في مدينة الشيخ نجار شمال شرقي حلب، إحدى أهم المدن الصناعية في سوريا، عادت أصوات الآلات إلى بعض المصانع بعد سنوات من التعطل والدمار.
لكن عودة الحركة إلى المصانع لا تعني وحدها أن الصناعة استعادت عافيتها، فالمصنع لا يعمل بالآلة فقط، بل يحتاج إلى كهرباء ومياه وطرق وصرف ومواد خام وتمويل وأسواق قادرة على الشراء.
في هذا التقرير، نحاول الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ماذا بقي من صناعة حلب؟ ما العوائق أمام عودة المصانع بكامل طاقتها؟ وكيف تصل المواد إلى المصانع وتخرج البضائع إلى الأسواق؟
ماذا بقي من صناعة حلب؟
بعد سنوات من الحرب والتدمير الذي خلفه نظام بشار الأسد، تدور عجلة الإنتاج اليوم في 960 منشأة داخل مدينة الشيخ نجار الصناعية فيما توجد 100 منشأة في مرحلة التجهيز.
وبلغ عدد المقاسم الصناعية المخصصة 4670 مقسمًا، منها 1357 قيد البناء في المدينة التي تعد مركزًا رئيسيًا يدعم القطاع الصناعي السوري في مجالات متعددة، لكن هذه الأرقام لا تعني تلقائيًا أن كل المنشآت تعمل بالطاقة نفسها.
وقال مدير المكتب الإعلامي للمدينة الصناعية عبد القادر عبد الحي إن عدد المنشآت العاملة ارتفع من 920 نهاية 2024 إلى 1506 منشآت نهاية 2025.
فيما نقلت مصادر محلية أخرى عن إدارة المدينة، أن نحو 550 معملًا يعمل بكامل طاقته، في حين يعمل نحو 200 معمل بطاقة جزئية بسبب مشكلات في البنية التحتية وارتفاع تكاليف التشغيل.
لذلك، يعكس اختلاف الأرقام اختلافًا في معيار الاحتساب: هل تُعد المنشأة “عاملة” إذا فتحت أبوابها؟ أم إذا أنتجت فعليًا؟ أم إذا عملت بكامل طاقتها؟ هنا تكمن أهمية التمييز بين منشأة مرخصة، وأخرى مفتوحة، ومصنع ينتج بانتظام.
وعلى مستوى القطاعات، تذكر وكالة الأنباء الرسمية “سانا” أن بين المنشآت المنتجة 18 منشأة كيميائية، و160 منشأة غذائية وهندسية، و44 منشأة نسيجية. لكن هذه الأرقام تبدو جزئية ولا تغطي كل المنشآت العاملة.
وتشير بيانات غرفة صناعة حلب، إلى أن المحافظة سجلت حتى نهاية 2024 نحو 10501 منشأة صناعية، توزعت بين 45% نسيجية، و21% كيميائية، و20% هندسية، و14% غذائية، وهي أرقام تعكس المسجل في الغرفة لا العامل فعليًا بالضرورة.
لماذا لا تعمل المصانع بكامل طاقتها؟
إعادة تشغيل مصنع في مدينة صناعية متضررة ليست مسألة فتح بوابة وتشغيل آلة، فالمصنع يحتاج إلى كهرباء مستقرة ومياه وطرق داخلية وصرف صناعي ومواد خام وتمويل وعمالة مدربة.
وفي الشيخ نجار، تكمن المشكلة في أن جزءًا مهمًا من هذه الشبكة ما زال ضعيفًا. ويمكن تلخيص أبرز الأزمات فيما يلي:
1- بنية متهالكة
تشير سانا نفسها إلى أن البنية التحتية في المدينة الصناعية ما تزال “متهالكة”، خصوصًا في الشبكة الكهربائية ومحطات التحويل وضخ المياه، وشبكات الصرف المطري والصناعي والملحي، إضافة إلى الطرق التي تحتاج إلى صيانة.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في عدد المصانع التي عادت فقط، بل في قدرة المدينة على توفير بيئة تشغيل ثابتة لهذه المصانع.
2- نقص الكهرباء
تعد الكهرباء إحدى العقد الأساسية، إذ تحتاج مدينة الشيخ نجار إلى تغذية كهربائية أكبر مما تحصل عليه، كما أن النقص في الطاقة وارتفاع كلفة التشغيل يدفعان مصانع إلى العمل بطاقة جزئية.
لذلك يصبح تشغيل المولدات أو تخفيض ساعات العمل جزءًا من يوميات الصناعة، ما يرفع كلفة المنتج ويقلل قدرته على المنافسة.
3- المياه والطرق
إلى جانب الكهرباء، تظهر مشكلات المياه والصرف والطرق الداخلية، فضعف شبكة المياه يؤثر على الصناعات التي تحتاج إلى تشغيل مستمر.
كما أن الصرف الصناعي غير المؤهل يحد من بعض الأنشطة، فيما تعطل الطرق المتضررة داخل المدينة وخارجها حركة العمال والمواد والبضائع.
4- التمويل
يمثل التمويل عقدة أخرى، فإعادة تأهيل خطوط إنتاج متوقفة وشراء آلات أو قطع غيار وترميم مبانٍ صناعية، تحتاج إلى قروض أو سيولة لا تتوفر دائمًا. وفي ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد، يصبح التمويل الذاتي وحده غير كافٍ لكثير من الصناعيين.
وتشير سانا إلى جهود لتخفيف الأعباء المالية والضريبية وتقديم دعم قانوني وفني للمستثمرين، لكن هذا لا يلغي أن كلفة العودة ما تزال مرتفعة.
5- نقص المواد
كما تواجه المصانع صعوبات في إدخال المواد الأولية والآلات وقطع الغيار، إضافة إلى منافسة المنتجات المستوردة أو المهربة في السوق المحلية، وفق ما نقله موقع “عنب بلدي” المحلي عن صناعيين ومصادر محلية.
وهو ما يجعل بعض المصانع قادرة على التشغيل، لكنها غير قادرة على العمل بكلفة تسمح لها بالاستمرار أو التوسع.
كيف تتحرك بضائع حلب؟
تعافي الصناعة في حلب لا يحدث داخل أسوار الشيخ نجار فقط، فكل مصنع يحتاج إلى مواد خام تدخل، وآلات وقطع غيار تصل، وطاقة تشغّل، ثم منتجات تخرج إلى الأسواق. لذلك ترتبط عودة الصناعة بقدرة حلب على الاتصال بالموانئ والطرق والجمارك والأسواق.
تبدأ حلقة الإمداد غالبًا من منافذ الاستيراد، وعلى رأسها ميناء اللاذقية، المنفذ البحري الرئيسي لسوريا.
في 2025، وقعت سوريا عقدًا طويل الأمد مع شركة CMA CGM لتحديث وتشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية، باستثمار معلن قدره 230 مليون يورو، كما وُقع لاحقًا اتفاق لتشغيل موانئ جافة/مراكز لوجستية في عدرا وحلب لدعم التجارة واللوجستيات.
لكن نقل الحاويات أو المواد من الميناء إلى حلب لا يزال الحلقة الأصعب، فالمسار الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على النقل البري، بما يحمله من كلفة وقود وصيانة ووقت ورسوم وإجراءات.
أما الحديث عن المراكز اللوجستية الجديدة في حلب وعدرا فيفتح احتمال نقل جزء من التخزين والتخليص والتوزيع إلى الداخل، لكنه لا يزال يحتاج إلى معرفة تفاصيل التشغيل الفعلي، وطاقة هذه المراكز، ومتى ستدخل الخدمة المنتظمة.
ولا يقتصر الأمر على الاستيراد، فمنتجات حلب تحتاج بدورها إلى طريق خروج نحو الأسواق السورية أو نحو التصدير عندما يكون ذلك ممكنًا ما يتطلب نقلًا موثوقًا، وجمارك أكثر مرونة، وكلفة شحن يمكن للتاجر والمصنع تحملها.
لذلك لا يكفي أن يعمل المصنع إذا ظلت المواد الخام تصل متأخرة أو مكلفة، أو إذا بقي المنتج النهائي حبيس السوق المحلي الضيق.
أما التصدير، فيمكن القول إن عودته تواجه عقبات عملية تتعلق بالكلفة والإجراءات والتمويل والامتثال المصرفي وقدرة المنتج المحلي على المنافسة.
لذلك تبقى الأسواق الداخلية، في المرحلة الراهنة، الوجهة الأوضح لكثير من منتجات المدينة الصناعية، إلى أن تتضح قدرة حلب على الاتصال المنتظم بالموانئ والممرات اللوجستية.
بهذا المعنى، لا تُقاس عودة صناعة حلب بعدد المصانع المفتوحة فقط، بل بقدرة دورة كاملة على العمل: مواد تدخل إلى المصانع، إنتاج يجري بانتظام، بضائع تخرج إلى الأسواق، وبيئة تشغيل تجعل المصنع قادرًا على الاستمرار لا مجرد العودة المؤقتة.