في ميناء اللاذقية، على الساحل السوري للبحر المتوسط، لا تكفي رؤية الحاويات وهي تنزل من السفن للحكم على عودة التجارة، فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الرصيف: هل تستطيع البضائع الوصول بانتظام إلى المدن، أم أن الطريق إلى الداخل سيظل الحلقة الأضعف؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة في مايو/أيار 2026، بعدما وقّعت الحكومة السورية اتفاقًا مع شركة الشحن الفرنسية CMA CGM لتشغيل مراكز لوجستية داخلية في عدرا قرب دمشق وفي حلب.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إطلاق قطار تجريبي لنقل الحاويات من اللاذقية إلى عدرا بعد أكثر من 14 عامًا من توقف حركة الشحن السككي على هذا المسار.
ولا يعني الحدثان أن الطريق عاد بالكامل لكنهما يكشفان محاولة سورية لإعادة بناء حلقة كانت شبه مكسورة بين الميناء والداخل: ميناء بحري يستقبل الحاويات، ومراكز داخلية تخزن وتفرز وتخلّص وتوزع، وقطار يختبر قدرة السكك على نقل البضائع بدل حصرها في الشاحنات.
لكن هل يكفي توقيع الاتفاق وتشغيل قطار واحد لعودة الطريق إلى سابق عهده؟ أم أن التحدي يتجاوز العقد الورقي إلى إصلاح السكك والطرق والجمارك، وتأمين التمويل والمعدات، وتوفير خدمة نقل منتظمة؟ هذا التقرير يشرح القصة عبر ثلاث حلقات: المشكلة والحل والاختبار.
لماذا لا يكفي تشغيل ميناء اللاذقية وحده؟
لفهم القصة، يجب ترتيب الأحداث زمنيًا:
- لشركة CMA CGM حضور قديم في محطة حاويات ميناء اللاذقية منذ عام 2009.
- في مايو/أيار 2025، وقّعت الشركة عقدًا طويل الأمد لمدة 30 عامًا مع دمشق لتحديث وتشغيل محطة الحاويات بالميناء، باستثمار بلغ 230 مليون يورو.
- في نفس الشهر من عام 2026، أضيفت حلقة جديدة: اتفاق لتشغيل مرفأين جافين، في المنطقتين الحرتين في عدرا بريف دمشق وفي حلب، وذلك بهدف تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية في البلاد بالتزامن مع تجربة قطار حاويات بين اللاذقية وعدرا.
بهذه الصورة، لم تعد القصة مقتصرة على الرصيف البحري، بل صارت عن مسار كامل للحاوية من الساحل إلى الداخل. ففي الوضع الطبيعي، يجب ألا تبقى الحاوية طويلًا على الرصيف، فإما تُخلّص سريعًا، أو تُنقل إلى الداخل عبر شاحنة أو قطار، ثم تصل إلى مستورد أو مصنع أو سوق.
لكن هنا يظهر الاختناق، فالميناء البحري يستطيع استقبال الحاويات فقط، أما نقلها إلى دمشق أو حلب فيحتاج إلى شبكة أخرى: سكك تعمل بانتظام، طرق برية قابلة للحركة، جمارك سريعة، شاحنات متاحة، ونقاط تفتيش لا تعطل الرحلة. وإذا تعطلت أي حلقة من هذه السلسلة، تتحول الحاوية من بضاعة متحركة إلى كلفة إضافية في التخزين والنقل والتأخير.
خلال سنوات الثورة، تضررت شبكة النقل السورية بشدة، فالسكك الحديدية التي كانت تمتد لنحو 2800 كيلومتر لم يعد يعمل منها إلا جزء محدود، فيما تحدثت تقديرات وتصريحات سورية عن حاجة الشبكة إلى مليارات الدولارات لإعادة التأهيل.
وهذا يعني أن الحاوية تصبح غالبًا رهينة الشاحنات والطرق الطويلة وكلفة الوقود والصيانة والانتظار بدل أن تنتقل بقطار منتظم من الساحل إلى الداخل.
ولا يتوقف الاختناق عند السكك، فالنقل البري بين الساحل والداخل يواجه طرقًا متضررة بفعل الحرب والإهمال، ورسومًا وكلفة تشغيل مرتفعة. كما أن الجمارك القديمة كانت تُعد من أكثر حلقات التجارة تعقيدًا، بسبب كثرة الإجراءات وتعدد الجهات وتفاوت زمن التخليص.
حتى مع صدور تعديلات وإجراءات جديدة لتنظيم العمل الجمركي، يبقى الاختبار الحقيقي في التطبيق: هل تستطيع الحاوية أن تتحرك من الميناء إلى الداخل بلا انتظار طويل؟
بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في ميناء اللاذقية وحده، فالحاوية التي تصل إلى الساحل لا تفيد مصانع دمشق أو تجار حلب إذا بقيت محصورة في الرصيف أو احتاجت أيامًا وأسابيع لتجد طريقها إلى الداخل. لذلك تبدو القصة في جوهرها محاولة لإصلاح ما بعد الميناء.
ماذا تضيف عدرا وحلب إلى ميناء اللاذقية؟
تكمن فكرة اتفاق عدرا وحلب في نقل جزء من وظيفة الميناء إلى الداخل، فبدل أن تبقى كل عمليات التخزين والفرز والتخليص والتوزيع مرتبطة باللاذقية وحدها، يمكن أن تتحرك الحاويات إلى مراكز داخلية أقرب للأسواق والمصانع، تعمل كامتداد بري للميناء البحري أو ما يُعرف بالموانئ الجافة.
في عدرا، تصبح الحاوية أقرب إلى دمشق ومناطقها الصناعية وأسواقها الكبرى، فبدل أن يرسل التاجر أو المصنع شاحناته إلى اللاذقية لإنهاء كل خطوة، يمكن أن تصل إلى مركز داخلي وتُفتح ملفاتها الجمركية، وتُخزن مؤقتًا، وتُفرز حمولتها، ثم تُوزع على المصانع أو التجار في دمشق وريفها.
أما حلب، فهي مختلفة في وظيفتها، فقد كانت تُعد القلب الصناعي للشمال السوري، وما يزال أي تحريك لصناعاتها فيها يحتاج إلى قناة أسرع وأقرب لاستقبال المواد الخام والآلات والبضائع.
ولذلك فإن وجود مركز لوجستي فيها يعني محاولة ربط الشمال بمسار بضائع لا ينجز كل مراحله على الساحل، بل ينقل جزءًا من التخزين والتخليص والتوزيع إلى داخل المدينة أو قرب منطقتها الصناعية.
بهذا المعنى، لا تضيف عدرا وحلب مباني تخزين فقط، بل “نقاط معالجة” داخلية للبضائع، فالحاوية لا تصل إلى هناك لتُركن فحسب، بل لتدخل في دورة عمل جديدة: تخزين، فرز، تخليص، تجميع، ثم توزيع.
وإذا نجحت هذه الدورة، يخف الضغط عن ميناء اللاذقية، ويتحول الميناء البحري إلى بداية للرحلة لا نقطة ازدحام.
لكن نجاح هذه المراكز لا يتوقف على اسمها، بل على ما يحيط بها، فالميناء الجاف لا يعمل فعليًا إلا إذا وصلته القطارات أو الشاحنات بانتظام، ووجدت داخله إجراءات جمركية سريعة، واستطاع التجار والمصانع استخدامه بكلفة وزمن أقل من إبقاء البضاعة في الساحل أو نقلها بطريقة متقطعة.
وحتى الآن، لم تُعلن بالكامل تفاصيل الطاقة التشغيلية لهذه المراكز، ولا كلفة خدماتها، ولا موعد تحولها إلى حلقة منتظمة في طريق البضائع.
هل يتحول قطار اللاذقية–عدرا إلى خط منتظم؟
في 19 مايو/أيار 2026، انطلق قطار حاويات تجريبي من ميناء اللاذقية إلى عدرا، حاملاً 20 حاوية بينها حاويات مبردة، وفق ما أعلنته المصادر السورية.
أهمية هذه التجربة ليست في عدد الحاويات فقط، بل في أنها اختبرت لأول مرة منذ سنوات طويلة فكرة نقل البضاعة من الرصيف البحري إلى مركز داخلي عبر السكة.
لكن التجربة شيء والخدمة المنتظمة أمر آخر، فقطار واحد يمكن أن يثبت أن الخط قابل للحركة، لكنه لا يثبت أن هناك طريق بضائع عاد للعمل.
إذ تحتاج الخدمة المنتظمة إلى:
- سكك آمنة وإشارات
- قاطرات وعربات قابلة للصيانة
- جدول رحلات واضح
- تنسيق بين الميناء والسكك والجمارك والمركز اللوجستي في عدرا
وإذا نجح القطار بالتحول إلى خدمة متكررة، فيمكن أن يخفف الاعتماد على الشاحنات، ويقلل الضغط على الطرق، ويجعل نقل الحاويات أكثر انتظامًا.
لكنه لن يؤدي هذا الدور إذا بقيت رحلة تجريبية تُشغّل عند الحاجة فقط. لذلك فالسؤال العملي ليس: هل وصل القطار إلى عدرا؟ بل: هل سيصبح هناك خط حاويات يعمل بانتظام بين اللاذقية والداخل؟
وسيكون توسيع التجربة نحو حلب خطوة أكثر تعقيدًا، فربط هذه المدينة بالمسار يعني تأهيل خطوط أطول، وضمان الأمن، وربط المركز اللوجستي بشبكة السكك أو الطرق، وتوفير حجم تجارة يكفي لتشغيل الخدمة.
ولا تتعلق العقبات بالسكك وحدها، فبعد رفع الجزء الأكبر من العقوبات الغربية عن سوريا، لم تعد المشكلة حظرًا عامًا كما كانت، بل قدرة النظام اللوجستي والمالي على العودة للعمل.
وعلى الرغم من أن دور CMA CGM واضح في تشغيل محطة الحاويات والمراكز اللوجستية، فإن تحويل القطار إلى خدمة مستدامة يبقى مرتبطًا بالمؤسسة السورية للسكك، وبالتمويل، وبقدرة الأجهزة الحكومية على التنسيق بين الميناء والجمارك والمراكز الداخلية.
لذلك لا يقاس نجاح التجربة بعدد الحاويات التي وصلت إلى عدرا، بل بقدرة هذا المسار على التكرار: قطار منتظم، إجراءات واضحة، وبضاعة تصل في موعد يمكن للتاجر والمصنع الاعتماد عليه.