• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“الرواية الفلسطينية مشتتة والطفل أول ضحاياها إعلاميًا”.. حوار مع د. نشأت الأقطش

سندس بعيرات٣١ مايو ٢٠٢٦

في التغطيات العاجلة، يكفي سطر واحد ليطوي حياة كاملة. “استشهاد طفلة”، “اعتقال طفل”، ثم يمضي الخبر سريعًا، تاركًا خلفه كل ما لا يتسع له العاجل. الاسم، الوجه، البيت، المدرسة، الخوف، الأحلام الصغيرة، وتفاصيل الحياة التي تجعل من الطفل إنسانًا لا رقمًا في حصيلة يومية.

تبدأ المشكلة من الطريقة التي تُروى بها الحكاية، ففي كثير من التغطيات، يطغى الحدث على صاحبه، وتُختزل الطفولة الفلسطينية في صورة صادمة أو خبر خاطف، بينما تبقى الحياة السابقة على الفقد خارج الإطار، كأنها غير مرئية.

في هذا الحوار، نحاور الدكتور نشأت الأقطش، أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت ورئيس دائرة الإعلام فيها سابقًا، حول واحدة من أكثر إشكاليات التغطية حضورًا، وهي صورة الطفل الفلسطيني في الإعلام، وكيف يمكن للصحافة أن تستعيده كقصة كاملة، لا كرقم عابر في شريط الأخبار، ونحاول أن نفتح معه أسئلة أوسع عن مسؤولية الإعلام الفلسطيني والعربي، وحدود السرعة في التغطية، وغياب السرد الإنساني حين يصبح الطفل حاضرًا في لحظة موته أو اعتقاله، وغائبًا في كل ما قبل ذلك.

إلى الحوار..

كيف تُقدَّم صورة الطفل الفلسطيني في الإعلام اليوم وكيف تطورت هذه الصورة خلال السنوات الأخيرة؟

على مدار سنوات طويلة، كان الإعلام العالمي يتعامل مع الأطفال الفلسطينيين الضحايا باعتبارهم مجرد أرقام، يُقال: قُتل ثلاثة أطفال فلسطينيين، من دون حتى الإشارة إلى الجهة التي قتلتهم. أما الإعلام العربي، ففي بداياته كان ضعيفًا وغير قادر على مواجهة الرواية الإسرائيلية أو تقديم رواية مختلفة.

لاحقًا، ظهرت بعض القنوات العربية التي بدأت تقدم مضمونًا أكثر تفصيلًا وعمقًا، وكانت الجزيرة في مقدمة هذه الفضائيات بلا منازع، وما تزال حتى اليوم. استطاعت هذه القنوات كسر الحاجز أمام الإعلام العالمي، وقدّمت رواية مختلفة مصدرها مراسلوها على الأرض، لا الوكالات اليهودية الصهيونية التي سيطرت طويلًا على الرواية المتداولة عالميًا.

بعد ذلك، ظهرت عشرات الفضائيات الإخبارية، ومنها قنوات فلسطينية مثل فلسطين اليوم وغيرها من الفضائيات الحزبية، التي بدأت تقدم مضمونًا عن فلسطين بصورة أقرب إلى الواقع. ومع ذلك، ما زلنا حتى اليوم نتحدث عن الأطفال الشهداء باعتبارهم أرقامًا وضحايا، وإن كان ذلك بصورة أفضل من السابق، لكنه ما يزال غير كافٍ.

ثم جاءت الانتفاضة الأولى والثانية، وصولًا إلى حروب غزة، التي فضحت الرواية الإسرائيلية أمام العالم. فالسردية الإسرائيلية لم تعد تُستقبل كما في السابق، بل أصبحت محل شك واسع، وبات ينظر إليها باعتبارها رواية كاذبة.

وخلال الانتفاضة الأولى وحتى عام 2005، استشهد نحو عشرة آلاف فلسطيني، كان من بينهم ستة آلاف طفل، ومع ذلك لا يكاد أحد يتذكر أسماء هؤلاء الأطفال، باستثناء محمد الدرة، لأن كاميرا فرنسية نقلت صورته إلى العالم. وكذلك الطفلة إيمان حجو، التي استشهدت داخل منزلها، ما دفع إحدى المراسلات الأجنبيات إلى مواجهة الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، قائلة إن حديثهم عن “دقة السلاح” لا يمكن أن يبرر قتل طفلة رضيعة كانت نائمة في سريرها داخل منزلها.

هذه المشاهد ساهمت في تغيير صورة الطفل الفلسطيني في الإعلام العالمي بشكل واضح.

هل ترى أن الإعلام ينجح في نقل “قصة الطفل” أم يكتفي بنقل “الحدث” المرتبط به؟

حتى اليوم، ما يزال الإعلام الفلسطيني والعربي يلاحق الحدث أكثر مما ينقل قصة الطفل نفسها. فحجم الجرائم الإسرائيلية وتسارع الأحداث وكثرة أعداد الشهداء جعلت الإعلام منشغلًا بالمواكبة السريعة، من شهيد إلى آخر، ومن مجزرة إلى أخرى، حتى أصبح بالكاد قادرًا على التقاط أنفاسه.

الصحفي اليوم يعمل تحت ضغط هائل؛ فقبل أن يجف دم شهيد، يكون هناك شهداء آخرون، لذلك بقيت التغطية في كثير من الأحيان سريعة ومختصرة، تركز على نقل الحدث اليومي أكثر من التوقف عند القصص الإنسانية للأطفال وعائلاتهم.

كما أن الإعلام الفلسطيني والعربي يتحرك باستمرار من قرية إلى قرية، ومن حاجز إلى حاجز، في محاولة لملاحقة الوقائع المتسارعة، وهذا يختلف عن الإعلام الذي يعمل وفق رؤية واستراتيجية واضحتين، تسمحان بتقديم الطفل الفلسطيني بوصفه إنسانًا له حياة وقصة وملامح، لا مجرد رقم في خبر عاجل.

لماذا يتحول الطفل الفلسطيني غالبًا إلى رقم في الأخبار بدل أن يُقدَّم كقصة إنسانية مستقلة؟

هناك مجموعة من العوامل التي دفعت التغطية الإعلامية لقضايا الأطفال الفلسطينيين إلى هذا الشكل السريع والسطحي، أولها كثافة الأحداث وحجم الجرائم وعدد الشهداء، ما جعل الإعلام منشغلًا بالملاحقة اليومية للأخبار أكثر من إنتاج تغطية إنسانية عميقة ومفصلة.

لكن العامل الأهم يتمثل في غياب خطة إعلامية استراتيجية واضحة، سواء لدى السلطة الفلسطينية أو لدى الأحزاب الفلسطينية. فهناك فرق كبير بين إعلام يكتفي بمتابعة الحدث اليومي، وإعلام يمتلك رؤية واضحة حول ما يجب تقديمه للعالم وكيفية تقديمه. هذه الرؤية، للأسف، ما تزال غير واضحة بالشكل الكافي في الإعلام الفلسطيني.

إضافة إلى ذلك، انشغل الإعلام الفلسطيني الحزبي بالصراعات الفلسطينية الداخلية، ما أبعده عن التغطية الإنسانية العميقة، وأضعف قدرته على تحويل الأطفال الفلسطينيين من أرقام في نشرات الأخبار إلى أصوات وحكايات إنسانية حقيقية.

كل هذه العوامل، إلى جانب الضغوط الميدانية والسياسية، جعلت التغطية الإعلامية لقضايا الأطفال الفلسطينيين حتى اليوم أقرب إلى التغطية السريعة للأحداث منها إلى السرد الإنساني العميق.

إلى أي مدى تؤثر طبيعة وسائل الإعلام (تلفزيون، مواقع، سوشيال ميديا) وسرعة النشر الإخباري على طريقة رواية قصة الطفل وعمق تغطيتها الإعلامية؟

السوشال ميديا تمتلك فعالية كبيرة، وقد كسرت بالفعل جزءًا من الحواجز التي كانت تسيطر على الإعلام التقليدي، وهذا صحيح. لكن في المقابل، لا بد من الانتباه إلى أننا عمليًا نلعب على ملعب “الصهاينة”، بمعنى أننا نعمل داخل منصات لا نملكها بالكامل ولا نتحكم في قواعدها.

فمثلًا، فيسبوك إذا تم وضع علم فلسطين عليه قد يؤدي ذلك إلى حظر الحساب، وإذا تم نشر عبارات مؤيدة للفلسطينيين قد يتم حذف المحتوى أو شطبه. وبالتالي نحن أمام بيئة رقمية تعمل ضمن سياسات رقابية واضحة.

وقد تحدثت عن هذا الأمر في مؤتمرات إعلامية قبل عشر سنوات، حيث طرحت فكرة ضرورة إنشاء محركات بحث عربية، على غرار ما فعلته الصين وروسيا والهند، بحيث تكون السيطرة فيها بعيدة عن اللوبيات الصهيونية، وبعيدة عن هيمنة المنصات الغربية.

وفي هذا السياق، أصبحنا في كثير من الأحيان داخل السوشال ميديا نلجأ إلى تغيير الكلمات، فعند كتابة كلمة “حماس” يتم تغيير حرف الحاء أو السين، أو استخدام تعبير بديل مثل “الأخضر”، وذلك لأن الرقابة الإلكترونية تعتمد على رصد كلمات محددة، وبمجرد إدخالها يتم التعامل مع المحتوى بالحذف أو التقييد بشكل تلقائي، دون وجود شخص فعلي يراجع كل منشور.

وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية، إذ إن هذه المنصات استطاعت في مرحلة معينة، خصوصًا مع بدايات انفجار السوشال ميديا عام 2011، أن تكسر جزءًا من الحواجز وتفتح مساحة أوسع للنشر. لكن في المقابل، ومع تطور أنظمتها، أصبح خبراؤها أكثر انتباهًا لهذه المساحات، وأي محتوى يُفهم على أنه مؤيد للفلسطينيين أو ناقد لإسرائيل يتعرض للحظر أو تقليل الانتشار. وبالتالي نحن عمليًا نعمل داخل هذه المنصات، لكن وفق قواعدها هي، لا وفق قواعدنا.

ومن الملاحظ أن كثيرًا من الفلسطينيين لم يطرحوا بشكل جدي سؤال: لماذا لا يكون لدينا محركات بحث أو تطبيقات فلسطينية أو عربية أو إسلامية مستقلة؟ هل هذا أمر معقد أو مستحيل؟

في الواقع لا، فاليوم يوجد في العالم ما بين 46 إلى 47 ألف تطبيق ومنصة مشابهة لفيـسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي. لكن السؤال يبقى: أين نحن من هذا المجال؟ وقد قيل إن هناك محاولة فلسطينية فردية في هذا الاتجاه، لكن يبقى السؤال مطروحًا: أين وصلت، وأين هي الآن؟

كيف تختلف تغطية الطفل الفلسطيني في الإعلام الدولي عن تغطية أطفال في مناطق نزاع أخرى؟

الإعلام الإسرائيلي. إذا تعرّض طفل للإصابة أو القتل، فإن الحدث لا يُقدَّم كخبر عابر أو واقعة لحظية، بل يُتعامل معه كقضية إعلامية مكتملة الأركان، تحظى بتغطية واسعة ومركّزة، وذلك في إطار رؤية استراتيجية واضحة لإدارة التغطية الإعلامية.

فهذا الإعلام لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعمل على بناء سردية متكاملة حوله، عبر تفصيل دقيق في حياة الطفل وخلفيته وبيئته الإنسانية، بما يمنح الرواية بعدًا عاطفيًا وإنسانيًا عالي التأثير. وقد كان هذا النهج أكثر فاعلية ووضوحًا قبل عام 2023، حين كانت القدرة على إدارة الرواية وصياغتها ضمن بنية إعلامية متماسكة أكثر حضورًا وتأثيرًا.

وهو يمتلك قدرة على إنتاج الرواية الإعلامية وإعادة تشكيلها. فعلى سبيل المثال، عند استشهاد محمد الدرة، شهدت التغطية الإعلامية الدولية تحوّلًا حادًا، حيث جرى الاستعانة بخبراء في الاتصال الاستراتيجي والعلاقات العامة قدّموا مقاربات تقوم على صناعة “قصة” إعلامية متكاملة، لا مجرد نقل واقعة.

ففي البداية طُرحت روايات تقول إن طفلًا بريئًا قُتل في غزة، مع الإشارة إلى فتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين عن مقتله. ثم ما لبثت أن ظهرت رواية مضادة خلال فترة قصيرة، جرى الترويج فيها لفكرة أن الطفل قُتل على يد “الإرهابيين الفلسطينيين”، وتم دفع هذه الرواية إلى التداول الإعلامي. ومع استمرار عملية الترويج، أخذت هذه السردية تتوسع وتترسّخ في بعض المساحات الإعلامية.

لاحقًا، أعيدت صياغة المشهد بروايات إضافية أكثر تعقيدًا، جرى من خلالها إعادة تقديم الحدث بصور متعددة ومتناقضة، ضمن عملية مستمرة لإعادة تشكيل الوعي الإعلامي وتوجيهه. وهذا يعكس بوضوح أن ما يجري هو إدارة استراتيجية للسرد الإعلامي، لا مجرد نقل تلقائي أو انفعالي للحدث.

المسألة ليست مجرد تغطية سطحية أو انفعال لحظي، ولا يمكن اختزالها في الذهاب إلى أم الشهيد وسؤالها عن شعورها بعد فقدان ابنها. فمثل هذا النوع من الأسئلة، لا يرقى إلى مستوى التغطية العميقة إذا كان منفصلًا عن بناء السردية الكاملة.

لأن المطلوب إعلاميًا هو تفكيك حياة الطفل نفسها: مشاعره، مدرسته، كتبه، ألعابه، أصدقاؤه، وكل التفاصيل التي تشكّل ملامح وجوده الإنساني، بحيث يُقدَّم كقصة كاملة لا كواقعة عابرة أو لحظة صادمة. وحتى سؤال الأم عن شعورها في لحظة فقدان بهذا الحجم، يظل عاجزًا بطبيعته عن اختزال تجربة إنسانية بهذا الثقل.

وبالتالي، يمكن القول إن المشهد الإعلامي يتحرك بلا رؤية، الإعلام الفلسطيني، رغم تعدد وسائله الذي يصل إلى نحو 29 فضائية ومئات آلاف المواقع الإلكترونية، كثير منها يرتبط بتمويلات وجهات مختلفة، ما ينعكس على استقلالية الخطاب الإعلامي واتساقه.

نحن نعيش كارثة فلسطينية حقيقية، ولولا حجم الدماء التي جرت والتي فضحت إسرائيل أمام العالم، لكان جزء كبير من الرأي العام الدولي ما يزال يتعامل مع الواقع من خلال صورة أو “قناع” جاهز ومسبق، بعيدًا عن الحقيقة كما هي على الأرض. وقد وصلت نسب في بعض السياقات الغربية إلى تصورات مضللة أو غير دقيقة، من بينها ما قيل عن أن “المستوطنين في الضفة الغربية هم فلسطينيون”، وهو ما يعكس حجم التشويش والخلط في الفهم العام لدى قطاعات من الجمهور. وهذا كله يعبّر عن قمة الإهمال في التعامل مع الرواية الفلسطينية على مستويات متعددة.

وفي المقابل، فإن أحد أبرز أوجه الإشكال يتمثل في الواقع الإعلامي الفلسطيني نفسه، حيث إن الإعلام الرسمي الفلسطيني ينشغل بالشخصنة والدوائر الضيقة، بين الرئيس والحكومة والوزراء والمدراء، مع تركيز على التلميع أكثر من بناء خطاب وطني شامل. وهذا ما يجعل هذا الإعلام أقرب إلى إعلام حزبي منه إلى إعلام وطني جامع، وهو ما ينعكس سلبًا على فعاليته ودوره.

لماذا تركز التغطية غالبًا على لحظة الاستشهاد أو الاعتقال، بينما تغيب حياة الطفل قبل ذلك؟

يوجد خلل واضح في بيئة العمل الإعلامي نفسها، إذ إن الكثير من الصحفيين جرى تدريبهم على منطق “السبق الصحفي” باعتباره الهدف الأساسي، بحيث يتم التركيز على اللحاق بالخبر من أي وكالة، والذهاب مباشرة إلى تغطية الجنازات واللحظة الآنية للشهيد باعتبارها المادة الأسرع للنشر.

وفي هذا السياق، لا يُمنح التفكير خارج هذا الإطار مساحة حقيقية، إذ يصبح الخروج عن النمط السائد أمرًا غير مشجع، سواء بسبب ضغط بيئة العمل أو غياب الدعم المهني، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الشكل التقليدي للتغطية: خبر سريع، صورة جنازة، ثم الانتقال إلى حدث آخر.

وبالتالي تُترك مهمة نقل الخبر الأولي والصورة الأولى للوكالات، بينما يُفترض لاحقًا الانتقال إلى بناء قصص صحفية أعمق، وهو ما لا يحدث بالشكل الكافي في كثير من الأحيان.

هذا العالم اليوم بات يميل إلى المحتوى القصير والفيديوهات السريعة، ولم يعد الجمهور مستعدًا لمتابعة تقارير طويلة قد تمتد لنصف ساعة أو أكثر. في هذا السياق، تتغير طبيعة التلقي الإعلامي، وتصبح السرعة والاختصار هما المحدد الأساسي لانتشار المحتوى.

وبالتالي، تظهر قصص بعض الأطفال وتبقى حاضرة في الذاكرة الإعلامية، بينما تختفي قصص أخرى بسرعة. وغالبًا لا يرتبط ذلك بخطة إعلامية واضحة، بل بعوامل عفوية مثل صدفة التغطية، أو وجود صورة مؤثرة، أو طريقة عرض غير تقليدية تجعل الطفل يُقدَّم كإنسان لا كرقم. وفي هذه الحالات، يكون “الحظ الإعلامي” عاملًا حاسمًا، وليس التخطيط المسبق.

أما كثافة صور الأطفال الضحايا، فلها تأثير معقد على الجمهور، فهي من جهة قد تعزز التعاطف وتزيد الوعي، لكنها من جهة أخرى قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في حالة من “التخدير العاطفي” أو تطبيع الألم نتيجة التكرار الشديد. ومع الوقت، قد يفقد الجمهور القدرة على التفاعل مع المشاهد الصادمة، ليس لأن المأساة أقل، بل لأن التكرار أضعف أثرها.

وبالتالي يمكن القول إن التغطية في كثير من الأحيان لا تخضع لتخطيط إعلامي مدروس بقدر ما تخضع لإيقاع سريع وعفوي، تحكمه طبيعة المنصات وسلوك الجمهور أكثر مما تحكمه استراتيجية سردية واضحة.

كيف يمكن للصحفي أن يوازن بين نقل الخبر بدقة وسرعة وبين الحفاظ على كرامة الطفل وإنسانيته أثناء التغطية؟

فكرة “نقل الخبر بسرعة” ارتبطت بما كتبه بعض الصحفيين والأكاديميين الأمريكيين حول مفهوم السرعة في النشر والتغطية. لكن هذا النموذج، كما يُطرح عادة، لا يلبّي بالضرورة احتياجات السياق الفلسطيني.

فما يحتاجه الإعلام الفلسطيني ليس مجرد الاندفاع نحو نقل الخبر بسرعة، بل امتلاك قدرة سردية على تصوير الواقع كما هو، بدقة ووضوح، بعيدًا عن الانفعال أو اللغة العاطفية أو المصطلحات الرنانة.

المطلوب هو لغة إعلامية قادرة على تقديم الحدث كما هو، دون اختزال أو شحن لفظي، وبطريقة تجعل المتلقي يفهم الواقع بموضوعية. وفي هذا السياق، تبرز مسألة اختيار المفردات، إذ لا يكفي استخدام عبارات عامة أو مجردة، بل يجب تقديم معلومات واضحة ومباشرة تعكس طبيعة الحدث بدقة.

فبدل الاكتفاء بتوصيفات فضفاضة، ينبغي تقديم المعنى عبر التفاصيل والحقائق التي تتيح فهمًا أعمق للواقع، دون أن يتحول الخطاب إلى شعارات.

ومن هنا، فإن الحاجة الأساسية هي إلى صحفي يمتلك القدرة على نقل الواقع بهذه الدقة والاتزان، وهذا النوع من الصحفيين موجود بالفعل، لكن المشكلة تكمن في أن الفرص المتاحة له ما تزال محدودة في كثير من السياقات الإعلامية.

برأيك، ما الذي يحتاجه الإعلام اليوم حتى لا يتحول الطفل الفلسطيني إلى مجرد رقم أو صورة عابرة؟

يجب أن يكون الإعلام الفلسطيني فلسطينيًا أولًا. فهناك عدة مستويات من هذا الإعلام، أولًا الإعلام الرسمي الذي يتبع السلطة الفلسطينية ويتلقى تمويله منها، وهو في كثير من الأحيان ينشغل بخطاب يقوم على تلميع السلطة والقيادة وإبراز إنجازاتها بشكل دعائي.

ثانيًا، هناك الإعلام الحزبي المرتبط بالأحزاب، سواء في سياق فتح أو حماس، وهو إعلام ينشغل بدرجة كبيرة في الصراع الداخلي بين هذه الأطراف، بدل التركيز على بناء رواية وطنية جامعة.

ثالثًا، هناك الإعلام الممول من الخارج، وهو واسع الانتشار، وتختلف توجهاته باختلاف مصادر التمويل، حيث إن الجهة الممولة تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على النبرة والسياسة التحريرية، حتى وإن لم يكن ذلك معلنًا بشكل صريح.

أما الإعلام الدولي، فهو في كثير من الأحيان يميل إلى الانسياق خلف الرواية الإسرائيلية، عبر أدوات متعددة مثل التمويل، والإعلانات، وشبكات النفوذ واللوبيات الإعلامية والسياسية. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أنه في الفترة الأخيرة حدث نوع من الانفلات النسبي، بحيث لم تعد إسرائيل تمتلك ذات القدرة السابقة على التحكم الكامل في السردية الإعلامية.

لكن، وكما طُرح في أكثر من مناسبة، فإن غياب الجاهزية الإعلامية الفلسطينية يجعل من السهل إعادة إنتاج الرواية المضادة في أي لحظة، حيث يمكن قلب السرد أو إعادة تشكيله مع الوقت، إذا لم يكن هناك خطاب إعلامي متماسك ومبني على استراتيجية واضحة.

وفي المحصلة، نحن لا نملك حتى الآن إعلامًا وطنيًا فلسطينيًا جامعًا. فالمطلوب ليس إقصاء الإعلام الحزبي أو الرسمي أو الممول، بل تنظيمه ضمن إطار وطني واضح يضع المصلحة العامة في المقدمة، ويمنح الصحفيين مساحة مهنية حقيقية للعمل. لكن الواقع يشير إلى أن هذا الإطار غير موجود بالشكل المطلوب، وبالتالي تبقى الرواية الفلسطينية مشتتة وغير مستقرة.

علاماتالأطفال الفلسطينيون ، الحرب على غزة ، الحقوق والحريات ، انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني ، جرائم إسرائيل في فلسطين

قد يعجبك ايضا

صحافة

سوريا تقفز في مؤشر حرية الصحافة.. هل بدأت رحلة الألف ميل فعلًا؟

رغد الشماط٢ مايو ٢٠٢٦
صحافة

نبش المقابر وسياسات الإذلال: معركة الاحتلال ضد جثامين الفلسطينيين

سجود عوايص١٣ فبراير ٢٠٢٦
سياسة

بعد إلغائها لسنوات.. لماذا عادت وزارة الإعلام في مصر مرة أخرى؟

فريق التحرير١١ فبراير ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑