• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

البحر الأحمر بعد هرمز.. لماذا تراهن واشنطن على إريتريا؟

محمد مصطفى جامع٢٠ مايو ٢٠٢٦

كشفت وثيقة داخلية للحكومة الأميركية أنه من المقرر أن ترفع واشنطن بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، في خطوة يراها مراقبون مرتبطة بشكل مباشر بالأهمية الاستراتيجية المتزايدة للبحر الأحمر والتطورات الجيوسياسية المتسارعة إثر الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران والتوترات المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز وتداعياتها على المنطقة والعالم بأسره.

وأشارت الوثيقة، وهي مذكرة أرسلتها وزارة الخارجية الأمريكية إلى عدة دول، إلى أن الإلغاء سيحدث في مايو/أيار الجاري، دون توضيح موعد الإعلان الرسمي بشكل دقيق. ووفقًا لمتحدث باسم الوزارة أدلى بتصريح إيجابي بشأن العلاقات الأمريكية – الإريترية، قال إن “إدارة ترامب تهدف إلى تعزيز السلام والازدهار في القرن الإفريقي، وتتطلع إلى توطيد علاقة الولايات المتحدة مع شعب وحكومة دولة إريتريا”.

وبحسب “وول ستريت جورنال” التقى مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، سرًا برئيس إريتريا أسياس أفورقي، في أواخر العام الماضي في القاهرة، بهدف مناقشة تخفيف العقوبات الأمريكية وبدء حوارات رفيعة المستوى حول إعادة ضبط العلاقات الأمريكية – الإريترية.

إلى جانب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، يربط العديد من المحللين هذا التحرك الأمريكي بمحاولة واشنطن إعادة صياغة توازنات القوى في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، واستمرار الحرب في السودان، والتوترات الأمنية في الصومال، وكذلك المخاوف المتزايدة من احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا، وتجدد الصراع الداخلي الإثيوبي في إقليمي تيغراي وأمهرة.

موقع استراتيجي لم يتم استثماره 

تقف إريتريا اليوم في قلب إعادة هندسة المشهد الجيوسياسي للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، بفعل موقع لم تُحسن استثماره طوال عقود من العزلة، لكنه عاد ليفرض نفسه على طاولة الحسابات الدولية. ولفهم ما يجري حاليًا من تحولات أمريكية تجاه أسمرة، لا بد من العودة إلى مفتاحين أساسيين: الجغرافيا التي منحتها أهمية لا تُضاهى، والعقوبات التي شكّلت إطار علاقتها بالغرب.

تقع إريتريا في الزاوية الشمالية الشرقية من القرن الأفريقي، وتطل من الشرق على البحر الأحمر بساحل يمتد لنحو 1200 كيلومتر، ما يجعله من أطول السواحل المطلة على هذا الممر المائي الحيوي. ويضاف إلى ساحلها أرخبيل “دهلك” الذي يضم أكثر من 350 جزيرة، تمنحها امتدادًا بحريًا يتجاوز حدودها البرية ويُعزز سيطرتها على ممرات الملاحة.

تحدّ الدولة الشرق أفريقية من الغرب والشمال الغربي السودان، ومن الجنوب جارتها اللدود إثيوبيا، وجيبوتي من الجنوب الشرقي، فيما تطل عبر البحر الأحمر على المملكة العربية السعودية واليمن، وهذا الموقع يجعلها على تقاطع ثلاث دوائر جيوسياسية: القرن الأفريقي، والعالم العربي، ومنظومة أمن البحر الأحمر.

رافعة تُفرغ حاويات من سفينة في مدينة ميناء مصوع، إريتريا، 22 يوليو/تموز 2018. رويترز/تيكسا نيغيري

والأهم في موقع إريتريا هو قربها من باب المندب، ذلك المضيق الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي بينما يفصل بين القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية، فميناء عصب الإريتري لا يبعد سوى نحو 60 كيلومترًا فقط عن المضيق، مما يجعل من أسمرة لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة لأمن الملاحة.

وتزداد أهمية هذا الموقع في ضوء أن ممر السويس – البحر الأحمر يحمل عادة نحو 12-15% من التجارة العالمية وحوالي 30% من حركة الحاويات، فيما يُعد باب المندب نقطة اختناق رئيسية للطاقة تربط البحر الأحمر بخليج عدن.

وإلى جانب طول ساحلها الذي يمتد لـ1200 كلم، تمتلك إريتريا موانئًا طبيعية ذات عمقٍ كافٍ لاستيعاب السفن الكبيرة، هما ميناءي مصوع وعصب. الأول كان ميناءً تاريخيًا نزل بالقرب منه وتحديدًا في منطقة “رأس مدر” صحابة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام في هجرتهم الأولى إلى مملكة أكسوم الحبشية، وكان المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا قبل استقلال إريتريا عام 1993، بينما يحظى ميناء عصب بعمق ميناءي ممتاز جعله محط أنظار القوى العسكرية الإقليمية والدولية.

كما تجلس إريتريا قبالة المملكة العربية السعودية على طول البحر الأحمر، ما يضعها في صلب معادلة الأمن الإقليمي، سواء في مواجهة تهديدات الحوثيين، أو في إطار تنافسات النفوذ بين القوى الإقليمية الكبرى.

لكن رغم هذه الميزات، ظلت إريتريا، منذ استقلالها عن إثيوبيا في 24 مايو/أيار 1993، تُعامل كدولة هامشية على المستوى الدولي، بفعل النظام الديكتاتوري الصارم الذي يحكمها منذ ذلك الحين، حيث تبنّى سياسة مثيرة للجدل داخليًا وخارجيًا، تقوم على عقيدة “الاعتماد على الذات”، إلى جانب دخوله في صراعات وتوترات متكررة مع جيرانه ومعظم القوى الإقليمية والدولية.

وبسبب تلك السياسات، خضعت إريتريا لحزم من العقوبات الغربية والأمريكية، ورغم رفع العقوبات الأممية عنها بالكامل لاحقًا، عاد موقعها الإستراتيجي ليفرض نفسه من جديد، لتعود إريتريا إلى صدارة الحسابات الإقليمية والدولية في ظل التحولات المتسارعة في البحر الأحمر والساحة الدولية.

صداقة ثم عداء مستحكم 

الغريب في الأمر أن السنوات الأولى من عهد الرئيس أسياس أفورقي عرفت صداقة قوية وتنسيقًا عالي المستوى بين أسمرة وواشنطن، خاصة في الفترة الممتدة بين 1993 و2000، التي شهدت إستراتيجية واشنطن في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون لدعم من وصفهم بـ”الجيل الجديد من القادة الأفارقة”، وهم: أسياس أفورقي (إريتريا)، وملس زيناوي (إثيوبيا)، ويوري موسيفيني (أوغندا)، وبول كاغامي (رواندا)، ولوران كابيلا (الكونغو الديمقراطية)، وذلك لعزل واحتواء نظام عمر البشير في السودان، الذي صنّفته واشنطن آنذاك “دولةً مارقة” ومهددًا رئيسيًا لمصالحها في القرن الأفريقي.

صاغت تلك السياسة السفيرة سوزان رايس التي شغلت منصب مديرة الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي (1995–1997)، ثم أصبحت مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية (1997–2001) خلال الولاية الثانية للرئيس بيل كلينتون.

رايس، التي كانت تتمتع بنفوذ قوي في إدارتي كلينتون الأولى والثانية، اعتبرت هؤلاء القادة طليعةً قادرةً على تحقيق الاستقرار الإقليمي ومحاربة التمدد الأصولي لنظام الخرطوم، دون الحاجة إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر، ولذلك دعمت بقوة تسليح جيران السودان وتشكيل ما عُرف بـ”دول المواجهة”، عبر تنسيق الدعم اللوجستي والعسكري والمادي لقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، من خلال الحدود الإريترية والإثيوبية والأوغندية، بهدف إسقاط نظام عمر البشير أو، على الأقل، إضعافه.

شهدت تلك المرحلة تنسيقًا أميركيًا – إريتريًا عالي المستوى، تضمّن دعم واشنطن جهود أسمرة لإسقاط نظام البشير في منتصف التسعينيات، عقب توجيه أسمرة أصابع الاتهام إليه بمساندة معارضين إريتريين إسلاميين.

لكنّ إستراتيجية سوزان رايس ككل، سرعان ما فشلت، وتفكك هذا التحالف الإقليمي الأمريكي فجأة وبشكل دراماتيكي عام 1998 بسبب اندلاع حرب حدودية طاحنة ومفاجئة بين إريتريا وإثيوبيا نسفت وحدة التحالف، كما حدث صِدام عسكري مباشر آخر بين حلفاء واشنطن أنفسهم (أوغندا ورواندا ضد نظام كابيلا في الكونغو).

وفي العام ذاته، طرأ تغيير على سلوك نظام البشير بعد طرد الخرطوم لأسامة بن لادن عام 1996، إذ بدأ النظام تعاونًا استخباريًا سريًا مع واشنطن في أعقاب تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998.

كما عرفت تلك الفترة انفراجة كبيرة في علاقة السودان مع إثيوبيا، إذ كان ملس زيناوي حليفًا مقربًا من عمر البشير، الذي ساعده في الوصول إلى السلطة، قبل أن تسوء العلاقات بينهما عام 1995، في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، التي تورطت فيها عناصر وقيادات تابعة للحكومة السودانية.

دبابة تابعة للجيش الإريتري بمنطقة تيغراي في إثيوبيا (الفرنسية)

بالعودة إلى واشنطن وأسمرة، شكّلت حرب الحدود الإثيوبية الإريترية (1998-2000) وتداعياتها مرحلة جديدة بين البلدين، فقد اتهمت أسمرة واشنطن بالانحياز إلى أديس أبابا، وهي الفترة التي انتهى فيها شهر العسل بين البلدين ليُنذر ببدء عهد جديد من الفتور ثم التدهور.

بدأت أول العقوبات الأمريكية على إريتريا في سبتمبر/أيلول 2005 عندما أصدرت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا رايس قرارًا بمنع الصادرات والخدمات التجارية الدفاعية المغطاة بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة (AECA) كإجراء عقابي مباشر ردًا على انتهاكات النظام للحريات الدينية. هذا الحظر الأمريكي استمر بشكل منفصل ومستقل بلا انقطاع، حتى بعد فرض الحظر الدولي (الأممي) الشامل عام 2009 ورفعه لاحقًا عام 2018.

وفي 2011 صدرت عقوبات جديدة على إريتريا ضمن التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية المعني بـ “الإتجار بالبشر”، ويرجع ذلك إلى انتقادات واشنطن لبرنامج الخدمة الوطنية الإريترية الإلزامية غير محددة المدة، والتي تعتبرها القوانين الأمريكية شكلًا من أشكال العمل القسري المستمر.

أما العقوبات الدولية فقد فُرضت على إريتريا في ديسمبر 2009، عندما أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1907، الذي فرض حظر أسلحة وعقوبات اقتصادية على إريتريا، وقد كانت الولايات المتحدة المحرك الرئيسي خلف هذا القرار، الذي صدر على خلفية تهمتين أساسيتين: الأولى، دعم إريتريا لحركة الشباب الصومالية، التي تعتبرها واشنطن تهديدًا إرهابيًا مباشرًا، ووُجهت النظام الإريتري اتهامات باستخدام الصومال كساحة للضغط على إثيوبيا الحليفة لأميركا في حربها على الإرهاب. أما التهمة الثانية فكانت النزاع الحدودي مع جيبوتي عام 2008 الذي رفضت فيه إريتريا الانصياع لطلبات الأمم المتحدة بسحب قواتها.

أما العقوبات التي يُعتقد أن واشنطن بصدد رفعها عن إريتريا، وفق الوثيقة التي اطلعت عليها وكالة رويترز مؤخرًا، فكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد فرضتها على أسمرة خلال عام 2021، وتشمل عقوبات على الحزب الحاكم في إريتريا، والجيش الإريتري، بالإضافة إلى عدد من كبار المسؤولين الإريتريين. وذلك على خلفية الدور الذي لعبته القوات الإريترية في حرب تيغراي بالاشتراك مع الجيش الإثيوبي، حيث وُجهت لهما اتهامات بارتكاب فظائع مروعة بحق المدنيين في الإقليم.

ففي 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، وقّع الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن الأمر التنفيذي رقم 14046، الذي فرض بموجبه عقوبات على إريتريا بسبب دورها في حرب تيغراي التي اندلعت في نوفمبر 2020 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وشهدت تدخلًا عسكريًا إريتريًا واسعًا.

أنكرت إريتريا لأشهر طويلة نشر قواتها في إقليم تيغراي لدعم القوات الإثيوبية، لكنها اعترفت لاحقًا بوجودها مع نفي مسؤوليتها عن أي انتهاكات. وقد ارتكبت القوات الإريترية انتهاكات موثقة من قبل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، شملت تلك الانتهاكات مجازر وعنفًا جنسيًا واسع النطاق وعمليات اختطاف ونهب للممتلكات خلال النزاع من 2020 إلى 2022.

عناصر من القوات المسلحة الإريترية يمرّون أمام منصة المراجعة التي جلس عليها الرئيس الإريتري إسياس أفورقي وعدد من كبار الشخصيات والمسؤولين الحكوميين، خلال احتفالات الاستقلال في العاصمة أسمرة عام 2023. (ج. كونتيس)

شمل نطاق العقوبات قوات الدفاع الإريترية (الجيش الإريتري)، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة (PFDJ)، والحزب الحاكم في إريتريا، إضافة إلى مجموعة “حدري ترست” الذراع الاقتصادي المرتبط بالحزب.

كما شملت العقوبات شخصيات قيادية مثل أبراها كاسا، رئيس مكتب الأمن القومي الإريتري (المخابرات)، وحقوص غبرهيوت، المستشار الاقتصادي البارز في الحزب الحاكم. وبشكل منفصل، فُرضت عقوبات على رئيس أركان الجيش الإريتري الجنرال فيليبوس وولديوهانس في أغسطس 2021 بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي، بسبب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

من المهم الإشارة إلى أن هذه العقوبات كانت في طبيعتها رمزية – سياسية أكثر منها أداة ضغط اقتصادي حقيقي، لأن اريتريا، باقتصادها المنغلق الذي وصفته “فريدوم هاوس” بأنه نظام استبدادي عسكري على غرار كوريا الشمالية، لم تكن مندمجة بشكل عميق في النظام المالي الغربي ليُؤثر عليها تجميد الأصول أو حظر التعاملات. كما أن الكيانات المستهدفة (الجيش، الحزب الحاكم، رئيس مخابرات) لا تمتلك أصولًا مهمة في الغرب ولا تتعامل مع النظام المصرفي الدولي بشكل واسع.

وكذا الحال بالنسبة للجنرال فيليبوس وولديوهانس ولرئيس جهاز المخابرات أبرها كاسا والمستشار الاقتصادي للحزب الحاكم، إذ ليس لديهم أصول خارجية ولا يهتمون كثيرًا بالسفر للخارج عدا إلى دول حليفة لإريتريا مثل روسيا أو الصين.

لكن أهمية العقوبات كانت في كونها وصمة سياسية تُصنّف إريتريا ضمن “الدول المنبوذة”، وتشكل عائقًا دبلوماسيًا يمنع التطبيع وتعيين سفير للولايات المتحدة، كما تعد كذلك رسالة دولية تُحفّز دولًا أخرى على تجنب التعامل مع أسمرة، هذا إلى جانب كونها أداة قانونية تُعرقل أي تعاون عسكري أو استخباراتي مستقبلي.

التحول المرتقب

في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وفور الإعلان عن فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية، كشف وزير الإعلام الإريتري يماني غبريمسقل، عبر منشور له على منصة إكس أن الرئيس إسياس أفورقي بعث برسالة تهنئة حارة – نيابة عن حكومة وشعب إريتريا، وبالأصالة عن نفسه – إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب بمناسبة “عودته التاريخية وانتخابه الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية”.

وأشار الوزير الإريتري إلى أن الرئيس إسياس اختتم رسالة التهنئة بالإعراب عن أمله في أن “يفتح انتخاب ترامب فصلًا جديدًا من علاقات التعاون المثمرة والبناءة بين إريتريا والولايات المتحدة”.

ويبدو هذا التصرف نادرًا من رئيس دولة يُفترض أنها على خصومة عميقة مع واشنطن، لكن ذلك ربما يمكن تفسيره بالتقاطع بين شخصيتي الرجلين؛ فكلاهما يفضّل إحكام السيطرة على مفاصل القرار بعيدًا عن الهياكل المؤسسية التقليدية. كما أن ترامب لم يُخفِ يومًا إعجابه بالقادة المستبدين الذين يصفهم بـ”الأقوياء”، ومن بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إذ كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأمريكي، وخلال قمة مجموعة السبع في فرنسا عام 2019، نادى وسط مسؤولين أمريكيين ومصريين بصوت مرتفع: “أين ديكتاتوري المفضل؟”، في إشارة إلى السيسي.

الرئيس الإريتري إسياس أفورقي يصفّق خلال الاحتفال الرسمي بالذكرى الثانية والثلاثين لاستقلال إريتريا في ملعب أسمرة، بتاريخ 24 مايو/أيار 2023. (تصوير: ج. كونتيس).

وفي مؤشر إضافي على استعداد أسمرة للانفتاح تجاه واشنطن في عهد ترامب، كرر الرئيس إسياس أفورقي في يناير/كانون الثاني 2026، خلال مقابلة مع وسائل إعلام مقربة من النظام، رغبته في إقامة شراكات مع الولايات المتحدة تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية، داعيًا إلى استغلال ولاية ترامب الثانية لبناء علاقات “مثمرة ومستقرة”.

ولا يقتصر التقارب المحتمل بين واشنطن وأسمرة على الجانب الشخصي بين ترامب وأفورقي، بل يرتبط أيضًا بتحولات جيوسياسية أوسع. فالتطورات الأخيرة دفعت الإدارة الأمريكية إلى مراجعة مقاربتها تجاه إريتريا، وسط حديث عن احتمال تخفيف بعض العقوبات، في انعطافة تعكس تغلّب الحسابات الإستراتيجية على الملفات الحقوقية والسياسية الأخرى.

ويأتي في مقدمة هذه التحولات عودة البحر الأحمر إلى قلب الحسابات الدولية بعد الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، إلى جانب تهديدات الحوثيين للملاحة البحرية، فضلًا عن حاجة الولايات المتحدة إلى التعامل مع الطموحات الإثيوبية للوصول إلى منفذ بحري بالقوة، وإعادة التموضع العسكري الأمريكي من الخليج نحو الساحل الأفريقي.

وفي هذا السياق، أشارت تسريبات إلى أن القاهرة لعبت دور الوسيط بين واشنطن وأسمرة. فقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن مبعوث ترامب للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، عقد لقاءً سريًا مع الرئيس الإريتري إسياس أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، بهدف مناقشة تخفيف العقوبات الأمريكية وفتح حوارات رفيعة المستوى لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية-الإريترية.

الرابحون والخاسرون 

القرار الأميركي المرتقب برفع العقوبات عن إريتريا ليس مجرد إعادة تموضع تكتيكية، بل حدث جيوسياسي يُعيد توزيع الأرباح والخسائر بين معسكرين متنافسين في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ولفهم أبعاد هذا التحول، يتعين أولًا تحديد خطوط التحالفات الراهنة: المحور الأول (الخاسر): إثيوبيا، الإمارات، الدعم السريع، صوماليلاند و”إسرائيل”، والمحور الثاني (الرابح): مصر، إريتريا، الجيش السوداني، السعودية، تركيا وقطر.

وتبدو إثيوبيا الخاسر الأكبر من أي تقارب أمريكي-إريتري، ويمكن تفصيل خسائر أديس أبابا على أكثر من مستوى. أول هذه الخسائر هو سقوط احتكار “الشريك المفضل”، فعلى مدى ثلاثة عقود، شكّلت إثيوبيا الحليف الإقليمي الأهم لواشنطن في القرن الأفريقي، واعتمدت على هذه المكانة لتبرير جزء كبير من سياساتها الداخلية والإقليمية، لكن رفع العقوبات عن خصمها التاريخي ينقل المعادلة من صيغة: (واشنطن مع إثيوبيا) إلى صيغة أكثر تعقيدًا: (واشنطن بين إثيوبيا وإريتريا)، وهو تحول استراتيجي مقلق لأديس أبابا.

أما الخسارة الثانية فتتمثل في عرقلة طموح رئيس الوزراء آبي أحمد للوصول إلى البحر، فقد جادل آبي أحمد مرارًا بأن إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، تملك “حقًا تاريخيًا” في الوصول إلى منفذ بحري، وهي تصريحات فُسرت داخل إريتريا باعتبارها تمهيدًا محتملاً لعمل عسكري. وفي هذا السياق، حملت الوثيقة الأمريكية المسرّبة رسالة واضحة إلى أديس أبابا مفادها أن واشنطن تعارض أي محاولة للحصول على منفذ بحري بالقوة، كما حذّرت كلًا من إثيوبيا وإريتريا من الأدوار المزعزعة للاستقرار التي يلعبها الطرفان في شؤون بعضهما البعض. وعمليًا، يُجمّد هذا الموقف الأمريكي أي خيار عسكري إثيوبي محتمل للسيطرة على ميناء عصب.

الخاسر الثاني من رفع العقوبات عن إريتريا هما الإمارات وإقليم صوماليلاند، فعلى مدى عقد كامل، بنت أبوظبي شبكة نفوذ متماسكة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، قوامها: إثيوبيا بوصفها شريكًا استراتيجيًا، ومليشيا الدعم السريع في السودان، وصوماليلاند عبر استثمارات موانئ دبي العالمية في ميناء بربرة، إلى جانب “إسرائيل” التي عززت علاقتها بالإقليم وأبدت انفتاحًا تجاه فكرة الاعتراف به.

كل هذه الشبكة تبدو اليوم أمام اهتزاز عميق مع التحول الأمريكي تجاه أسمرة، وربما عبر استخدام واشنطن لمنشآت بنتها الإمارات نفسها، مثل قاعدة عصب التي شغّلتها أبوظبي خلال فترة “شهر العسل” مع إريتريا بين عامي 2015 و2021. ومع الانفتاح الأمريكي الجزئي على أسمرة، تجد الإمارات نفسها أمام مفارقة لافتة: منافسها الإستراتيجي الجديد قد يكون واشنطن ذاتها، التي يمكن أن تستفيد من بنية تحتية موّلتها وأقامت جزءًا منها أبوظبي أصلًا.

كما أن الإمارات استثمرت سياسيًا وماليًا وعسكريًا في مليشيا الدعم السريع بالسودان، في حين أن إعادة تأهيل إريتريا تعني عمليًا تعزيز موقع خصم الدعم السريع، أي الجيش السوداني المدعوم من أسمرة. وكلما تعزز موقع إريتريا إقليميًا، تعززت معه أوراق الجيش السوداني، وتراجع هامش المشروع الإماراتي داخل الخرطوم.

وفي السياق نفسه، ضخت أبوظبي استثمارات ضخمة في صوماليلاند عبر موانئ دبي العالمية، كما وسّعت مؤخرًا القاعدة العسكرية الملحقة بميناء بربرة، في محاولة لإدخال “إسرائيل” والولايات المتحدة كشركاء في استخدام المنشأة، لكن ميناء عصب الإريتري يتمتع بأفضلية جيوسياسية يصعب منافستها؛ إذ يقع على بُعد نحو 60 كيلومترًا فقط شمال باب المندب، مقارنة بأكثر من 250 كيلومترًا تفصل ميناء بربرة عن المضيق.

وهذا الفارق الجغرافي يعني أن أي قوة بحرية تتمركز في عصب تستطيع التدخل في باب المندب خلال ساعات، لا أيام، ما يمنح الميناء أفضلية تكتيكية واضحة في مواجهة تهديدات الحوثيين أو أي تهديدات بحرية معادية في البحر الأحمر.

والأمر الأهم من ذلك، أن النهج الأمريكي الجديد بالتقارب مع أسمرة لا يحوج واشنطن لخيارات دبلوماسية تتسبب لها في صِدام مع الاتحاد الأفريقي ومع دول مؤثرة كالسعودية ومصر، ذلك أن إقليم صوماليلاند (ومن خلفه الإمارات) يطرح استخدام ميناء بربرة مقابل الاعتراف بالاستقلال وهو خيار مكلف سياسيًا ودبلوماسيًا.

الولايات المتحدة في غنى عن الدخول في صدام جديد مع منظمة قارية مؤثرة مثل الاتحاد الأفريقي ودول حليفة كالسعودية ومصر اللتان ترفضان بشكل قاطع الاعتراف بصوماليلاند، هذا بخلاف رفض الصومال الفيدرالي الانتقاص من سيادته الأمر الذي بلا شك إذا حدث (الاعتراف) سيدمر العلاقات مع واشنطن ويؤثر على جهودها لمكافحة حركة الشباب.

والأهم من ذلك، أن النهج الأمريكي الجديد بالتقارب مع أسمرة لا يُحوج واشنطن إلى خيارات دبلوماسية قد تتسبب لها في صِدام مع الاتحاد الأفريقي ودول مؤثرة كالمملكة العربية السعودية ومصر، ذلك أن إقليم صوماليلاند — ومن خلفه الإمارات — يطرح استخدام ميناء بربرة مقابل الاعتراف بالاستقلال، وهو خيار مكلف سياسيًا ودبلوماسيًا.

فالولايات المتحدة في غنى عن الدخول في صدام جديد مع منظمة قارية مؤثرة مثل الاتحاد الأفريقي، ومع دول حليفة كالسعودية ومصر، اللتين ترفضان بشكل قاطع الاعتراف بصوماليلاند، هذا بخلاف رفض الصومال الفيدرالي أي انتقاص من سيادته، الأمر الذي سيؤدي بلا شك — إذا حدث الاعتراف — إلى تدمير العلاقات مع واشنطن، وسيؤثر على جهودها في مكافحة حركة الشباب.

أما ميناء عصب الإريتري، فيتميّز بموقع جيوسياسي متفوق؛ إذ يقع على بُعد 60 كيلومترًا فقط من باب المندب، مقابل أكثر من 250 كيلومترًا لميناء بربرة، إلى جانب امتلاكه بنية تحتية جاهزة، ووجوده داخل دولة معترف بها دوليًا، أي من دون مشكلات قانونية، فضلًا عن سهولة الإجراء نفسه، إذ يكفي أمرٌ تنفيذي واحد برفع العقوبات، وربما بعض التنازلات الإنسانية المحدودة.

وعليه، يمكن القول إن قرار واشنطن باختيار ميناء عصب بدلًا من ميناء بربرة يُقوّض مشروع الإمارات في صوماليلاند، دون أن تستطيع أبوظبي الرد علنًا، خاصة أن الرئيس الإريتري إسياس أفورقي كثيرًا ما وجّه انتقادات لاذعة للإمارات، قائلًا إنها تقف خلف ما وصفه بـ”الأوهام التوسعية” لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري بطرق غير مشروعة، ومؤكدًا أن أبوظبي تتحرك كوكيل لأجندات دولية أكبر لتنفيذ مخططات تخريبية وتقسيمية تستهدف سيادة دول المنطقة، وحدّد “إسرائيل” بالاسم.

وعلى الجانب المقابل، يبرز السودان بوصفه أحد أبرز المستفيدين من القرار الأمريكي المرتقب، إذ تُعد إريتريا العمق الإستراتيجي للجيش السوداني. فمنذ اندلاع الحرب، تستضيف إريتريا وتدرّب جماعات مسلحة سودانية متحالفة مع الجيش، كما قدمت أسمرة دعمًا خاصًا لجماعات من مجتمعات شرق السودان، وتحديدًا من قبائل البني عامر والحباب التي تتحدث لغة التغري، وهي لغة مشتركة مع مكونات قبلية في إريتريا المجاورة. ومن شأن رفع العقوبات أن يمنح إريتريا غطاءً قانونيًا لتوسيع هذا الدعم.

وكانت إريتريا تدعم الجيش السوداني عسكريًا وسياسيًا رغم ضغط العقوبات الأمريكية، لكن زوال هذا الضغط سيجعل الدعم العسكري والاستخباراتي أكثر علنية وكفاءة، من دون عوائق قانونية أمريكية.

ويقف خلف الجيش السوداني تحالف من الداعمين يضم مصر وإريتريا وتركيا وقطر وإيران، ومعه بشكل متزايد المملكة العربية السعودية. وكل دولة ضمن هذا المحور تكتسب وزنًا إضافيًا مع رفع العقوبات عن إريتريا.

ذكرنا سابقًا أن القاهرة لعبت دورًا في الوساطة بين إريتريا والولايات المتحدة، وهو دور يمنحها رصيدًا سياسيًا متراكمًا لدى واشنطن بوصفها طرفًا قادرًا على صناعة التفاهمات الإقليمية والتأثير فيها.

كما أن تطويق إثيوبيا جغرافيًا يُعزز الموقف التفاوضي المصري في ملف سد النهضة، إذ لا تزال مصر تنظر إلى المشروع باعتباره مصدر قلق إستراتيجي عميق، ولذلك تستفيد من أي ضغط يُفرض على أديس أبابا، التي استخدمت خلال السنوات الماضية ثقلها الديموغرافي والاقتصادي لفرض نفوذ واسع داخل القرن الأفريقي. وفي المقابل، كانت القاهرة — بحكم بُعدها الجغرافي — في موقع أضعف نسبيًا. أما اليوم، وعبر تحالفها مع إريتريا والصومال، فقد باتت تمتلك قاعدة متقدمة في المنطقة لمواجهة النفوذ الإثيوبي.

إلى جانب ذلك، يعتمد الاقتصاد المصري بصورة حيوية على عائدات قناة السويس، وأي اضطراب في باب المندب ينعكس مباشرة على القناة وحركة الملاحة فيها. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز إريتريا كقوة مستقرة وحليفة لمصر يُعزز أمن الممر البحري بأكمله، وهو ما يمثل مصلحة وجودية للقاهرة.

كما أن تأمين البحر الأحمر يقلل من احتمالات لجوء السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، وهو المسار الذي تسبب في انخفاض تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر باب المندب بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023.

استرضاء إثيوبيا قبل رفع العقوبات عن إريتريا 

مع كل ذلك، ليس من الوارد أن تتخلى الولايات المتحدة كليًا عن شراكتها الإستراتيجية مع إثيوبيا لصالح تعزيز علاقاتها مع إريتريا، نظرًا لاعتبارات التوازن الجيوسياسي في القرن الأفريقي، فواشنطن تدرك أن الانفتاح على أسمرة ورفع العقوبات عنها قد يثير قلق أديس أبابا، لذلك استبقت التطبيع الجزئي مع إريتريا بخطوة موازية تمثلت في رفع حظر الأسلحة عن إثيوبيا، بما يمنحها مكسبًا إستراتيجيًا يضمن استمرار الشراكة الأمنية مع واشنطن، خصوصًا في ملفات مكافحة الإرهاب.

وخلال الأيام الماضية، رفعت الولايات المتحدة حظر الأسلحة الذي فرضته على إثيوبيا في سبتمبر/أيلول 2021، مع اشتداد القتال بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وكرد فعل على الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها القوات الإثيوبية بالشراكة مع القوات الإريترية في إقليم تيغراي.

وكانت واشنطن قد بررت حينها منع صادرات الدفاع الخاضعة للرقابة إلى كل من إثيوبيا وإريتريا بتدهور الأوضاع الإنسانية وتصاعد الأعمال العدائية. وانتهى النزاع، الذي بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، بتوقيع اتفاقية بريتوريا للسلام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، إلا أن التوترات استمرت في شمال إثيوبيا، حيث اتهمت جبهة تحرير شعب تيغراي مؤخرًا الحكومة الإثيوبية بانتهاك بعض بنود اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي المقابل، رأت واشنطن أن إثيوبيا — كأكبر قوة بشرية واقتصادية في المنطقة — اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو تعميق تعاونها العسكري مع قوى منافسة للغرب، معتمدة بشكل متزايد على المسيّرات التركية والإيرانية، إضافة إلى الدعم الروسي والصيني. ومن هنا، يبدو رفع الحظر الأمريكي محاولة مباشرة لتقديم البديل الدفاعي الغربي واستعادة جزء من النفوذ المفقود، فخلال فترة الحظر، زادت إثيوبيا من اعتمادها على المعدات العسكرية القادمة من دول عدة، من بينها روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة وإيران وأذربيجان.

ويُظهر تزامن هذين المسارين — رفع حظر السلاح عن إثيوبيا، مقابل رفع العقوبات عن إريتريا — أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى عمليًا إلى “تصفير” ملف عقوبات حرب تيغراي بالنسبة للطرفين في آنٍ واحد.

ويرى محللون أيضًا أن التلويح برفع العقوبات عن إريتريا تزامن مع رفع حظر السلاح عن إثيوبيا بهدف إرسال إشارة واضحة إلى أديس أبابا بعدم التفكير في مغامرة عسكرية أو استخدام القوة للحصول على منفذ بحري، فالتقارب الدبلوماسي الذي تمنحه واشنطن لأسمرة يهدف، في جانب منه، إلى طمأنتها وتخفيف حدة التوتر الحدودي المتصاعد بينها وبين جارتها إثيوبيا.

انتقادات حقوقية 

أثار القرار المرتقب برفع العقوبات عن إريتريا انتقادات حادة من منظمات حقوقية، اعتبرت أنه يُكافئ نظامًا يُصنَّف ضمن أكثر الأنظمة قمعًا في العالم، على قدم المساواة مع كوريا الشمالية، كما يُكرّس الإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتكبتها القوات الإريترية في إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022، والتي شملت مجازر وعنفًا جنسيًا وعمليات اختطاف ونهب.

وحذرت منظمات مثل فريدم هاوس من تحويل أسمرة إلى “مخرّب مُرخّص” يُعاد تأهيله، لا لأن سلوكه تغيّر، بل لأن موقعه الجغرافي بات يمتلك قيمة إستراتيجية متزايدة.

لكن إدارة دونالد ترامب تبدو مستعدة لتجاوز هذه الانتقادات بسهولة، بعدما أعلنت مرارًا وبصورة صريحة عن إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي، القائمة على إنهاء السياسات التي ركزت لعقود على “تصدير الديمقراطية” وحقوق الإنسان باعتبارهما شرطًا للتعاون الدولي.

وفي هذا السياق، أكدت الإدارة الأمريكية أن هدفها يتمثل في تعزيز السلام والازدهار في القرن الأفريقي، مع استبدال منظومة المساعدات الإنسانية والمنظمات التنموية — بما في ذلك تقليص دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) — بشراكات استثمارية وتجارية مباشرة تركز على قطاعات الطاقة والمعادن الحيوية.

ورغم ذلك، يُتوقع أن تُبقي الإدارة الأمريكية على عقوبات موازية، مثل عقوبات ماغنيتسكي وتعليق التأشيرات، بهدف تسويق قرار رفع العقوبات عن أسمرة باعتباره خطوة محسوبة لا “شيكًا على بياض”، وتأطيره ضمن خطاب “السلام والاستقرار”.

كما تستفيد الإدارة من تراجع ثقل المنظمات الحقوقية خلال ولاية ترامب الثانية، وانشغال الكونغرس بملفات أكثر إلحاحًا، لتبقى المفارقة الأبرز أن حقوق الإنسان، في زمن البراغماتية الجيوسياسية، تتحول من متن صناعة القرار إلى هامشه.

كيف يتعامل أفورقي مع تقارب واشنطن؟

يُرجَّح أن يتعامل النظام الإريتري مع القرار الأمريكي بنوع من “الترحيب الحذِر”، وهو ما ظهر جليًا في بيان السفارة الإريترية في واشنطن، التي رحّبت بما وصفته بـ”التحول نحو الانخراط”، لكنها حرصت، في الوقت نفسه، على التأكيد أن إريتريا لا تتبنى نماذج قائمة على التبعية، بل تُروّج لشراكات متبادلة المنفعة، ترتكز على السيادة واحترام الملكية الوطنية لأولويات التنمية.

أما الرئيس إسياس أفورقي، البالغ من العمر 80 عامًا، والمعتاد على العزلة كعقيدة حكم، فلن يُحوّل بلاده فجأة إلى حليف غربي كامل، بل سيستخدم القرار لانتزاع مكاسب محددة، مثل تعزيز الشرعية الدولية، وتخفيف الحصار، واستقطاب استثمارات محتملة في ميناء عصب، من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الداخلية، كحقوق الإنسان، والتجنيد الإجباري، والانتخابات.

وداخليًا، سيُسوّق النظام القرار للجمهور باعتباره “انتصارًا للصمود”، ودليلًا على أن سياسة “الاعتماد على الذات” أجبرت واشنطن في النهاية على التراجع والعودة إلى أسمرة، وهو خطاب من شأنه تعزيز شرعية أفورقي وتأجيل أي ضغوط مرتبطة بالإصلاح السياسي.

أما اقتصاديًا، فقد تشهد إريتريا تدفقات استثمارية محدودة، تشمل تطوير ميناء عصب، وتعزيز التعاون العسكري مع المملكة العربية السعودية، وفتح قنوات مع شركات أمريكية في قطاع التعدين، لكن من دون أن يقود ذلك إلى تحول هيكلي حقيقي في الاقتصاد الإريتري المنغلق. وإقليميًا، ستزداد ثقة أسمرة في مواجهة إثيوبيا، كما قد تسعى إلى توسيع دورها في السودان وعلى السواحل اليمنية، مستفيدة من عودتها التدريجية إلى الحسابات الدولية.

وإذا وُضع القراران الأمريكيان جنبًا إلى جنب — رفع العقوبات المرتقب عن إريتريا في مايو/أيار 2026، ورفع حظر الأسلحة عن إثيوبيا الذي سبقه — تتكشف ملامح إستراتيجية دونالد ترامب الفعلية: ليست انحيازًا كاملًا لطرف على حساب آخر، بل بناء توازن مزدوج يهدف إلى تحويل العداء التاريخي بين أسمرة وأديس أبابا من صراع مفتوح إلى تنافس تتم إدارته تحت السقف الأمريكي.

وإذا وُضع القراران الأمريكيان جنبًا إلى جنب — رفع العقوبات المرتقب عن إريتريا في مايو/أيار 2026، ورفع حظر الأسلحة عن إثيوبيا الذي سبقه — تتكشف ملامح إستراتيجية دونالد ترامب الفعلية: ليست انحيازًا كاملًا لطرف على حساب آخر، بل بناء توازن مزدوج يهدف إلى تحويل العداء التاريخي بين أسمرة وأديس أبابا من صراع مفتوح إلى تنافس تتم إدارته تحت السقف الأمريكي.

انتبهت واشنطن مؤخرًا إلى الأهمية الإستراتيجية التي تمثلها إريتريا، سواء من حيث موقعها الجغرافي أو قدراتها اللوجستية؛ فساحلها الممتد لنحو 1200 كيلومتر على البحر الأحمر، وقربها الفائق من باب المندب، إلى جانب الموانئ الجاهزة في عصب ومصوع، كلها عوامل أعادت أسمرة إلى قلب الحسابات الأمريكية، لكن في المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة التضحية بإثيوبيا، الدولة التي تضم أكثر من 120 مليون نسمة، وتمتلك واحدًا من أكبر الاقتصادات في أفريقيا، فضلًا عن كونها شريكًا قديمًا في مكافحة الإرهاب وساحة استثمار أمريكي بمليارات الدولارات.

ومن هنا، يبدو أن واشنطن اختارت “مسك العصا من المنتصف”: إثيوبيا تحصل على السلاح، لكن مع تحذير واضح من استخدامه للوصول إلى البحر بالقوة، بينما تحصل إريتريا على رفع العقوبات، لكن مع رسالة مقابلة تدعوها إلى عدم استفزاز الجار الأكبر.

ومع ولع دونالد ترامب بتقديم نفسه بوصفه “صانع سلام”، وادعائه المتكرر بأنه توسط في تسع حروب، لا يبدو مستبعدًا أن يوعز لمستشاريه بمحاولة التوسط بين الرئيس الإريتري إسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، حتى لو انتهى الأمر إلى اتفاق هش، شبيه بالاتفاق الذي جرى بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025.

ويجمع محللون على أن رغبة ترامب الشديدة في نيل جائزة نوبل للسلام تدفعه إلى تضخيم إنجازاته الدبلوماسية واستعراض أرقام غير دقيقة لإثبات جدارته بها، بما في ذلك وصف الهدن المؤقتة أو اتفاقيات وقف إطلاق النار القصيرة بأنها “اتفاقيات سلام”.

وفي المحصلة، يمكن القول إن الرابح الحقيقي من الترتيبات الأخيرة في المنطقة هو واشنطن نفسها؛ إذ تتحول من حليف لطرف واحد — إثيوبيا — إلى حَكَم بين الطرفين، في وقت يحتاج فيه كلا البلدين إلى الولايات المتحدة أكثر مما تحتاج إليهما. أما الخاسر الأكبر، فتبدو الإمارات العربية المتحدة، التي بنت استراتيجيتها الإقليمية على دعم إثيوبيا باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في القرن الأفريقي، إلى جانب رهانها على إقليم صوماليلاند وميناء بربرة، لتكتشف فجأة أن واشنطن تُدير وجهها نحو أسمرة، وتُفضّلها لاعتبارات جيوسياسية وعسكرية متعددة.

وفي النهاية، تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة أن واشنطن لا تريد قوة مهيمنة واحدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بل تسعى إلى خلق توازن ديناميكي يخدم مصالحها أولًا. وهذا، في جوهره، يعكس عقيدة ترامب الخارجية: لا حلفاء دائمون، ولا أعداء دائمون، بل صفقات وتوازنات متحركة.

علاماتالأطماع الإماراتية في إرتيريا ، البحر الأحمر ، السياسة الأمريكية ، القرن الإفريقي ، باب المندب
مواضيعالبحر الأحمر ، السياسة الأمريكية ، القارة الإفريقية ، القرن الإفريقي ، معمقة

قد يعجبك ايضا

سياسة

سلام معلّق.. 8 أسئلة عن أسباب تعثر نزع سلاح “بي كا كا”

نون إنسايت٢٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

دبلوماسية بزي عسكري.. كيف يهندس الجيش الباكستاني نفوذ بلاده في المنطقة؟

عماد عنان٢٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

عبر الإغاثة والتنمية.. خريطة الحضور التركي الهادئ في السودان

نون إنسايت٢٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑