• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

تكلفة المغامرات العسكرية الأمريكية على الدول المضيفة.. هل تقلب إيران المعادلة؟

راشيل ميتز٩ يونيو ٢٠٢٦

طائرة تابعة لسلاح الجو الأمريكي تقلع من قاعدة في الشرق الأوسط، مارس/ آذار 2026.

ترجمة وتحرير: نون بوست 

لا تزال دوافع إدارة ترامب لشن الحرب على إيران موضع تساؤل. لكن في خضم النقاشات الدائرة حول حالة البرنامج النووي الإيراني ووضع النظام، يتم تجاهل عامل حاسم: شنت الولايات المتحدة حربًا على بعد أكثر من 6000 ميل من حدودها لأنها كانت قادرة على ذلك.

من المفترض أن تواجه الدول – حتى التي تمتلك جيوشًا كبيرة وقوية – صعوبات في بسط نفوذها العسكري بعيدًا عن أراضيها. الأسلحة والطائرات لها مدى محدود، وإعادة إمداد الجبهات البعيدة أمر في غاية الصعوبة.

ومع ذلك، ضرب الجيش الأمريكي خلال العام الماضي وحده أهدافًا في فنزويلا ونيجيريا والصومال وإيران والعراق وسوريا واليمن.

ومنذ الحرب العالمية الثانية، خاضت الولايات المتحدة حروبًا وشنت عمليات عسكرية واسعة النطاق في العديد من الدول، بينها أفغانستان والبوسنة وكوسوفو وكمبوديا وجمهورية الدومينيكان وغرينادا وإيران والعراق وكوريا ولبنان وليبيا وبنما وفيتنام. قدرة الولايات المتحدة على استخدام قوة نارية ساحقة في أي مكان في العالم أمر أصبح مفروغًا منه بالنسبة للأمريكيين وبقية دولة العالم.

استطاع الجيش الأمريكي التغلب بشكل كبير على مشكلة بعد المسافة لأن دولًا عدة حول العالم سمحت له باستخدام أراضيها لخوض الحروب. على سبيل المثال، سمحت أوزبكستان للولايات المتحدة بنشر وحداتها العسكرية الخاصة التي غزت أفغانستان عام 2001، وسمحت باكستان بالعمليات اللوجستية والاستخباراتية التي سهّلت ودعمت العمليات القتالية طوال فترة الحرب.

أطلقت واشنطن عملية غزو العراق عام 2003 انطلاقا من الأراضي الكويتية، ودخلت الوحدات الخاصة إلى غرب العراق عبر الأردن. وعندما نفّذ سلاح الجو الأمريكي عملية “إلدورادو كانيون” ضد نظام العقيد معمر القذافي عام 1986، أقلعت الطائرات الهجومية الأمريكية من قواعد في الأراضي البريطانية.

لم تكن عملية “الغضب الملحمي” استثناءً لهذه التقاليد الراسخة. سمحت الدول المضيفة للجيش الأمريكي بنقل قوته القتالية الهائلة عبر حدودها في الطريق من قواعده البعيدة إلى الشرق الأوسط، كما سمحت لسفن الإمداد الأمريكية باستخدام موانئها لتزويد حاملات الطائرات بالوقود، وسمحت لسلاح الجو الأمريكي بتنفيذ طلعات من أراضيها ضد أهداف في إيران.

عندما تفكر الدول بشن حرب، فإن أحد العوامل التي تأخذها بعين الاعتبار هو قدرتها على تحقيق أهدافها العسكرية بتكلفة مقبولة. يتيح الوصول غير المقيّد في زمن الحرب للولايات المتحدة بخوض حروب في مناطق بعيدة عن أراضيها ويقلل التكاليف التي تتكبدها في أي عملية.

قدرة الولايات المتحدة على شن الحروب بسهولة نسبية في مختلف أنحاء العالم قد يكون أمرا إيجابيا. فمعرفة الدول بإمكانية وصول الجيش الأمريكي إلى مسافة قريبة من حدودها قد يدفعها إلى إعادة النظر في قرارات الهجوم على جيرانها.

لكن الكفاءة وانخفاض التكلفة قد يشجعان الولايات المتحدة على اللجوء إلى العمل العسكري بشكل آلي، حتى إذا لم تكن الحرب أفضل وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية. باختصار، إمكانية الوصول إلى أبعد المناطق في زمن الحرب يزيد احتمالات انجرار الولايات المتحدة إلى حروب لا تستند إلى قرارات حكيمة.

بعد الحرب مع إيران، قد تبدأ الدول بإعادة النظر في تساهلها مع الولايات المتحدة. عجزت واشنطن عن حماية حلفائها الخليجيين من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وقد يخشى حلفاء آخرون أن يصبحوا عرضة لخطر مماثل.

إذا لم يعد بإمكان الولايات المتحدة التمتع بحرية الوصول في زمن الحرب، فقد تفقد جزءًا من نفوذها العالمي. لكن وجود عوائق إضافية أمام شن العمليات العسكرية قد يساعد في إثناء الولايات المتحدة عن خوض حروب طائشة.

قواعد بعيدة عن الوطن

من الناحية النظرية، تواجه الدول صعوبات في بسط نفوذها العسكري بعيدًا عن أراضيها لسببين رئيسيين. أولًا، معظم أنظمة الأسلحة لها مدى محدود. لا تستطيع المدافع إصابة أهدافها من وراء المحيطات، ولا تستطيع الطائرات السفر لمسافات بعيدة دون التزود بالوقود، كما لا يستطيع الطيارون التنقل لمسافات طويلة دون أخذ قسط من الراحة. لاستخدام الأنظمة قصيرة المدى، يجب على الجيوش أولًا تقليص المسافة الفاصلة بينها وبين الخصم.

ثانيًا، تتطلب العمليات القتالية دعما لوجستيا وإمدادات مختلفة. تستهلك العمليات القتالية واسعة النطاق كميات هائلة من الوقود والذخيرة، وتحتاج الدبابات والطائرات إلى الصيانة وقطع الغيار، ويحتاج الجنود إلى الطعام والماء والمساعدات الطبية وعمليات الإجلاء.

يتطلب استمرار العمليات القتالية كميات كبيرة من البضائع، وأعدادًا كبيرة من المركبات لنقل الإمدادات وطواقم للتشغيل. وكلما زادت المسافة من المستودعات إلى الجبهة، زاد طول خطوط الإمداد وزادت الحاجة إلى وسائل النقل. لذلك فإن أكبر الجيوش وأكثرها اقتدارًا قد تصل بسرعة إلى حدود قدراتها اللوجستية، خاصة عندما تعطي الأولوية لأنظمة القتال الأكثر تطورا على حساب قدرات الدعم الأقل جاذبية.

تمكنت الولايات المتحدة من تجاوز هذه العقبات. فقد استحوذت رسميًا على أراضٍ ذات مواقع استراتيجية مثل غوام وجزر ماريانا الشمالية، واستثمرت في الأنظمة بعيدة المدى والطيران البحري. لكن حق الوصول في أوقات الحرب – أي سماح الدول للولايات المتحدة بخوض الحروب من داخل أراضيها – كان حجر الزاوية في استراتيجية واشنطن لبسط نفوذها العسكري والحفاظ عليه في جميع أنحاء العالم.

تمنح الدول حق الوصول في أوقات الحرب عندما تسمح للقوات العسكرية بالعبور من أراضيها والقيام بعمليات قتالية وعمليات دعم من داخل حدودها. يمكن للدول تقييد هذا الوصول بعدة طرق، مثل السماح بعمليات الدعم دون العمليات القتالية، أو السماح بعمليات دفاعية دون عمليات هجومية. كما يمكنها السماح باستخدام المجال الجوي دون أي امتياز آخر، أو يمكنها رفض منح حق الوصول في أوقات الحرب بشكل كامل.

أقامت الولايات المتحدة مئات القواعد والمنشآت العسكرية حول العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وغالبًا ما تسمح الدول – التي تتيح للجيش الأمريكي العمل من داخل حدودها في أوقات السلم – بخوض الحروب انطلاقا من أراضيها أيضا.

كما منحت العديد من الدول التي لا توجد فيها قوات أمريكية في أوقات السلم، الولايات المتحدة حق استخدام أراضيها في أوقات الحرب. قبل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، لم يكن للولايات المتحدة الكثير من اتفاقيات التعاون العسكري مع جيران أفغانستان، لكنها حصلت على حق الوصول في أوقات الحرب من الكويت وقيرغيزستان وعمان وقطر وباكستان والإمارات العربية المتحدة لشن عملية “الحرية الدائمة”.

وتعتمد خطط واشنطن لمواجهة محتملة مع الصين بشأن تايوان على الوصول إلى قواعد في أستراليا واليابان، وربما الفلبين وكوريا الجنوبية.

القدرة على الوصول في أوقات الحرب تضع القوة النارية الهائلة للأنظمة الأمريكية قصيرة المدى في نطاق العدو، وتقلّص خطوط الإمداد بما يتيح استدامة الدعم اللوجستي. باختصار، هذه القدرة تجعل أي دولة في العالم – مهما كانت بعيدة عن السواحل الأمريكية – جارة للولايات المتحدة.

ضيوف الخليج

مثلما فعلت في كل العمليات القتالية التي خاضتها بعيدا عن أراضيها منذ الحرب العالمية الثانية، استغلت واشنطن نفوذها الواسع خلال الحرب في إيران استغلالا كاملا. لم تكن الدول صريحة للغاية بشأن قراراتها بالسماح للجيش الأمريكي باستهداف إيران من داخل أراضيها، لكن التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة دليل بحد ذاته على استغلال أراضيها.

في فبراير/ شباط، جمعت الولايات المتحدة أكبر حشد عسكري لها في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003، ونقل سلاح الجو الأمريكي مئات الطائرات من قواعد في الولايات المتحدة وأوروبا إلى قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، بدعم من طائرات الشحن والتزود بالوقود التي توقفت في قواعد مختلفة ضمن “جسر جوي” ضخم.

من هناك، تم توزيع الطائرات على قواعد في أنحاء الشرق الأوسط. أقلعت طائرات إف-22 وإف-35 من قاعدة العديد الجوية في قطر، أكبر منشأة عسكرية أمريكية في المنطقة، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، التي كانت مركزًا للعمليات الجوية خلال الحرب.

كما أقلعت مقاتلات أخرى وطائرات للدعم اللوجستي من قواعد في البحرين والأردن والسعودية. وعملت أجهزة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع من قواعد في الكويت والإمارات.

بالإضافة إلى ذلك، أتاحت إمكانية الوصول في أوقات الحرب تنفيذ الجزء البحري من عملية “الغضب الملحمي”. على سبيل المثال، تعمل حاملتا الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جيرالد فورد” في المياه الدولية ببحر العرب، لكن وجودهما يعتمد جزئيًا على الدول التي توفر الموانئ التي تتزود منها السفن الأمريكية بالوقود والذخيرة وخدمات الصيانة وقطع الغيار.

وعندما تعطلت “جيرالد فورد” بسبب حريق على متنها، غادرت المنطقة متجهة إلى كرواتيا، لترسو في في قاعدة الدعم البحري الأمريكية “سودا باي”، وهي منشأة تابعة للبحرية الأمريكية في جزيرة كريت اليونانية، حيث خضعت لأعمال الصيانة والإصلاح.

ورغم أن التفاصيل الدقيقة مازالت غير معروفة، فإن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز يكاد يكون مستحيلًا دون إمكانية الوصول إلى الموانئ في المنطقة أو بالقرب منها.

وقد دعمت القواعد الموجودة في دول أخرى تدفق القوات البرية الأمريكية إلى الشرق الأوسط. ففي أبريل/ نيسان، بينما كانت إدارة ترامب تدرس شن عمليات برية، تم نشر آلاف من مشاة البحرية الأمريكية وحوالي 1000 جندي أمريكي في مواقع لم يُكشف عنها في الشرق الأوسط.

منع الوصول العسكري

لم تكن إمكانية الوصول في زمن الحرب أمرا سهلا باستمرار بالنسبة لواشنطن. صدمت تركيا الولايات المتحدة عندما رفضت السماح للقوات الأمريكية بفتح جبهة شمالية ضد العراق عام 2003. كما زادت باكستان من تعقيد عمليات التحالف في أفغانستان عام 2011 بإغلاق خطوط التواصل البري التي تربط ميناء كراتشي بأفغانستان. ولم يرحب جميع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها بالجيش الأمريكي خلال الحرب ضد إيران.

رفضت إسبانيا بشكل قاطع السماح للجيش الأمريكي بالوصول إلى القواعد المشتركة في روتا ومورون خلال الأيام الأولى للحملة، وأغلقت مجالها الجوي أمام الجيش الأمريكي في أواخر مارس/ آذار، وفعلت فرنسا الشيء نفسه حسب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

كما رفضت إيطاليا منح حقوق الهبوط لعدد من القاذفات الأمريكية في قاعدة سيغونيلا شرق جزيرة صقلية. ولم تفعّل تركيا خلال الحرب سوى أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” وأنظمة الإنذار والسيطرة المحمولة جوًا لحماية المجال الجوي التركي، وأعلنت أنقرة رفضها السماح بشن العمليات القتالية. ونظرًا لموقع تركيا كدولة مجاورة لإيران، كان من شبه المؤكد أن ينفذ الجيش الأمريكي عمليات عسكرية انطلاقا من قاعدة إنجرليك لو حصل على موافقة تركيا.

ترددت دول أخرى، قبل أن تتنازل في نهاية المطاف. بعد أن أعربت معظم دول الخليج عن رغبتها في تجنب الحرب، قررت منح واشنطن حق الوصول بمجرد اندلاعها. ورفضت سويسرا عدة طلبات أمريكية لاستخدام مجالها الجوي في الأسابيع الأولى من الحرب، لكنها وافقت على طلبات أخرى للعبور فوق أراضيها. كما سمحت المملكة المتحدة للطائرات الأمريكية بالإقلاع من قواعد على أراضيها بعدما أظهر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعض التردد في أوائل مارس/ آذار.

بشكل عام، صبت مواقف الحلفاء والشركاء المترددة في البداية، والمتساهلة لاحقا، في صالح الوصول العسكري الأمريكي، دون أن تستفيد تلك الدول.

عندما تسمح الدول لجيوش أجنبية بخوض الحروب من داخل أراضيها، فإنها تقرر بذلك أن تصبح جزءًا من ساحة المعركة. بالنسبة لدول الخليج التي جعلها قربها من إيران ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة في بسط نفوذها العسكري، عرّضها ذلك أيضًا للضربات الانتقامية.

ردّت إيران الفعل بكل قوة. منذ الأيام الأولى للحرب، أطلقت أكثر من 5000 صاروخ وطائرة مسيّرة على أهداف في المنطقة. وقد ركّزت الضربات الأولى على القواعد والبنى التحتية العسكرية التي تضم القوات الأمريكية، وأصابت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية عددا من هذه المنشآت، بما في ذلك قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة علي السالم ومعسكر بيوري في الكويت، وقاعدة العديد الجوية في قطر، ومنشأة الدعم البحري في البحرين، ومينائي الدقم وصلالة في عُمان.

تحمّلت الإمارات الشق الأكبر من الانتقام الإيراني. اعترضت أبوظبي نحو 3000 ضربة بالطائرات المسيّرة والصواريخ منذ بداية الصراع، وفق وزارة الدفاع الإماراتية. وكانت قاعدة الظفرة الجوية، وهي مقر رئيسي للقوات الأمريكية خلال الحرب، من أوائل الأهداف الإيرانية.

استهدفت طهران بنى تحتية حيوية في دول تعتبرها داعمة للجهد الحربي الأمريكي الإسرائيلي، بما في ذلك محطات تحلية في البحرين، ومواقع مدنية في مختلف دول الخليج. أدى القصف الأخير في 3 يونيو/ حزيران إلى إخراج المطار الرئيسي في الكويت من الخدمة.

تهدف إيران إلى أمرين: عرقلة العمليات العسكرية الأمريكية، وإجبار الحكومات المضيفة على طرد القوات الأمريكية. يبدو أنها نجحت جزئيًا في تحقيق الهدف الأول، فقد اضطرت القوات الأمريكية إلى مغادرة قواعدها التي تعرضت لأضرار والانسحاب إلى مواقع أخرى مؤقتة.

لكنها فشلت في الهدف الثاني. بدلاً من النأي بنفسها عن واشنطن، قلصت العديد من الدول المضيفة التي تعرضت للهجوم القيود المفروضة على الوصول العسكري الأمريكي بهدف دعم جهودها الدفاعية وتمكين القوات الأمريكية من اعتراض الهجمات الإيرانية، وانضمت الإمارات إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في شن غارات على إيران.

لكن الدرس الذي قد تستخلصه الدول الأخرى من تجربة دول الخليج، هو أن منح حق الوصول في أوقات الحرب أمر خطير للغاية.

ضمانات غير ممكنة

منذ الحرب العالمية الثانية، استطاعت معظم الدول التي سمحت للولايات المتحدة بخوض حروب من داخل حدودها أن تضمن أنها لن تواجه أي رد فعل انتقامي. لكن بعض الدول التي منحت للجيش الأمريكي حق الوصول، سواء لمحاربة تنظيم الدولة في العراق وسوريا، أو لغزو العراق في 2003، أو لطرد القوات العراقية من الكويت في عام 1991، تعرضت لردود فعل انتقامية كبيرة من خصوم الولايات المتحدة.

كانت القوات الأمريكية قادرة على حماية الدول التي منحتها حق الوصول من أي ردود فعل انتقامية بفضل تفوقها العددي والتكنولوجي الساحق على خصومها، ولأن التكنولوجيا العسكرية آنذاك كانت تُرجّح كفة المدافع المتفوق تكنولوجيًا.

على سبيل المثال، تمكنت الولايات المتحدة من تحييد التهديد الذي شكلته القوات الجوية العراقية على تركيا في حرب الخليج الأولى عبر نشر طائراتها المقاتلة في قاعدة إنجرليك قبيل وأثناء عملية “عاصفة الصحراء”.

لكن انتشار الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، وصعوبة اعتراضها حتى من أعتى الجيوش، يوحي بأن الدول التي تتيح إمكانية استخدام أراضيها ستواجه ردودا انتقامية أكبر، وبأنه لا يمكن الوثوق بالحماية الأمريكية كما في السابق.

تكلفة إنتاج الصواريخ الباليستية وطائرات “شاهد” المسيّرة أقل بكثير من تكلفة الأنظمة اللازمة لاعتراضها. وحتى لو احتفظت الولايات المتحدة بهيمنتها العسكرية، فإنها ستجد صعوبة في حماية الدول التي تمنحها حق الوصول إذا تبنى الخصوم استراتيجية إيران المتمثلة في إطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة على الدول التي تساعد الولايات المتحدة في مجهودها الحربي.

تفكر الدول مليًا قبل منح الولايات المتحدة حق استخدام أراضيها في أوقات الحرب خوفًا من مواجهة هجمات مماثلة.

وإذا واجهت الولايات المتحدة خصمًا أكثر قوة، فقد تجد صعوبة أكبر في طمأنة الدول المضيفة. لنأخذ على سبيل المثال سيناريو الدفاع عن تايوان ضمن مواجهة محتملة مع الصين: تعتمد خطط الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان ضد غزو صيني على إمكانية الوصول إلى قواعد في أستراليا واليابان (وربما الفلبين وكوريا الجنوبية). ضمن هذا السيناريو، يتعين على كانبرا وطوكيو ومانيلا وسيول التفكير فيما إذا كان السماح لسلاح الجو الأمريكي بالإقلاع من أراضيها سيؤدي إلى إطلاق وابل من الصواريخ الصينية على بنيتها التحتية العسكرية.

ونظرًا لمحدودية القدرة الأمريكية على تحييد الصواريخ الصينية دون اتخاذ خطوات تصعيدية، مثل مهاجمة الأقمار الصناعية أو تنفيذ ضربات ضد داخل البر الرئيسي الصيني، فإن التدخل للدفاع عن تايوان من داخل حدود دول حليفة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ سيجعل تلك الدول عرضة لانتقام صيني.

إذا أرادت واشنطن الاستمرار في بسط نفوذها العسكري حول العالم، يجب عليها التفكير في كيفية حماية الدول المضيفة بشكل أفضل. قد تطالب تلك الدول بضمانات أكبر قبل أن تسمح بدخول الجيش الأمريكي.

في بعض الحالات، قد يتمكن الجيش الأمريكي من تقديم تلك الضمانات والتفوق على خصومه، فما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق عسكري ساحق على معظم دول العالم. لكن في حالات أخرى، قد تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن حماية الدول المضيفة التي قد تقرر أن التحالف مع واشنطن لا يستحق تكلفة أي ضربة انتقامية.

قد يأتي اليوم الذي لا تسعى فيه واشنطن إلى بسط نفوذها العسكري عالميا بشكل روتيني. هناك آراء وجيهة تفيد بأن الولايات المتحدة ستكون أكثر أمنًا إذا قلصت وجودها العسكري الواسع عالميا، في ظل عدم وجود أي تهديد جدي على حدودها، والمحيطات الشاسعة التي تفصلها عن خصومها.

لكن إذا بدأت دول كثيرة برفض منح حق استخدام أراضيها في زمن الحرب، سوف يُتخذ القرار نيابة عن واشنطن. سيفقد الجيش الأمريكي القدرة على التدخل عسكريا ضد أي دولة في العالم، وسوف تنتهي الهيمنة العسكرية الأمريكية التي ميّزت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

قد يكون ذلك أمرًا إيجابيًا في نهاية المطاف. فإذا أصبح شن العمليات العسكرية أكثر صعوبة، ربما تقل قدرة واشنطن على خوض حروبها الطائشة.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، السياسة الأمريكية ، السياسة الأمريكية تجاه إيران ، الشأن الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، المشهد الإيراني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

عن المعركة التي طال انتظارها.. المسلمون في الانتخابات التمهيدية الأمريكية

هبة بعيرات٩ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

استراتيجية نتنياهو الأمنية تتهاوى على ثلاث جبهات

جدعون راخمان٩ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

تركيا وأرمينيا على طريق التطبيع.. هل تكفي المصالح لتجاوز أثقال الماضي؟

عماد عنان٩ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑