• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الحرب التي تدرّ ذهبًا.. كيف يمول الدعم السريع مشروعه؟

الفاتح محمد١٠ يونيو ٢٠٢٦

عناصر من قوات الدعم السريع- غيتي إيمجز

Also available in English

في مايو 2026، أعلنت الحكومة الموازية التي شكّلها “تحالف السودان التأسيسي” الذي يُهيمن عليه الدعم السريع تعيين وزراء للمالية والنقل والإعلام والتنمية الحضرية. وبالنسبة لكثير من المتابعين لمسار الحرب السودانية، يثير هذا الأمر سؤالاً أكثر أهمية يتعلق بمسار التمويل، أو بصيغة اخرى: من أين تأتي الأموال التي تمكّن هذا الكيان من تمويل نفسه؟

فإنشاء سلطة موازية يحتاج إلى موارد قادرة على تغطية النفقات الإدارية، وتمويل الأجهزة المدنية، والحفاظ على شبكة النفوذ التي تسمح باستمرار السيطرة على الأرض. وفي حالة الدعم السريع، تبدو الإجابة مرتبطة قبل كل شيء بالاقتصاد الذي نشأ داخل الحرب نفسها.

خلال السنوات الثلاث الماضية، وبينما انشغل العالم بتتبع خطوط الجبهات وتحركات القوات، تشكلت في الخلفية شبكة اقتصادية موازية تقوم على استخراج الذهب وتهريبه، والسيطرة على طرق التجارة، وجمع الرسوم المحلية، وتوظيف عائدات الحرب في بناء هياكل حكم جديدة. ولهذا يصعب فهم مشروع الدولة الموازية دون فهم الاقتصاد الذي يموله.

الذهب أولاً: الخزينة التي أبقت الحرب حيّة

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح الذهب المورد الأكثر أهمية في الاقتصاد الذي تديره مليشيا الدعم السريع، فبينما فقدت الدولة السودانية السيطرة على مساحات واسعة من دارفور وأجزاء من كردفان، انتقلت معها السيطرة على عدد من أهم مناطق التعدين في البلاد.

ووفقاً لتقديرات أوردتها لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالسودان ونقلتها لاحقاً مراكز أبحاث متخصصة، تمكنت مليشيا الدعم السريع من ترسيخ نفوذها حول عدد من مواقع إنتاج الذهب الرئيسية في دارفور، مستفيدة من شبكات تجارية وأمنية كانت قائمة قبل الحرب وتوسعت بصورة أكبر بعدها. وتشير تقديرات أوردها التقرير إلى أن مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع في دارفور أنتجت خلال عام 2024 ما يقارب عشرة أطنان من الذهب، بقيمة تجاوزت 800 مليون دولار بأسعار السوق العالمية آنذاك.

وتكمن أهمية الذهب في حجم العائدات، الى جانب سهولة نقله وإخفائه وتحويله إلى سيولة مالية خارج النظام المصرفي الرسمي. فالذهب لا يحتاج إلى موانئ كبيرة أو بنية تحتية معقدة، ويمكن شحنه بكميات صغيرة نسبياً وبقيمة مرتفعة للغاية، ما يجعله مورداً مثالياً لاقتصاد الحرب.

وتكشف صور أقمار صناعية وتحقيقات مفتوحة المصدر نُشرت خلال عامي 2024 و2025 عن وجود ممرات جوية ومهابط ترابية في مناطق قريبة من مواقع التعدين الواقعة ضمن نطاق نفوذ الدعم السريع في دارفور وكردفان. ويشير باحثون متخصصون في تتبع اقتصاد الحرب السوداني إلى أن هذه المهابط لعبت دوراً في ربط مناطق الإنتاج بشبكات النقل الإقليمية التي تنقل الذهب خارج البلاد بعيداً عن الرقابة الرسمية.

وفي نهاية هذه السلسلة تظهر الإمارات باعتبارها الوجهة الأهم للذهب السوداني. فبحسب بيانات التجارة الدولية، استحوذت الإمارات خلال السنوات الأخيرة على النسبة الأكبر من صادرات الذهب السوداني الرسمية، فيما تشير تقارير أممية ودراسات متخصصة إلى أن جزءاً من الذهب المنتج في مناطق النزاع يغادر البلاد عبر قنوات غير رسمية قبل أن يندمج لاحقاً في الأسواق الإقليمية والعالمية.

نشأت في ظل الجيش السوداني، ثم تمردت عليه، تسرق ذهب السودان وتهربه بالشراكة مع دولة الإمارات التي تموّلها منذ سنين.. ماذا تعرف عن ميليشيا الدعم السريع التي ترتكب المجازر المروعة في السودان؟ pic.twitter.com/KSAfLy0gsd

— نون بوست (@NoonPost) October 28, 2025

وبالنسبة للدعم السريع، يشكل الذهب العمود الفقري للاقتصاد الذي تعتمد عليه الحركة العسكرية والسياسية معاً. فمن عائداته يمكن شراء الوقود والمركبات والأسلحة، وتمويل شبكات الولاء المحلية، والحفاظ على القدرة التشغيلية لقوة تخوض حرباً ممتدة على جبهات متعددة. غير أن الذهب وحده لا يفسر حجم الموارد التي أصبحت متاحة للدعم السريع خلال سنوات الحرب، إذ نشأت إلى جانبه منظومة أوسع من الإيرادات اعتمدت على السيطرة على التجارة والموارد المحلية وفرض أشكال مختلفة من الجباية داخل مناطق النفوذ.

الاقتصاد الموازي للحرب

إذا كان الذهب يمثل الخزينة الرئيسية لاقتصاد الدعم السريع، فإنه ليس المصدر الوحيد للأموال. فخلال سنوات الحرب تشكلت شبكة أوسع من الموارد اعتمدت على السيطرة على التجارة المحلية، ونهب السلع الاستراتيجية، وفرض الرسوم والجبايات على حركة البضائع والأفراد داخل مناطق النفوذ.

ويبرز الصمغ العربي بوصفه المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول. فالسودان ينتج النسبة الأكبر من الصمغ العربي في العالم، وتتركز أحزمة إنتاجه في كردفان ودارفور، وهي مناطق أصبحت أجزاء واسعة منها تحت سيطرة الدعم السريع منذ اندلاع الحرب. 

ووفقاً لتقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة المقدم إلى مجلس الأمن في عام 2025، فإن قادة الدعم السريع في دارفور تغاضوا عن عمليات نهب واسعة للصمغ العربي باعتبارها وسيلة للحفاظ على ولاء المقاتلين وضمان استمرارهم في القتال. وقدّر تجار محليون في شرق وجنوب دارفور أن نحو 3700 طن من الصمغ العربي تعرضت للنهب بين يناير ويونيو 2024 وحدهما. كما أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أدت إلى فقدان أو تهريب ما لا يقل عن 90 ألف طن من الصمغ العربي، قُدرت قيمتها بنحو 200 مليون دولار.

ولم يقتصر الأمر على النهب المباشر. ففي مايو 2025، وبعد سيطرة الدعم السريع على مدينة النهود، إحدى أهم مراكز تجارة الصمغ العربي في السودان، أفادت تقارير تجارية بأن أكثر من 10 آلاف طن من الصمغ كانت مخزنة في ما يزيد على 400 شاحنة تعرضت للاستيلاء، وقدّر تجار قيمة الكميات المنهوبة بنحو 75 مليون دولار. وذكرت مصادر تجارية أن جزءاً من هذه الكميات ظهر لاحقاً في أسواق تشاد وجنوب السودان وليبيا عبر شبكات تهريب نشطت خلال الحرب.

لكن الأهم من عمليات النهب نفسها هو ما نشأ حولها من نظام اقتصادي متكامل. فقد وثقت تقارير صحفية وشهادات تجار وسائقي شاحنات فرض رسوم وضرائب غير رسمية على البضائع العابرة للمناطق الخاضعة للدعم السريع، بما في ذلك الصمغ العربي والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية. وفي بعض المعابر والطرق التجارية تحولت نقاط التفتيش إلى مصادر دخل ثابتة، تفرض رسوماً على حركة السلع مقابل السماح بمرورها خارج السودان أو مناطق أخرى داخل السودان.

كما ظهرت خلال الحرب مؤشرات على سعي الدعم السريع للاستفادة من الموارد النفطية في المناطق التي تمدد إليها نفوذه، خاصة في شرق دارفور وغرب كردفان. وتحدثت تقارير محلية عن نقل كميات من النفط الخام من بعض الحقول الواقعة تحت سيطرة القوة أو حلفائها، إلا أن الأهمية الاقتصادية لهذه الأنشطة ظلت محدودة مقارنة بعائدات الذهب والصمغ العربي. 

اعتبره محللون انقسامًا فعليًا للدولة.. كيف يؤثر استيلاء ميليشيا الدعم السريع على حقل هيجليج النفطي على مستقبل السودان؟ pic.twitter.com/u5xCzpG05u

— نون بوست (@NoonPost) December 10, 2025

وفي المدن التي خضعت لسيطرة الدعم السريع لفترات طويلة، خاصة في الخرطوم وأجزاء من الجزيرة وسنار، ظهرت صورة أخرى من اقتصاد الحرب. فمع انهيار مؤسسات الدولة وانسحاب الأجهزة الرسمية، تعرضت منشآت حكومية وخاصة واسعة النطاق للنهب والتفكيك. وشملت عمليات الاستيلاء مخازن تجارية ومصانع وورشاً ومركبات حكومية وممتلكات جامعات ومستشفيات ومؤسسات خدمية. كما وثقت منظمات حقوقية وتقارير محلية سرقة زيوت المحولات الكهربائية وكابلات النحاس ومعدات من محطات المياه والكهرباء في الخرطوم، وهي أصول لا يمكن بيعها أو نقلها إلا ضمن شبكات منظمة تتجاوز مفهوم النهب الفردي العشوائي.

وتظهر هذه الوقائع أن الاقتصاد الذي نشأ في مناطق سيطرة الدعم السريع اعتمد على إعادة توجيه الأصول القائمة وتحويلها إلى مصادر تمويل جديدة. فالسلع المنهوبة يمكن بيعها أو تهريبها، والطرق التجارية يمكن فرض رسوم عليها، والموارد المحلية يمكن تحويلها إلى إيرادات مستمرة.

ومع تراكم هذه الموارد، أصبح الدعم السريع يمتلك قاعدة مالية تسمح بالتفكير في إدارة مناطق واسعة من السكان والأراضي، وهي الخطوة التي تفتح الباب أمام السؤال التالي: هل تُستخدم هذه الموارد فقط لإطالة أمد الحرب، أم أنها أصبحت تُوظف أيضاً في بناء مؤسسات دولة موازية؟

من اقتصاد الحرب إلى مؤسسات الدولة الموازية

امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة بناء دولة، لكنه يمنح القدرة على محاولة بنائها. وهذا ما يبدو أن الدعم السريع يسعى إليه تدريجياً في المناطق الخاضعة لنفوذه. فخلال العامين الماضيين امتدت تحركاته إلى إنشاء إدارات مدنية محلية، وتعيين مسؤولين لإدارة الخدمات والشؤون التنفيذية في عدد من الولايات والمناطق.

وجاء إعلان الحكومة الموازية في مايو 2026 ليعطي هذه الجهود بُعداً أكثر وضوحاً. فوجود وزراء للمالية والتخطيط الاقتصادي والنقل والتنمية الحضرية يعكس محاولة للانتقال من إدارة مناطق نفوذ عسكرية إلى إدارة كيان سياسي يسعى إلى ممارسة بعض وظائف الدولة. 

وفي هذا السياق برز إعلان الدعم السريع مطلع عام 2026، عن الشروع في تأسيس “مصرف المستقبل” باعتباره أول مشروع مصرفي يُعلن عنه داخل مناطق سيطرة الدعم السريع. ورغم عدم توفر معلومات كافية حتى الآن حول حجم عملياته أو عدد عملائه أو قدرته الفعلية على تقديم الخدمات المالية، فإن خطورة هذه الخطوة تكمن في الدلالة السياسية والاقتصادية التي يحملها الإعلان نفسه وليس نجاحه او عدمه.

ورغم أن هذه الخطوات لا تعني قيام مؤسسات دولة مستقرة حتى الآن، إلا أنها تعكس محاولة متزايدة لتحويل موارد الحرب إلى أدوات حكم وإدارة ،الا أن معظم موارد الدعم السريع ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخارجي.

لماذا لا تُغلق هذه الشرايين؟

رغم أن مسارات التمويل المرتبطة بالذهب السوداني أصبحت محل متابعة متزايدة من الأمم المتحدة والحكومات الغربية ومراكز الأبحاث، إلا أن الشبكات التي تغذي اقتصاد الحرب ما تزال تعمل إلى حد كبير دون تعطيل جذري. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كانت طرق التهريب معروفة، والأسواق المستقبلة معروفة، فلماذا يستمر تدفق الأموال؟

جزء من الإجابة يتعلق بطبيعة تجارة الذهب نفسها. فالذهب من أكثر السلع قابلية للتهريب وإعادة التصدير وإعادة الصهر، ما يجعل تتبع مصدره الأصلي عملية معقدة. وبمجرد خروجه من مناطق النزاع ودخوله إلى الأسواق الإقليمية، يصبح من الصعب التمييز بين الذهب المستخرج من منجم خاضع لسيطرة مجموعة مسلحة والذهب القادم من مصادر أخرى مشروعة.

قوات من “الدعم السريع” تعاين الذهب المصادر في مطار الخرطوم (رويترز)

ورغم المكانة المحورية للإمارات في تجارة الذهب السوداني، إلا أن العقوبات الدولية المفروضة حتى الآن ركزت بصورة أساسية على أفراد وشركات مرتبطة بالنزاع، أكثر من تركيزها على الأسواق والشبكات التجارية التي تستوعب الذهب بعد خروجه من مناطق الحرب. كما أن الأسواق العالمية ما تزال تستوعب كميات كبيرة من الذهب القادم من مناطق عالية المخاطر بعد مروره بسلسلة طويلة من الوسطاء والتجار.

والنتيجة أن اقتصاد الحرب السوداني لا يعمل خارج النظام الاقتصادي العالمي، بل داخله. فالذهب الذي يُستخرج من مناطق النزاع يدخل في نهاية المطاف إلى سلاسل التوريد الدولية وأسواق المجوهرات والإلكترونيات والاستثمار. ولهذا فإن استمرار الحرب يرتبط أيضاً بوجود طلب عالمي مستمر على الموارد التي تنتجها مناطق الصراع.

دائرة مغلقة

تكشف تجربة السنوات الثلاث الماضية في السودان أن الحرب أصبحت نظام اقتصادي متكامل يجعل استمرار القتال ممكناً. فالذهب والصمغ العربي والجبايات المحلية والأصول المنهوبة لم تتحول فقط إلى مصادر دخل للمقاتلين، وإنما قاعدة مالية سمحت بظهور هياكل حكم وإدارات مدنية ومشاريع مؤسسات موازية تسعى إلى أداء بعض وظائف الدولة.

وبالنسبة للدعم السريع، أضحت السيطرة على الأرض هدفاً عسكرياً الى جانب كونها وسيلة للسيطرة على الموارد التي تنتج المال، والمال الذي يمكّن من الحفاظ على السيطرة. وهكذا تشكلت دائرة مغلقة يغذي فيها الاقتصاد الحرب، وتغذي الحرب الاقتصاد.

ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في السودان اليوم هو من يستطيع كسر هذه الدائرة. فطالما استمرت الموارد في التدفق من مناطق النزاع إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، وطالما بقي اقتصاد الحرب أكثر ربحية من السلام، فإن أي تسوية سياسية ستواجه حقيقة أساسية مفادها أن الحرب تستمر لأنها ما تزال تدر أرباحاً على أطراف عديدة داخل السودان وخارجه.

علاماتأزمات السودان ، اقتصاد السودان ، الأزمة السودانية ، الحرب في السودان ، الذهب في السودان
مواضيعالاقتصاد السوداني ، الحرب في السودان ، الشأن السوداني ، قوات الدعم السريع

قد يعجبك ايضا

سياسة

ذهب أبيض وممرات جديدة.. لماذا يتصارع الكبار على المحيط المتجمد الشمالي؟

محمد مصطفى جامع١٠ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

التقارب المصري التركي.. لماذا يقلق واشنطن وتل أبيب؟

عماد عنان١٠ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

من غزة إلى ألبانيا.. منطق استعماري عابر للحدود خلف الاستثمارات والمنتجعات الفاخرة

سمية الغنوشي١٠ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑