• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بين الداخل والخارج.. كيف يتفاعل السوريون مع قرارات الحكومة السورية؟

باسل المحمد٢٧ مايو ٢٠٢٦

يمر الناس والباعة المتجولون بجانب إحدى النواعير التاريخية والأثرية الشهيرة في مدينة حماة، 30 كانون الأول/ديسمبر 2024 - وكالة فرانس برس)

شكّلت القرارات الحكومية الأخيرة المرتبطة برفع أسعار المحروقات والكهرباء وتحديد تسعيرة القمح محور نقاش واسع بين السوريين، لكنها لم تكشف فقط عن الجدل المعتاد حول السياسات الاقتصادية، بل أظهرت أيضاً تبايناً لافتاً في طريقة قراءة السوريين لهذه القرارات بين الداخل والخارج.

فبينما يتعامل جزء من السوريين المقيمين في دول اللجوء أو الخارج مع هذه الإجراءات بوصفها ضرورات اقتصادية أو خطوات يمكن مقارنتها بتجارب دول أخرى، ينظر كثير من السوريين داخل البلاد إليها من زاوية مختلفة تماماً، باعتبارها قرارات تمسّ بشكل مباشر تفاصيل حياتهم اليومية وقدرتهم على تحمّل أعباء المعيشة.

هذا التباين لا يرتبط فقط بطبيعة القرارات نفسها، بل بالفجوة بين تجربتين مختلفتين؛ تجربة من يعيش داخل سوريا وسط ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخل، وضعف الخدمات، وندرة فرص العمل، وانعكاسات سنوات الحرب على البنى التحتية والمؤسسات، وتجربة من يتابع المشهد من الخارج حيث تبدو المقارنات الاقتصادية أكثر حضوراً من ضغط المعاناة اليومية. لذلك، جاءت ردود الفعل داخل البلاد أكثر حدة وانتقاداً، في وقت اتجه فيه آخرون إلى تبرير هذه الخطوات انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية أوسع.

لكن هل يعكس هذا الانقسام مجرد اختلاف في تقييم قرارات الحكومة السورية، أم أنه يكشف فجوة أعمق بين واقع الداخل وتصورات الخارج تجاه ما يعيشه السوريون يومياً؟

اختلاف التجارب بين الداخل والخارج

لا يرتبط اختلاف مواقف السوريين من القرارات الحكومية، كرفع أسعار المحروقات والكهرباء أو السياسات المرتبطة بالمعيشة، بحجم التأثر الاقتصادي فقط، بل يتصل أيضاً بتباين التجارب التي عاشها السوريون داخل البلاد وخارجها. فسنوات الحرب والهجرة صنعت فجوة واضحة في طريقة تقييم الواقع وقراءة القرارات، بين من بقي داخل سوريا وعايش التحولات الاقتصادية يوماً بيوم، وبين من غادر واحتك بتجارب دول أخرى واطّلع على نماذج حكم وإدارة مختلفة.

يقول أبو أحمد، وهو موظف من دمشق لم يغادر سوريا منذ سنوات الحرب لـ”نون بوست” إن غالبية السوريين في الداخل ينظرون إلى القرارات الاقتصادية من زاوية أثرها المباشر على حياتهم اليومية، لا سيما مع تصاعد الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وندرة فرص العمل.

ويضيف أن كثيرين يقارنون بين الواقع الحالي وما عاشوه قبل الحرب أو في السنوات السابقة، لأن معاناتهم اليومية تجعل أي قرار اقتصادي مرتبطاً مباشرة بقدرتهم على تأمين احتياجاتهم الأساسية.

في المقابل، يرى علاء، وهو سوري هاجر بعد اندلاع الثورة وأقام لسنوات في تركيا، أن تجربة العيش خارج البلاد غيّرت نظرة كثير من السوريين في المهجر إلى السياسات الاقتصادية.

ويوضح علاء في حديثه لـ”نون بوست” إن الاطلاع على تجارب دول أخرى، مثل تركيا التي واجهت مراحل من التضخم والأزمات الاقتصادية، ثم تمكنت من تعزيز إنتاجها وتوسيع اقتصادها لتصبح ضمن مجموعة العشرين، دفع كثيرًا من المغتربين إلى النظر للقرارات الحكومية أحيانًا من زاوية الإصلاح وإعادة البناء، لا من أثرها الآني فحسب.

وفي هذا السياق، ترى الباحثة كندة حواصلي أن فهم هذا التباين يتطلب النظر إلى المرجعيات التي يقيس عليها كل طرف. وتقول إن شريحة واسعة من السوريين في الداخل، لا سيما الذين لم تتح لهم فرصة مغادرة البلاد، “لا تعرف أو ليس لديها ما تقيس عليه سوى الحالة التي كانت عليها سوريا سابقاً”، لذلك تبقى مقارنتهم قائمة بين ما قبل عام 2011 وما بعده، سواء على مستوى المعيشة أو آلية اتخاذ القرار أو شكل المؤسسات.

وتضيف حواصلي، في تصريح لـ”نون بوست”، أن السوريين في الخارج لم ينسوا تجربتهم داخل البلاد، لكنهم اكتسبوا مساحة أوسع للمقارنة بعد احتكاكهم ببيئات جديدة وتجارب حكم مختلفة، ما جعل رؤيتهم للقرارات الاقتصادية والسياسية أكثر ارتباطاً بمقاربات أوسع من السياق المحلي.

اختلاف الأولويات

لا يقتصر التباين في مواقف السوريين تجاه القرارات الحكومية على اختلاف التجارب أو البيئات التي عاشوا فيها، بل يرتبط أيضاً بتفاوت واضح في الاهتمامات والأولويات بين من بقي داخل البلاد ومن يعيش في دول الاغتراب واللجوء.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي علي المحمد أن السوريين داخل البلاد عاشوا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية أزمات متراكمة، شملت التضخم، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب أزمات الطاقة والخدمات. لذلك، باتت الأولوية لدى شريحة واسعة منهم مرتبطة بشكل مباشر بمفردات الحياة اليومية، مثل مستوى الدخل، وتوافر المواد الأساسية، وفرص العمل، والقدرة على تأمين معيشة مستقرة وكريمة.

في المقابل، يوضح المحمد في حديثه لـ”نون بوست” أن السوريين في الخارج ينظرون إلى المشهد من منظور مختلف؛ إذ تتركز اهتماماتهم على مستقبل الاقتصاد السوري، وحجم الموازنة العامة، والإصلاح الإداري، وتقليص الفساد والبيروقراطية، وسنّ قوانين تتعلق بالاستثمار والضرائب والسياسة النقدية وسعر صرف الليرة.

ينقل مراسل نون سوريا من سوق الأغنام في البردقلي بريف إدلب آراء الباعة والمشترين حول ارتفاع أسعار الأضاحي هذا العام مقارنة بالعام الماضي، وسط حديث عن تأثير تصدير الأغنام إلى دول عربية على الأسعار، إذ ارتفع سعر كيلو الخاروف من نحو 5 دولارات العام الماضي إلى 7.5 دولارات هذا الموسم،… pic.twitter.com/e3RwB9uh4m

— نون سوريا (@NoonPostSY) May 25, 2026

وفي قراءة متقاطعة، يرى الاقتصادي محمد علبي أن الفجوة بين الداخل والخارج لا ترتبط فقط باختلاف المعلومات، بل أيضاً بدرجة الإحساس بالأزمة نفسها. فالسوريون في الخارج غالباً ما ينظرون إلى قرارات رفع الأسعار وتقليص الدعم من زاوية الأرقام والعجز المالي وإمكانية الإصلاح، مستندين إلى تجارب دول تعتمد أسعاراً حقيقية للطاقة والخدمات.

ويشير علبي في حديثه لـ”نون بوست” أن السوري في الداخل، يتعامل مع هذه القرارات من زاوية أثرها المباشر على حياته اليومية، في ظل ضعف الأجور، وغياب الخدمات المستقرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل الأولويات بين الطرفين مختلفة، ويعمّق تباين قراءتهما للسياسات الحكومية.

الاتفاق على ضرورة الإصلاح

رغم تباين المواقف تجاه القرارات الاقتصادية وآليات تنفيذها، إلا أن ثمة توافقاً عاماً بين السوريين في الداخل والخارج على أهمية المضي في مسار الإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية، باعتبارهما مدخلين أساسيين لتحسين الواقع المعيشي واستعادة الاستقرار.

وفي هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي علي محمد إن الفكرة الأساسية تتمثل في أن الجميع يسعى إلى ما يحقق المصلحة العامة للبلاد وللمواطن، إلا أن زاوية النظر تختلف بين من يعيش في الداخل ومن يقيم في الخارج.

ويوضح أن المقيم في الخارج غالباً ما ينظر إلى القرارات الاقتصادية من زاوية الاستقرار النسبي الذي يعيشه، سواء من حيث الدخل أو استقرار سعر الصرف أو توفر فرص العمل، ما يجعله أكثر ميلاً لتقبّل المبررات الحكومية أو النظر إلى القرارات من منظور اقتصادي وأكاديمي.

نفّذ عدد من الممرضين في مشفى الجولان الوطني بمحافظة القنيطرة وقفة احتجاجية أمام مبنى المشفى، رفضًا لاستثنائهم من الزيادة النوعية المقرّة للعاملين في القطاع الصحي، مطالبين بشمولهم بها وتحقيق العدالة بين مختلف الفئات الطبية، ومعتبرين أن القرار ينعكس سلبًا على أوضاعهم المعيشية… pic.twitter.com/DoO6891dVW

— نون سوريا (@NoonPostSY) May 24, 2026

ويضيف محمد أن الطرفين يتفقان على وجوب الإصلاح الاقتصادي وتحقيق التنمية بما ينعكس إيجاباً على السوريين في الداخل والخارج، لافتاً إلى أن السوري المقيم خارج البلاد لا ينفصل عن هذا الواقع، إذ غالباً ما يكون مرتبطاً بأسرته وذويه في الداخل. لكنه يشير إلى أن جوهر الاختلاف يكمن في سرعة اتخاذ القرار، وتوقيته، وما إذا كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية مهيأة لاستيعابه بأقل قدر ممكن من الخسائر والتكاليف على المقيمين داخل سوريا.

ويأتي هذا النقاش في ظل خطوات رسمية اتخذتها الحكومة السورية في ملف الإصلاح ومكافحة الفساد، إذ أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، في 4 مايو/أيار 2025، القرار الرئاسي رقم 13 القاضي بتشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، بهدف حماية المال العام، ومكافحة الكسب غير المشروع بمختلف أشكاله، والعمل على استرداد الأموال غير المشروعة. وفي 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت اللجنة برنامج الإفصاح الطوعي، في خطوة اعتُبرت جزءاً من مسار أوسع لمعالجة الملفات المالية وتعزيز الشفافية ضمن الأطر القانونية.

مسؤولية الحكومة في توضيح القرارات وتعزيز التشاركية

في مقابل الجدل المتزايد حول القرارات الحكومية بين السوريين في الداخل والخارج، يبرز جانب آخر يتعلق بمسؤولية الحكومة في إدارة هذه القرارات وشرحها للرأي العام، ولا سيما في مرحلة حساسة من تاريخ سوريا تتطلب وضوحاً أكبر في الخطاب الرسمي وتواصلاً أكثر فاعلية مع المواطنين. فغياب التوضيح الكافي حول أسباب القرارات وأهدافها يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة ونقاشات واسعة قد تعمّق الفجوة في فهم هذه القرارات وتداعياتها.

أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا يقضي بمنح مكافأة تشجيعية للمزارعين الذين يسلّمون محصول القمح إلى المؤسسة السورية للحبوب، في إطار دعم تسويق المحصول وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

ونصّ المرسوم على منح مكافأة مالية قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة (900 ألف ليرة قديمة) عن كل طن قمح يتم… pic.twitter.com/qp7oCvuVD6

— نون سوريا (@NoonPostSY) May 23, 2026

تعليقاً على هذا الجانب، يرى الباحث محمد علبي أن الإشكالية لا تكمن في القرارات بحد ذاتها فقط، بل أيضاً في طريقة إدارتها وغياب التشاركية في اتخاذها.

ويوضح أن القرارات الاقتصادية الصعبة أو المؤلمة تحتاج في أي دولة إلى خطاب واضح يشرح أسبابها، أهدافها، مدتها، وما الذي سيحصل عليه المواطن في المقابل، إلى جانب وجود آليات تشاركية تختلف من قرار إلى آخر، سواء عبر المؤسسات البرلمانية، أو النقابات وغرف المهن، أو من خلال نقاشات مجتمعية تضم شرائح مختلفة من المواطنين.

ويضيف علبي أن الدول التي تلجأ إلى سياسات التقشف، رغم حساسيتها، غالباً ما تتعامل معها بشفافية أكبر عبر إشراك المواطنين وشرح مبرراتها بوضوح. أما في الحالة السورية، فإن كثيراً من القرارات تصدر ـ بحسب رأيه ـ بشكل فوقي، رغم أنها تمس حياة ملايين السوريين، دون تقديم شروحات كافية أو تبريرات تفصيلية تجيب عن الأسئلة الحقيقية التي يطرحها الناس حول آثار هذه القرارات وجدواها.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، الاقتصاد السوري ، الحكومة السورية الجديدة ، السوريون في المهجر ، الشأن السوري
مواضيعالاقتصاد السوري ، الشأن السوري ، المجتمع السوري

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

مصانع حلب تعود ببطء.. لماذا لا تعمل بكامل طاقتها؟

نون إنسايت٢٥ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

حرب الممرات الضيقة: كيف يهدد صراع النفوذ شريان الحياة العالمي؟ 

ريتشارد ميلن٢٥ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

ثورة على قضبان الحديد.. قطار الخليج من حلم 2009 إلى سباق 2030

نون إنسايت٢٢ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑