في منطقة الظفرة غربي أبوظبي، تقف محطة براكة بوصفها واحدة من أكثر منشآت الطاقة حساسية في الخليج: أول محطة نووية تجارية في العالم العربي، ومصدرًا يؤمّن نحو ربع كهرباء الإمارات.
لذلك لم يكن الحريق الذي سُجّل على أطرافها بعد منتصف مايو/أيار، حادثًا عابرًا في منشأة كهربائية بعد استهدافها بطائرات مسيرة في ظل التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
يجيب هذا التقرير عن أبرز الأسئلة حول محطة براكة، أهميتها الطاقوية، طبيعة الحادث، وحدود الخطر عندما تقترب حروب المسيّرات من البنى النووية المدنية.
1. ماذا حدث قرب محطة براكة؟
وفق الرواية الرسمية، دخلت ثلاث مسيّرات الأجواء الإماراتية قادمة من الحدود الغربية في 17 مايو/أيار 2026، فاعترضت الدفاعات الجوية اثنتين، بينما أصابت الثالثة مولّدًا كهربائيًا خارج النطاق الداخلي للمحطة.
أسفر ذلك عن حريق محدّد تمت السيطرة عليه سريعًا، ولم تُسجّل أي إصابات بين العاملين أو السكان، كما لم تُسجّل أي زيادة في مستويات الإشعاع، وفق ما أعلنت أبوظبي.
وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن مولدات الديزل الطارئة كانت توفر الطاقة للوحدة الثالثة، وإنها تتابع الوضع عن قرب داعية إلى ضبط النفس وعدم تعريض المنشآت النووية للخطر.
وبدورها، وصفت وزارة الدفاع الحدث بـ”هجوم إرهابي” قيد التحقيق ولم تتهم جهة محددة، وذلك في ظل التوتر بين أمريكا وإيران.
2. ما هي محطة براكة النووية؟
براكة هي أول محطة للطاقة النووية التجارية في العالم العربي، تقع في منطقة الظفرة على ساحل الخليج ضمن إمارة أبوظبي، وتتكون من أربعة مفاعلات من طراز APR‑1400 الكوري الجنوبي.
تبلغ القدرة الصافية لكل منها نحو 1.345 غيغاواط، ليصل إجمالي القدرة إلى نحو 5.6 غيغاواط، وبذلك تعدّ المحطة إحدى أكبر مشاريع الطاقة النووية القائمة حاليا في المنطقة.
جرى تطوير المشروع بواسطة مؤسسة الإمارات للطاقة النووية بالشراكة مع ائتلاف كوري بقيادة شركة كهرباء كوريا (KEPCO).
بدأت الوحدة الأولى التشغيل التجاري في 2021، تلتها الوحدة الثانية في 2022 والثالثة في 2023، فيما تم توصيل الوحدة الرابعة بالشبكة في مارس/آذار 2024.
ويشغل المحطة “نواة للطاقة” – شركة تابعة لـ”مؤسسة الإمارات للطاقة النووية” – تمتلك منها الأخيرة 82%، فيما تمتلك KEPCO نسبة 18%.
3. ما أهمية براكة الطاقوية للإمارات؟
براكة ليست مشروعًا رمزيًا فحسب، فهي تنتج ما يقرب من 40 تيراواط/ساعة سنويًا، ما يعادل حوالي 25% من احتياجات الكهرباء في الإمارات.
ويساعد هذا الإنتاج على تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خصوصًا الغاز الطبيعي، ويخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 22 مليون طن سنويًا.
كما تمثّل المحطة دعامة لخطط الإمارات لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050، وتوفر مصدرًا ثابتًا لطاقة الحمل الأساسي يمكن الاعتماد عليه مقارنة بمصادر الطاقة المتجددة المتقطعة.
4. هل الخطر داخل المحطة أم حولها؟
تتكون المحطة من دوائر متعددة، فالنطاق الداخلي يضم المفاعل نفسه ووعاءه الفولاذي ومبنى الاحتواء الخرساني ومنظومات التبريد، وهو محمي بطبقات متينة.
أما المحيط الخارجي فيشمل مولدات كهربائية، توربينات، مباني الإدارة، محطات ربط كهربائية وغيرها من المنشآت غير النووية.
ولذلك فإن إصابة مولّد أو منشأة مساندة قد تتسبب بحريق أو قطع للكهرباء لكنها لا تعني تلقائيًا مساسًا بالوقود النووي أو أنظمة التبريد.
مع ذلك يبقى الحادث خطيرًا من الناحية الأمنية لأنه يستهدف بنية تحتية استراتيجية، إذ يكشف قدرة المسيّرات على ضرب منشآت حيوية ويختبر الدفاعات الجوية، بينما الحوادث النووية تُعرّف بعدم القدرة على تبريد المفاعل أو إخفاق نظام الاحتواء.
5. كيف تُحمى محطة نووية مثل براكة؟
تعتمد المحطات النووية على مبدأ “الدفاع في العمق” أي وجود طبقات حماية متتالية بدل الاعتماد على حاجز واحد.
تبدأ هذه الطبقات من الوقود نفسه، إذ تُحصر المواد المشعة داخل كبسولات خزفية وأنابيب معدنية، ثم داخل وعاء ضغط فولاذي، وصولًا إلى مبنى احتواء خرساني مصمم لعزل المفاعل في حالات الطوارئ.
وتدعم هذه الحواجز أنظمة أمان أساسية، بينها التبريد الرئيسي والاحتياطي، ومولدات الطوارئ، وأنظمة حقن المياه، وقضبان تحكم تُدخل تلقائيًا لإيقاف التفاعل النووي عند حدوث خلل.
أما أمنيًا، فتحمى المحطة عبر المراقبة والحماية المادية وخطط الطوارئ والدفاع الجوي ضمن قدرات الدولة. لذلك يميّز الخبراء بين السلامة النووية التي تمنع الحوادث التقنية، والأمن النووي الذي يحمي المنشأة من الهجمات أو التخريب.
6. لماذا قد تُستهدف منشأة نووية مدنية؟
ليس الهدف من هذه الهجمات بالضرورة إحداث تسرب إشعاعي، ففي كثير من الصراعات تُستخدم المسيّرات لاستعراض القوة أو إرسال رسائل ردع أو الضغط السياسي والاقتصادي.
إذ تمثل المنشآت النووية رمزًا للتقدم والاستقرار الطاقوي، واستهدافها قد يختبر الدفاعات ويحبط ثقة المستثمرين ويزيد كلفة الحرب، وهو ما هدفت إيران إلى تحقيقه بعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها نهاية فبراير/شباط 2026 بزيادة ضرباتها للخليج.
وقد تهدف الهجمات أيضًا لقطع الكهرباء أو تعطيل الصناعات المرتبطة بالمحطة، وهو ما يبرز أهمية حماية البنية التحتية الحرجة في المنطقة.
7. من يراقب السلامة النووية بالإمارات؟
داخل الإمارات، تضع الهيئة الاتحادية للرقابة النووية (FANR) معايير السلامة والأمن وتصدر التراخيص وتجري التفتيشات وتضمن الاستعداد للطوارئ.
عالميًا، تتابع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) أداء المحطة عبر اتفاقات الضمانات وتوفر الدعم الفني، وسبق أن أصدرت بيانًا يؤكد استقرار الإشعاع في حادث براكة الأخير.
كما تعمل الرابطة العالمية لمشغلي المفاعلات النووية (WANO) على تقييم الأداء ومشاركة الخبرات بين المشغلين حول العالم.
8. ما الخلاصة الأمنية من حادث براكة؟
لا تشير البيانات المتاحة إلى حادث نووي داخل براكة، بل إلى استهداف منشأة كهربائية مساندة في محيط المحطة، لذلك كان الخطر المباشر أمنيًا وتشغيليًا، لا إشعاعيًا.
لكن الدرس الأهم أن المسيّرات قادرة على نقل الضغط العسكري إلى محيط منشآت مدنية شديدة الحساسية. فالمحطة النووية لا تصبح خطرة فقط عندما يُصاب المفاعل، بل عندما تتعرض منظومات الكهرباء، الحماية، الوصول، أو الاستجابة للطوارئ لاختبار متكرر.
بهذا تصبح براكة إنذارًا مبكرًا كونها كشفت أن أمن الطاقة في الخليج دخل مرحلة جديدة، حيث قد تصبح محطات الكهرباء والموانئ والمياه والمنشآت النووية المدنية جزءًا من حسابات الردع والضغط في حروب المسيّرات.