يأتي اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وما تلاها من فرض حصار وإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز دخل أسبوعه الحادي عشر، ليمثل نقطة تحول هيكلية في حسابات الأمن القومي لدولة الإمارات، فالإغلاق الذي طال المضيق وعمليات الحصار البحري المتبادل للممر الذي كان يعبر من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية المنقولة قبل الأزمة تسبب في حدوث أكبر انقطاع لإمدادات الطاقة في التاريخ بنسبة تراجع بلغت ما بين 12 إلى 15 مليون برميل يوميًا من المعروض العالمي.
هذا الشلل الملاحي، المقترن بتوسيع الحرس الثوري الإيراني لنطاق سيطرته المعلنة واستهدافه للمنشآت الإماراتية الحيوية مثل ميناء الفجيرة ومحطة براكة النووية بالطائرات المسيرة والصواريخ، دفع أسعار النفط إلى تجاوز عتبة 112 دولارًا لبرنت و105 دولارات لخام تكساس، وسط توقعات مصرفية ببلوغها 150 دولارًا في حال استمرار الأزمة. هذه التطورات أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل ما تزال الجغرافيا الخليجية التقليدية كافية لتأمين مستقبل أبوظبي الاقتصادي؟
تبدو الإجابة الإماراتية واضحة في أفعالها أكثر من الأقوال: توسع مدروس باتجاه آسيا، وبناء متسارع لشبكة من الممرات التجارية البديلة، وتنويع للشراكات المالية والاستثمارية يتجاوز الإطار الخليجي الموروث. ويتقاطع هذا التحول الاقتصادي مع إعادة رسم بطيئة لخريطة التحالفات الإقليمية، أبرز مظاهرها إعلان الإمارات في 28 أبريل/نيسان 2026 الخروج من منظمة أوبك وأوبك+ اعتبارًا من الأول من مايو، في خطوة قرأها كثير من المحللين بوصفها قطيعةً علنيةً مع منظومة القرار الاقتصادي الخليجي بقيادة السعودية وما يعنيه ذلك من مخاطر قد لا تبدو واضحة من الوهلة الأولى.
لم يكن التوجه الإماراتي نحو آسيا وليد لحظة التطورات الأخيرة، لكنّ هذه الحرب سرّعت ما كان يتشكّل ببطء على مدى سنوات، فالاقتصاد الإماراتي – بحسب أرقام يناير/كانون الثاني 2026 يُتوقع أن يكون من أسرع الاقتصادات نموًا في عام 2026، مع قفزة في التجارة غير النفطية لأبوظبي بنسبة 35% خلال النصف الأول من 2025 لتبلغ 195.4 مليار درهم، فيما تشير تقديرات البنوك إلى أن إجمالي التجارة الخارجية قد يقترب من تريليون دولار بحلول 2026، مع توقعات بأن تستحوذ الممرات الآسيوية على ثلث هذه التجارة.
هذا التحول يُعبَّر عنه بأوضح صوره من خلال برنامج “اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة” (CEPA) الذي أطلقته الإمارات في سبتمبر/أيلول 2021، والذي وصل عدد اتفاقياته إلى 27 اتفاقية بحلول منتصف 2025، عشرة منها دخلت حيز التنفيذ فعليًا مع الهند وإندونيسيا وتركيا وكمبوديا وجورجيا وكوستاريكا وموريشيوس وصربيا والأردن و”إسرائيل”.
الهند.. حجر الزاوية في التحول الإماراتي
تمثّل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الهند الموقعة في مايو 2022 حجر الزاوية في الاستراتيجية الإماراتية الجديدة، فقد قفزت التجارة الثنائية بين البلدين لتتجاوز 100 مليار دولار في السنة المالية 2024-2025، أي قبل خمس سنوات من الموعد المستهدف، ما دفع البلدين إلى رفع سقف الطموحات في يناير 2026 إلى 200 مليار دولار بحلول 2032.
اللافت أن نمو التجارة غير النفطية بلغ 34% على أساس سنوي في النصف الأول من 2025 ليصل إلى 38 مليار دولار، في إشارة إلى أنّ العلاقة لم تعد قائمة على النفط ومشتقاته فحسب، بل توسعت لتشمل الإلكترونيات (نمو 32.4%)، والمنتجات الهندسية، والصيدلانيات، والخدمات. غير أن المشروع الأكثر طموحًا – ممر الهند- الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي (IMEC) الذي يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية وإسرائيل – يواجه عقبات حقيقية.
فمع توقف الفرع الإماراتي- الإسرائيلي عمليًا منذ أواخر 2023 بسبب الحرب على غزة، تجد أبوظبي نفسها مضطرة إلى البحث عن مسارات بديلة لتنفيذ مشروع يُتوقع أن يُقلّص أزمنة العبور بين آسيا وأوروبا بنسبة 40% (من 20 يومًا إلى 12 يومًا)، ويولّد 20 مليار دولار سنويًا في تسهيلات التجارة.
كوريا الجنوبية.. بوابة التكنولوجيا المتقدمة
في مايو/أيار الحالي، دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وكوريا الجنوبية حيز التنفيذ، وهي تُلغي أو تخفّض الرسوم الجمركية على 91.2% من السلع المتبادلة بين البلدين. وقد بلغت التجارة غير النفطية بينهما 6.9 مليار دولار في 2025، مع توقعات بنمو ملحوظ مع دخول الاتفاقية مرحلة التنفيذ الفعلي.
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتفاقية في أنها تفتح للإمارات بوابة نحو واحدة من أكثر الاقتصادات تطورًا في مجالات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات التحويلية المتقدمة. وفي توقيت لافت، سعت قطر أيضًا لتعزيز علاقاتها مع سيول في الأسابيع نفسها، فيما يُمكن قراءته بوصفه سباقًا خليجيًا نحو الشرق الأقصى.
فيتنام وإندونيسيا.. التمدد نحو جنوب شرق آسيا
في نوفمبر 2025، وقّعت الإمارات اتفاقية أخرى للشراكة الاقتصادية الشاملة مع فيتنام هذه المرة. تنصّ الاتفاقية على إلغاء الإمارات للرسوم الجمركية على 99% من الصادرات الفيتنامية، مقابل إلغاء فيتنام للرسوم على 98.5% من الصادرات الإماراتية. وتتسع الاتفاقية لتشمل قطاع السياحة والاستثمار، مع توقيع شركة القابضة “أحد الصناديق السيادية في إمارة أبوظبي” اتفاقيات لاستكشاف فرص استثمارية في فيتنام.
أما إندونيسيا، صاحبة أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، فقد دخلت اتفاقيتها مع الإمارات حيز التنفيذ في سبتمبر/أيلول 2023، وسجّلت التجارة بين البلدين نموًا تجاوز 15% منذ ذلك الحين، مع هدف الوصول إلى 10 مليارات دولار في التجارة غير النفطية بحلول 2027. وتتميّز هذه الاتفاقية بأنها تتضمن أحكاماً خاصة بالاقتصاد الإسلامي والتجارة الرقمية، في خطوة تعكس وعياً إماراتياً بطبيعة الأسواق الناشئة الآسيوية.
وفيما يبدو لا تستخدم الإمارات التجارة والاستثمار بوصفهما أدوات اقتصادية فقط، بل تستخدمهما كذلك لبناء نفوذ سياسي طويل الأمد، فحضور صناديق “القابضة” ومبادلة وجهاز أبوظبي للاستثمار في الأسواق الآسيوية، إلى جانب توسّع شركة موانئ دبي العالمية في الموانئ من إندونيسيا إلى الهند، يُنتج شبكة من المصالح المتشابكة تجعل من أبوظبي فاعلًا رئيسيًا في معادلات الأمن والاقتصاد في المحيطين الهندي والهادئ.
الصين.. الشريك الذي يربك واشنطن
نستذكر هنا أنه وفي أعقاب هجمات الحوثيين على الإمارات في يناير/كانون الثاني من عام 2022 التي شملت مطار أبوظبي ومنطقة مصفح الصناعية – رصدت الأقمار الصناعية الأمريكية أعمال حفر عميقة وبناء غامض داخل محطة حاويات تديرها شركة كوسكو الصينية في ميناء خليفة. تلا ذلك تواصل مباشر من الرئيس الأمريكي حينها جو بايدن مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد عبر مكالمات هاتفية حذره فيها من أن الوجود العسكري الصيني في الإمارات سيهدد الشراكة التاريخية بين البلدين.
وعلى الرغم من إعلان الإمارات تعليق المشروع، تسربت تقارير استخباراتية أمريكية لاحقًا (عبر وثائق منصة ديسكورد عام 2023) تفيد بأن واشنطن ظلت تراقب عودة بعض الأنشطة المرتبطة بالجيش الصيني في الموقع ذاته، حيث تسبب الكشف عن هذا المشروع في تعطيل وتأجيل صفقات عسكرية حساسة كانت الإمارات تسعى لإتمامها مع واشنطن، وعلى رأسها شراء مقاتلات F-35 وطائرات مسيرة MQ-9.
تضع هذه المنشأة أبوظبي في موقف دقيق يتطلب موازنة شراكتها الأمنية العميقة مع الولايات المتحدة من جهة، وعلاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية مع بكين من جهة أخرى، إذ تصر واشنطن على فرض قيود وشروط أمنية صارمة للغاية لحماية التكنولوجيا الحساسة لطائرات F-35 من أي اختراق أو تجسس صيني محتمل، لا سيما مع تنامي العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية (مثل شبكات 5G من هواوي) بين الإمارات وبكين.
ورغم وجود تعاون وثيق في ملفات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي، إلا أن الفجوة الأمنية المتعلقة بالمشروع الصيني المفترض في ميناء خليفة تركت أزمة ثقة يصعب تجاوزها لدى المشرعين في الكونغرس الأمريكي حتى تاريخ اليوم.
في الجهة المقابلة، ظلت الصين الشريك التجاري الأول للإمارات منذ سنوات، فقد بلغت التجارة الثنائية بين البلدين 101.8 مليار دولار في عام 2024، ارتفاعًا من 80 مليار دولار في 2023، وسط توقعات بأن تتجاوز 200 مليار دولار بحلول عام 2030. ويقف خلف هذا النمو شبكة من أكثر من 14,500 رخصة تجارية صينية في الإمارات، وأكثر من 6,591 علامة تجارية صينية مسجلة، إضافة إلى أكثر من 148 اتفاقية ومذكرة تفاهم ثنائية في مجالات متعددة.
والتعاون بين البلدين تجاوز التجارة التقليدية ليشمل العملات الرقمية للبنوك المركزية، واتفاقية مقايضة عملات بقيمة 4.9 مليار دولار جُدّدت لخمس سنوات إضافية، وإنشاء أول صندوق استثماري مشترك بين الصين ودول الشرق الأوسط. وفي قطاع التكنولوجيا المتقدمة، انعقد في ديسمبر 2025 “منتدى رواد الأعمال الإماراتي-الصيني” في شنغهاي بمشاركة أكثر من 60 شركة صينية ناشئة في مجال التكنولوجيا المتقدمة، وُقّعت خلاله اتفاقيات تستهدف الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية المتقدمة.
هذه العلاقة الكثيفة تُربك واشنطن، خصوصًا في ملفات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية. غير أنّ أبوظبي تُصرّ على أنّ علاقتها مع بكين اقتصادية بحتة وليست بديلًا عن التحالف الأمني الوثيق مع واشنطن وتل أبيب- وهي معادلة قابلة للاستمرار طالما لم تتصاعد المواجهة الصينية-الأميركية إلى مستوى يفرض على الإمارات الاختيار.
وإذا كانت الصين الشريك الأول من حيث الحجم، فإنّ الهند تمثّل الشريك الأكثر تحالفًا من حيث العمق الاستراتيجي، فالعلاقة الإماراتية- الهندية تتجاوز التجارة لتشمل التعاون الأمني والدفاعي، بدليل التدريبات البحرية المشتركة (تمرين زايد طلوار / موجات الخليج)، وعقد منتدى الشراكة الصناعية الدفاعية الإماراتي- الهندي الثاني في يوليو 2025، الذي بحث الإنتاج المشترك وتبادل التكنولوجيا في مجالات الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي والمنصات البحرية.
كما تُشكّل الجالية الهندية الكبيرة في الإمارات (نحو 3.5 مليون شخص) رابطاً اجتماعيًا وثقافيًا يُعزّز من متانة العلاقة، أمّا اقتصاديًا، فإنّ الممر الإماراتي- الهندي يتوسّع اليوم نحو أسواق ثالثة في أفريقيا و”أوراسيا”، في إشارة إلى أنّ الطموح يتجاوز العلاقة الثنائية إلى بناء منظومة اقتصادية متعددة الأطراف.
هل تنفصل الإمارات عن المنظومة الخليجية؟
في 28 أبريل/نيسان 2026، أعلنت الإمارات قرارًا تاريخيًا بالخروج من منظمة أوبك ومن تحالف أوبك+ اعتبارًا من الأول من مايو/أيار، لتفقد المنظمة ثالث أكبر منتج للنفط فيها (نحو 5 ملايين برميل يوميًا من الطاقة الإنتاجية).
جاء الإعلان في توقيت بالغ الدلالة، بينما كان قادة الخليج يجتمعون في جدة في قمة وُصفت بأنها تستهدف “إظهار موقف خليجي موحّد” إزاء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واللافت أنّ الإمارات لم تشارك برئيسها محمد بن زايد في القمة، مكتفيةً بإيفاد وزير خارجيتها.
وصف مسؤول إماراتي رفيع القرار بأنه “جاء بعد فترة طويلة”، مشيرًا إلى أنّ النقاش حوله جرى داخل دوائر القرار الإماراتية وبين أبوظبي وواشنطن لسنوات، والقرار – في جوهره – ليس مفاجئًا بقدر ما هو تتويج لتباينات متراكمة بين الرياض وأبوظبي بشأن سياسات الإنتاج النفطي منذ عام 2020 على الأقل.
والخلاف بين الرياض وأبوظبي ليس وليد لحظة الحرب الأخيرة، فبحسب تحليلات المعهد الأطلنطي ومركز تشاتام هاوس، تكشّفت الخلافات منذ نوفمبر 2020، حين أرادت الإمارات زيادة الإنتاج بينما سعت السعودية إلى الإبقاء على الأسعار مرتفعة عبر تقليص العرض.
View this post on Instagram
يعود هذا التباين إلى اختلاف بنيوي، فالسعودية تحتاج إلى أسعار نفط مرتفعة لتمويل مشاريع رؤية 2030 الضخمة، بينما يتمتع الاقتصاد الإماراتي بتنوّع أكبر يجعله أقل اعتمادًا على ريع النفط. لاحقًا توسّع هذا الخلاف ليطال ملفات إقليمية متعددة:
– اليمن: استهدفت السعودية بشكل مباشر “المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في أواخر 2025 ومطلع 2026، في تصعيد علني نادر بين الحليفين.
– القرن الأفريقي: عارضت الرياض دعم أبوظبي لسلطات إقليم صوماليلاند.
– السودان: تباين الموقف من مليشيا الدعم السريع التي تتهم تقارير دولية الإمارات بدعمها.
– الحرب على إيران: دفعت أبوظبي في اتجاه استمرار الحملة الأميركية الإسرائيلية، بينما عملت الرياض على قنوات دبلوماسية لإنهاء الحرب.
على المدى القصير، يضع الخروج الإماراتي السعودية أمام عبء إضافي في تثبيت الأسعار العالمية، ويُضعف قدرة المنظمة على إدارة العرض النفطي. غير أنّ الإمارات نفسها تواجه تحديًا تقنياً، فخط أنابيب حبشان- الفجيرة الذي يلتفّ على هرمز يبلغ طاقته نحو 1.7 مليون برميل يوميًا، وهو يعمل قرب طاقته القصوى أصلًا، ما يعني أن مكاسب “حرية الإنتاج” قد تواجه سقفًا لوجستيًا في غياب بنية تحتية بديلة.
وعلى المستوى الاستراتيجي الأبعد، يكشف خروج الإمارات من أوبك عن انهيار بنية التحوّط الخليجية التي شُيّدت بين 2019 و2025، والقائمة على تنويع الشراكات الأمنية، والإبقاء على قنوات تواصل مع طهران، والانخراط مع بكين، والعمل ضمن أطر متعدّدة الأطراف كأوبك ومجلس التعاون.
شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الـ27 التي وقّعتها الإمارات بشكل ثنائي، وليس عبر مجلس التعاون الخليجي، تُمثّل بحد ذاتها بيانًا سياسيًا صامتًا يشير إلى أن الإمارات تبني سياستها التجارية بمعزل عن الإطار الخليجي الجماعي، وفي حين أن مجلس التعاون ما زال قائمًا مؤسسيًا، فإنّ ثقله في صناعة القرار الاقتصادي الفردي للدول الأعضاء يتراجع بوضوح.
هذا التحوّل يطرح سؤالًا عن مستقبل المشروعات التي كثيرًا ما كانت محل نقاش في أروقة المجلس مثل العملة الخليجية الموحّدة، والسوق المشتركة، والاتحاد الجمركي – وهي مشاريع تباطأت أصلًا، لكنّ خروج الإمارات من أوبك يجعل احتمالات إحيائها أكثر صعوبة.
هل تستطيع الإمارات الهروب من الجغرافيا؟
تكشف القراءة المعمقة للمسارات الجديدة للسياسة الإماراتية في عصر “ما بعد هرمز” عن استراتيجية جريئة وحيوية، إلا أنها تنطوي في الوقت نفسه على مأزق بنيوي ثلاثي الأبعاد يهدد استدامة هذا النموذج التنموي على المدى الطويل:
أولًا، تبرز ثنائية الاقتصاد والأمن المتنافرة، فالإمارات لا يمكنها الاستغناء عن العمق الاقتصادي والمالي والتكنولوجي الهائل لآسيا، وتحديدًا الصين والهند، لتمويل نموذجها بعد النفط وتصدير خاماتها بحرية. ومع ذلك، فإن بقاءها المادي وحماية أجوائها ومياهها من التهديدات الإقليمية الإيرانية المباشرة يظل معلقًا إلى حد كبير بالترتيبات العسكرية والدفاعية مع الولايات المتحدة والغرب.
ومع اشتعال الصراع التكنولوجي والسياسي البارد بين واشنطن وبكين، فإن مساحة المناورة لسياسة الانحياز المتعدد تضيق باستمرار، وقد تضطر الدولة في أي لحظة لدفع أثمان باهظة بالاختيار القسري بين أمنها العسكري ومستقبلها التكنولوجي إذا تصاعدت المواجهة الأميركية- الصينية في الأعوام المقبلة، خصوصًا في ملف أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
ثانيًا، تظهر محدودية خطط التهرب من الجغرافيا، فرغم الأهمية الاستراتيجية لتشييد ممر الأنابيب البري الجديد نحو الفجيرة لتفادي مضيق هرمز ومخاطره، فإن البنية التحتية البديلة لا تمنح الدولة حصانة دفاعية كاملة. فالفجيرة مثلًا بموانئها ومستودعاتها لتخزين الاحتياطيات الدولية المشتركة، تظل تقع تحت رحمة التهديدات الصاروخية ومسيرات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الإقليمية الحليفة له. وبالتالي، فإن الجغرافيا لا يمكن التغلب عليها تمامًا عبر تشييد الأنابيب إذا افتقرت الدولة للردع العسكري التقليدي القادر على منع الهجمات من الانطلاق من منشئها.
ثالثًا، خطر العزلة الخليجية نتيجة التفرّد بالقرارات، فعندما تتبنى الإمارات سياسة نفطية واقتصادية مستقلة تمامًا (مثل انسحابها من أوبك وأوابك) وتنافس السعودية مباشرة في ملفات إقليمية كالتجارة والنفوذ في اليمن وأفريقيا، فإنها تبتعد تدريجيًا عن العمل الخليجي المشترك.
هذا التوجه قد يحرم أبوظبي من الدرع الجماعي لمجلس التعاون الخليجي، وهو التحالف الذي كان دائمًا يحميها سياسيًا ودبلوماسيًا. وفي إقليم يتصف بالفوضى البنيوية – حيث الحرب على إيران مستمرة، والساحات اليمنية والسودانية ملتهبة، والمحور الإسرائيلي يتمدد، والأمن البحري في البحر الأحمر والخليج العربي مهدد – قد تجد الإمارات نفسها وحيدة ومكشوفة استراتيجيًا أمام القوى الإقليمية الأكبر (إيران، تركيا، إسرائيل، وحتى السعودية ذاتها كقوة إقليمية موازنة)، دون امتلاك عمق جغرافي يُتيح لها مساحة مناورة، أو ثقل ديموغرافي يحمي منجزاتها الاقتصادية الضخمة في لحظات الأزمة. هذا إلى جانب الاتهامات الموجهة إليها بالتورط في تأجيج الصراعات الإقليمية.
والرهان على التحالف مع واشنطن وتل أبيب، وعلى شبكة من الشراكات الآسيوية المتعدّدة، لا يشكل بالضرورة بديلًا كافيًا عن مظلة إقليمية متماسكة، فالقوى الكبرى تتحرّك وفق مصالحها، والشركاء البعيدون لا يستطيعون توفير الحماية الفورية التي يوفّرها الإجماع الإقليمي، كما أنّ الأصول الإماراتية المنتشرة عالميًا (الموانئ، الاستثمارات السيادية، الطيران المدني، البنية الرقمية) تُصبح أكثر عرضة للاستهداف الرمزي أو المباشر كلّما اتسعت الفجوة مع المحيط الإقليمي.
أخيرًا، يقوم النموذج الإماراتي على ثلاث ركائز: دولة صغيرة منفتحة على العالم، اقتصاد لا يعتمد على النفط وحده، وشراكات مع دول عديدة في وقت واحد. ولكي ينجح هذا النموذج، يحتاج إلى شرطين أساسيين، أولهما أن تكون المنطقة هادئة نسبيًا، والثاني أن يكون العالم موزّعًا بين عدة قوى كبرى لا قوة واحدة مهيمنة (متعدد الأقطاب).
المشكلة التي ستواجه أبوظبي أن العالم اليوم يسير في الاتجاه المعاكس: حروب تتوسّع، وانقسامات تتعمّق، واصطفافات حادة بين المعسكرات، وكلّما زادت هذه الاضطرابات زادت المخاطر على الإمارات، لأن انفتاحها وشراكاتها المتعددة تعني أن كل ما يحدث في الخارج يمكن أن يتمدد إلى الداخل بسرعة.
تراهن الإمارات على تنوع الشركاء بحيث لا تعتمد على طرف واحد، وضخامة احتياطياتها المالية التي تعتقد أنها كفي لامتصاص أي أزمة، لكنّ التاريخ يقدم درسًا مختلفًا مفاده أن الدول الصغيرة التي تتخذ قراراتها منفردة في محيط مضطرب، غالبًا ما تدفع ثمنًا باهظًا عندما تتغير موازين القوى من حولها، فالحجم الصغير يعني هامش خطًأ ضيقًا، والانفراد بالقرار يعني غياب من يشاركك تحمل الكلفة حين تأتي اللحظة الصعبة.