في السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الجيش ومليشيات الدعم السريع، بل تحولت أيضًا إلى أزمة أسماء وهوية، بعد أن اختفى آلاف الأشخاص ودُفنت أعداد كبيرة من الجثامين على عجل، في قبور مؤقتة أو غير معلمة، من دون توثيق كافٍ يربط الجثمان باسمه.
حتى أواخر مارس/آذار 2026، تجاوز عدد حالات المفقودين التي يتعامل معها الهلال الأحمر السوداني واللجنة الدولية للصليب الأحمر 11 ألف حالة، تشمل حالات داخل السودان وخارجه، وبعضها سابق للحرب الحالية، بحسب المنظمة الأخيرة.
أما خلال الحرب نفسها التي بدأت منتصف أبريل/نيسان 2024، فتشير أسوشيتد برس إلى أكثر من 8 آلاف مفقود، في رقم لا يعكس بالضرورة الحجم الكامل للأزمة، لأن كثيرًا من العائلات لا تستطيع الإبلاغ أو لا تعرف أين تبحث.
ومع نزوح أكثر من 11 مليون شخص وتضرر المشارح والمختبرات والسجلات، أصبح البحث عن المفقودين مهمة شديدة التعقيد. فما خريطة الاختفاء في السودان؟ من هم المفقودون؟ وكيف تبدأ عملية البحث والتوثيق من بلاغ العائلة حتى محاولة استعادة الاسم؟
خريطة الاختفاء والمختفين في السودان
تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تلقت أكثر من 8300 طلب للبحث عن مفقودين منذ أبريل/نيسان 2023 وحتى مارس/آذار 2026، وجرى حل نحو 1100 حالة فقط.
لكن الواقع أوسع من هذه الأرقام، إذ يشير مسؤولو الإغاثة إلى أن كثيرًا من العائلات لا تستطيع أو لا تجرؤ على تقديم بلاغات بسبب النزوح أو الخوف من السلطات.
وبالتالي، لا يمكن إنتاج رقم نهائي للمفقودين، فأعدادهم تتغير مع استمرار القتا وانهيار الاتصالات وسيطرة مجموعات مسلحة مختلفة على مناطق واسعة.
أين تتركز الاختفاءات؟
ولاية الخرطوم: تضم العاصمة وأم درمان والخرطوم بحري. وبعد المعارك، اكتظت الشوارع ومحيط المنازل وملاعب ومواقع عامة بقبور مؤقتة، ونقلت السلطات نحو 30 ألف جثمان من أصل 50 ألفًا دُفنت على عجل.
وتتداخل أسباب الاختفاء هنا بين القصف والاشتباكات والنزوح والاحتجاز غير المعلن، بينما يصعب لاحقًا ربط كثير من الجثامين بأسماء أصحابها بسبب الدفن السريع وغياب التوثيق.
إقليم دارفور: تعرضت مدن مثل الفاشر ونيالا وزالنجي لهجمات وحصار طويل ونزوح واسع. وفي الفاشر، أفادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن عشرات الآلاف فرّوا أو تشتتوا بعد تصاعد القتال، مع بقاء أعداد غير معروفة عالقة أو غير مسجلة.
هنا تتداخل أسباب الاختفاء بين العنف الميداني، والاحتجاز، والنزوح، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة وصول العائلات أو المنظمات إلى أماكن البحث.
ولايات كردفان والجزيرة وسنار: شهدت هذه المناطق قتالًا متقطعًا وجوعًا واسعًا، لكن توثيق المفقودين أقل دقة، فقد هرب العديد من السكان من قراهم إلى مناطق أخرى أو عبر الحدود، ما يجعل تتبع مصيرهم أكثر تعقيدًا.
من هم المفقودون؟
المفقودون الأحياء: أشخاص انقطعت أخبارهم، قد يكونون نازحين في مناطق نائية أو محتجزين لدى إحدى القوى المسلحة، ولا تعلم أسرهم مكانهم، ويعدّ هؤلاء مفقودين حتى تثبت جهة رسمية مكانهم.
المحتجزون مجهولو الموقع: أفراد احتجزتهم جهة مسلحة أو حكومية ولم تبلغ أسرهم بمكانهم، فيتداخل وضعهم بين الاختفاء القسري والاعتقال السياسي.
الجثامين مجهولة الهوية: جثث لا يمكن التعرف على أصحابها بالطرق العادية وتحتاج إلى تحاليل الحمض النووي. وينص القانون النموذجي للبحث عن المفقودين على ضرورة الحفاظ على سجلات هذه الجثامين حتى التوصل لهويتها.
قبور بلا أسماء: أماكن دفن لا تحمل لوحات تعريف ولا تُسجَّل في السجلات الرسمية، وعادة ما تكون نتيجة دفن متعجل أثناء القتال.
مواقع الدفن الجماعي: نشرت العديد من التقارير عن اكتشاف مواقع دفن جماعي وخاصة في بعض أحياء أم درمان.
لماذا يصعب تحديد رقم نهائي؟
يكمن السبب الأبرز في تعدد سلطات السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة، إذ تختلف طرق الدفن والتوثيق بين المناطق التي يسيطر عليها الجيش وتلك الخاضعة لمليشيات الدعم السريع أو حركات محلية.
إضافة إلى ذلك، أدى فرار الملايين إلى الخارج أو إلى مخيمات داخلية إلى تقليل البلاغات المسجَّلة، فكثير من الأسر لا تعلم بوجود آلية للبلاغ، أو تخشى عواقب التواصل مع الجهات الرسمية.
كما أن تدمير سجلات المستشفيات والمشارح وغياب قاعدة بيانات موحدة يعرقل أي محاولة لتجميع الأرقام.
مراحل البحث والتوثيق
لا تجري عملية البحث عن المفقودين في السودان ضمن مسار واحد منظم دائمًا. في الظروف الطبيعية، يفترض أن تبدأ ببلاغ من العائلة، ثم تسجيل البيانات، ثم مطابقة البلاغات مع الجثامين أو المحتجزين أو الناجين.
لكن الحرب قطعت كثيرًا من هذه الحلقات، فبعض المناطق لا يمكن الوصول إليها، وبعض الجثامين دُفنت قبل توثيقها، وكثير من العائلات نزحت أو فقدت الاتصال بالجهات التي يمكن أن تسجل بلاغاتها.
1. البلاغ وتسجيل الحالة
حين يختفي شخص، تبدأ العائلة غالبًا البحث عبر الأقارب والجيران والمستشفيات ومراكز النزوح، وقد تلجأ، حيثما أمكن، إلى الهلال الأحمر السوداني أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو السلطات المحلية لتسجيل بلاغ.
وتشمل البيانات المطلوبة عادة: الاسم الكامل، العمر، صورة حديثة، آخر مكان شوهد فيه، الملابس التي كان يرتديها، العلامات الجسدية المميزة، رقم الهاتف، وأسماء الأشخاص الذين كانوا معه.
لكن تسجيل هذه البيانات لا يحدث دائمًا بصورة مكتملة، فبعض العائلات نزحت، وبعضها يخشى الإبلاغ، وبعض المناطق لا توجد فيها جهة قادرة على استقبال البلاغات أصلًا.
وفي الحالات التي يُسجل فيها البلاغ لدى جهة منظمة، قد تحصل العائلة على رقم أو مرجع للمتابعة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود قاعدة بيانات وطنية موحدة يمكن أن تربط كل البلاغات بالجثامين أو المحتجزين.
2. البحث الأولي وتحديد المواقع
بعد تسجيل البلاغ، تبدأ مرحلة البحث الأولي، وغالبًا ما تتم بوسائل محدودة: سؤال الناجين، مراجعة المستشفيات والمشارح، البحث في مخيمات النزوح، أو التواصل مع أشخاص بقوا في المنطقة التي اختفى فيها الشخص.
وفي المناطق التي شهدت قصفًا أو اشتباكات، قد تظهر قبور مؤقتة أو جثامين دُفنت على عجل قرب منازل أو طرق أو ملاعب.
هنا تحاول الفرق المحلية أو المتطوعون، إذا سمحت الظروف الأمنية، تسجيل موقع الدفن، وتصوير المكان، وتوثيق أي متعلقات أو علامات يمكن أن تساعد لاحقًا في التعرف إلى الجثمان.
لكن هذه المرحلة هي الأكثر هشاشة، فكثير من مواقع الدفن لم تُوثق منذ البداية، وبعضها فُتح أو نُقل بعد تغيّر السيطرة على المنطقة، ما يصعّب ربط الجثمان باسم صاحبه.
3. الفحص الطبي العدلي
عند العثور على جثمان، يفترض أن يُنقل إلى مشرحة أو نقطة فحص، إذا كانت المنشآت ما تزال تعمل. وهناك يجرى فحص أولي لتقدير العمر، والجنس، والطول، وسبب الوفاة المحتمل، مع تسجيل الملابس والمتعلقات والعلامات الجسدية.
لكن في السودان، لا تتوفر هذه الإمكانية دائمًا، فقد خرجت مشارح من الخدمة، وتضررت منشآت طبية، وتراجع عدد المختصين في الطب العدلي. لذلك قد يُفحص بعض الجثامين ميدانيًا أو يُعاد دفنه برقم مؤقت بدل اسم، بانتظار إمكانية فحصه لاحقًا.
4. عينات الحمض النووي
في الحالات التي لا تكفي فيها الملابس أو المتعلقات أو ملامح الجثمان للتعرف إليه، تصبح عينات الحمض النووي وسيلة أساسية. فقد تؤخذ عينة من العظم أو الشعر أو الأسنان من الجثمان، وتُقارن لاحقًا بعينات من أقارب محتملين.
لكن هذه الخطوة تواجه أكبر عائق في السودان: تضرر أو تعطل مختبرات كان يمكن استخدامها لفحص الحمض النووي، إضافة إلى نقص الإمكانات والكوادر. لذلك قد تُحفظ العينات أو تُرقّم بدل تحليلها فورًا، على أمل مطابقتها لاحقًا إذا توفرت المختبرات أو الدعم الدولي.
بمعنى آخر، أخذ العينة لا يعني أن الهوية ستُعرف فورًا؛ أحيانًا تكون العينة مجرد وعد مؤجل بإمكانية التعرف.
5. المطابقة وإخطار الأسر
إذا توفرت بيانات كافية، تبدأ محاولة المطابقة بين بلاغات العائلات وما سُجل عن الجثامين: مكان العثور، الملابس، المتعلقات، العلامات الجسدية، أو نتائج الحمض النووي إن وجدت.
وفي الحالات التي يثبت فيها التطابق، يمكن إبلاغ العائلة وتوثيق الوفاة أو إعادة الدفن باسم معروف. أما إذا كانت الأدلة ناقصة، فقد تبقى الهوية “محتملة” لا مؤكدة، أو يُدفن الجثمان كـ”مجهول الهوية” مع الاحتفاظ برقم أو عينة أو وصف قد يفيد لاحقًا.
لكن كثيرًا من الحالات لا تصل إلى هذه المرحلة أصلًا، بسبب غياب السجلات أو تشتت العائلات أو عدم وجود مختبرات كافية أو ضياع معلومات الجثمان عند الدفن الأول.
أبرز معيقات التعرف على المفقودين
تعاني العملية من عوائق جسيمة نلخصها في النقاط التالية:
1- غياب معامل الحمض النووي: دُمرت وحدات DNA أو نُهبت على يد مليشيات الدعم السريع. لذا تُدفن العينات في قبور منفصلة بدلًا من تحليلها، ما يطيل انتظار الأسر ويزيد نسبة المجهولين.
2- نقص الكوادر والمنشآت: لا يوجد سوى طبيبين شرعيين في الخرطوم بعد خروج أربع مشارح عن الخدمة وتدمير مشرحة أم درمان. هذا يبطئ الفحص ويؤدي إلى تراكم الجثث.
3- الدفن العاجل دون توثيق: أثناء القصف، يدفن المدنيون قتلاهم بسرعة خوفًا من الأمراض، ما يؤدي إلى قبور بلا أسماء. هذه الممارسة تجعل عملية التعرف لاحقًا شبه مستحيلة.
4- تعدد أطراف الصراع: ينتقل الباحثون بين مناطق خاضعة للجيش وأخرى تحت سيطرة مليشيات الدعم السريع أو جماعات محلية، مما يعطل الوصول إلى بعض المواقع ويمنع توحيد إجراءات التوثيق.
5- نزوح الأسر: نزح أكثر من 11 مليون شخص، كثير منهم لا يستطيع العودة لتقديم بلاغ أو المشاركة في التعرف على الجثة. كما تُعيق انقطاعات الاتصالات جمع البيانات.
6- غياب قاعدة بيانات وطنية: تعمل اللجنة الدولية والهلال الأحمر ولجان المقاومة على قواعد منفصلة، ومن هنا فإن غياب التنسيق يؤدي إلى فقدان المعلومات أو تكرارها.
وتتجاوز أزمة المفقودين في السودان حدود الأرقام، فهي أزمة هوية تضع آلاف الأسر بين انتظار يطول وقبر بلا شاهد.
ولذلك فإن إدراك الفوارق بين مفقود حي، ومحتجز مجهول الموقع، وجثمان بلا اسم، ضروري لفهم مدى تعقيد القضية. ومع تعدد مناطق السيطرة وغياب مؤسسات رسمية موحدة، يبقى العثور على الحقيقة والعدالة تحديًا هائلًا.