ترجمة وتحرير: نون بوست
يريد جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص، وزوجته إيفانكا ترامب، أن نصدق أنهما اكتشفا جزيرة.
يرويان القصة بكل الانبهار الذي شعر به كريستوفر كولومبوس عندما اكتشف الأمريكيتين: جزيرة غامضة تطفو في عرض البحر الأبيض المتوسط بانتظار أن تأتي إيفانكا ترامب وتكتشفها.
يكاد المرء يتوقع منها أن تواصل حديثها قائلة: “لقد غرسنا العلم، وأعلنا ملكيتها لعائلة ترامب، وأتينا بالحضارة إلى سكانها!”.
لكن المشكلة بطبيعة الحال، هي أن جزيرة سازان ليست جنة مجهولة تطفو في عرض البحر، بل هي جزء من ألبانيا. هي جزيرة تابعة لدولة وشعب، ولها تاريخها الخاص. يبدو أن هذه الحقائق غائبة عنهما.
عندما تستمع إلى إيفانكا ترامب وهي تصف التجربة، ينتابك شعور قوي بأن ألبانيا نفسها مجرد ديكور: خلفية أنيقة في فيلم بطله ملياردير شاب يواصل اكتشاف ذاته.
هذه اللغة تكشف الكثير. ليست سذاجة فحسب، بل هو الشعور بالاستحقاق، وافتراض أن العالم عبارة عن مجموعة من الأصول التي تنتظر من يتأملها، ويستحوذ عليها، ويطورها، ويستثمر فيها، ثم يحوّلها إلى تجارب فاخرة للأثرياء.
“كنا على متن قارب أحد الأصدقاء، وتوقفنا للسباحة. هكذا اكتشفناها. سبحنا إلى الجزيرة، ثم انطلقنا في المشي، حفاة طوال الطريق”.
حفاة ! يا له من سحر! يا لها من براءة! ويا لها من بساطة !
عرض مسرحي محبوك
هناك شيء في هذا المشهد يكاد يحاكي أداء ماري أنطوانيت. بينما يعاني ملايين الأمريكيين من غلاء المعيشة ويكافحون لدفع الفواتير، تحدث إيفانكا الجمهور عن رحلتها الشخصية لـ”استكشاف الذات” على متن يخت أحد المليارديرات.
تروي ابنة رئيس يزعم أنه يتحدث باسم عامة الأمريكيين، قصة مذهلة عن اكتشاف جزيرة في البحر الأبيض المتوسط أثناء جولة سياحية.
يكاد المرء يسمع صدى أصوات قصر فرساي.
لم تقل إيفانكا: “دعهم يأكلون الكعك”، لكن حالة الانفصال عن الواقع هي ذاتها: عالم معزول بالثروة والنفوذ، لدرجة أنه يخلط بين البذخ والأصالة، وبين الاستحواذ والمغامرة، وبين صفقة استحواذ بمليارات الدولارات وحالة الصحوة الروحية.
هذه الممارسة قديمة. نفس المنطق الاستعماري الذي كان يتحدث ذات يوم عن “الأراضي البكر” التي لم يصلها أحد، وتنتظر من يفرض سيادته عليها.
لكن هذه الغازية المعاصرة لا تحمل معها سيفا، بل رأس مال استثماريا، وعلامة تجارية لأسلوب حياة فاخر، وشعورا بالانبهار مصمما بعناية فائقة. وهي لا تتحدث عن الغزو، بل تتحدث عن “التطوير”.
وقبل جزيرة “سازان”، كانت هناك غزة.
قبل وقت طويل من الحديث عن الفلل الفاخرة على الجزيرة الألبانية، كان كوشنر قد ناقش علنا الإمكانات الواعدة للواجهة البحرية في قطاع غزة. وبينما كان الفلسطينيون يتعرضون للإبادة، وتُسوّى أحياء بأكملها بالأرض، كان لعابه يسيل على العقارات “القيمّة جدّا” على شواطئ غزة.
هي اللغة ذاتها بلا شك: إمكانات واعدة، فرص استثمارية، عقارات ساحلية. المفردات التي تحوّل المجتمعات البشرية إلى مشاريع استثمارية، أو إلى عقبات يجب “التخلص منها“، وهو التعبير الذي استخدمه كوشنر بينما كانت الجثث تتراكم في غزة.
سازان ليست مجرد جزيرة خلابة. كانت في السابق منطقة عسكرية مليئة بالأنفاق والتحصينات نظرا لموقعها الاستراتيجي بين البحرين الأدرياتيكي والمتوسط. وهي تقع بين البلقان وإيطاليا بالقرب من ممرات إقليمية رئيسية، ما يمنحها أهمية تتجاوز بكثير الكتيبات السياحية والفلل الفاخرة.
لكن الأسئلة الاستراتيجية غائبة تمامًا عن العروض التقديمية البراقة. بدلًا من ذلك، تظهر وريثة شقراء أمام الكاميرات لتُخفي هذه الأسئلة وراء سيل من المصطلحات البراقة عن نمط الحياة الصحي: العافية، والاستدامة، والتأمل، والرحلات الشخصية، واليقظة الذهنية.
النتيجة هي عرض مسرحي محبوك بعناية، تتلاشى فيه الحقائق الجيوسياسية خلف اللوحات الملهمة، وجولات المشي الحافية، والكثير من الهراء الباذخ.
الهدف هو السيطرة
غالباً ما يُصور كوشنر على أنه رجل أعمال يبحث عن الفرص لتحقيق الأرباح، غير أن هذا الوصف يبدو قاصرا.
لطالما كانت عائلته من كبار الداعمين الماليين لمنظمات الاستيطان الإسرائيلية. تبرعت المؤسسات التابعة للعائلة لمشاريع استيطانية أقيمت على أراضٍ فلسطينية محتلة، فضلاً عن تقديم الدعم للجيش الإسرائيلي.
وقد نسج كوشنر علاقات وثيقة للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتطرف، وأصبح أحد المهندسين الرئيسيين للسياسات المنحازة للمطامع التوسعية الإسرائيلية.
هذه ليست تفاصيل هامشية في سيرته الذاتية، بل هي السياق الذي لا يمكن فهم أي شيء من دونه. تكشف هذه التفاصيل عن رؤية متسقة للعالم: رؤية تُعتبر فيها الأرض سلعةً يتحكم بها من يملكون النفوذ الكافي.
إن لم يجد المال نفعا، هناك صفقات سياسية. وإن فشلت الصفقات السياسية، هناك الضغوط. وإن فشلت الضغوط، هناك القوة العسكرية.
الآلية تتغير، لكن الهدف يظل ثابتاً، وهو السيطرة.
تصبح أوجه التشابه أكثر وضوحاً عندما ننظر إلى الطريقة التي يروي بها كوشنر أول زيارة له إلى سازان.
في عام 2021، زار الجزيرة على متن يخت يملكه نات روتشيلد، وقد التقى برئيس الوزراء الألباني على متن اليخت، وبدأ الحديث عن المشروع.
ملياردير وبارون ورئيس وزراء على متن يخت، يقررون مصير أرض لا يملكونها.
هذا الطابع غير الرسمي هو جوهر القضية، فمثل هذه المحادثات لا تجري في البرلمانات.
نات روتشيلد ليس مجرد ممول ثري يحمل لقبا عائليا معروفا. هو ناثانيال فيليب فيكتور جيمس روتشيلد، البارون الخامس لعائلة روتشيلد، وهو اللورد الحالي بالوراثة، والرئيس التنفيذي لشركة تصنيع عالمية، والابن الوحيد لجاكوب روتشيلد، البارون الرابع للعائلة، الذي توفي عام 2024.
أما ارتباط هذه العائلة بـ “وعد بلفور” فيتطلب صياغة دقيقة، لكنه لا يقل إثارة.
وُجّه الوعد عام 1917 من وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور عام إلى ليونيل والتر روتشيلد، البارون الثاني للعائلة، والذي توفي عام 1937 دون ورثة شرعيين، لتنتقل ألقابه في النهاية عبر شجرة العائلة وصولاً إلى حامل اللقب الحالي. البارون الثاني والبارون الخامس ليسا الشخص نفسه، لكنهما يحملان اللقب ذاته، وينتميان إلى السلالة نفسها، ويربطهما خيط متصل حتى اليوم.
يفصل بين اللحظتين أكثر من قرن. الأولى كانت رسالة ساعدت في منح أرض فلسطين، والثانية كانت يختاً بدأ عليه النقاش حول مصير جزيرة ألبانية محمية.
أما الآلية، فهي ذاتها: نخبة في الكواليس تعيد ترتيب العالم بعيداً عن متناول من يعيشون فيه.
من فلسطين إلى ألبانيا
لطالما نظر الفلسطينيون إلى وعد بلفور باعتباره الممارسة الاستعمارية النموذجية: أصحاب نفوذ يقررون مصير أرض شعب آخر دون علمهم أو موافقتهم. حينذاك – كما هو الحال الآن – ناقشت شخصيات مؤثرة مصير الأرض بلغة الفرص الاستراتيجية والتطوير والرؤى الكبرى بعيدا عن أصحاب الشأن.
عُوملت فلسطين كأنها سلعة يمكن التنازل عنها من خلال الوعود. ويخشى كثير من الألبان أن تُعامل سازان بالطريقة نفسها.
ليس من خلال الغزو العسكري، بل عبر المال والنفوذ وعلاقات النخب التي تعمل خارج نطاق الرقابة الديمقراطية.
هذه المخاوف لها مبرراتها. يحقق الادعاء العام المكلف بمكافحة الفساد في ألبانيا حاليا في التعديلات القانونية التي أجرتها الحكومة عام 2024 بهدف تسهيل إقامة المشاريع السياحية على الأراضي المحمية بيئيا. من غير الواضح كم من الوقت يستغرق هذا التحقيق، أو ما هي التداعيات التي قد تترتب عليه بالنسبة لمشروع كوشنر الاستثماري.
لكن الأمر الواضح تماماً هو أن تم تعديل القانون، ثم وُقِّعت الصفقة. ترتيب الأحداث يستحق الملاحظة، على أقل تقدير.
بموجب شروط اتفاقية وضع المستثمر الاستراتيجي، لن تدفع شركة كوشنر أي ضرائب لمدة عشر سنوات طوال فترة البناء، ما يعني أن الخزانة العامة الألبانية لن تحصل على ليك ألباني واحد من هذا المشروع خلال جيل كامل تقريبا.
بعبارة أخرى، قامت دولة ذات سيادة بتعديل قوانينها البيئية، وتنازلت عن عائدات ضريبية لعقد كامل، ومنحت جزيرة ذات أهمية استراتيجية لملياردير أجنبي.
ما الذي حصلت عليه في المقابل؟ لم تبدِ الحكومة حتى الآن أي حماس للإجابة عن هذا السؤال.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها كوشنر تطبيق هذا النموذج.
خطط سابقاً لتطوير مشروع عقاري يحمل علامة ترامب التجارية في العاصمة الصربية بلغراد. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، انسحب من المشروع بعد توجيه اتهامات لأربعة مسؤولين حكوميين بارزين في صربيا بإساءة استخدام السلطة والتزوير في قضية مرتبطة بالمشروع. حينها أعلنت شركة كوشنر “أفينيتي بارتنرز” إنهاء مشاركتها لأن “المشاريع الهادفة توحد الناس ولا تفرقهم”.
موقف مؤثر حقا. لكنه للمصادفة لم يأت إلا بعد توجيه الاتهامات.
سازان ليست استثناءً
المفارقة أن كوشنر ليس رجل أعمال عصاميا يخاطر برأس ماله الذي جناه بنفسه. تأسست شركة “أفينيتي بارتنرز” بنحو ملياري دولار من صندوق الثروة السيادي السعودي، مع استثمارات إضافية من الإمارات وقطر.
هذه الشركة التي تنتقل عبر الحدود لتستحوذ على الأراضي والنفوذ، تمولها في المقام الأول حكومات من المنطقة ذاتها التي ساهم كوشنر في إعادة تشكيل ملامحها عندما كان مسؤولا أمريكيا رفيعا.
تضارب المصالح هنا ليس أمرا عارضا، بل هو أساس المنظومة.
منذ عودة عائلة ترامب إلى السلطة، توسعت الشبكة الاستثمارية المرتبطة بترامب بوتيرة مذهلة. وفقاً لصحيفة “فايننشال تايمز“، فإن شركة “1789 كابيتال” ـ وهي شركة رأس مال مغامر تضم شركاء من بينهم دونالد ترامب جونيور ـ شهدت قفزة هائلة في الأصول الخاضعة لإدارتها من نحو 200 مليون دولار إلى 3.5 مليار دولار في غضون ما يزيد قليلاً عن العام.
السلطة السياسية ورأس المال الخاص لا يتعايشان فحسب، بل هما وجهان لعملة واحدة، وإن اختلف المظهر.
ضمن هذه المنظومة، جزيرة سازان ليست حالة استثنائية، بل نموذج متكرر.
هي تجسيد لرأس مال ذو نفوذ سياسي، تدعمه بثروات سيادية، وتسهّل حركته حكومات متواطئة، يتدثّر بشعارات التنمية والفرص الاستثمارية، ويعبر الحدود بثقة من لم يعتادوا سماع كلمة “لا”، ولا يتوقعون سماعها الآن.
لكي نفهم سبب استمرار هذه الثقة، ليس علينا إلا النظر إلى الرجل الذي فرّط في الجزيرة.
رئيس الوزراء الألباني إيدي راما ليس مجرد مضيف متواطئ، بل هو شريك أيديولوجي. خلال زيارته إلى الكنيست في يناير/ كانون الثاني، قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي إن ركبتيه ترتجفان في حضرة “أحد أعظم الخطباء في العالم”، وتعهد بأن يصمد أمام “تقييم” نتنياهو.
لم يكن ذلك خطابا دبلوماسيا بقدر ما كان استعراضا للولاء. وقف رئيس حكومة متذللا أمام شخص مسؤول عن حملة عسكرية تصفها معظم دول العالم بأنها إبادة جماعية.
وعندما اندلعت الاحتجاجات مؤخراً، لم يُجب راما عن الأسئلة المطروحة، بل غيّر مجرى النقاش.
صرّح بأن المظاهرات ما هي إلا “حرب هجينة ضد ألبانيا، يسلحها أعداء ألبانيا وإسرائيل”. بناءً على هذا المنطق، فإن المواطنين الألبان الذين يطرحون أسئلة مشروعة حول جزر بلادهم باتوا يُصنفون كأعداء للدولتين.
على امتداد الشارع الرئيسي في العاصمة تيرانا، احتشد الآلاف لعدة ليال في احتجاجات أطلق عليها المتظاهرون اسم “ثورة الفلامنغو” ـ تيمنا بالطيور الوردية التي سيُقام المشروع على موائلها الطبيعية.
حمل المحتجون الأعلام الألبانية ولافتات ومجسمات ضخمة لطيور الفلامنغو.
كانت اللافتات بسيطة ومباشرة: “ألبانيا ليست للبيع” و”أين ستعيش هذه الطيور الآن؟”
ما يحتاج الألبان ضده ليس مجرد منتجع سياحي، بل هي المنظومة بأكملها.
منظومة يتحرك ضمنها مسؤول سياسي أمريكي ذو علاقات وثيقة مع إسرائيل، ممول من صناديق ثروة سيادية خليجية، مدعوم من رئيس وزراء يبجل نتنياهو، يعبر الحدود مستحوذا على الأراضي، مستنزفا الثروات، تاركا الشعوب بلا موارد ولا صوت.
غزة وصربيا وألبانيا.
الجغرافيا تتغير، لكن المنطق هو ذاته.
لكن المقاومة تتصاعد أيضا.
المصدر: ميدل إيست آي