• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ملفات إبستين.. تفاصيل من الداخل عن حالة الذعر في البيت الأبيض

جوناثان سوان١٣ يونيو ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست 

في حوالي الساعة السادسة مساءً من يوم 17 يوليو/تموز 2025، دخل كبار مسؤولي الرئيس ترامب إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض، ذلك المكان الآمن الذي تُناقش وتُحسم فيه قضايا وملفات الأمن القومي بالغة الحساسية.

في تلك الغرفة، شاهد الرئيس السابق باراك أوباما، إلى جانب نائب الرئيس جو بايدن ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وفريق الأمن القومي، الغارة التي انتهت بمقتل أسامة بن لادن في عام 2011.

لكن هذه المرة، اجتمع كبار مستشاري ترامب دون حضور الرئيس لبحث سبل السيطرة على أزمة من نوع مختلف تهدد الإدارة: ملفات إبستين.

قبل ذلك بعشرة أيام، أصدرت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي مذكرة مشتركة تنص بوضوح على أن مراجعة الملفات لم تكشف عن أي “قائمة عملاء” تضم رجالًا نافذين يُزعم أن جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال، وفّر لهم فتيات قاصرات وشابات.

كان الهدف من المذكرة إنهاء سنوات من التكهنات ووضع حد لحملة الضغط للإفراج عن الكم الهائل من المواد الموجودة بحوزة الوزارة، لكنها جاءت بنتيجة عكسية، إذ أثارت ردود فعل غاضبة، خصوصًا في صفوف أنصار حركة “ماغا” الداعمة لترامب.

كان الوضع على وشك أن يزداد سوءًا: كانت صحيفة “وول ستريت جورنال” تستعد لنشر تقرير عن علاقة ترامب بإبستين، وقد باءت محاولات الرئيس لمنع نشره بالفشل. كان على فريقه أن يجمع شتاته لمواجهة العاصفة المتنامية، وكانوا بحاجة إلى إظهار قدر من الشفافية لتهدئة القاعدة الشعبية الغاضبة، وفي الوقت نفسه إيصال رسالة بأن الرئيس يتفهم مخاوف مؤيديه. كان ذلك بحد ذاته مشكلة لأنه مخالف للواقع.

جلس نائب الرئيس جي دي فانس على رأس الطاولة في قاعة جون إف. كينيدي داخل مجمع غرفة العمليات، وقال للحاضرين: “هذه مشكلة كبيرة”. كان محاطًا برئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، والمستشار القانوني للبيت الأبيض ديفيد وارينغتون، والمتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، ونائب رئيس الموظفين تايلور بودويتش، ومدير الاتصالات ستيفن تشيونغ، ونائب المدعي العام تود بلانش، والمدعي العام المساعد ستانلي وودوارد الابن، ونائب رئيس الموظفين جيمس بلير. كما شاركت وزيرة العدل بام بوندي، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل عبر الهاتف.

ظهر فانس في حالة من الذعر أمام الحاضرين بسبب الانقسام الحاد الذي سببته ملفات إبستين داخل تحالف “ماغا”، وشعر بعض المسؤولين أن نائب الرئيس اقتنع بأكثر النظريات سوداوية حول القضية والمؤامرة التي تحيكها شبكة من أصحاب النفوذ داخل الطبقة الحاكمة.

قالت وايلز لاحقًا لبعض المقربين إن نائب الرئيس أظهر أنه من كبار المؤمنين بنظريات المؤامرة. وذكر مسؤول بارز آخر أن فانس ظل يضغط سرًا على الإدارة للإفراج عن جميع ملفات إبستين منذ صدور المذكرة، بل شجع على إجراء تحقيق داخل الكونغرس.

كما طرح فانس على زملائه فكرة دعائية غير مسبوقة، وهي أن يستعين البيت الأبيض بالمذيع تاكر كارلسون لإجراء مقابلة مع صديقة إبستين وشريكته غيسلين ماكسويل داخل السجن، على أمل أن يساعد ذلك في تحسين صورة الرئيس إذا أكدت ماكسويل أن ترامب لم يكن متورطًا في أي مخالفات مع إبستين.

أكد فانس للحاضرين أنه يرى ضرورة الإفراج عن جميع الملفات في أقرب وقت ممكن، مشيرًا إلى أن الكونغرس سيجبر الإدارة على هذا الأمر في نهاية المطاف. كان واضحًا أن تحالفًا من الحزبين يتشكل في الكونغرس بمجلسيه لدعم هذه الخطوة، وكان الزخم يذهب في اتجاه واحد.

كانت الفكرة أنه إذا بادرت الإدارة ونشرت كل الملفات من تلقاء نفسها -بما في ذلك أي مواد متعلقة بالرئيس- ستكسب على الأقل رصيدًا من الشفافية. كان البديل هو أن تستمر القصة لأشهر وتتسرب المعلومات تدريجيًا، مما يجدد دوامة الشكوك والغضب مع كل تسريب جديد. كان من الأفضل وفق هذا التوجه نشر كل شيء مرة واحدة والمضي قُدمًا.

ظهر نائب الرئيس جي دي فانس في حالة من الذعر أمام كبار مستشاري الرئيس بسبب تأثير ملفات إبستين على حركة “ماغا”.

رأى فانس أنه ينبغي نشر كل شيء، بما في ذلك الادعاءات والتسريبات التي لا تستند إلى أي دليل بشأن تورط ترامب. كانت تلك الادعاءات ستظهر لا محالة، وإذا قامت الإدارة بنشرها أولا، سيكون ذلك دليلا على حسن النية، ويسهم في الحد من انتشار نظريات المؤامرة.

لم تلقَ آراؤه قبولًا لدى الكثيرين، لكن بعض المستشارين رأوا أنه من الجيد أن يعقد مسؤولو وزارة العدل مؤتمرًا صحفيًا لشرح موقفهم من قضية إبستين، متجاوزين بذلك المذكرة التي فجرت الأزمة.

في تلك اللحظة، تحدث بلير قائلًا: “مع كامل الاحترام، استراتيجية التواصل التي اتبعتها هذه المجموعة هي التي أوصلتنا إلى هذا الوضع، ولا أظن أنها ستخرجنا منه. إذا أردتم الظهور أمام الصحافة، فهناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به”. بدأ بلير يطرح أسئلة افتراضية صعبة ليُظهر حجم التعقيدات التي قد تواجه مثل هذا المؤتمر الصحفي.

بصفته محامي الدفاع السابق للرئيس، كان لدى بلانش موقع فريد في النقاش، كان أكثر استعدادًا من أي شخص آخر في الغرفة لتقييم الأفكار التي تتم مناقشتها في ضوء مصالح ترامب الشخصية والسياسية، عرض بلانش ما اعتبره أفضل الخيارات المتاحة.

كان الخيار الأول هو تقديم التماس إلى محاكم المقاطعات الفيدرالية في فلوريدا ونيويورك لرفع السرية عن شهادات هيئة المحلفين الكبرى، وهي المحاضر السرية لمرافعات المدعين العامين بشأن الشهود والأدلة في سعيهم للحصول على لوائح اتهام في القضايا السابقة المرتبطة بإبستين.

وبما أنه من شبه المؤكد أن تلك المحاضر لا تحتوي على أي معلومات جديدة ذات أهمية، فقد اتفق الجميع على أن هذا الخيار فكرة جيدة، ليس فقط لأن نشرها من غير المرجح أن يضر بالرئيس.

بموجب القواعد الفيدرالية للإجراءات الجنائية، يرى معظم القضاة الفيدراليين أن سرية مواد هيئة المحلفين الكبرى أمر لا يمكن المساس به في أغلب الأحيان، كما أن الشروط اللازمة للإفصاح عنها صعبة للغاية.

إذا رفضت المحاكم رفع السرية – كما توقع بلانش – سوف يُلقى باللوم على القضاة في حجب مواد قضية إيبستين، وليس على إدارة ترامب، خاصة إن كان القضاة قد عُيّنوا في عهد رؤساء ديمقراطيين. كان اقتراح بلانش كفيلًا بأن يُظهر أن البيت الأبيض يرغب في نشر المواد، مع أنه من شبه المؤكد أن ذلك لن يحدث.

أما الخيار الثاني فهو أن يقوم محامو وزارة العدل باستجواب ماكسويل ونشر محضر الاستجواب علنًا، وهي نسخة معدلة من فكرة فانس. وعرض بلانش أن يُجري الاستجواب بنفسه.

قال فانس: “ماذا لو جعلناها تتحدث أمام الكونغرس؟”. وأثار بلانش احتمال أن يطلب محامي ماكسويل شيئًا مقابل اعترافاتها.

رد وارينغتون بعرض الخيارات المتاحة دون أن يوصي بأي منها. قال إنه يمكن منح ماكسويل عفوًا، أو يمكن تخفيف عقوبتها.

هنا اعترض كثير من الحاضرين بشدة. قال تشيونغ: “العفو عن ماكسويل المتورطة في الاتجار بالفتيات القاصرات سيخلق أزمة هائلة”. وقد توقع أن تظهر الضحايا على الشاشات في حال إصدار العفو وتتحدثن عن قصصهن وتلطّخن سمعة الإدارة.

عارض بلير أيضًا فكرة إصدار العفو بشدة. وقال: “لا يمكننا أن نقدم أي شيء لغيسلين ماكسويل. أولًا، ليس هناك سبب لنفعل ذلك. وثانيًا، إذا تساهلنا بأي شكل مع غيسلين ماكسويل، ثم قالت أشياء إيجابية عنّا، سيقوض ذلك مصداقية كلامها، ويغذي نظرية المؤامرة. إذا لم يكن لديها ما يضرّ بنا، فلا داعي لأن نقدم لها أي شيء”.

خلص الاجتماع إلى أن المطالبة بالإفراج عن مواد هيئة المحلفين الكبرى هو الخيار الأفضل. وقالت وايلز إنها ستناقش الأمر مع ترامب وتقترح أن ينشر على منصة “تروث سوشال” دعوة لرفع السرية عن وثائق هيئة المحلفين الكبرى.

كانت سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، ونائبها جيمس بلير، من الأعضاء البارزين في فريق ترامب الذي ناقش الأزمة. قال بلير للحاضرين: “استراتيجية الاتصال التي اتبعتها هذه المجموعة هي التي أوصلتنا إلى هذا الوضع. ولا أظن أنها ستخرجنا منه”.

في تلك اللحظة، نُشر تقرير “وول ستريت جورنال” الذي كانوا يحاولون منعه على الإنترنت. بسبب حظر استخدام الهواتف المحمولة في غرفة العمليات، جلب أحد الموظفين نسخًا مطبوعة من التقرير المثير للجدل، الذي كشف أن ترامب وآخرين أرسلوا بطاقات تهنئة ورسائل عيد ميلاد جمعتها ماكسويل في كتاب خاص بمناسبة عيد ميلاد إبستين عام 2003.

تضمنت البطاقة المنسوبة لترامب رسمًا باليد لامرأة عارية، مرفقًا بحوار متخيل بينه وبين إبستين عن “سر رائع”، مذيّلة بتوقيع ترامب المميز باستخدام قلم “شاربي”.

قبل نشر التقرير بأيام، حاول ترامب إيقافه من خلال الاتصال بالرئيس التنفيذي لشركة “نيوز كورب” روبرت تومسون، ومالكها روبرت مردوخ، ورئيسة تحرير الصحيفة إيما تاكر. قال ترامب بصوت مرتفع مخاطبا تاكر – وهي بريطانية – إن من المؤكد أنها “تكره أمريكا”، وهددها برفع دعوى قضائية.

لكن لم تنجح أي من محاولاته. وبينما كان الفريق جالسًا في صمت يقرأ التقرير كاملًا في غرفة العمليات، أعدت وايلز بيانًا رسميًا ينفي ما ورد فيه، ونشرته بعد ذلك بوقت قصير على مواقع التواصل الاجتماعي.

بعد ذلك بوقت قصير، نشر الرئيس بيانا آخر. كان يسير وفق الخطة التي وضعها مستشاروه في غرفة العمليات، رغم أنه من الواضح أنه لا يحبذ القيام بذلك، وقال: “استنادًا إلى الحجم المبالغ فيه من التغطية الإعلامية التي حظي بها ملف جيفري إبستين، طلبتُ من وزيرة العدل بام بوندي تقديم جميع الشهادات ذات الصلة التي تم الإدلاء بها أمام هيئة المحلفين الكبرى، رهنًا بموافقة المحكمة. يجب أن تنتهي هذه الخدعة التي يروج لها الديمقراطيون في الحال!”.

وردًا على طلب للتعليق، كررت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أبيغيل جاكسون، مزاعم ترامب بأنه بريء من كل ما يتعلق بإبستين، مضيفة أنه “من خلال الإفراج عن آلاف الصفحات من الوثائق، والتعاون مع طلب الاستدعاء الصادر عن لجنة الرقابة في مجلس النواب، وتوقيع قانون شفافية ملفات إبستين، والدعوة إلى مزيد من التحقيقات فيما يتعلق بأصدقاء إبستين الديمقراطيين، فقد قدم الرئيس ترامب لضحايا إبستين أكثر مما قدمه أي شخص قبله”.

في مطلع الصيف الماضي، بدا ترامب للمراقبين من الخارج في ذروة قوته. قصف مواقع نووية في إيران، وأصدر سلسلة من الأوامر التنفيذية لإعادة تشكيل نظام الهجرة، ومرّر عبر الكونغرس قانونه المحلي الأبرز “مشروع القانون الجميل الكبير”. كان يستخدم صلاحيات الحكومة لملاحقة أعدائه، وكانت كبرى الشركات الأمريكية تتسابق لكسب ودّه.

لكن خلف الكواليس، كانت أزمة إبستين تشل إدارة ترامب بدرجة أكبر مما يعرفه الجمهور. في تصريحاتهم العلنية، كان مستشارو الرئيس يتحدثون بثقة، ويقللون من شأن الأزمة. لكنها في الواقع كانت تثقل كاهل أعلى المسؤولين في الإدارة كما لم تفعل أي قضية أخرى منذ التحقيق في علاقته بروسيا في ولايته الأولى. وكان مساعدوه مصممين على إبقاء حالة الذعر بعيدة عن الأنظار.

كانت وزارة العدل منذ بداية ولاية ترامب الثانية تكافح لتحديد كيفية التعامل مع قضية إبستين. استحوذت القضية على اهتمام القاعدة الشعبية للرئيس، لكنها في الوقت نفسه شكّلت خطرًا محتملًا على ترامب نفسه بطرق لم يدركها المسؤولون في الإدارة الجديدة بشكل كامل. كان أي مسار للمضي قدما في التعامل مع الملف محفوفا بالمخاطر.

كان جانب من هذه التعقيدات ناجمًا عن أخطاء ارتكبتها الإدارة بنفسها. شكلت ملفات إبستين وقودا لحشد الدعم في قلب حركة “ماغا”، حيث استخدم إيلون ماسك منصة إكس للتساؤل مرارًا عن سبب عدم نشر قائمة عملاء إبستين، واستغل دونالد ترامب الابن وجي دي فانس القضية انتخابيًا للقول إن “أصحاب النفوذ” يخفون الحقيقة عن الأمريكيين، وأصرّ كل من تاكر كارلسون والناشط الشاب المحافظ تشارلي كيرك على أن الحكومة يجب أن تنشر الوثائق، وطرحا فكرة وجود عملية تستر واسعة النطاق.

أما ترامب فقد كان متحفظًا. عندما سُئل في بودكاست ليكس فريدمان في سبتمبر/ أيلول 2024 عن نشر قائمة عملاء إبستين، أجاب: “سأنظر في الأمر بالتأكيد”، مضيفًا: “ليس لدي مشكلة في ذلك”. وقال إن القائمة “ستُنشر على الأرجح”، لكنه بدا غير متحمس للأمر. وقال ترامب لاحقًا للنائبة مارجوري تايلور غرين إن نشر ملفات إبستين قد يضر ببعض أصدقائه. أصر الرئيس مرارًا على أنه لم يرتكب أي خطأ، وأن القصة كلها “أخبار زائفة” تهدف إلى الإضرار به سياسيًا.

لكن موقفه لم يصمد أمام الحماس المتزايد بين مؤيديه. طوال عام 2024، بذلت غرين ما بوسعها من جهود لإجبار الإدارة على نشر الملفات. كان هناك آخرون يدفعون بالاتجاه ذاته: المؤثرة اليمينية لورا لومر، والناشط المحافظ سكوت بريسلر، والمؤثرة تشايا رايشيك صاحبة حساب “ليبس أوف تيك توك”. لكن عندما تعلق الأمر بنشر ملفات إبستين كدليل على وجود “دولة عميقة” قادرة على فعل كل ما هو سيء، برز اسم اثنين من مقدمي برامج البودكاست: كاش باتيل ودان بونجينو.

زعم باتيل – مدير مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي ورئيس موظفي وزارة الدفاع في إدارة ترامب الأولى – مرارًا في مقابلات بودكاست أن الحكومة تخفي “الكتاب الأسود” أو قائمة عملاء إبستين، وأكد أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يتعمد حجب الأسماء لحماية أصحاب النفوذ. ووعد باتيل بأن إدارة ترامب الثانية ستنشر “كل شيء” لاستعادة ثقة الجمهور.

أما بونجينو، فقد منحته خلفيته كعميل في جهاز الخدمة السرية مصداقية أكبر. سأل جمهوره الكبير من أنصار حركة ماغا: “ما الذي يخفونه بحق الجحيم بشأن جيفري إبستين؟”. وقال إن الكشف عن قائمة العملاء سيُحدث “زلزالًا سياسيًا”، مضيفًا أن “مستنقع واشنطن” لا يقول الحقيقة.

عند توليهم السلطة عام 2025، كان مستشارو ترامب تحت ضغط شديد صنعوه بأيديهم. وسرعان ما زادت وزيرة العدل بام بوندي الأمور سوءًا.

أولًا، في مقابلة مع “فوكس نيوز” يوم 21 فبراير/ شباط، بدت وكأنها تؤكد وجود قائمة عملاء لإبستين، وهو ما كان أنصار حركة “ماغا” يؤمنون بوجوده في الملفات، وألمحت إلى أن نشرها وشيك. وعندما سُئلت إن كانت وزارة العدل ستنشر الأسماء، أجابت: “هي موجودة على مكتبي الآن للمراجعة”.

لكن ما حدث بعد ستة أيام كان خطأ أكثر فداحة في رأي الكثيرين.

ففي 27 فبراير/ شباط، رتّب مكتب الاتصالات في البيت الأبيض اجتماعا لكبار المسؤولين لإطلاع مؤثرين يمينيين بارزين على آخر المستجدات بقاعة روزفلت. بدأ الاجتماع بكلمة ألقاها نائب الرئيس فانس، تلاه وزير الخارجية ماركو روبيو، حيث شرحا أجندة الإدارة.

كان من بين الحضور نخبة من أنصار ترامب على الإنترنت: مايك سيرنوفيتش، ليز ويلر، كولين روغ، ودي سي درينو. استقبلهم الرئيس نفسه في المكتب البيضاوي وأهداهم عملات تذكارية مصممة لهم خصيصًا تعبيرًا عن تقديره. قبل أن تسوء الأمور، قال أحدهم: “كان هذا أفضل يوم في حياتي”.

ثم دخلت وزيرة العدل وفريقها إلى القاعة حاملين عددا من الصناديق، وأحضرت بوندي ملفات وزعتها على المؤثرين. أخبر مساعدوها زملاءهم لاحقًا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي هو الذي أعدها، مؤكدين أنها تحتوي على تفاصيل كاشفة. وقال أحد أعضاء فريقها: “شاهدوا هذا. إنه رائع. سيكون حدثا تاريخيا”.

لكن مع بدء توزيع الملفات، ارتفع ضغط دم المسؤولين الآخرين في القاعة. لم يكن لديهم أدنى فكرة عما تحتويه تلك الوثائق. كانت الوزيرة توزع ما أسمته “ملفات إبستين” دون أن يكون قد راجعها أحد في البيت الأبيض. بحث أحد المسؤولين سريعًا عن اسم ترامب، ليجده بعد بضع صفحات.

كان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في زيارة للبيت الأبيض في ذلك اليوم. إذا انتشرت أخبار الإفراج عن ملفات إبستين قبل أن يعقد الرئيس مؤتمره الصحفي مع رئيس الوزراء البريطاني، فإن ذلك سيكون الموضوع الوحيد الذي سيرغب الصحفيون في الحديث عنه، وسيكون ترامب غير مستعد كل تلك الأسئلة.

تمت دعوة شخصيات مؤثرة من اليمين إلى البيت الأبيض، وقدم لهم فريق وزيرة العدل بام بوندي ملفات تضم مواد متعلقة بقضية إبستين، تبين أنها كانت قد نُشرت من قبل.

سارع أحد مساعدي ترامب إلى إخراج المؤثرين من البيت الأبيض، وأخبرهم أنه يُحظر نشر محتوى الملفات حتى انتهاء المؤتمر الصحفي للرئيس مع ستارمر، وأن مكتب الاتصالات سيكون سعيدًا بالحديث عن الملفات لاحقًا.

لكن المؤثرين التقطوا صورًا أمام البيت الأبيض وهم يحملون الملفات، وسرعان ما نشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، مما خلق موجة جديدة من الترقب لما قد يكون بداخلها.

كانت بوندي – مثل آخرين في البيت الأبيض – قد قللت بشكل كبير من شأن رغبة أنصار “ماغا” في الكشف عن المعلومات بشأن ملفات إبستين، أو أنها ببساطة لم تدرك وجود تلك الرغبة أساسا. احتوت ملفاتها على معلومات عن إبستين – سجلات رحلاته، قوائم الاتصال، ملخصات لمواد صودرت من منازله بعد اعتقاله عام 2019، وغيرها – لكن معظمها كان قد نُشر سابقًا. بالغت بوندي في الترويج لأهمية الملفات وقللت من شأنها في الوقت نفسه، وجعلت المؤثرين يشعرون أنهم خُدعوا.

قالت بوندي للمؤثرين في قاعة روزفلت إن تلك هي الدفعة الأولى من الملفات، وأكدت لهم أن المزيد سيُنشر لاحقًا. لكن هذه الرواية تغيّرت لاحقا.

كان مسؤولو وزارة العدل يراجعون ملفات إبستين، لكن مرّت أشهر قبل أن تعرف الوزارة أو أي من مستشاري ترامب المقربين حجمها الحقيقي: أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الملفات المتعلقة بإبستين، وربما تصل إلى ستة ملايين.

في الأشهر الأولى، ركز المسؤولون على مراجعة ما يُعرف بنماذج 302، وهي سجلات ملاحظات محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال مقابلاتهم مع الشهود، الذين كان بعضهم من ضحايا إبستين. كانت تلك السجلات أولية، وغالبًا ما تحتوي على معلومات غير مؤكدة، وقد ذُكر اسم ترامب فيها مرات عديدة، كما ذُكرت أسماء شخصيات بارزة أخرى.

في يونيو/ حزيران، أي بعد أربعة أشهر من الفوضى التي شهدتها قاعة روزفلت مع المؤثرين، قدّمت بوندي وبلانش إحاطة للرئيس حول مراجعة ملفات إبستين. قال بلانش لترامب: “راجعنا الملفات. لا يوجد فيها شيء مهم. الكثير من المواد الإباحية للأطفال. من الواضح أننا لا نستطيع نشر أي منها. هناك بعض الإشارات إليك شخصيا، لكن لا شيء له أهمية تُذكر”. رفض معظم مستشاري ترامب تمامًا فكرة نشر ملاحظات مكتب التحقيقات الفيدرالي الأولية، والأهم أنهم أرادوا تجنب نشر أي شيء قد يضر بالرئيس.

ومع استبعاد خيار الشفافية الكاملة، قررت مجموعة صغيرة من مسؤولي البيت الأبيض ووزارة العدل صياغة مذكرة تشرح سبب عدم نشر مزيد من المعلومات عن قضية إبستين. لكن عملية صياغة المذكرة كانت مليئة بالعقبات، وذلك لسبببين: أولهما أن أحدًا لم يرغب في وضع اسمه عليها، والثاني هو القلق العميق داخل قيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي.

على مدى أسابيع، ازداد غضب باتيل وبونجينو، نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، مع إدراكهما حجم الفوضى التي يُلامان عليها، وحذّرا مرارًا من أن أزمة إبستين تتصاعد بين مؤيدي ترامب. أراد بونجينو إيصال رسالة حاسمة لقاعدة ترامب، ودفع مع باتيل باتجاه الإفراج الفوري عن تسجيلات كاميرات المراقبة من المنشأة الفيدرالية التي وُجد فيها إبستين ميتًا في زنزانته.

كان بونجينو مستاءً من المذكرة التي كانت وزارة العدل تُعد لنشرها بشكل يوحي أنه “لا يوجد ما يستدعي القلق”. وقد أخبر بونجينو باتيل أن هذا الأمر لا يتوافق بأي شكل من الأشكال مع وعودهما بالشفافية بعد توليهما إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي، واعترض على وضع ختم المكتب على المذكرة. لكن تم رفض اعتراضه.

كان باتيل يشارك بونجينو العديد من مخاوفه على انفراد، لكن في رسالة بريد إلكتروني داخلية بتاريخ 2 يوليو/ تموز، أعرب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي عن تأييده للمذكرة.

قبل انتخابات عام 2024، وعد كاش باتيل، الذي أصبح لاحقا مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، بأن إدارة ترامب الثانية ستكشف عن “كل شيء” في ملفات إبستين لاستعادة ثقة الجمهور.

كتب باتيل إلى مجموعة صغيرة من زملائه وبينهم بلانش: “شكرًا على التعديلات، وما زلت أعتقد أن هذه هي الوسيلة الأفضل للمضي قدمًا. يسعدني إضافة أي جمل أخرى لسد النقص. لكنني أعتقد أننا أوضحنا تحديدًا لماذا لا يمكن نشر المزيد فيما يتعلق بموضوعات معينة مثل أوامر المحكمة، ومواد الاعتداء الجنسي على الأطفال، وحماية الضحايا، وغيرها”.

نادرًا ما استخدمت بوندي البريد الإلكتروني الخاص بالوزارة، ولم تكن ضمن المجموعة التي عملت على المذكرة. كانت على علم بالمذكرة وبنشر مقطع الفيديو الخاص بالسجن، لكنها لم تشارك في تحرير الوثيقة.

داخل البيت الأبيض، لم يكن لدى ترامب أي اهتمام بنشر أي  شيء. كان كبار المسؤولين، بمن فيهم وايلز وبلير، غير مقتنعين في البداية بمدى تأثير أزمة إبستين. قالوا لزملائهم إن الناخبين الجمهوريين لا يهتمون بالأمر، واستندوا إلى بيانات أولية من كبير مستشاري استطلاعات الرأي في فريق ترامب، توني فابريزيو، لإثبات ذلك.

من وجهة نظرهم، كانت الضجة حول ملفات إبستين مدفوعة بنظريات مؤامرة هامشية تضخمت بسبب مؤثرين على الإنترنت لا يمثلون شريحة انتخابية عريضة. كانوا يرون أن انخراط البيت الأبيض سيزيد الأمر سوءًا ويضفي طابعًا رسميًا على القضية.

شهد وايلز وبلير وآخرون من مستشاري كيف تجاوز ترامب عديد العواصف لسنوات. وفي رأيهم، لم تكن قضية إبستين عاصفة، بل مجرد غيوم عابرة.

لكن بونجينو قال للجميع إن هذا خطأ جسيم في تقدير الأمور. وقال لمستشاري البيت الأبيض: “هذه ليست قصة على الإنترنت. أنتم لا تفهمون”.

في 7 يوليو/ تموز، أصدرت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي المذكرة. كانت بيانًا غير موقّع من صفحة ونصف يوضح أنه بعد بحث شامل في “قواعد البيانات، والأقراص الصلبة، والمحركات على الشبكة، وكذلك عمليات تفتيش ميدانية لمناطق فرق العمل، والخزائن المغلقة، والمكاتب، والخزائن، وغيرها من الأماكن التي قد تحتوي المواد”، ومراجعة ما يزيد عن 300 غيغابايت من الأدلة، خلصت الوزارة إلى أنه لا يوجد دليل على أن إبستين احتفظ بقائمة عملاء.

أكدت المذكرة أيضًا التقرير الرسمي بأن وفاة إبستين عام 2019 كانت انتحارًا، وأُرفقت بنشر مقطع فيديو من السجن الفيدرالي في مانهاتن، والذي قال المسؤولون إنه يدعم استنتاج الانتحار. وأشارت المذكرة إلى أن إدارة ترامب لن تنشر مزيدًا من المعلومات بشأن قضية إبستين، وأنه لا داعي لمزيد من التحقيقات حول أطراف ثالثة غير متهمة.

بعد أقل من خمسة أشهر من إشارة بوندي إلى قائمة سرية تضم شخصيات بارزة، أُغلقت القضية. أو هكذا بدا الأمر.

في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، ألمحت بوندي إلى وجود قائمة بعملاء إبستين، وهي القائمة التي كان أنصار ماغا يؤمنون بوجودها في الملفات. لكن لم يتم العثور على أي قائمة من هذا القبيل.

لكن إذا كانت الإدارة تتوقع أن تكون المذكرة هي الكلمة الأخيرة في قضية إبستين، وأن يقبل أشد مؤيدي الرئيس الاستنتاجات المزعومة لوزارة العدل لمجرد أن الوزارة وأجهزتها باتت تحت سيطرة ترامب، فقد كانوا مخطئين بشدة. كانت المذكرة بمثابة زلزال، واعتبرها جزء من قاعدة ترامب خيانة صريحة. فقد مثّلت إنكارًا مفاجئًا لنظريات المؤامرة التي روّج لها بعض أقرب المقربين من ترامب خلال رئاسة بايدن، والتي وعدوا بكشفها بعد عودة ترامب إلى السلطة.

أما نشر فيديو المراقبة؛ الذي أراده بونجينو وباتيل كإشارة للشفافية، فقد زاد النار اشتعالًا؛ حيث أصدرت وزارة العدل نحو 11 ساعة من تسجيلات السجن، لإظهار أن شيئًا مريبًا لم يحدث. لكن التسجيل كان ينقصه دقيقة؛ قفزة واضحة في الطابع الزمني من 11:58:58 مساءً إلى منتصف الليل. وأرجعتت بوندي ذلك في البداية إلى إعادة تشغيل النظام الليلي. (تمت استعادة الفيديو ونُشر كاملًا بعد ذلك). لكن بالنسبة لكثير من مؤيدي ترامب، كان هذا دليلًا إضافيًا على التستر. واشتكى مسؤولو البيت الأبيض سرًا من أنهم لم يُبلغوا بالفجوة قبل النشر. واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي باللوم، ليس على بوندي فقط، بل على باتيل وبونجينو أيضًا.

لم يسبق لأي من الثلاثة أن واجه غضبًا بهذا الحجم من قاعدة ترامب المحافظة، فقد كان الأمر مربكًا، خصوصًا لباتيل وبونجينو، اللذين بنيا قوتهما ونفوذهما عبر الإنترنت، وفجأة بدأت الحركة التي اعتبرتهما أبطالًا تنقلب عليهما. وأصبح الرجلان مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بمذكرة تنص بوضوح على أن المعلومات بحوزة الحكومة تُظهر أدلة وافرة على جرائم إبستين نفسه، لكن لا دليل على وجود مؤامرة أوسع.

في يوم صدور المذكرة، حضر بونجينو اجتماعًا يوميًا في وزارة العدل مع موظفي مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزيرة العدل. وكان في حالة غضب عارم؛ فما أن دخل القاعة حتى انفجر في وجه بوندي، صارخًا: “لقد أفسدتِ الأمر منذ البداية. الطريقة التي تحدثتِ بها عن هذا،  تلك المسرحية السخيفة بملفات إبستين، وهراء “إنها على مكتبي”، وكل الوعود التي قطعتها للناس هناك”.

لاحقًا، قال باتيل وبونجينو لمسؤول في البيت الأبيض إن بوندي يجب أن تستقيل، وبعد يومين، في 9 يوليو/ تموز، استُدعي الرجلان إلى اجتماع مع وايلز وبوندي في مجمع غرفة العمليات، وكانا آخر من دخل الغرفة الصغيرة ذات الجدران المكسوة بألواح خشبية. جلس حول الطاولة كل من بوندي، ووايلز، وبلانش، وتايلور بودويتش، أحد نواب وايلز. ما إن جلس بونجينو حتى قالت له وايلز إنها أُبلغت بأنه سرّب قصة حساسة عن إبستين وترامب إلى شبكة “إيه بي سي نيوز”.

ورد بونجينو: “سأقول لكِ شيئًا؛ سأعطيكِ 100 ألف دولار نقدًا الآن. أنا لا أمزح. اخرجي إلى ويست إكسك، واجعلي ذلك الصحفي يتحدث في مكبر الصوت ويعترف أنني من سربت الخبر. مئة ألف دولار”.

وردت ويلز بحدة: “حسنًا، لقد ورّطنا أنفسنا جميعًا في هذا المأزق..”؛ لكن بونجينو قاطعها حديثها: “لا، لا، لا، لا، لا. لم نُورّط أنفسنا في شيء. لقد حذرتكم من هذا طوال الوقت، لكنكم تجاهلتموني. وما قلته بالضبط إنه سيحدث، حدث بالفعل. والآن تتظاهرون أنني كنت جزءًا من هذا. لم أكن يومًا جزءًا منه”.

وأثار رد بونجينو العدواني على ويلز دهشة الآخرين؛ فهي رئيسة موظفي البيت الأبيض، وهي في الأساس نائبة للرئيس، فوضعت ويلز بونجينو في موقف حرج، وقالت: “من الآن فصاعدًا، نحن جميعًا جزء من هذا. سنتفق جميعًا على المضي قدمًا. هل أنت معنا أم لا؟”.

قال بونجينو: “لا، لست كذلك. هذه ليست خطتي. لست جزءًا من هذا في المستقبل. انسوا الأمر. أنا خارج هنا”. وغادر غاضبًا غرفة العمليات متجهًا إلى شارع ويست إكزكيوتيف، حيث صعد إلى سيارة باتيل المصفحة وطلب من السائق أن يقله إلى مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وتمنى بعض أصدقاء بونجينو المقربين أن يستقيل فورًا، في خطوة احتجاجية كانت ستجعله شهيدًا لدى حركة “ماغا” وتزيد من شعبيته. لكن مستشاري البيت الأبيض تدخلوا، وحثوه على البقاء. فإذا استقال بسبب إبستين وأعلن ذلك، فقد يلحق ذلك ضررًا بالغًا بالرئيس. وقال بونجينو لمعارفه إنه سيبقى من أجل ترامب وسيواصل الضغط لنشر المزيد من المعلومات حول إبستين.

انفجر دان بونجينو، نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، غضبًا في وجه بوندي ووايلز مع تزايد ردود الفعل السياسية، قائلًا لهما: “لقد حذرتكم من هذا طوال الوقت، لكنكم تجاهلتموني”.

غير أنه كان يغلي غضبًا في السر؛ فقد شكا في محادثات مع المقربين له من الخسارة التي سببها له هذا المنصب: ملايين الدولارات من عائدات البودكاست، والوقت الذي كان يقضيه مع أسرته، وجمهوره، وكان يتعرض للتدمير بسبب إستراتيجية عارضها منذ البداية.

كانت العلاقات في قمة وزارة العدل قد تجاوزت مرحلة الخلل الوظيفي في ذلك الوقت؛ ففي اجتماع آخر في يوليو/ تموز، في مكتب وايلز، أخبر بونجينو وباتيل رئيسة الموظفين بأنهما يشتبهان في أن بوندي قد سربت قصصًا سلبية عنهما.

وقال بونجينو لاحقًا لأحد المقربين، مكررًا اللقب الساخر الذي أطلقته لومر على وزيرة العدل: “بلوندي أفسدت كل هذا. هي التي كانت على التلفزيون تقول مرارًا إن لديهم كل هذه الأشياء. لم يكن هناك شيء. كنا دائمًا واضحين بشأن ذلك. لكن الجميع يظن الآن أننا ارتكبنا خطأ ما. وأنا ضحيت بكل شيء”. وشكا بونجينو من أنه تخلى عن برنامجه ذو نسب المشاهدة العالية وملايين الدولارات، “والآن اختفى كل شيء، لأن الناس يظنون أننا أفسدنا شيئًا ما في قضية إبستين”.

وتوقف بونجينو قليلًا وقال: “سيكون هذه بمثابة فضيحة إيران-كونترا بالنسبة للرئيس ترامب”.

في 12 يوليو/ تموز، لجأ الرئيس إلى منصة “تروث سوشال” للدفاع عن بوندي ضد الانتقادات، وحثّ “الأولاد” و”الفتيات” على التوقف عن إضاعة “الوقت والطاقة على جيفري إبستين، فهو شخص لا يهتم به أحد”. وقال ترامب لمساعديه إنه غير راضٍ عن بعض من أبرز مؤيديه، بمن فيهم تشارلي كيرك، وتاكر كارلسون وميغن كيلي، الذين كانوا جميعًا يحثون الإدارة علنًا على كشف الحقائق. وكان كيرك قد عقد فعالية لـ”تيرنينغ بوينت يو إس إيه” في اليوم السابق والتي تحولت إلى مهرجان شكاوى حول إبستين،؛ حيث هاجم المتحدثون بوندي واحدًا تلو الآخر بسبب إدارتها للقضية، واتصل ترامب بكيرك ووبّخه.

لم يكن أحد في الدائرة المقربة من ترامب يمتلك فهمًا أعمق لشرائح الشباب في قاعدة أنصار “ماغا” من كيرك، الذي أدرك أن التستر على قضية إبستين – كما بات يُنظر إليه الآن – أصبح يستقطب الاهتمام إلى حد يثير القلق. كما كان دونالد ترامب جونيور وجي دي فانس يشعران بالقلق أيضًا، إذ كان كلاهما يقضي وقتًا طويلًا على منصة “إكس” وعلى اتصال وثيق بتلك الشريحة الشابة والأكثر نشاطًا على الإنترنت من القاعدة الشعبية. وبناءً على ذلك، حثّا البيت الأبيض على تغيير مساره وإجبار وزارة العدل على الكشف عن المزيد من الملفات.

وأوضح فانس لزملائه أنه يخشى خسارة بعض من يُطلق عليهم الناخبون ذوو الميول الانتخابية المنخفضة، وهم فئة الشباب الذين لم يكونوا جمهوريين تقليديين ولكنهم صوتوا لصالح بطاقة ترامب- فانس الانتخابية في عام 2024. وكان هذا الجمهور يتابع بشغف مقدمي البودكاست في فضاء “المانوسفير” مثل جو روغان، وكان من المقلق أن يبدأ مقدمو هذه البرامج أنفسهم في التمرد الآن.

ولكن كانت هناك عقبة رئيسية واحدة في طريق الحل؛ فالرئيس نفسه لم يكن لديه أي اهتمام بالشفافية، حيث أراد دفن قضية إبستين برمتها، وكان يهاجم أي شخص يذكرها. وبسبب ذلك، تجنب موظفوه إلى حد كبير مناقشة هذا الموضوع معه، واضطروا إلى تقاسم القلق فيما بينهم.

وأخيرًا، في 16 يوليو/ تموز، وفي منشور غاضب على منصة “تروث سوشيال”، وفي محاولة يائسة على ما يبدو لعرض وجهة نظره بلغة قد تلقى صدى لدى قاعدته، وصف ترامب بطريقة غير منطقية قضية إبستين بأنها “خدعة” من تدبير الديمقراطيين، ثم شرع في توجيه الإهانات لأعضاء حزبه وقاعدته الشعبية، متبرئًا من دعمهم، وواصفًا إياهم بـ “مؤيدين سابقين” و”ضعفاء” قد “انخدعوا بهذا الهراء بدون تفكير”.

وبينما كان الرئيس يحاول صرف انتباه الجميع عن قضية إبستين على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ أعضاء من كلا الحزبين بالضغط في الاتجاه المعاكس، حيث تبنى العديد من الديمقراطيين فضيحة إبستين المتصاعدة كمحور رئيسي في خطابهم الإعلامي وكسلاح سياسي ضد ترامب. وانضم إليهم عدد قليل من الجمهوريين المتمردين، مما زاد من الضغط السياسي على فريق الرئيس. وقدم النائبان، الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا، مشروع القانون “إتش آر. 4405” تحت اسم “قانون شفافية ملفات إبستين” في مجلس النواب، ورغم أنهما لم يحشدا الأصوات الكافية لتمرير المشروع بعد، فقد كان هذا القانون يمثل ساحة المعركة القادمة في ظل إصرار الرئيس على رفض الكشف عن المعلومات.

وفي هذه الأثناء؛ تسربت أنباء إلى البيت الأبيض في أواخر يوليو/ تموز تفيد بأن استدعاءً رسميًا سيصدر قريبًا عن لجنة الرقابة بمجلس النواب، برئاسة جيمس كومر، وهو جمهوري من ولاية كنتاكي. وقد دُفع بهذا الاستدعاء من قِبل الديمقراطيين في اللجنة، وبمساعدة بعض الجمهوريين، وهو ما يلزم وزارة العدل بالكشف عن الملفات التي بحوزتها بشأن إبستين.

وفي اليوم الذي علم فيه فريق ترامب بصدور مذكرة الاستدعاء الوشيكة، عُقد اجتماع أزمة آخر بشأن قضية إبستين في “غرفة العمليات” لمناقشة الضغوط القادمة من الكونغرس. وضم الاجتماع معظم أعضاء المجموعة نفسها: وايلز وفانس، وبلانش، ووارينغتون، وباتيل، وبوندي، وبلير، وتشيونغ، وبودوفيتش، وليفيت.

وأخبر بلير المجموعة أنهم سيحاولون ضمان التعاون الكامل مع مذكرة استدعاء مجلس النواب، لكن الأولوية تكمن في الكشف عن المعلومات التي تثبت عدم تورط ترامب في جرائم إبستين.

وقدم بلانش تقييمًا للمواد المتعلقة بإبستين والتي راجعها شخصيًا أو أُطلع عليها، بما في ذلك مجموعة من المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال. وتحول النقاش إلى كيفية نشر هذه الملفات للعامة، وكانت الفكرة الجاري العمل عليها بالفعل هي وضع جميع المواد المتعلقة بإبستين على موقع إلكتروني واحد. وبهذه الطريقة، سيكون بمقدورهم غمر “أوساط ماغا الرقمية” بكميات هائلة من المعلومات الحقيقية والموثوقة في شكل قاعدة بيانات ضخمة.

بعد أن استجوب تود بلانش، الذي كان يشغل حينها منصب نائب وزير العدل، شريكة إبستين في التآمر غيسلين ماكسويل، نُقلت الأخيرة بهدوء إلى سجن فيدرالي ذي حراسة مخففة، مما زاد من حدة الغضب الشعبي.

كان إنشاء الموقع الإلكتروني سهلًا، وكانوا يتطلعون إلى إمكانية إطلاقه في غضون أسبوع. وكانوا قد جمعوا بالفعل تلًا من المواد التي كان بلانش يتصفحها، والتي تضمنت أكوامًا من الوثائق المتعلقة بالقضايا المدنية والجنائية على حد سواء، وكانوا يخططون لنشرها بالكامل. وكان بإمكان بلانش بعد ذلك الظهور في بودكاست روغان للترويج لنهج الشفافية الذي يتبعه البيت الأبيض.

ولكن تبين لاحقًا أن هذا الموقع القابل للبحث لن يتم إطلاقه وفقًا للجدول الزمني الأولي، كما أن النسخة التي تصوروها للموقع في بادئ الأمر لن تُنشر للعامة أبدًا.

وبحلول أواخر الصيف، بات واضحًا تمامًا لكبار مساعدي الرئيس أن قضية إبستين لا تشبه الأزمات الأخرى التي لا حصر لها والتي تجاوزوها بنجاح خلال فترة خدمتهم لترامب. ولدهشتهم الكبيرة – وقلقهم المتزايد – لم تجدِ نفعًا أساليب ترامب القديمة في التهرب والإنكار.

وفي أواخر يوليو/ تموز؛ وكما ناقش فريق ترامب في اجتماعات الأزمة الخاصة بهم، كان بلانش هو من استجوب ماكسويل. وعلى مدار يومين، أخبرته أنها لم تشهد أي سلوك مريب من جانب ترامب، وأنها لا تتذكر أنه أرسل بطاقة عيد ميلاد المرسومة على شكل امرأة عارية. وبعد ذلك بوقت قصير، نُقلت بهدوء إلى سجن فيدرالي ذي حراسة مخففة في ولاية تكساس، وهو نقل ظل بلا تفسير في البداية، مما أدى تفاقم الغضب الشعبي أكثر. وصرح بلانش بعد نحو خمسة أشهر بأن ماكسويل كانت تواجه “تهديدات عديدة تستهدف حياتها”.

مع تزايد المطالبات بالشفافية، أمضى كبار المسؤولين في إدارة ترامب وقتًا أطول في المخبأ. وبحلول ذلك الوقت، أصبحت غرفة العمليات نفسها جزءًا لا يتجزأ من الأزمة؛ مكان محروس عمل فيه الدائرة المقربة من ترامب على توجيه الرئيس للتغلب على فضيحة من شأنها أن تلطخ أو تدمر قريبًا مسيرات مهنية على أعلى المستويات في مجالات الأعمال والعلوم والسياسة.

وفي 13 أغسطس/ آب، التقى فريق ترامب مجددًا في المجمع الأمني الآمن في تمام الساعة السادسة مساءً لمدة ساعتين لوضع اللمسات الأخيرة على إستراتيجية الدفاع في قضية إبستين. وضمت المجموعة مرة أخرى كلًا من: وايلز، وبوندي، وبلانش، وباتيل، وبيلر، وبودوفيتش، وتشيونغ، وليفيت، في حين شارك فانس في الاجتماع عبر الهاتف من بريطانيا.

وعاد نائب الرئيس مجددًا للضغط باتجاه الإفراج عن أكبر قدر ممكن من ملفات إبستين. وبالنظر إلى الخطاب الإعلامي الموجه للجمهور، اقترح أن يكون هو الشخص الذي يظهر في بودكاست روغان ذي التأثير الواسع. وكان فانس قد أنهى للتو مكالمة هاتفية مع روغان، وأخبر آخرين لاحقًا أن روغان قال إنه لن يستضيف بلانش في برنامجه، لكنه سيرحب باستضافة فانس.

وجادل فانس بأنه إذا كان هو من سيظهر في برنامج روغان، فإن جزءًا فقط من المحادثة سينصب على قضية إبستين، بينما يمكن تخصيص بقية المقابلة، كما أخبر المجموعة، للحديث عن التشريعات التي أقرها الرئيس مؤخرًا وما ستقدمه للأسر العاملة.

غير أن النقاش الأوسع المطروح أمامهم كان يدور حول كيفية إدارة الأزمة ومواجهة المخاطر التي تواجه العلاقات العامة للإدارة، حيث يكمن التحدي في أي اتهامات محرجة أو ضارة بالرئيس، حتى وإن كانت غير مؤكدة. فإذا أتيح كل شيء للعامة على الموقع الإلكتروني الذي خططوا له، فقد يشتمل ذلك على جميع أنواع المواد التي قد تكون مهينة ومحرجة.

وفجأة؛ أثار أحد المسؤولين في غرفة العمليات مسألة اتهام مقلق ولكنه غير مؤكد ضد ترامب، كان قد كُشف عنه في وثائق رفعت عنها السرية تعود لقضية تشهير رفعتها فيرجينيا جيوفري عام 2015 ضد ماكسويل، والتي تمت تسويتها بعد عامين. وكان هذا الاتهام غير المباشر – والذي يزعم نوعًا معينًا من الاعتداء الجنسي – المثال الأبرز على الأمور التي قد تظهر على الموقع الإلكتروني العام وتسلط الضوء على ترامب، سواء أكانت صحيحة أم لا.

وكانت جيوفري، التي التقت بإبستين عندما كانت مراهقة تعمل كموظفة في منتجع صحي بنادي “مار-إيه-لاغو” المملوك لترامب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، قد أصبحت واحدة من أكثر ضحايا هذا مرتكب الجرائم الجنسية صراحةً وجرأة في الحديث. وصرحت جيوفري في أواخر عام 2016 بأنه، حسب علمها، لم يرتكب ترامب أي سلوك غير لائق. وقد توفيت جيوفري منتحرة في أبريل/ نيسان 2025، بعد ثلاثة أشهر من عودة ترامب إلى السلطة. وتضمن ملف قضية جيوفري القديم رسائل بريد إلكتروني أرسلتها ضحية أخرى لإبستين، تدعى سارة رانسوم، إلى صحفي، والتي رفعت دعوى قضائية لاحقًا ضد إبستين وماكسويل، وقد سوّى إبستين تلك القضية أيضًا.

في رسائل البريد الإلكتروني، ادعت رانسوم أنها تعرف فتاة في شبكة إيبستين للاتجار بالجنس تدعى جين، قالت إنها مارست الجنس مع ترامب.

لم تكن مصداقية رانسوم بسيطة؛ فقد قدمت ادعاءً آخر سابقًا بأنها تمتلك لقطات فيديو لرجال بارزين يمارسون الجنس مع فتيات صغيرات في حاشية إبستين. وتراجعت لاحقًا عن هذه الادعاءات، قائلة إنها تخشى على نفسها وعلى عائلتها إذا مضت قدمًا فيها. ولكن بعد أن أمر قاضٍ فيدرالي برفع السرية عن بعض ملفات قضية جيوفري في عام 2023، كانت الوثيقة التي تربط ترامب بالادعاء المتعلق بتلك الممارسات العنيفة من بين المواد التي ظهرت للعلن. لقد كان ذلك اتهامًا غير مؤكد ولم يُطرح علنًا بصفة رسمية، لكن الكشف عنه أدى إلى نشر بعض المقالات التي سرعان ما تاهت وسط صخب أخبار العام الانتخابي.

ولم يكن بعض مستشاري ترامب في غرفة العمليات قد سمعوا قط بهذا الادعاء، بينما بدا أن من سمع به لديه معرفة عابرة فقط بالموضوع. واعتقد الكثيرون في الغرفة أن هذا كله مجرد هراء لا مصداقية له. لكن ذلك قد لا يهم، إذ يمكن لرسائل رانسوم أن تحظى باهتمام جديد إذا أُدرجت في مكتبة إبستين “المتاحة للجمهور والقابلة للبحث” والتي تحمل شعار وزارة العدل. وكان مسؤول في الإدارة قد بحث بالفعل عن المواد المتعلقة بترامب في النسخة التجريبية للموقع التي لا تزال خاصة، وكانت المواد المتعلقة بهذا الادعاء من بين أولى المواد التي ظهرت. ولن تؤخذ أي من مشكلات المصداقية بعين الاعتبار إذا منحت قاعدة البيانات المعتمدة حكوميًا ادعاء رانسوم بشأن ترامب طابعًا من الرسمية والموثوقية.

وقال أحد المسؤولين للمجموعة في غرفة العمليات: “هذا الأمر متداول بالفعل. سوف يثيرون ضجة هائلة حول هذا الموضوع، على الرغم من أنه غير صحيح والجميع يعلم ذلك”.

بينما كان الرئيس يحاول صرف انتباه الجميع عن قضية إبستين على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ أعضاء من كلا الحزبين بالضغط في الاتجاه المعاكس، مما ضاعف من حدة الضغوط السياسية على فريق الرئيس.

وجادل بلانش بأن وثيقة رانسوم – وتراجع رانسوم عن بعض ادعاءاتها الأخرى – ستوضح في هذا السياق سبب عدم ملاحقة الاتهامات المتعلقة بترامب قضائيًا. فضلًا عن ذلك، فإن هذه الادعاءات كانت متاحة بالفعل على الإنترنت بسبب ما رُفعت عنه السرية، لذا لم يكن هناك مبرر لاستبعادها من الموقع الإلكتروني لوزارة العدل.

وقال نائب الرئيس إنه يعتقد أن الرئيس لن يمانع في نشر الوثائق المتعلقة بـ”جين”، محتجًا بأن ترامب قد اتُّهم بما هو أسوأ من ذلك، حيث قال: “أعتقد أنه ينبغي لنا نشرها، فهذا سيجعل الناس يرون أننا نذهب إلى أبعد مما نحتاج إليه”. لكن وايلز سارعت بالرد مؤكدة أن الرئيس، في الواقع، لن يقبل بذلك أبدًا، وكانت هذه نقطة لم يرغب أحد في مواصلة الجدال حولها.

ووصف أحد المسؤولين لاحقًا مناقشة موضوع “جين” في غرفة العمليات بالبيت الأبيض بأنها كانت تجربة “سريالية”.

كان هذا، بشكل مصغر، يمثل المشكلة برمتها التي واجهها البيت الأبيض مع ملفات إبستين: أكوام من الاتهامات التي يستحيل دحضها، ويستحيل بالقدر نفسه إخفاؤها. فكل باب يفتحونه كان يقودهم إلى غرفة أخرى، وفي كل غرفة كانت تظهر ادعاءات جديدة من نساء أخريات.

ولعدة أسابيع، اعتقدوا أنهم وجدوا مخرجًا، فقد طلبت مذكرة الاستدعاء الصادرة عن لجنة كومر على وجه التحديد وثائق وزارة العدل، والمراسلات مع البيت الأبيض، والمواد المتعلقة بملفات القضايا الجنائية لإبستين وماكسويل، وليس المواد المستمدة من الدعاوى المدنية، مثل رسائل رانسوم الإلكترونية. وكان بإمكانهم الالتزام بنص مذكرة الاستدعاء حرفيًا، ونشر مواد وزارة العدل على نسخة مبسطة من الموقع الإلكتروني المخطط له، وترك الباقي جانبًا، وكانت القضايا المدنية مسائل منفصلة وخارجة عن اختصاص وزارة العدل. كما أتاحت مذكرة الاستدعاء منفذًا آخر للهروب، إذ كان بإمكان وزارة العدل حجب وثائق معينة، شريطة أن توضح لأعضاء مجلس النواب طبيعة هذه الوثائق وأسباب حجبها.

غير أن هذه الإستراتيجية انهارت سريعًا، فقد ضغط المزيد من المشرعين الجمهوريين للمطالبة بالكشف عن وثائق إضافية، بما في ذلك حلفاء سابقون لترامب مثل غرين ولورين بوبيرت. كما تباطأت إدارة ترامب في الامتثال حتى لمجموعة الوثائق المحدودة الأولية التي طلبتها مذكرة الاستدعاء الصادرة عن مجلس النواب.

وبحلول منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، نجح التحالف المكون من الحزبين، والذي كان فريق ترامب يخشاه منذ الصيف، في حشد الأصوات الكافية لإجبار الإدارة على الخضوع. حيث مرر مجلس النواب ومجلس الشيوخ “قانون شفافية ملفات إبستين” في تتابع سريع، وفي 19 نوفمبر/ تشرين الثاني، وقّع ترامب عليه ليصبح قانونًا نافذًا، استسلامًا منه للأمر الواقع.

وقد ذهب القانون الجديد إلى أبعد مما ذهبت إليه مذكرة استدعاء مجلس النواب، حيث طالب بالكشف عن حزمة أوسع من الملفات، واشتمل على تحذير للإدارة بأنه “لا يجوز حجب أي سجل، أو تأخيره، أو شطب أجزاء منه بداعي الإحراج، أو تضرر السمعة، أو الحساسية السياسية، بما في ذلك ما يتعلق بأي مسؤول حكومي، أو شخصية عامة، أو شخصية أجنبية رفيعة المستوى”. لقد طالب القانون بكل شيء قضى ترامب الجزء الأكبر من العام محاولًا إخفائه.

ولم يكن لدى المشرعين الذين أقروا مشروع القانون أي فكرة عن حجم الملفات الضخم التي أمروا بالإفصاح عنها في غضون شهر واحد، فقد انتهى الأمر بصفحات بلغ عددها الملايين، وورد ذكر الرئيس وعائلته وأماكن مثل منتجع “مار-إيه-لاغو” الخاص به أكثر من 38,000 مرة، وفقًا لتحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز.

وقالت وزارة العدل في عهد ترامب إنه لا توجد قائمة عملاء، لكن الواقعة بأكملها كانت بمثابة مؤشر خطر آخر في حقبة تآكلت فيها الثقة بنظام العدالة الأمريكي إلى حد الانهيار. فالشهادات الأولية للشهود والأدلة المستقاة من تحقيقات جنائية غير مكتملة لم يكن مقدرًا لها قط أن تُعرض على الجمهور، إذ كانت هناك أنظمة قائمة منذ فترة طويلة لحماية كل من المتهم والمُتَّهِم على حد سواء. وبدلًا من ذلك، تمثلت هذه الملفات في عملية إغراق علني ومفتوح لكل وثيقة في وزارة العدل تذكر اسم إبستين، بغض النظر عما إذا كانت المعلومات قد تم التأكد من صحتها أم لا. ولقد كشفت الصفحات المنشورة بالفعل عن أسماء العديد من الرجال المتنفذين، وكان من بينهم صديق إبستين المقرب سابقًا، والذي بات الآن رئيسًا للولايات المتحدة.

وفي رسالة بريد إلكتروني تعود إلى يناير/ كانون الثاني 2020، أخبر مدعٍ عام فيدرالي أحد زملائه بأن ترامب قد سافر على متن طائرة إبستين الخاصة أكثر بكثير مما كان يعلمه أي شخص. وأظهرت سجلات الرحلات الجوية الواردة في الملفات القيام بثماني رحلات على الأقل بين عامي 1993 و1996، وكان في بعضها برفقة زوجته الثانية، مارلا مابلز، وفي بعضها الآخر برفقة أطفاله. وكان ترامب قد صرح في يناير 2024 بأنه لم يسبق له قط أن استقل تلك الطائرة.

فما الذي ظل طي الكتمان أيضًا؟ وهو تساؤل لم يزدد إلا إلحاحًا مع قيام الناس بتمشيط المواد الخاضعة للشطب أو المفقودة. وقالت وزارة العدل، بعد الكشف عن أكثر من 3.5 ملايين وثيقة للعامة، إنه لا حاجة للإفراج عن أي وثائق أخرى. وكعادته دائمًا، كان ترامب يصنع واقعه الخاص، فقد دأب طويلًا على ادعاء أن الجميع فاسدون، لا سيما منتقدوه. وكان يقول إن هذه الملفات – على الرغم من الكم الهائل للإشارات التي وردت فيها إليه شخصيًا – هي الدليل على ذلك.

وصرح للصحفيين في البيت الأبيض في فبراير/ شباط 2026 قائلًا: “هناك الكثير من التساؤلات حول هذا الموضوع، لكن لا شيء يدينني”.

وكان ترامب قد أعلن في الصيف أن قضية إبستين قد انتهت وطُويت، ولكن مع بدء العام الثاني من رئاسته، وكان فريقه يرى بوضوح أن مخاوف الناخبين بشأن إبستين لا تزال تفرض نفسها وبقوة إلى حد يثير القلق.

وفي مذكرة داخلية وزعت على نحو اثني عشر مستشارًا لترامب في أواخر مارس/ آذار 2026، لخص فابريزيو، مسؤول استطلاعات الرأي الخاص بالرئيس، نتائج جلستي نقاش لمجموعات التركيز أُجريتا في ذلك الشهر. وأدرجت مذكرة فابريزيو “ملفات إبستين” كسادس أهم قضية أثيرت في مجموعات التركيز، لتأتي بعد التضخم، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، والهجرة، والرعاية الصحية، ولكنها تقدمت على قضايا مراكز البيانات، والمسائل العسكرية، والجريمة والسلامة، ودعم الطبقة العاملة.

وفي القسم المخصص لـ”النقاط الرئيسية” لمجموعات التركيز، ذكرت مذكرة فابريزيو: “هناك أيضًا ذكر مستمر لملفات إبستين، التي طرحت في كل مجموعة، وتشكل نقطة سلبية حقيقية لدى بعض هؤلاء الناخبين”.

لقد كشفت أزمة إبستين عن حقيقة قضى بعض أقرب مستشاري ترامب شهورًا وهم يرفضون رؤيتها، ومفادها أن الرئيس قد يكون قادرًا على تفكيك المؤسسات، وتوجيه الحكومة الفدرالية ضد خصومه، وجلب أغنى رجال العالم إلى المكتب البيضاوي محملين بالهدايا، ولكن تبين في نهاية المطاف أنه لم يكن قادرًا على إخفاء جيفري إبستين.

المصدر: نيويورك تايمز

علاماتأزمات ترامب ، إدارة ترامب ، الأجندة الأمريكية ، البيت الأبيض ، السياسة الأمريكية
مواضيعأزمات ترامب ، السياسة الأمريكية ، ترامب ، ترجمات ، حركة ماجا

قد يعجبك ايضا

سياسة

تركيا تعيد ترتيب تحالفاتها.. التباعد مع روسيا مكسب للناتو

غونول تول١٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

الدستور المؤجل.. لماذا يخشى ساسة العراق مجلس الاتحاد؟

مروان الجبوري١٢ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

منسية على شاطئ طرطوس.. أرواد بين وعود التنمية وعبء التهميش

زينب مصري١٢ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑