• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أول مسح جوي منذ 4 عقود.. عن ماذا تبحث مصر في عمق الصحراء؟

نون إنسايت٣١ مايو ٢٠٢٦

تبحث الحكومة المصرية عن رفع مساهمة قطاع التعدين بالناتج المحلي

قبل أواخر مايو/أيار 2026، لم تكن طائرات المسح قد بدأت قراءة الصحراء المصرية بعد، لكن في مطار “مرسى علم” وقعت مصر عقدا لإطلاق أول مسح جوي جيوفيزيقي شامل منذ أكثر من أربعة عقود مع شركة “إكسكاليبر سمارت مابينغ” الإسبانية.

هذا الحدث لم يكن مجرد بروتوكول توقيع بل إعلان عن محاولة لإعادة رسم خريطة ثروات مصر المدفونة تحت الرمال وخاصة أن آخر مسح جوي شامل يعود إلى مطلع الثمانينيات.

إذ أوضحت دراسة لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن البيانات المغناطيسية المتوفرة آنذاك غطت 65% من البلاد وأن الصحراء الشرقية كانت شبه خالية من القياسات. ومنذ ذلك الحين، اعتمدت مصر على خرائط متقادمة، فيما تسارعت تقنيات الاستشعار عن بعد وتغيرت حسابات المستثمرين.

كما جاءت الخطوة بعد سلسلة إصلاحات تشريعية غيرت وجه قطاع التعدين، فقد حُوِّلت هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية المصرية إلى كيان اقتصادي مستقل، وأُلغيت أنظمة تقاسم الإنتاج، وخُفِّضت حصة الدولة في المشروعات إلى 10%، وأُطلقت بوابة رقمية لتسهيل إصدار التراخيص.

ومع هذا التغيير، تبحث الحكومة عن رفع مساهمة قطاع التعدين بالناتج المحلي من أقل من 1% إلى نحو 6% خلال السنوات القليلة المقبلة، لكن النجاح لن يعتمد على إصلاحات القوانين فحسب، بل على قدرة النظام على بناء قاعدة بيانات حديثة متاحة للمستثمرين تشجعهم على المجازفة.

أين ستبحث مصر وماذا تستهدف؟

يغطي المسح عدة مناطق رئيسة: شمال وجنوب الصحراء الشرقية، سيناء، شمال وجنوب الصحراء الغربية، ومنطقة الواحات البحرية وأبو طرطور.

وتعد الصحراء الشرقية، الممتدة بمحاذاة البحر الأحمر، جزءًا من الدرع العربي النوبي الغني بعروق معدن الكوارتز الحاملة للذهب والنحاس والزنك. وهنا يوجد منجم السكري – النموذج الناجح الوحيد تقريبًا – الذي أنتج نحو 500 ألف أوقية من الذهب عام 2025.

فيما يضم جنوب هذه الصحراء مؤشرات لمعادن نادرة مثل التانتالوم والقصدير والنيوبيوم في مناطق مثل أبو دباب ونويبي.

على الجانب الآخر، تحمل الصحراء الغربية تناقضًا مختلفًا، ففي الشمال، يوجد حزام الحديد في واحة البحرية، الذي تتراوح نسبته بين 45 و53%.

يغطي المسح عدة مناطق رئيسة بينها شمال وجنوب الصحراء الشرقية وسيناء وشمال وجنوب الصحراء الغربية

وعلى سواحل البحر المتوسط، خارج قلب الصحراء الغربية ولكن ضمن خريطة الثروات المعدنية في الشمال، تنتشر الرمال السوداء التي تحتوي على معادن ثقيلة مثل الإلمنيت والزركون والمونازيت، وتقدر احتياطياتها بنحو 1.3 مليار متر مكعب.

وفي الجنوب، تكشف صخور جبل العوينات والامتدادات القريبة من الصحراء الغربية عن مؤشرات جيولوجية تضم المغنتيت والهيماتيت.

أما سيناء، فتعرف بمناجم المنغنيز في أم بجمة والنحاس بوادي عربة والفحم في المغارة، إضافة إلى وجود رواسب جبس وكاولين وعناصر أرضية نادرة. وتظل البيانات هناك متقطعة وقديمة، لكن الموقع الاستراتيجي للمنطقة يجعل تطويرها محركًا اقتصاديًا وسياسيًا.

وفي هضبة أبو طرطور بالوادى الجديد تقع أكبر احتياطيات الفوسفات في مصر بأكثر من مليار طن، في وقت يخطط النظام المصري لبناء مجمع لإنتاج حمض الفوسفوريك بطاقة 250 ألف طن سنويًا، مما يعكس أهمية الانتقال من تصدير الخام إلى التصنيع.

كيف يقرأ المسح الجوي باطن الأرض؟

المسح الجوي الجيوفيزيقي يشبه إلى حد ما تصويرًا شعاعيًا لأعماق الأرض، لكن بدل الأشعة السينية تستخدم الطائرات حقولًا مغناطيسية وإشعاعية وكهرومغناطيسية لقراءة ما لا تراه العين.

تطير الطائرات على ارتفاعات منخفضة (نحو 60 مترًا) في خطوط متوازية تفصل بينها مسافات منتظمة (قرابة 200 متر)، حاملة أجهزة استشعار حساسة مثل:

  • المغناطومتر: يقيس التغيرات الصغيرة في المجال المغناطيسي، ما يساعد على تحديد الصخور الغنية بالحديد ورصد الصدوع والقواطع النارية.
  • مقياس طيف أشعة جاما: يرصد الإشعاع الطبيعي المنبعث من السطح إلى عمق 50 سم، مما يميز الصخور الغنية بالبوتاسيوم أو الثوريوم أو اليورانيوم – وهو أمر مهم للبحث عن الفوسفات واليورانيوم.
المسح الجوي الجيوفيزيقي يشبه إلى حد ما تصويرًا شعاعيًا لأعماق الأرض

هناك أيضًا المسح الكهرومغناطيسي الجوي (AEM)، وفيه تُعلّق حلقة أسفل المروحية تبث موجات منخفضة التردد وتستقبل الاستجابة الكهربائية للأرض حتى عمق يزيد على 300 متر.

وتُعد هذه التقنية مفيدة لكشف خامات الكبريتيدات التي قد تحتوي على النحاس والزنك، كما تُستخدم في دراسات المياه الجوفية.

بعد جمع البيانات، تُعالج باستخدام برامج متقدمة لتكوين خرائط ونماذج ثلاثية الأبعاد، يمكن أن توصف بأنها “توأم رقمي” لطبقات الأرض.

ولا ترى هذه الطائرات الذهب أو الفوسفات مباشرة، بل تقيس مؤشرات فيزيائية تشير إلى تغيرات في الصخور قد تكون مرتبطة بمعادن معينة. لذا يمثل المسح خطوة أولى لتقليل عشوائية الحفر واختيار المواقع الواعدة بدلًا من الاعتماد على التخمين.

كيف تتحول البيانات إلى استثمار؟

بعد أن تنتهي الطائرات من جمع البيانات وتحوّلها إلى خرائط ثلاثية الأبعاد، تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدًا: التحليل واختيار الأهداف.

ويستخدم الجيولوجيون والخبراء برامج لمعالجة المعلومات وتحديد “شذوذات” مغناطيسية أو إشعاعية قد تشير إلى وجود خامات معدنية.  ولا تعني هذه المؤشرات اكتشافًا، لكنها ترشد فريق البحث إلى مناطق تستحق استكشافًا ميدانيًا.

تتمثل الخطوة التالية في المسح الأرضي، حيث يستخدم الجيولوجيون أجهزة محمولة لقياس الخصائص نفسها بدقة أعلى وجمع عينات صخرية لتحليلها.

إذا أكدت هذه الاختبارات وجود معادن، تبدأ مرحلة الحفر الاستكشافي لتقدير حجم وعمق وجودة الخام. وعلى أساس هذه البيانات، تُقرر الجهات المسؤولة طرح مناطق محددة في مزايدات دولية لجذب شركات استكشاف متخصصة.

عندما تفوز شركة بحق الاستكشاف، تُمنح فترة (غالبًا سنتان قابلة للتمديد) لإجراء دراسات مفصلة. وإذا أثبتت الدراسة وجود “كشف” ذي جدوى اقتصادية، يُصنَّف لاحقًا كـ”احتياطي” بعد التحقق من الكمية وجودة الخام وظروف التعدين.

بعدها تبدأ إجراءات الترخيص لإقامة منجم تجاري، تشمل تقييم الأثر البيئي والبنى التحتية. وقد تستغرق كل هذه الخطوات سنوات، لكن المسح الجوي يسهم في تقليص الزمن والتكلفة عبر استبعاد المناطق غير الواعدة مبكرًا.

ما العقبات أمام تحويل الثروة إلى صناعة؟

رغم حماس النظام المصري للاستكشاف، فإن وجود معدن في باطن الأرض لا يكفي لإقامة منجم مربح، فالعوامل التي تحدد الجدوى تشمل حجم الاحتياطي، وعمق الخام، ونسبة تركيز المعدن، ووجود شوائب.

وحتى لو كانت الكميات كبيرة، قد يتطلب استخراجها استثمارات ضخمة في الكهرباء والمياه والطرق والموانئ، وهو ما يرفع التكاليف.

كذلك تعد البيئة عاملًا حاسمًا، فمناطق الواحات وسيناء تتميز ببيئات هشة ومجتمعات محلية تعتمد على الزراعة أو الرعي.

كما أن أي مشروع تعدين يجب أن يضمن مصادر بديلة للمياه ويحافظ على التنوع البيولوجي ويقدم منافع للسكان المحليين. كما أن البيروقراطية وغياب الشفافية يمكن أن تؤخر تنفيذ المشاريع رغم الإصلاحات الأخيرة.

أي مشروع تعدين يجب أن يضمن مصادر بديلة للمياه ويحافظ على التنوع البيولوجي

وتبرز حالة منجم السكري أن النجاح ليس سهلًا ولا سريعًا، كما تظل رواسب الفوسفات بأبو طرطور مثالًا على ضرورة الانتقال من استخراج الخام إلى التصنيع.

إذ أن مشروع إنتاج حمض الفوسفوريك يمثل محاولة لتغيير نموذج الأعمال التقليدي. وبالمثل، فإن استغلال الرمال السوداء ينبغي أن يشمل إقامة مصانع لمعالجة المعادن الثقيلة بدلاً من بيعها خامًا.

في النهاية، قد تفشل الاستثمارات إذا ظلت البنية التحتية غير كافية أو إذا لم تُوفَر بيانات مفتوحة للمستثمرين، أو إذا استمر التعقيد الإداري.

لذلك لا بد أن تُترجم رؤية المسح إلى خطة متكاملة تشمل تطوير الطرق والموانئ وتعزيز الكفاءات المحلية وإنشاء مصانع تحويلية.

علاماتاقتصاد مصر ، الاقتصاد المصري ، الثروات ، الثروات الطبيعية ، الثروات الطبيعية في مصر

قد يعجبك ايضا

اقتصاد

ما دور المجتمع المدني في مواجهة التسويات مع حيتان نظام الأسد؟

فتون استانبولي٢٨ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

بين الداخل والخارج.. كيف يتفاعل السوريون مع قرارات الحكومة السورية؟

باسل المحمد٢٧ مايو ٢٠٢٦
اقتصاد

مصانع حلب تعود ببطء.. لماذا لا تعمل بكامل طاقتها؟

نون إنسايت٢٥ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑