• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

من خنادق الثورة إلى مكاتب الدولة.. لماذا يتغيّر الثوار؟

بسام السليمان٣٠ مايو ٢٠٢٦

في كل مرّة يظهر فيها مسؤول سوري بحالة رسمية زائدة عن حدّ الأعراف الثورية ونراه يتحدّث بلهجة سياسية باردة بعيدة عن حرارة الخطاب الثوري وأدبياته، أو نراه في أحد المقاهي الفاخرة أو يسير في موكب سيارات فارهة، تشتعل الكثير من الأسئلة: هل تغيير الثوّار؟  وهل تخلّوا عن مبادئهم؟!

لا نجد هذه الأسئلة على بعض الصفحات الصفراء التي تعتمد التشكيك منهجًا لها فقط، نجدها أيضًا في صدورنا نحن أبناء الثورة والمؤمنين بمشروع الدولة.

فهل هذا التغير خيانة للمبادئ الثورية؟ أم أنّنا أمام قانون تاريخي يفرض على الثائرين التحول بعد وصولهم للحكم؟ وهل المشكلة في التغير نفسه أم بدرجته وسرعته وإدارة مظاهره؟

هل عند ماكس فيبر الخبر اليقين؟

يمكن اعتبار كتابات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في كتابه “الاقتصاد والمجتمع” من أدقّ ما كُتب في الثورة والسلطة والانتقال بينهما، فقد قسّم فيبر السلطة إلى ثلاثة أنواع:

  1. السلطة التقليدية المتوارثة: التي تستمد شرعيتها من أعراف الآباء والأجداد.
  2. السلطة القانونية العقلانية: التي تستمد شرعيتها من المؤسسات والقانون.
  3. السلطة الكاريزماتية: التي تستمد شرعيتها من طبيعة الثورة ونبل أهدافها، ومن الشخصية الثورية الجامحة والنبيلة لا سيّما الشخصية الثورية القيادية ذات القدرات والمهارات الكبيرة التي تمكّنها من قيادة الثورة وإسقاط النظام السابق.

والثورات بطبيعتها ومنها ثورتنا السورية، تعيش على شرعية السلطة الكاريزماتية للثورة؛ فالثوّار وقيادتهم يكسرون الشرعية السابقة ويؤسسون شرعيةً جديدة نابعة من كاريزما الثورة والثائرين ونبل تضحياتهم من أجل قضايا شعبهم لا من قانون مكتوب أو عرف ملكي أو عشائري.

وبالرغم من أنّ شرعية الكاريزما الثورية تشكّل عاملًا رئيسًا في نجاح الثورات، إلا أنّها بطبيعتها الحادّة والنزِقة غير كافية لوحدها لإدارة وزارات وأجهزة حكومة وحل خلافات مؤسساتية يومية، لهذا يجد الثوار أنفسهم مضطرين لمأسسة الكاريزما الثورية بعد وصولهم للحكم إذا أرادوا الاستمرار فيه.

روتينية الكاريزما الثورية… اضطرار لا يبرّر الأخطاء

يسمّي فيبر مأسسة الكاريزما بـ روتينية الكاريزما (Routinization of Charisma) ويقصد بها العملية التي يتمّ فيها تحويل الطاقة الثورية إلى طاقة لبناء المؤسسات والالتزام بأنظمتها وقوانينها، هذا الانتقال ليس اختياريًا، إنه ضرورة وجودية؛ لأنّه لا يمكن لأي بلد أن يصل إلى الاستقرار المستدام على المدى البعيد اعتمادًا على كاريزما قائد أو حماسة نخبة ثورية فقط، ولهذا، لا بدّ  من التغيير و مأسسة الكاريزما للوصول إلى منظومة حكم قانونية عقلانية تستمدّ شرعيتها من المؤسسات والقانون، وتضمن استدامة الاستقرار حتى بعد غياب قادة الثورة ونخبها.

هذا هو المسار الطبيعي الذي تفرضه حركة التاريخ، إنّه بمثابة إشعار بأنّ الدولة تولد، وبأنّه لا بدّ للخطيب الثوري الذي كان يُلهب المشاعر من أن يصبح مفاوضًا يزن كلّ كلمة قبل أن يقولها، ولا بدّ للثائر النزق من أن يصبح ضابطًا يلتزم بالتسلسل القيادي.

متى وكيف يصبح التغيّر خطيرًا؟

يمكن للتغيير أن ينقلب إلى أزمة حقيقية إن لم تتمّ إدارته بحكمة وحذر، المطلوب هنا بدقّة ليس منع التغيير بل إدارة سرعته ودرجته ومظاهره بما يجنّب السلطة الجديدة الوقوع في المشاكل والأزمات لا سيما في سياق الثورات المعقدة التي بذلك الكثير من التضحيات الكبيرة كثورتنا السورية فيمكن في حال عدم الإدارة الحكيمة لهذا التحوّل الوقوع في عدّة أزمات أبرزها:

أزمة الشرعية الرمزية

تقوم الشرعية الثورية على صورة رمزية أخلاقية، صورة الثائر الذي يتجاوز ذاته ويضحّي لأجل الناس، والتحوّل السريع والمبالغ فيه نحو مظاهر الحكم يهدّد بتشويه هذه الصورة وبالتالي بتآكل سريع لرصيد الشرعية الرمزية الذي لا يمكن أن تعوّضه أي مؤسسة مهما بلغت من القوة والكفاءة.

أزمة الهوية الجماعية

داخل كل ثورة هناك تيار محافظ بنى هويته الكاملة على نقاء المبادئ والتضحية لأجلها، ومع التحوّل السريع والكبير يمكن أن تحدث لدى أبناء هذا التيار أزمة هوية جماعية حقيقية؛ حيث يشعرون بأنّ الهوية التي عاشوها وضحوا لأجلها وكانوا شركاء فيها طيلة سنوات الثورة بدأت تتلاشى ويتمّ استبدالها بهوية جديدة ربّما ليسوا شركاء فيها أساسًا، هذا التيار لا يشكّل خطرًا بذاته، الخطر يأتي من عدم إدارة التحوّل وما يخلّفه من مشاعر وأزمة هوية عند أبناء هذا التيار.

كيف يدار هذا التغيير بأمان؟

يمكن إدارة هذا التحوّل عبر تزامنه مع عدّة خطوات يمكن اعتبارها شروطًا للتحوّل الآمن:

  1. التواصل الفعال والشرح والتفسير: وتعني قيام القيادة بصفوفها الأولى والثانية بالحديث المستمرّ والشفاف مع قواعدها وشعبها عن ضرورة وحتمية هذا التغيير وأسبابه ومتطلباته، وعدم ترك فجوات تفسيرية يملؤها المشكّكون، تخبرنا التجارب أنّ الشعوب تكون أكثر تقبّلًا للتغيير حين يُشرح لها باستمرار ويتحوّل إلى جزء من قناعاتها.
  2. التدرّج والوسطية في مظاهر التحول: حين يكون التغيير سريعاّ وكبيرًا في درجته تكون أزمتا الشرعية الرمزية والهوية الجماعية أكثر حدّة، وهذا يهدّد باستنزاف الرصيد الأخلاقي والشرعي للثوار المنتصرين، لا سيّما أنّ الشعوب في مراحل ما بعد الثورات المسلّحة تكون منهكة اقتصاديًا.
  3. استيعاب التيار الثوري المحافظ وجعله جزءًا من المسار الجديد حتى لا يتحوّل من شريك في الثورة إلى طرف يمكن أن يُُضعف مسار بناء الدولة.

الخلاصة: انتقال الثوار المنتصرين من عقلية الخندق ومظاهره إلى عقلية الدولة ومظاهرها ضرورة تفرضها حركة السياسة والمجتمع ويثبتها التاريخ، لكنّ الضرورة لا تبرّر الأخطاء ولا تعني قبول تغيير كبير وسريع لا يراعي التوازن بين قيم الثورة ومتطلبات الدولة، ولا تبرّر المظاهر التي تجعل من وصلوا إلى مكاتب الدولة عبر الخندق يبدون كمن نسوا مبادئ وتضحيات رفاق الخندق.

علاماتأحمد الشرع ، الثورة السورية ، الشأن السوري ، سوريا.. صفحة جديدة
مواضيعأحمد الشرع ، الثورة السورية ، الشأن السوري ، سوريا حرة ، هيئة تحرير الشام

قد يعجبك ايضا

آراء

لا أحد يمثّل السياسة الإسرائيلية اليوم أفضل من بن غفير

بن ريف٢٣ مايو ٢٠٢٦
آراء

من المسؤول عن جريمة الكراهية في سان دييغو؟

جمال كنج٢٣ مايو ٢٠٢٦
آراء

لماذا تحتاج مصر إلى الإمارات وتخشاها في آن واحد؟

ذي إيكونوميست٢٣ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑