• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

ريتشارد ميلن٢٥ مايو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

في وقت تعصف فيه أزمة مضيق هرمز بالاقتصاد العالمي، تتسابق القوى الدولية لتأمين الممرات المائية الأخرى المعرضة للتهديد.

في عام 405 قبل الميلاد، استهدف الإسبرطيون بقيادة ليساندر الممر الضيق المعروف الآن باسم “الدردنيل”، لقطع إمدادات الحبوب الرئيسية عن أثينا، وأسفرت المجاعة الناجمة عن ذلك عن استسلام الإمبراطورية الأثينية. واليوم، تشكل هذه المضائق والممرات الضيقة نقطة ضعف رئيسية لحركة التجارة البحرية العالمية. فبينما تبحر السفن عبر هذه الممرات الضيقة، تُواجه مخاطر جمة تتراوح بين القرصنة والمسلحين وصراع القوى الكبرى الساعية لفرض سيطرتها.

تتجلى نقاط الضعف هذه بوضوح الآن في مضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرضه 30 ميلاً عند أضيق نقطة فيه، ويعد المنفذ البحري الوحيد للخليج الغني بالنفط. وعقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في شباط/ فبراير، أعلنت طهران فرض سيطرتها على المضيق وردت واشنطن بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية. وقد دفعت صدمة الطاقة الناجمة عن هذا التصعيد الشركات والحكومات إلى الهروب نحو تحديد الاختناقات الأخرى في حركة التجارة البحرية وتقييم مدى تأثرها بها. وحتى قبل اندلاع أزمة مضيق هرمز، كانت الاضطرابات في الممرات البحرية الحيوية تؤثر على تجارة تُقدر بنحو 190 مليار دولار سنوياً، مسببةً خسائر اقتصادية تصل إلى 14 مليار دولار، وذلك وفقاً لتقديرات باحثين في جامعة أكسفورد.

وقد عرّف الباحثون هذه الممرات بأنها “قنوات أو ممرات أو مضائق استراتيجية تتدفق عبرها حركة تجارية ضخمة”. وعلى الرغم من أن بعضها يتكون من قنوات مائية ضيقة، إلا أن أمثلة أخرى شملتها دراسة أكسفورد، على غرار رأس الرجاء الصالح، تشهد تكدساً لأعداد هائلة من السفن التجارية معاً في مسار ضيق. ويشير الخبراء إلى أن التوترات الجيوسياسية المتزايدة تلقي بظلالها على هذه الممرات البحرية الحيوية. في هذا الصدد، يقول فينست كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة “ميرسك”، ثاني أكبر خط لشحن الحاويات في العالم: “لقد تم تحويل بعض هذه الطرق التجارية إلى سلاح بدرجة لم نشهدها من قبل”.

هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً بالسيطرة على قناة بنما. ويرى لارس جينسن، مؤسس شركة “فيسبوتشي ماريتيم” للاستشارات، أن هذا التهديد – الذي لم ينفذ بعد – قد يدفع الصين إلى إعادة النظر في مقترحات لإنشاء ممر مائي منافس يمر عبر نيكاراغوا. ويضيف: “الأمر يتجاوز مجرد قطاع الشحن، إنها لعبة جيوسياسية طويلة المدى”.

وفقاً لباحثين في معهد “تشاتام هاوس” للدراسات، فإن ثمة “مناورة نفوذ” أخرى شهدتها الممرات المائية تمثلت في التدريبات البحرية المشتركة بين روسيا والصين قبالة ساحل جنوب أفريقيا على المحيط الهندي في كانون الثاني/ يناير وهي إشارة واضحة إلى إمكانية ممارسة الضغط على طرق التجارة العالمية وعلى الولايات المتحدة على حد سواء.

وفقاً لـ “تشاتام هاوس”، يعد المحيط الهندي نقطة احتكاك ساخنة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، حيث يمر عبره ثلثا النفط وثلث البضائع العالمية. وأشار المعهد إلى أن الدول التي شاركت في تلك التدريبات أو راقبتها – وهي مصر، وإثيوبيا، وإندونيسيا، والإمارات العربية المتحدة، وجنوب أفريقيا – “تقع جميعها بالقرب من الممرات البحرية الرئيسية في المحيط الهندي أو على طولها”.

من جانبها، ترى نيتيا لابه، الزميلة في المعهد، أن برنامج البنية التحتية والاستثمار العالمي الصيني “الحزام والطريق” “كان يستهدف دائماً تحوّط بكين ضد قيام الولايات المتحدة بإغلاق الممرات البحرية”، حيث تسعى الصين لإيجاد خطوط إمداد بديلة في حال حدوث أي اضطرابات. وتضيف لابه: “مع تزايد الارتباط بين التجارة والأمن، فإن السيطرة على هذه الطرق قد تصوغ مستقبل الاقتصاد السياسي الدولي”.

الطريق الأطول تفادياً للمخاطر

تعتمد تداعيات إغلاق أي ممر مائي على حجم التجارة المارة عبره، وما إذا كان يُستخدم لإمدادات الوقود، ومدى اعتماد دول معينة عليه، والأهم من ذلك: توافر طرق بديلة. يقول لاس كريستوفرسن، الرئيس التنفيذي لشركة “والينيوس فيلهلمسن” – وهي مجموعة شحن نرويجية متخصصة في نقل المركبات – إن سفنه غيرت مسارها لتقطع آلاف الأميال حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا بدلاً من عبور قناة السويس، وذلك بسبب هجمات المسلحين الحوثيين في اليمن، والذين بدؤوا باستهداف السفن في المنطقة عام 2023. وأكد أن شركته لن تساوم على عامل السلامة والأمان. ويوضح كريستوفرسن أن “الممر ليس مغلقاً مادياً، بل هو الخوف من حدوث مكروه… إنه تأثير نفسي أكثر منه مادي”.

أدى تحويل مسار ناقلات النفط وسفن الحاويات، مثل سفن شركة كريستوفرسن، لتجنب الحوثيين قفزة في أسعار الشحن، لكن شركات الشحن تكيفت مع الوضع عبر إعادة تنظيم الجداول الزمنية وإرسال سفنها عبر طريق رأس الرجاء الصالح. في المقابل، تسلك بعض السفن الصينية المسار الأقصر عبر قناة السويس دون أن تتعرض للهجوم، على الرغم من عدم وجود أدلة على اتفاق رسمي مع الجماعة المسلحة، وذلك حسب محللين في منصة “لويدز ليست”.

على الرغم من تسجيل عودة حذرة للملاحة عبر مضيق باب المندب في البحر الأحمر أوائل عام 2026، إلا أن العديد من شركات الشحن لا تزال توجس خيفة، قلقة من احتمال أن يستلهم الحوثيون الخطوة الإيرانية لمعاودة الهجمات. وفي دلالة واضحة على الأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق، تحتضن جيبوتي، التي تطل سواحلها على هذا الممر المائي، قواعد عسكرية لعدة دول كبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا واليابان، بالإضافة إلى القاعدة الوحيدة لجيش التحرير الشعبي الصيني خارج الصين.

يعد مضيق باب المندب من بين عدة ممرات تجارية يؤدي إغلاقها إلى إجبار السفن على قطع مسافات إضافية تتجاوز 8,000 ميل، وتشمل هذه الممرات أيضاً مضيق جبل طارق وقناتي السويس وبنما. مع ذلك، يرى أودون هالفورسن، مدير الجاهزية في جمعية مالكي السفن النرويجية، أن وجود طريق بديل يعد أمراً حيوياً، حتى لو كان يتضمن رحلة شاقة وطويلة. ويقول: “طالما أنك تملك بديلاً حقيقياً، فإنه يمكن التخفيف من حدة الأزمة”. وأشار إلى أن تكاليف الشحن لا تمثل سوى جزء صغير من السعر النهائي للسلع، لذا فحتى لو تضاعفت تكلفة النقل مرتين أو ثلاثاً، فإن المستهلكين لن يشعروا سوى بأثر طفيف.

لكن الآثار الارتدادية لانسداد الممرات تكون أكثر خطورة بكثير عندما لا يتوفر طريق بديل يمكن الاعتماد عليه، كما هو الحال مع مضيق هرمز، ومضيق “أوريسند” بين الدنمارك والسويد، والمضائق التركية (الدردنيل والبوسفور) التي تشكل بوابة العبور بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط. وفيما يتعلق بمضيق هرمز، يقول جاسبر فيرشير، المشارك في إعداد دراسة حول مخاطر المضائق الـ 24 الضيقة في العالم: “لا يوجد بديل لـ 80 بالمئة من حجم التجارة المارة عبره”.

لم تتوقف الشظايا عند هذا الحد، بل طالت التأثيرات حتى الدول التي لا تربطها علاقات مباشرة بالشرق الأوسط إذ يشير اقتصاديون إلى أن دول غرب إفريقيا قد تكون من بين الأكثر تضرراً، حيث يهدد نقص الأسمدة مواسم الحصاد ويسهم في إبقاء أسعار المواد الغذائية مرتفعة حتى العام المقبل. من جانبه، يقول أرتيم أبراموف، رئيس قطاع النفط والغاز في مجموعة “ريستاد” للأبحاث، إن الاضطرابات التي شهدها البحر الأحمر في عام 2023 أضافت ما بين دولارين إلى 3 دولارات إلى سعر برميل النفط، وهو ما لم يكن كافياً للتأثير على التضخم. لكن الأسعار قفزت بأكثر من 40 دولاراً منذ شباط/ فبراير الماضي جراء أزمة مضيق هرمز الحالية.

يمكن أن تتدحرج كُرة الثلج هذه لتلقي بظلالها على سلاسل الإمداد وأنظمة الطاقة، وصولاً إلى ضرب الأمن الغذائي وقطاع التصنيع. ويشير بيورن فانغ جينسن، رئيس قطاع الشحن البحري في شركة “إيزي سبيد” للخدمات اللوجستية الدولية، إلى وجود “قاعدة عامة” مفادها أنه مقابل كل أسبوع يُغلق فيه مضيق هرمز، “يمكنك توقع شهر كامل من الاضطرابات”. وتعد بعض مناطق العالم أكثر عرضة لمخاطر هذه الممرات من غيرها، حيث تعتمد بعض الدول على ممر أو ممرين فقط لتأدية عمليات استيراد وتصدير بضائعها.

ويختتم المستشار جينسن حديثه بالإشارة إلى أن إنشاء مسارات احتياطية كبدائل للطرق المعتادة في حالات الأزمات يتطلب تكاليف باهظة للغاية، مضيفاً أنه “في الأوقات الطبيعية، لن يفكر أحد في استخدامها”.

تقلبات الطقس وحوادث أخرى

لم يكن الحوثيون القوة الوحيدة التي عرقلت حركة الملاحة عبر الممرات المائية الرئيسية في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023 أيضاً، أثر الجفاف على حركة العبور في قناة بنما، التي تربط المحيط الهادئ ببحر الكاريبي. ومع ذلك، استعادت حركة الشحن تدفقاتها الطبيعية بعد بضعة أشهر مع عودة هطول الأمطار.

ويتوقع خبراء الأرصاد الجوية حدوث موجة أخرى من ظاهرة “النينيو”، وهي ظاهرة الاحترار الدوري التي تسببت في ذلك الجفاف، في وقت لاحق من هذا العام. وفي هذا السياق، يقول كريستوفرسن: “إن هذه المخاطر تتزايد على راداراتنا”، مشيراً إلى أن شركته حجزت بالفعل مسارات لسفنها وضعت خططاً طارئة لتغيير الاتجاه. وحتى الانسدادات الصغيرة، مثل إغلاق قناة السويس لمدة ستة أيام في عام 2021، جراء جنوح سفينة الحاويات “إيفر غيفن”، يمكن أن تُحدث آثاراً ارتدادية واسعة حيث تسبب ذلك الإغلاق في نقص مؤقت في الأثاث لشركة “إيكيا” العملاقة لعدة أشهر. ويضيف كريستوفرسن: “نحن نأخذ هذه المخاطر في الحسبان باستمرار.”

وفي حين أن أزمة “إيفر غيفن” في قناة السويس تسببت في توقف قصير للملاحة عام 2021، فإن التدفقات عبر القناة ومضيق باب المندب شهدت تراجعاً أكثر استدامة منذ تكثيف هجمات الحوثيين في المنطقة أواخر عام 2023. ومع اختيار العديد من شركات الشحن الأوروبية تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، قفز متوسط رحلات العبور اليومية عبر هذا الطريق بنسبة 77 بالمئة في عام 2024 مقارنة بالعام السابق.

مع ذلك، استوعبت التجارة العالمية تداعيات هذه الحوادث، ويرى بعض المراقبين أن هذا الأمر أصاب صناع القرار بحالة من التراخي. ويقول فيرشير: “هذه التبعيات والارتباطات معروفة منذ فترة طويلة، لكن الكثير من الحكومات تناستها لأن الأمور بدت تسير على ما يرام لفترة طويلة جداً”.

لكن نسيان هذا الأمر أصبح شبه مستحيل الآن بعد الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. فقد عبرت المضيق مئات السفن فقط بدلاً من الآلاف المعتادة منذ الخامس من مارس/آذار. ويقول أبراموف، الباحث في مجموعة “ريستاد”: “يبدو هذا الأمر وكأنه أزمة عالمية حقيقية، تشبه ما حدث خلال جائحة كوفيد-19”. إذ قفزت أسعار البنزين والديزل، وبات هناك نقص في وقود الطائرات والأسمدة، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية، في حين يرى الخبراء أن المرحلة التالية من الأزمة ستؤدي على الأرجح إلى تقنين الوقود وإغلاق منشآت صناعية.

ويناقش صناع السياسات حالياً التوقيت المحتمل لبدء الركود الاقتصادي، ويقول أحد كبار الصناعيين الأوروبيين: “الكلمة التي تتردد على لسان الجميع الآن هي “الركود التضخمي”، وكلما طال أمد هذه الأزمة، زاد قلقي بشأنها”. ومع استمرار هذه الاضطرابات لشهور، أُجبرت الشركات على إيجاد حلول بديلة وجذرية إذ تحاول بعض الشركات نقل البضائع براً، إما عبر أنابيب النفط القائمة أو باستخدام الشاحنات.

وتقوم مجموعة “دي إس في” الدنماركية للخدمات اللوجستية، وهي الشركة الرائدة في سوق الشرق الأوسط، بنقل البضائع عبر المملكة العربية السعودية وتركيا. ويقول ينس لوند، رئيس الشركة: “عندما تتدفق كل الأمور بسلاسة، لا تشعر بأن وظيفتك حيوية. لكن إذا لم تتمكن من إدخال البضائع، فلن يجد الناس هناك ما يأكلونه”. ومع ذلك، لا يمكن للشاحنات أن تحل إلا محل جزء صغير من السعة التي توفرها سفن الحاويات والبضائع الضخمة، كما أن المعابر الحدودية والتضاريس الوعرة قد تؤدي إلى إبطاء حركة عبورها بشكل أكبر.

معركة السيطرة

لطالما انتاب القلق الدول الغربية حيال الطرق الملاحية في الشرق الأوسط خوفاً من أن يؤدي أي صراع إقليمي إلى تقييد الوصول إلى البحر الأحمر أو السويس أو البوسفور. لكن ترامب وضع قناة بنما في قلب رؤيته للدفاع عن نصف الكرة الغربي متهماً الصين بمحاولة السيطرة على الممر المائي ومهدداً بالسيطرة عليه بنفسه، وكانت مجموعة مقرها هونغ كونغ تدير سابقاً ميناءين على القناة، إلى أن ألغت بنما عقودها في وقت سابق من هذا العام. ومن جهتها، وصفت بكين اتهامات الرئيس الأمريكي بأنه لا أساس لها من الصحة، مؤكدة رغبتها في الحفاظ على حياد القناة.

مع ذلك، يرى جينسن أن تحركات ترامب قد تشجع بكين على “إحياء فكرة بناء قناة نيكاراغوا”، في إشارة إلى الامتياز الذي مُنح لرجل أعمال صيني في عام 2013 لتطوير ممر مائي منافس جديد – رغم أنه لم يسفر عن نتائج تذكر حينها. ويضيف أنه في أعقاب تهديدات ترامب وإلغاء عقود الموانئ، زادت الصين من عمليات تفتيش السفن التي ترفع علم بنما، مما أدى إلى تقارير تفيد بقيام بعض السفن بتغيير أعلامها. وقالت وزارة الخارجية الصينية في مارس إن تفتيشها للسفن يأتي وفقاً للقوانين واللوائح المعمول بها. ويقول أكاديمي صيني في بكين، طلب عدم كشف هويته، إن خطوة بنما بشأن الموانئ “لن تُنسى في بكين، التي ستعمل على تعزيز نفوذ قوتها الصلبة لضمان عدم تكرار ذلك في مضائق استراتيجية أخرى ذات أهمية حيوية.” ويضيف: “في الوقت الحالي، التكلفة محدودة للغاية [بالنسبة لدول مثل بنما]، لكنني أعتقد أن هذا الأمر لن يتم التسامح معه في المستقبل”.

مضيق هرمز وقناة بنما يقعان في قلب الصراعات الجيوسياسية العالمية.

يرى أبراموف أن بكين تنظر أيضا إلى قناة بنما “كخطر محتمل على أمن طاقتها”، مضيفاً أن حوض المحيط الأطلسي يبدو جاذباً نسبياً للصين للتنقيب عن النفط في المستقبل. وقد أمرت الصين العديد من الشركات المحلية والمؤسسات البحثية في أواخر أبريل/نيسان ببحث سبل حماية عدد من الممرات التجارية، بما في ذلك مطالبة مجموعة الشحن “كوسكو” وجامعة “شانغهاي جاو تونغ” بدراسة تأثير الاختناقات الملاحية على سلاسل الإمداد.

كما تحولت الممرات الرئيسية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل مضيقي ملقا وتايوان الحيويين للتجارة الصينية والنفوذ العسكري للبلاد، واللذين يشكلان الممر الافتراضي الذي يربط شرق آسيا بالغرب إلى ساحة للتنافس بين الولايات المتحدة والصين. وقد بدأت بعض سفن “أسطول الظل” المرتبطة بإيران، والتي تسعى للتهرب من العقوبات الغربية، هذا العام اتخاذ طرق غير مألوفة في رحلاتها إلى الصين والأسواق الآسيوية الأخرى، مثل تحويل مسارها عبر مضيق لومبوك الإندونيسي بدلاً من الطريق الأقصر عبر ملقا.

ويربط المحللون هذا التحول بتشديد الرقابة حيث كثفت واشنطن وشركاؤها الدوريات في المنطقة في محاولة لتعطيل الشحن غير المشروع وحظر تدفقات النفط الخاضعة للعقوبات. ويقول ديميتريس أمباتزيديس، كبير محللي المخاطر والامتثال في منصة “كبلر”، إن هذا السلوك ليس “النمط التقليدي السائد”، ولكن يمكن تفسيره بوجود سفن تابعة للبحرية الأمريكية تقوم بدوريات في المنطقة. ويضيف: إنهم [سفن الظل] يحاولون تجنب رصدهم أثناء عبورهم مضيق ملقا في طريقهم إلى الصين”. وفي الآونة الأخيرة، واجهت هذه السفن صعوبة حتى في مغادرة مضيق هرمز مع بدء الولايات المتحدة فرض حصارها الخاص.

ويذهب بعض المحللين إلى أن الاهتمام الصيني الناشئ بطريق بحر الشمال، الذي يمر فوق روسيا عبر القطب الشمالي المتجمد، لا يقتصر فقط على تقليص زمن الرحلات إلى أوروبا، بل يتعلق أيضاً بالحد من تعرضها لاختناقات التجارة البحرية. ويرى فيرشير، المشارك في دراسة أكسفورد، أن الأحداث في هرمز قد تدفع بهذا الاتجاه، مضيفاً أن الطريق الشمالي “سيلتف على خمسة أو ستة ممرات ضيقة رئيسية”.

مع ذلك، يرى معظم الخبراء أن تشغيل طريق شحن مجدٍ عبر القطب الشمالي لا يزال بحاجة إلى عقود، كما أن الدخول إلى طريق بحر الشمال يمر عبر مضيق ضيق آخر: مضيق بيرنغ الضيق الواقع بين روسيا والولايات المتحدة. إن البحث عن بدائل ينطوي على مخاطر خلق تبعيات جديدة. وفي هذا الصدد، يقول كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة ميرسك: “إنك تبني مسارات احتياطية، لكن كل طريق فردي يمكن خنقه بطريقة أو بأخرى”.

وتجادل لابه، الباحثة في “تشاتام هاوس”، بأن الاضطرابات الأخيرة في الطرق البحرية قد تصبح هي الواقع الجديد، حيث يدخل العالم فترة يتم فيها توجيه التجارة نحو “المرونة بدلاً من الكفاءة”. وتختتم قائلة: “بهذه الطريقة، تشكل الممرات البحرية الضيقة بارومتراً لقياس السلام والاستقرار العالمي”. وبالنسبة للعديد من المدراء التنفيذيين، فإن السيناريو الأسوأ يتجسد في اندلاع صراع بين الصين وتايوان، وهو ما سيؤدي حتماً إلى إغلاق مضيق تايوان، الذي يمر عبره خُمس التجارة البحرية العالمية.

ويرى المحللون أن السفن لن تضطر إلا لقطع مسافة قصيرة للالتفاف حول المضيق، لكن مخاطر مثل هذا الصراع تكمن في الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية الأوسع نطاقاً التي قد يسببها. وينطبق الأمر نفسه على أي صراع في بحر الصين الجنوبي، حيث تخوض بكين نزاعات إقليمية مع عدد من جيرانها.

ويقول هالفورسن، من جمعية مالكي السفن النرويجية: “من الناحية الملاحية، يمكنك الالتفاف حول الأمر، لكن التداعيات المترتبة على أي اضطراب هناك ستكون هائلة للغاية”. وفي غضون ذلك، قد تتعلم دول أخرى أو جماعات متمردة الدرس من إيران وأوراق الضغط التي اكتسبتها من خلال فرض سيطرتها على مضيق هرمز. ويقول الخبراء إن منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً البحر الأحمر وقناة السويس، هي الأكثر عرضة لتكرار مثل هذه الممارسات المحاكية. ويختتم أبراموف بالقول: “إن تكلفة فرض التهديد منخفضة للغاية، لكن تكلفة ضمان السلامة الكاملة باهظة ومكلفة للغاية”.

المصدر: فاينانشال تايمز

علاماتإغلاق مضيق هرمز ، الاقتصاد العالمي ، التجارة العالمية ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران
مواضيعالاقتصاد العالمي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، ترجمات ، قناة السويس ، مضيق هرمز

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

ثورة على قضبان الحديد.. قطار الخليج من حلم 2009 إلى سباق 2030

نون إنسايت٢٢ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

من خدمة عامة إلى تجارة أزمة.. الكهرباء التجارية تعمّق معاناة تعز

بشرى الحميدي٢١ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

سكة طرابلس – سوريا.. 5 عُقد أمام عودة لبنان إلى خرائط الإقليم

نون إنسايت١٨ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑