• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

فيضان الفرات في سوريا.. تداعيات تتجاوز غمر المنازل والأراضي

حسن إبراهيم٣٠ مايو ٢٠٢٦

جسر تضرر جراء فيضان مياه نهر الفرات بالقرب من مدينة دير الزور شرقي سوريا، الخميس 28 مايو/أيار 2026. (أسوشيتد برس، عمر البام)

ألحق فيضان نهر الفرات أضرارًا مجتمعية واقتصادية وبيئية بمدينة دير الزور شرقي سوريا، بعدما ارتفع منسوب المياه إلى مستويات غير مسبوقة، وامتدت آثار الفيضان إلى مناطق عدة، خصوصًا الحوائج النهرية (الجُزر) والأراضي الزراعية الواقعة على ضفتي النهر، مع تسجيل أضرار طفيفة في محافظة الرقة.

بلغت الأزمة ذروتها في 28 من أيار/ مايو الحالي، مع اتساع رقعة المياه وغمر مساحات زراعية واسعة، ما تسبب بخسائر للمزارعين وأضرار متفاوتة في تجمعات سكنية قريبة من مجرى النهر، وأدى إلى تضرر 2400 عائلة، وخروج 60 محطة مياه عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي، وتضرر أكثر من 5000 دونم من الأراضي الزراعية، في إحصائية غير نهائية.

سبق الفيضان تحذيرات أصدرتها وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث للسكان القاطنين قرب مجرى النهر، دعتهم فيها إلى اتخاذ إجراءات احترازية مع الإعلان عن زيادة حجم التصريف المائي من سد الفرات إلى 1800 متر مكعب في الثانية، بالتوازي مع تنفيذها أعمال تدعيم ورفع سواتر ترابية وإجلاء عدد من المدنيين إلى مناطق آمنة. 

من جانبها، أرجعت وزارة الطاقة الارتفاع “الكبير وغير المسبوق” في كميات المياه الواردة من الجانب التركي، والتي بلغت نحو 2000 متر مكعب في الثانية، إلى غزارة الموسم المطري الحالي، وفتح بوابات المفيض في السدود الواقعة على مجرى النهر داخل الأراضي التركية. 

تمثّل التحرك الرسمي في تشكيل غرفة عمليات مشتركة ضمت وزارات الطاقة والطوارئ والصحة والشؤون الاجتماعية والإدارة المحلية ومحافظة دير الزور لمتابعة تداعيات الفيضان ومحاولة احتوائها، بالتوازي مع زيارة الرئيس أحمد الشرع للمحافظة، فيما شاركت القوى البحرية في وزارة الدفاع في عمليات إخلاءٍ ونقلٍ باستخدام القوارب والزوارق، في حين أعلنت وزارة الزراعة عن تنفيذ كشف ميداني لحصر الأضرار ووعدت بإعداد برامج دعم وإعادة تأهيل للمناطق المتضررة. 

كميات غير مسبوقة وإخطار متأخر

يعد نهر الفرات أطول أنهار غرب آسيا، يتجاوز طوله 2800 كيلومتر، ينبع من شرق الأناضول في تركيا عبر رافديه الرئيسيين، “قره صو” و”مراد صو”، اللذين يشكلان المنبع الأساسي للنهر قبل أن يتدفق عبر الأراضي السورية ثم العراقية.

يمتد الفرات داخل سوريا لمسافة تقارب 700 كيلومتر، حيث يدخل من منطقة جرابلس في ريف حلب الشرقي، ويمر بمحافظتي الرقة ودير الزور، قبل أن يغادر البلاد باتجاه العراق من منطقة البوكمال. ويوجد على مجراه في سوريا عدة سدود أبرزها “الفرات” أو “الطبقة” و”تشرين” و”المنصورة”.

“الجفاف شجّع التعديات على ضفاف النهر”.. قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، في لقاء خاص مع نون سوريا، إن نهر الفرات لم يخرج عن مساره الطبيعي حتى الآن، موضحًا أن ارتفاع منسوب المياه يُعد الأعلى منذ نحو 30 عامًا، في ظل صعوبة التنبؤ بكميات الأمطار وحركة الغيوم، إلى جانب… pic.twitter.com/qQfB5REeYi

— نون سوريا (@NoonPostSY) May 29, 2026

يُعد النهر المصدر المائي الأهم في سوريا تاريخيًا وزراعيًا، إذ يشكل ركيزة أساسية للزراعة ومياه الري في المناطق التي يمر بها، وكان يوفّر 85% من الاحتياجات المائية للزراعة في البلاد. 

خلال السنوات الماضية، تعرّض نهر الفرات في سوريا لضغوط طبيعية وبشرية متعددة، شملت الجفاف والتلوث والتعديات والتأثيرات المرتبطة بالأعمال العسكرية وتراجع تدفق المياه من الجانب التركي، بما دون الحد الأدنى البالغ 500 متر مكعب في الثانية المنصوص عليه في اتفاق عام 1987 بين سوريا وتركيا، حيث سجلت كميات المياه الواردة إلى الجزء السوري من النهر انخفاضًا بنحو 65%، في يوليو/تموز 2020.

في 26 أيار/ مايو الحالي، أعلنت وزارة الطاقة السورية فتح بوابات مفيض سد الفرات نتيجة ارتفاع كميات المياه الواردة من الجانب التركي، مشيرة إلى أن هذه البوابات لم تُفتح منذ عام 1988. وارتفع بعدها منسوب المياه لثلاثة أمتار مع امتداد أفقي وصل إلى نحو خمسين مترًا في بعض المناطق.

من جانبها، أوضحت المؤسسة العامة لسد الفرات أن الكميات المتدفقة من المياه فرضت واقعًا تشغيليًا استثنائيًا على السدود والمنشآت المائية، حيث يجري تمرير نحو 1800 متر مكعب في الثانية ضمن المنظومة وفق إجراءات فنية تهدف إلى الحفاظ على السلامة التشغيلية. وأضافت أن مستويات التخزين في بحيرات السدود تجاوزت 98.5%، ما استدعى استمرار تمرير كميات كبيرة من المياه باتجاه مجرى النهر، مع تأكيد استقرار الحالة الفنية للسدود وعدم وجود مخاطر إنشائية.

ويوضح جدول تفصيلي حصل عليه “نون بوست” من مكتب العلاقات العامة لمحافظة دير الزور، أن 25 محطة لضخ مياه الشرب في ريف ومدينة دير الزور قد تأثرت بشكل مباشر جراء ارتفاع منسوب نهر الفرات، حيث خرجت معظمها عن الخدمة كليًا أو جزئيًا. 

وتنوعت الأسباب الواردة في الجدول بين تعرض المحطات للغمر الكامل بالمياه، أو إيقافها قسرًا وتفكيك تجهيزاتها الكهربائية والميكانيكية كإجراء احترازي لحمايتها من التلف والفيضان، بالإضافة إلى انقطاع خطوط التوتر الكهربائي وتراكم الطمي.

أجرى مراسل نون سوريا مقابلة مع مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي أحمد موسى، حول واقع محطات المياه في ظل ارتفاع منسوب نهر الفرات، حيث أوضح أن منطقة الجزيرة تُعد الأكثر تضررًا، مشيرًا إلى أن نحو 70% من محطات المياه الخارجة عن الخدمة تقع فيها، وسط تنفيذ خطط طوارئ للحفاظ… pic.twitter.com/VoqNhpPbGh

— نون سوريا (@NoonPostSY) May 29, 2026

كما أشار الجدول إلى تراجع الطاقة الإنتاجية لـ “محطة الفرات العملاقة” المغذية لمركز المدينة بنسبة تتراوح بين 60% إلى 70% جراء انهيار بوابة مأخذ المياه.

وبالنسبة لمحافظة الرقة، دخلت مياه الفرات إلى عدد من المنازل في قريتي حويجة كدرو وحويجة السوافي بريف المدينة، وقطعت الطرقات فيهما، ما دفع عدد من العائلات إلى مغادرة منازلهم. 

يشير وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، إلى عدم إمكانية تفادي الفيضان، قائلًا إن منسوب المياه لم يخرج عن مسار النهر الطبيعي، إلى جانب تأثير التعديات على ضفاف وحرم النهر، لافتًا إلى صعوبة التنبؤ بكميات الأمطار وحركة الغيوم.

وقال وزير الطاقة محمد البشير إن الإنذار التركي بشأن ارتفاع مناسيب المياه كان متأخرًا مع صعوبة التنبؤ، مشيرًا إلى أن إطلاقات المياه من الجانب التركي باتجاه سوريا تُعد الأولى منذ نحو 30 عامًا، ثم أوضحت وزارة الطاقة أن المتابعات والتنسيق مع الجانب التركي أسهما في البدء بتخفيض كميات المياه الواردة.

وفي السياق نفسه، باشرت الكوادر الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات تنفيذ إجراءات تشغيلية، شملت تخفيض كميات المياه الممررة عبر السد بنحو 100 متر مكعب في الثانية، عبر إغلاق جزئي لبوابة المفيض رقم ثلاثة، ثم أعلن البشير أن المنطقة تجاوزت حالة الطوارئ وهي في مرحلة الاستقرار، مع توقعات باستمرار التخفيض التدريجي للتدفقات خلال الأيام المقبلة مع تراجع الواردات المائية، بما يساهم في انخفاض المناسيب وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.

نزوح وضرر معيشي وبيئي

تعتمد شريحة واسعة من سكان دير الزور على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل رئيسي، ما يجعل أي تغيّر في سلوك نهر الفرات أو فيضانه عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر على استقرارهم المعيشي والاقتصادي، فضلًا عن دوره في دعم بعض مظاهر التوازن البيئي في المنطقة عبر ما يوفره من موائل للنباتات والحيوانات المائية.

توجّهت العائلات المتضررة من الفيضان إلى مناطق أكثر أمانًا، وحددت وزارة الشؤون الاجتماعية مراكز الإيواء في مدرستي “التطبيقات” و”عمر بن الخطاب”، فيما أعلنت مديرية أوقاف الرقة فتح جميع المساجد في المحافظة لاستقبال الأهالي المتضررين. 

وأعلنت محافظة دير الزور تنفيذ إخلاء احترازي للمناطق عالية الخطورة، وتأمين مراكز إيواء، إضافة إلى دعم محطات المياه بالآليات اللازمة. كما أعلن نائب وزير الاقتصاد والصناعة ماهر خليل الحسن العمل على تأمين احتياجات المحافظة من مادة الطحين، ونقل مخزون يكفي لمدة عشرة أيام خلال 24 ساعة، لضمان استمرار عمل الأفران وتوفير الخبز بشكل منتظم.

يتنقل سكان بواسطة قارب في مياه نهر الفرات التي غمرت المناطق القريبة من دير الزور شرقي سوريا، الخميس 28 مايو/أيار 2026، بينما تظهر في الخلفية هياكل جسر تضررت جراء الفيضانات. (أسوشيتد برس، عمر البام)

ترى الباحثة في الشأن الاقتصادي نجاح عبد الحليم أنه من المبكر تحديد حجم الخسائر الاقتصادية بدقة قبل استكمال عمليات المسح والتقييم الميداني، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن التداعيات قد تتجاوز الأضرار المباشرة المعلنة حتى الآن. 

وتوضح الباحثة لـ”نون بوست” أن خروج عشرات محطات المياه عن الخدمة وتضرر آلاف الدونمات الزراعية لا ينعكسان على البنية التحتية أو الإنتاج الزراعي فقط، إنما يمتدان إلى سبل العيش والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهما.

وفي محافظات بالأصل تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، لا تقتصر آثار الفيضانات على خسارة المحاصيل أو تضرر الأراضي، بل قد تؤثر أيضًا في دخل الأسر الزراعية، وفي الأنشطة المرتبطة بالإنتاج والتسويق والنقل. كما أن تعطل خدمات المياه يفرض أعباءً إضافية على السكان والقطاع الزراعي في الوقت نفسه، ويزيد من تكاليف التعافي وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وفق الباحثة.

وتشير إلى أن الكلفة الاقتصادية الحقيقية للفيضان لا تظهر بالكامل في الأيام الأولى، إذ إن جزءًا كبيرًا منها يرتبط بالخسائر غير المباشرة، مثل تعطل الأنشطة الاقتصادية، وتراجع الإنتاجية، وتكاليف إعادة التأهيل والإصلاح. لذلك فإن التقييم النهائي للأثر الاقتصادي سيعتمد على مدى سرعة استعادة الخدمات وقدرة المجتمعات المحلية على التعافي خلال الفترة المقبلة.

من جانبه، أوضح المهندس الزراعي أنس أبو طربوش لـ”نون بوست” أن فيضان نهر الفرات يحمل تداعيات بيئية إيجابية وسلبية، إلا أن الجوانب السلبية تبدو أكثر وضوحًا في ظل تهالك المنظومة البيئية وقطاع الموارد المائية خلال السنوات الماضية، خاصة على امتداد مجرى نهر الفرات.

وبحسب المهندس، فإن الفيضان واستمراره يؤدي إلى تلوث مصادر مياه الشرب، وانجراف التربة وخروج مساحات زراعية من الخدمة، وتدمير موائل عدد من الكائنات الحية على ضفاف النهر (من طيور وزواحف وغيرها)، ما أدى إلى نزوحها أو نفوقها، فضلًا عن إعادة تحريك مخلفات الحرب بفعل قوة المياه في بعض المناطق، ونقلها إلى مواقع أخرى، محذّرًا من خطورتها.

ومن بين الآثار الإيجابية للفيضان تحسن خصوبة بعض الأراضي نتيجة تراكم الأتربة وبقايا الطمي، إضافة إلى ارتفاع مستوى المياه الجوفية في المنطقة، وفق المهندس الزراعي.

مع انحسار خطر الفيضان، يأمل سكان دير الزور العودة إلى منازلهم وأراضيهم المتضررة والحصول على تعويضات تخفف من خسائرهم، وتطلعات لأن تكون هذه الأزمة مؤقتة لا تترك آثارًا طويلة الأمد على حياتهم، في محافظة لا يزال 21 حيًا من أصل 24 حيًا في مركزها مدمرًا، إلى جانب انتشار مخلفات الحرب وضعف الخدمات الأساسية، وهو ما يجعل التعافي من أي كارثة أو أزمة جديدة أكثر تعقيدًا وكلفة.

علاماتالجزيرة السورية ، الزراعة في سوريا ، الفيضانات ، النزوح السوري الداخلي ، دير الزور
مواضيعالجزيرة السورية ، الزراعة في سوريا ، سد الفرات ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

الأردن والمسجد الأقصى.. هل وصلنا إلى مرحلة الخيارات الوجودية؟

بيتر أوبورن٣٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

هل تكون حرب ترامب على إيران “أزمة سويس” جديدة؟

دان جليزبروك٣٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

كيف تجرّم أوروبا وأمريكا مشاركة المسلمين في الحياة المدنية؟

فريد حافظ٣٠ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑