، كانت منيرة تغلق منافذ الهواء. وعندما يشتد البرد القارس، كانت تعمد إلى تشغيلها.
وعندما كان يُقدم الطعام في عبوات بلاستيكية، تقول السجينات إن منيرة كانت تمنحهن ثلاث دقائق فقط لإنهاء طعامهن، قبل أن تجبرهن على إرجاع العبوات. أما طلبات الذهاب إلى دورة المياه، فغالباً ما كانت تُرفض رفضاً قاطعاً، مما كان يجبر النساء على قضاء حاجتهن داخل زنازينهن.
وتستذكر هبة يوماً آخر من أيام العذاب، عندما قامت منيرة بسكب الماء على أرضية الزنزانة بالكامل؛ لتُجبر النساء على البقاء لمدة 14 ساعة متواصلة بملابس مبللة على الأرضية الخرسانية الرطبة.
وتتساءل هبة باستنكار شديد: “كيف تجرأت على البقاء وعدم الفرار من دمشق؟”، وقد أعربت العديد من الناجيات عن صدمتهن العميقة لبقاء هالة في العاصمة بعد سقوط النظام، ومواصلتها العمل بشكل علني، بل ونشر صورها على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي وكأن شيئاً لم يكن.
من جهتها؛ أمضت صفاء العوايد (إحدى المعتقلات السابقات) نحو عام في ذلك السجن بين عامي 2015 و2016، قبل أن يُفرج عنها بموجب صفقة لتبادل الأسرى. وتتذكر صفاء تفاصيل وصول منيرة للعمل في السجن؛ ففي ذلك الوقت، كانت السلطات قد بدأت للتو في إدخال حارسات من النساء إلى مرافق الاحتجاز تحت ذريعة تحسين “الأمن” والإشراف على السجينات.
وتقول صفاء إنه في وقت قصير جداً، أصبح رعب المعتقلات من منيرة يفوق خوفهن من ضباط التحقيق أنفسهم، وتُعرف صفاء عن نفسها بثبات قائلة: “أنا إحدى الناجيات من مركز التحقيق التابع لفرع المخابرات الجوية”.
وتستذكر صفاء يوم دخول الحارسات لأول مرة، وكنّ خمساً، قائلة: “عندما دخلن، كنت أقف بالقرب من الباب بانتظار دوري للذهاب إلى دورة المياه. حينها، ضربتني منيرة على يدي بالأنبوب الأخضر.. وكانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها منيرة”.
وعلى غرار المعتقلات السابقات الأخريات، تتذكر صفاء الأنابيب البلاستيكية الخضراء التي لم تكن تفارق يدي منيرة، وتقول: “كانت تحملها معها دائماً أينما ذهبت”. كما تتذكر كيف كانت منيرة تكيل الشتائم للمعتقلات وتتمنى لهن الموت، صارخة في وجوههن: “موتي أيتها الـ…!”.
وتصف صفاء تلك المعاملة قائلة: “كانت تعاملنا وكأن بيننا ثأراً دموياً.. وكأنها تسعى للانتقام منا بشدة”.
وبعد مرور سنوات، تؤكد صفاء أن اللحظة الأولى التي استشعرت فيها حقاً سقوط النظام لم تكن في اليوم الذي أُطيح فيه بالأسد؛ بل كانت في اللحظة التي أُلقي فيها القبض على هالة. وتختتم حديثها بالقول: “لقد كان أمراً لا يُطاق.. أن نرى شخصاً مثلها يمارس حياته الطبيعية وكأن شيئاً لم يحدث قط”.
بدأ التحقيق، الذي أدى في نهاية المطاف إلى اعتقال هالة، بمبادرة من مجموعة من النساء اللواتي يطلقن على أنفسهن ببساطة اسم “الناجيات”.
إحداهن هي حنين عمران، التي تحدثت للمرة الأولى إلى مجلة “نيو لاينز” عن التحقيق الذي عملتُ عليه لتقصي أثر هالة. وصلت حنين، وهي امرأة أنيقة ذات شعر بني، إلى “مقهى الروضة” في دمشق مرتدية معطفاً أسود، وتعلو وجهها ابتسامة عفوية.
طوال أشهر عديدة، بحثت حنين بجد عن “منيرة”، تلك المرأة التي تقول إنها أرهبتها وأذاقتها الويلات. وبالتعاون مع معتقلات سابقات أخريات، تمكنت أخيراً من كشف هويتها الحقيقية: هالة منير محمد.
لسنوات، عاشت حنين نفسها تحت وطأة “رقم” بدلاً من “اسم”، وهو (901). وتتذكر كيف كان الحراس يرددون على مسامعها باستمرار داخل السجن: “انسَِ اسمكِ”. أُلقي القبض على حنين في عام 2024 بسبب عملها الصحفي، وأمضت بضعة أشهر في سجن المزة قبل نقلها إلى سجن آخر، لتنال حريتها أخيراً عندما سقط النظام.
وقبل اعتقالها، عملت حنين سراً كمراسلة لصالح “تلفزيون سوريا”، و”المرصد السوري”، وإذاعة سورية سرية تُدعى “نسائم”. وتقول إن هالة ضربتها مراراً وتكراراً، مضيفة: “كلما سنحت لها الفرصة، كانت تنهال علينا بالضرب”.
وتستطرد حنين قائلة: “أشعر بالخجل من قول هذا”، مشيرة إلى إخبارها بأن منيرة أمرت بإزالة رؤوس رشاشات الاستحمام (الدُش) من زنازين المعتقلات، مبررة ذلك بقولها: “نحن لا نعرف ما الذي يفعلونه بها”. وتوضح حنين أن التلميح هنا كان يُشير إلى احتمال استخدام المعتقلات لتلك الأدوات بغرض المتعة الجنسية.
بعد مرور أشهر، اكتشفت حنين ومجموعة “الناجيات” أن هالة نقلت صالونها إلى حي “المزة 86″، وعندما عثرت حنين على صفحة هالة المهنية على موقع “فيسبوك”، توجهت مباشرة إلى مقر الصالون.
وقفت حنين تحدق في واجهة المحل، ونوافذه، واسم الصالون. وكما هو الحال في العديد من الصالونات النسائية في سوريا، كانت الستائر مسدلة. وكانت حنين تدرك جيداً أن المرأة التي أمضت أشهراً في البحث عنها قد تكون قابعة خلف تلك الستائر، وتقول: “لقد راودتني رغبة قوية في اقتحام المكان ومواجهتها”.
لكنها في نهاية المطاف اختارت عدم الدخول؛ خشية أن تدرك هالة أن أمرها قد انكشف، فتلوذ بالفرار وتختفي قبل أن تتمكن السلطات من إلقاء القبض عليها.
في وقت لاحق، علمت وزارة الداخلية السورية بالتحقيق الذي أجرته مجموعة الناجيات وحنين نفسها. وتمكنت المجموعة من كشف هوية هالة وتحديدها في شهر ديسمبر/كانون الأول 2025. وبعد ثلاثة أشهر، وتحديداً في شهر مارس/آذار الماضي، ألقت السلطات القبض عليها.
وتعلق حنين بمرارة: “إن رؤيتهم أحراراً في الخارج تُشعرنا وكأننا أمام ظلم جديد.. فهي ليست الوحيدة التي تعيش حياة طبيعية في سوريا بعد أن نكلت بالناس”.
وفي وقت لاحق، نشرت حنين تحقيقاً يجمع أولى الشهادات ضد منيرة، لكنها رفضت أن تكون شاهدة رسمية في المحاكمة.
وحتى الآن، تقول حنين إنها تخشى دخول أي من الفروع الأمنية السورية مجدداً. وعندما تحتاج إلى أوراق رسمية لعملها الصحفي، تطلب أحياناً من زملائها استخراج الوثائق نيابة عنها. وتقول: “هناك جنود رفضوا أن يكونوا جزءاً من هذا النظام.. لكنها بقيت فيه لأنها كانت تستفيد منه”.
وتشير حنين إلى أنها أمضت أشهراً تحاول فهم كيف يمكن لامرأة قادرة على تدريس دروس التجميل أن تشارك أيضاً في أعمال العنف الوحشية داخل السجون. وتوضح قائلة: “بالنسبة لهم، كان هذا أمراً طبيعياً.. فقد كانت لهم مكانة في المجتمع”، وتضيف: “أولئك الذين كانوا يفعلون ذلك كانت لديهم خيارات أخرى، لكنهم اختاروا التصرف بهذه الطريقة.. لقد كان هناك جنود انشقوا وتركوا جيش الأسد”.
وقد أعربت العديد من الناجيات لمجلة “نيو لاينز” عن مخاوفهن من بطء عملية العدالة الانتقالية في سوريا، وتقول حنين: “إنها عملية بطيئة للغاية.. وبدأ الناس يفقدون الأمل في تحقيق المحاسبة”. ولذلك، يواصلن التحدث علناً، وتختم بقولها: “عندما نتحدث عن الأمر، فإننا نمارس ضغطاً حقيقياً”.
في غضون ذلك، وبصورة موازية خارج أسوار السجن، بدت حياة هالة وكأنها تسير بشكل طبيعي تقريباً لسنوات طويلة. وابتداءً من عام 2016، ووفقاً لشهادات عدة، كانت منيرة تتناوب بين نوبات عملها في السجن وعملها في صالون تصفيف الشعر الخاص بها؛ فيوم تقضيه كحارسة سجن، ويوم آخر كمصففة شعر.
وتقول مصففة شعر أخرى من منطقة المعضمية، طلبت عدم الكشف عن هويتها، إنها لا تزال في حالة صدمة من اعتقال هالة. ففي هذه الضاحية ذات الأغلبية العلوية الواقعة على أطراف دمشق، أصبحت هالة شخصية مألوفة للجميع. بل إن بعض العائلات استضافتها في منازلها لسنوات، ويقول زوجان يبيعان “المناقيش” إنهما استقبلاها في منزلهما للعيش مع بناتهما الثلاث.
وفي فناء صغير يواجه الشارع، يوضح الأب أنه عمل لسنوات في وسائل الإعلام الحكومية إبان حكم الأسد. في حين تُصر زوجته على أن هالة واجهت “مشاكل” داخل السجن لأنها “كانت تهتم كثيراً بالسجينات وتبالغ في العطف عليهن”.
وعندما تُطرح مزاعم التعذيب، يهز الزوج كتفيه لا مبالياً ويقول: “ربما ضربت شخصاً ما في البداية.. هذا كل ما في الأمر”. ثم يضيف مشككاً: “كل هذه الادعاءات ضد هالة تبدو وكأنها من صُنع الذكاء الاصطناعي”.
وتقاطعه الأم قائلة: “ربما كان هناك 10 بالمائة من الناس يغارون منها، لكن 90 بالمائة كانوا يحبونها”. ورغم إقرارها بوجود العنف داخل السجن، إلا أنها تقول مبررة: “ربما يكون من الطبيعي والعرضي في السجن أن تضرب شخصاً على ظهره.. هذا كل شيء”.
وتتابع المرأة دفاعها قائلة: “إنها حساسة جداً.. إذا رأت حشرة (صرصور الليل)، فإنها تشعر بالشفقة تجاهها”. وفي لحظة أخرى، تتذكر المرأة أن هالة قالت لها ذات مرة: “إذا ساعدتهن، فقد ينتهي بي المطاف في مكانهن”.
ويُصر الزوجان على أن المعتقلات أنفسهن لم يكنّ بريئات، وتقول الزوجة: “كل من كنّ في السجن لسن أشخاصاً لم يفعلوا شيئاً.. فبعضهن كانت لديهن عائلات في إدلب”، في إشارة إلى المعقل الرئيسي الأخير الذي كانت تسيطر عليه قوات المعارضة في سوريا.
وتُردد المرأة عبارة “لا يوجد أبرياء”، مرددة بذلك صدى اللغة التي استُخدمت على نطاق واسع خلال الحرب لتبرير الاعتقالات الجماعية والعقاب الجماعي ضد المجتمعات المرتبطة بالمعارضة. ثم تضيف قائلة: “حياة الناس ‘مكتوبة’ (مقدرة)، لكن لا أحد مقدر له التعذيب”. وتلمح الزوجة إلى أنه إذا كانت هالة قد ارتكبت انتهاكات، فربما جاءت كرد فعل على سلوك السجينات، مضيفة: “بالطبع، لم تكن هناك لكي تقدم لهن القهوة وتلبي رغباتهن”.
من جهتها، تقول الابنة الكبرى للزوجين، والبالغة من العمر 18 عاماً الآن، إن هالة أصبحت بمثابة كاتمة أسرارها. وفي بعض الأحيان، كانتا تخرجان معاً لتناول المثلجات (الآيس كريم) أو التسوق. ويواصل سكان الحي وصف هالة بأنها كانت كريمة ومحترفة. ويقول كثيرون إنها كانت تساعد العائلة التي استضافتها مالياً، في حين كانت ترسل الأموال بانتظام إلى أقاربها في جبلة.
وبعد سقوط النظام، سألها بعض الناس عن سبب عدم مغادرتها سوريا. ووفقاً لأحد معارفها، أجابت هالة بثقة: “فرعي له سمعة سيئة.. لكنني لست كذلك”. وكانت هالة قد أتمت عملية “تسوية وضع” قانونية طُرحت بعد سقوط النظام، والتي كانت تسمح لبعض الأعضاء السابقين في مؤسسات الدولة بتسوية أوضاعهم القانونية والأمنية مع السلطات الجديدة لطي صفحة الماضي.
وبالعودة إلى قريتها الأم، تُرفض الاتهامات الموجهة ضدها رفضاً قاطعاً تقريباً؛ حيث ولدت هالة عام 1995 في قرية نائية ومعزولة بجبال الساحل السوري، وهي كبرى أربعة أبناء. ولها شقيقة واحدة وشقيقان، خدما أيضاً في صفوف جيش الأسد.
وفي سن الرابعة عشرة، تركت مقاعد الدراسة وبدأت العمل في صالون لتصفيف الشعر. وباستخدام الأموال التي كسبتها بجهدها، تمكنت لاحقاً من استئناف تعليمها وحصلت في النهاية على شهادة الثانوية العامة. وفي عام 2013، تطوعت للخدمة في صفوف الجيش السوري.
يقول والدها مبرراً: “شعرت بالاطمئنان على مستقبلها.. فالدولة منحتها راتباً واستقراراً، وبات بإمكانها الاعتماد على نفسها”. ويصف قرار انضمامها للجيش بأنه كان “مصدر فخر” لهم.
بقيت هالة متمركزة في منطقة جبلة لنحو عام، قبل أن يتم نقلها إلى جبل قاسيون في دمشق، حيث عملت في “الحرس القومي” بحسب ما ذكره والداها.
غير أن العديد من المعتقلات السابقات أخبرن مجلة “نيو لاينز” أن منيرة كانت تتباهى وتدعي بفخر، وبشكل متكرر، أنها عملت سابقاً كقناصة في مدينة داريا ومخيم اليرموك خلال ذلك العام. وفي هذا الصدد، أكد مصدر اطلع على ملفها العسكري وجود كلمة “قناصة” مدونة فيه بالفعل.
كما تتذكر العديد من المعتقلات السابقات أحاديث منيرة التي كانت تتفاخر فيها بقتل الناس، وتستذكر هبة سماعها وهي تصف كيف قنصت خمسة أشخاص أثناء خدمتها.
وتقول هبة: “أخبرتنا أنها قنصت خمسة أشخاص.. وقالت في إحدى المرات إنها ظنت أنها تطلق النار على كيس قمامة، لتدرك لاحقاً أنه كان رجلاً عجوزاً”، وتصمت هبة لبرهة، ثم تضيف: “كانت تروي هذا بكل فخر واعتزاز”.
وتتذكر معتقلة سابقة أخرى أحاديث مشابهة، قائلة: “لقد روت قصصاً كثيرة حول مدى سعادتها عندما كانت تقنص الناس.. وكم كانت فخورة بذلك”، وتضيف المعتقلة: “كانت تشعر بأنها ترد الجميل أخيراً للوطن ولقائد الوطن”.
الانتقال إلى المزة.. وأكذوبة “السجينات المفضلات”
في ذلك الوقت، كان جيش الأسد يشن حرباً طاحنة لسحق المعارضة السورية، التي كانت تسيطر على أجزاء من ضواحي العاصمة دمشق. وفي عام 2016، نُقلت هالة للعمل في سجن النساء بحي المزة. ووفقاً للمعتقلات السابقات، فإن معظم النساء اللواتي فُرزن للعمل هناك كنّ ينحدرن من خلفيات عسكرية.
وتقول والدة هالة إن ابنتها كانت تعود إلى الجبال كل بضعة أشهر في زيارات قصيرة. وبحسب الأم، كانت هالة تشتكي غالباً من أن بعض زملائها “لا يعاملون السجينات بشكل جيد”. وتزعم الأم أن ابنتها كانت تُحضر أحياناً طعاماً منزلياً من القرية وتقدمه لمعتقلات كانت تطلق عليهن اسم “مفضلاتها”.
غير أن العديد من السجينات السابقات يصفن واقعاً مختلفاً تماماً؛ فبحسب قولهن، ربما تكون بعض المعتقلات قد تلقين بالفعل معاملة أفضل قليلاً من غيرهن، ولكن السبب الحقيقي وراء ذلك هو أن عائلاتهن في الخارج كانت تتعرض للابتزاز المالي مقابل الحصول على معلومات عنهن أو إحيائهن بآمال الإفراج.
وعند مواجهته باتهامات التعذيب ضد ابنته، يهز والد هالة رأسه نافياً، ويكرر قائلاً: “إنها مجرد فتاة.. لماذا قد يرسلون فتاة لتفعل ذلك؟”.
ومن وجهة نظره، فإن الحارسات كنّ موجودات فقط للإشراف على السجينات “مراعاة لخصوصيتهن”، وليس لتعذيبهن. ويضيف مبرراً: “في نهاية المطاف، كانت مجرد موظفة ومأمورة هناك.. كان لديها قادة، وكانت تنفذ الأوامر وحسب”، ويختتم دفاعه عنها بالقول: “لم تتلطخ يداها بالدماء أبداً”.
ويتضامن أحد الجيران مع هذا الطرح قائلاً: “الكثير من الناس كانوا يؤدون الخدمة العسكرية في ذلك الوقت”. بينما يُصر جار آخر على أن العديد من الاتهامات الموجهة ضد هالة ما هي إلا شائعات تضخمت وتضاعفت بعد انهيار النظام. وتهمس والدتها قائلة: “ربما يكون 1 بالمائة فقط من هذا الكلام صحيحاً.. لكن هذه ليست طبيعتها”. وفي خضم هذه الأحاديث، كانت المعتقلات والضحايا أنفسهن غائبات ومغيبات تماماً عن الصورة.
في منزل العائلة، لا تزال آثار النظام السياسي القديم ماثلة للعيان؛ حيث يبدو أن ملصقات لصور (الأسد) قد نُزعت مؤخراً من على الجدران، تاركة خلفها مربعات باهتة اللون على الطلاء. ويدعي أفراد العائلة أن أحد أبناء عمومتهم قد اختفى أيضاً خلال الحرب في عام 2014، حيث يقول أحد الأقارب: “نحن أيضاً لدينا شهداء”.
ولا تزال العائلة تتحدث عن الهجمات التي شنتها المعارضة على الحافلات التي كانت تقل المجندات إلى دمشق خلال السنوات الأولى من الصراع. ولكن، لا أحد منهم يأتي على ذكر القصف العشوائي، أو الإخفاء القسري، أو الانتهاكات المروعة في السجون، والتي وُثقت جميعها تحت حكم الأسد خلال الفترة ذاتها.
واليوم، وفي القرى العلوية الممتدة على طول الساحل السوري، يقول العديد من السكان إنهم يعيشون في رعب دائم من شبح الاعتقالات، حتى أن بعض الشبان يتجنبون الخروج من منازلهم ليلاً.
أما في مدينة جبلة، فلا يزال والدا هالة ينتظران عودة ابنتهما، التي طوت بداخلها أسراراً دموية خلف واجهة مقصات التجميل.
المصدر: نيو لاينز