ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما اندلعت حرب إيران في أواخر فبراير/ شباط الماضي، كان أحد الأسئلة الرئيسية التي طُرحت على دول الخليج هو ما إذا كان بإمكانها البقاء خارج نطاق حرب إقليمية، وقد أثبت الزمن وأربعون يومًا من الغارات الجوية عبر ست دول أنها لا تستطيع ذلك؛ فقد شنت السعودية والإمارات عمليات هجومية خاصة ضد مواقع إيرانية وميليشيات حليفة، وهو ما لم تقدم عليه أي من الحكومتين منذ عقود.
وغيّرت تلك الخطوة بشكل دائم الشروط التي يمكن لأي منهما بموجبها ادعاء الحياد مستقبلاً. وما يبقى محل جدل هو ما سيحدث لاحقًا: ليس ما إذا كان ينبغي لدول الخليج أن تتحكم في أمنها بنفسها، بل كيف، وما إذا كانت المقترحات المتداولة الآن في العواصم الغربية ستعزز موقفها أم تصف شكلاً آخر للمشكلة نفسها.
وتفيد إحدى الحجج بأن على دول الخليج استغلال احتمال انسحاب عسكري أمريكي لانتزاع صفقة من إيران: انسحاب تدريجي من قاعدة العديد، ومقر الأسطول الخامس، وقاعدة الظفرة؛ مقابل قيود نووية وضوابط على الصواريخ والوكلاء ومعاهدة عدم اعتداء. لقد أصبحت القوات الأمريكية هدفًا بقدر ما هي وسيلة ردع، وتم استبعاد دول الخليج من المفاوضات التي ستحدد أمنها. وإذا صحّ هذان الأمران، فإن الحجة المبنية عليهما أقل صحة بكثير.
ولطالما سعت القوى الخارجية إلى تحقيق مصالحها في الخليج؛ فقد تنازلت بريطانيا عن أراضٍ كويتية للسعوديين عام 1922 وانسحبت من اليمن عام 1967، ولم تتدخل لاحقًا عندما استولت إيران على ثلاث جزر إماراتية عام 1971. أما واشنطن فلم تتدخل لوقف الثورة الإيرانية عام 1979، ولم ترد على الهجوم الإيراني على منشآت أرامكو في بقيق في السعودية عام 2019، وتركت قطر عرضة لضربات إسرائيلية في عام 2025 رغم الوجود العسكري الأمريكي هناك. وكثيرًا ما فشل الضامنون الخارجيون في توفير أمن مستدام لدول الخليج، لكنهم ظلوا أفضل خيار متاح، والتخلي عن الالتزام الخارجي الوحيد الموجود – وإن كان غير فعال – سيجعل المنطقة أكثر عرضة للخطر لا أقل.
وتفترض إحدى المقترحات التي طُرحت مؤخرًا في مجلة “فورين أفيرز” أن الوجود العسكري الأمريكي يشجع التوسع الإيراني وأن إنهاءه قد يؤدي إلى كبح جماح هذا التوسع على المدى الطويل، لكن سنوات الاتفاق النووي تعد معيارًا ينفي ذلك؛ فبعد تخفيف العقوبات عام 2015 والتحرك نحو التطبيع، وسّعت إيران نفوذها في سوريا، وكثّفت أنشطة الحوثيين في اليمن، وعززت روابطها السياسية في العراق. لقد تسارع توسعها مع انخفاض الضغط الخارجي؛ ليس بعد رفعه بالكامل، بل أثناء العملية.
كان الاعتراض المعتاد أن الاتفاق النووي غير مكتمل وأن التهديدات التقليدية والوكيلة لإيران لم تُرفع فيه بالكامل. لكن هذا يعني المطالبة بانسحاب أمريكي كامل ودائم دون فرصة للعودة حتى يتغير سلوك إيران بشكل ملموس. وحتى لو وافقت دول الخليج على ذلك، فلن يكون لدى طهران أي حافز للامتثال بعد أن زوال أوراق الضغط عليها. إن تاريخ إيران في ضبط النفس دون ضغط عسكري لا يصلح أساسًا لعقيدة أمنية.
المشكلة الأصعب هي التوقيت؛ حيث تفيد حجة الانسحاب أن دول الخليج ستبني قدرات عسكرية كبيرة بعد رحيل الأمريكيين، وأن الضغط الناجم عن الاضطرار إلى الاعتماد على نفسها سيحقق ما لم تحققه سنوات غياب ذلك الضغط. لقد نجح هذا المنطق في أماكن أخرى، لكنه لم يُثبت فعاليته هنا.
وبعد الحرب الباردة؛ خفضت الولايات المتحدة عدد قواتها في أوروبا، لكن حلف الناتو حافظ على قيادة موحدة والتزامات دفاعية متبادلة راسخة، لكن دول الخليج تفتقر إلى مثل هذا التنسيق. ورغم أن اتفاقيات الدفاع الخاصة بمجلس التعاون الخليجي تعود إلى التسعينيات، إلا أنها لم تُصمم لمواجهة حرب الطائرات المسيرة أو احتمال إغلاق مضيق هرمز. ولا يوجد نظام اعتراض مشترك أو آلية لمراقبة المضيق، كما أن تطوير هذه الأنظمة بعد انسحاب القوات الأمريكية، بينما تراقب طهران لترى ما يمكن أن يستوعبه الترتيب الجديد، ليس اعتمادًا على الذات بل يشبه تشييد مبنى بدون أساس.
وتفيد أقوى حجة تدعم الانسحاب بأن دول الخليج لم تستثمر بجدية في دفاعها لأن واشنطن كانت دائمًا متاحة لتعويض النقص، وأن الاستثمار الجدي لن يحدث ما دام ذلك الخيار قائمًا. قبل مارس/ أذار 2026، وكان ذلك موقفًا يمكن الدفاع عنه، لكن ظهرت منذ ذلك الحين أدلة تشير إلى عكس ذلك
لقد فرضت الخيارات التي اتُخذت أثناء الصراع – خروج الإمارات من أوبك، وخط تبادل الدولار مع وزارة الخزانة الأمريكية مباشرة، ونشر بطاريات القبة الحديدية على الأراضي الإماراتية، وإغلاق السفارات في طهران أو طرد الدبلوماسيين – قيودًا حقيقية على السيادة، والتي اتخذتها حكومات تجنبت مثل هذه المواقف لعقود. لقد أصابت لصواريخ الإيرانية مناطق سكنية في دبي وأبوظبي، لذا فالحجة الداعية إلى الاعتماد على الذات واضحة تمامًا.
لقد صمدت أنظمة الدفاع الصاروخي في الخليج، أما الطائرات الإيرانية المسيرة – الرخيصة والبطيئة والمُرسلة بأعداد كبيرة – فقد كان من الصعب صدها. وإذا كان هجوم بقيق قد كشف عن الثغرة في عام 2019، فإن 40 يومًا من الضربات في عام 2026 قد أكدت هذه الثغرة ووسعت نطاقها. ويتطلب سد هذه الثغرة في مجال الطائرات المسيرة وجود أجهزة استشعار مشتركة وبروتوكولات اعتراض موحدة، مدعومة بسلطة قانونية للتصرف بناءً عليها بشكل فوري دون الحاجة إلى موافقة وزارية مسبقة في كل مرحلة من مراحل تسلسل الاشتباك.
ويعد مضيق هرمز المشكلة البنيوية الأخرى؛ فلا يوجد نص وقف إطلاق النار قد يغيّر الوضع المادي لإيران هناك. وسيزيد إنشاء نظام مراقبة مشترك مع عتبات استجابة وآليات تعويض من تكلفة تسليح المضيق. ولدى حكومات الخليج القدرة المالية لتطوير الأمرين، والعائق الحقيقي ليس القدرة بل التردد في النظر إلى التكامل القانوني باعتباره مسألة عسكرية وليس مسألة سيادة، مثل منح هيئة مشتركة سلطة التصرف دون موافقة سياسية بالإجماع.
ولا يعد إبرام معاهدة على مستوى دول الخليج الأداة المناسبة لهذا الغرض؛ فالممالك الست لا تنظر إلى التهديد بنفس الطريقة. ويتمثل الشاغل الرئيسي للسعودية في الصواريخ الإيرانية والضغط الذي يمارسه الحوثيون على حدودها الجنوبية. أما الإمارات، فتتركز مخاوفها في المجال البحري مثل المضيق، ومحطة بركة، والبنية التحتية للموانئ التي يعتمد عليها نموذجها الاقتصادي برمته. أما موقف قطر فيتحدد بصادراتها من الغاز، وقاعدتها الأمريكية، وقناتها الخلفية مع طهران. وتتعرض الكويت والبحرين لمخاطر تجعل التصعيد مكلفًا من الناحية الوجودية. أما عمان، فقد حافظت على مسافة بينها وبين الأزمة كالعادة.
إن أي إطار يتطلب إجماعًا كاملًا من دول مجلس التعاون الخليجي سيتم التفاوض عليه في كل مرحلة حتى يصبح غير ملزم لأي حكومة. لكن ما حدث فعلًا، وبعيدًا عن البيانات الرسمية، هو أن الصراع قد عجل بالشراكات الثنائية والتشغيلية بين الدول المستعدة لقبول التكلفة الفعلية للتكامل الحقيقي. والسؤال هو ما إذا كان يمكن إعطاء تلك الشراكات شكلًا مؤسسيًا قبل أن تتلاشى الضغوط السياسية التي أوجدتها.
ما يتطلبه ذلك الشكل المؤسسي هو سلطة قادرة على تقييم ما يمكن أن تفعله الجيوش الأعضاء فعليًا في ظروف تشغيلية حقيقية – وليس سجلات المشتريات أو التدريبات، بل القدرة التشغيلية المثبتة – ونشر تلك النتائج بغض النظر عما تفضّل الحكومات الأعضاء قوله. لقد بنى الناتو مثل تلك المؤسسة خلال عشر سنوات قبل أن يواجه اختبارًا جديًا، وعندها كان قد ثبت أسسه بدعائم الردع النووي والمادة الخامسة.
ويمتلك الخليج الموارد المالية، لكنه لم يوافق على إنشاء مؤسسة قد تقول أشياء لا يرغب أعضاؤه في سماعها، وتغير هذا الموقف هو المؤشر الحقيقي على ما إذا كانت الاستقلالية الإستراتيجية الخليجية اتجاهًا سياسيًا أم مجرد إعلان نوايا لا يلزم أحدًا بشيء.
لقد كانت المعدات المتمركزة مسبقًا، والقوات المتناوبة، والاتفاقيات الثنائية التي تحدد مدى ضرورة نشر القوات، وسائل حافظت على الردع الأمريكي في أوروبا الشرقية لمدة 30 عامًا دون الحاجة إلى قواعد دائمة. ويمكن لمنطقة الخليج أن تحقق الأمر نفسه، ولكن فقط بعد أن وضع الإطار المؤسسي اللازم لدعم عملياتها.
لا شيء من هذا يمنع التوصل إلى تسوية مع إيران؛ فالتسوية ضرورية، وستحدث بشكل أو بآخر. والسؤال هو ما هو الموقف الذي سيحتله الخليج عند تحديد الشروط؛ فالدول التي تساعد في صياغة تلك الشروط ستملك نفوذًا في تحديدها يختلف تمامًا عن تلك الدول ستنضم لاحقاً.
والمطلوب أولاً هو بناء القدرة، ثم التفاوض استنادًا إلى النتائج. ولا ينبغي التوهم كثيرًا حول عدد الخطط التي تم اقتراحها ثم تجاهلها بهدوء بشأن الاستقلالية الاستراتيجية الخليجية، أو مدى السرعة التي يمكن أن تتلاشى بها الحاجة السياسية الملحة التي يولدها الصراع بمجرد زوال الخطر المباشر. وما يختلف الآن هو أن تكلفة الترتيب السابق قد دُفعت بالفعل عبر أضرار ما زالت الحكومات في المنطقة تحصيها، ولا تحتاج إلى حجة تثبتها من جديد، بل تحتاج إلى بنية مؤسسية تتناسب مع الاستنتاجات التي تم الوصول إليها بالفعل.
المصدر: ناشونال انترست