في 14 يونيو/حزيران 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق مع إيران بات “مكتملاً”، معلناً إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي، فيما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني الذي تولى قيادة قناة التفاوض الرئيسية، التوصل إلى “اتفاق سلام” يشمل وقفاً لإطلاق النار في لبنان. ومن المقرر توقيع مذكرة التفاهم في 19 يونيو/حزيران في سويسرا، على أن تُطلق بعدها مفاوضات تستمر 60 يوماً حول الملف النووي. وبحسب ما تسرّب، تتضمن المذكرة الإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة، وردت تقديرات بشأنها بنحو 24 مليار دولار، يُتاح نصفها قبل بدء المفاوضات.
وتبدو هذه اللحظة كاشفة لإسرائيل لسببين رئيسيين: الأول أنها، رغم أنها بدأت الحرب إلى جانب واشنطن في فبراير/شباط، لم تكن طرفاً في المفاوضات، بل علمت بالاتفاق من قنوات جانبية. أما الثاني، فيتمثل في أن الاتفاق، بصيغته المعلنة، لا يحقق أياً من الأهداف التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة للحرب، وفي مقدمتها تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتحييد الترسانة الصاروخية، وإنهاء دعم الحلفاء، وتهيئة شروط إسقاط النظام.
وقد انعكس ذلك في شرخ علني غير مسبوق بين ترامب ونتنياهو، إذ وصف ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه “رجل صعب جداً”، وقال إنه “ينبغي أن يكون ممتناً” لواشنطن، بل نُقل عنه أن قصف إسرائيل لبيروت كاد “يُخرج القطار عن مساره”.
وتتفاوت القراءات الإسرائيلية لهذا الاتفاق بين حكومة تحاول احتواء الضرر، وتؤكد أنها “غير ملزمة” به، ومعارضة تصفه بـ”الفشل الاستراتيجي”، ويمين متطرف يرفضه جملة وتفصيلاً، ومؤسسة أمنية منقسمة، فضلًا عن كتّاب رأي ومراكز أبحاث يقدّمون قراءة أكثر تركيباً. غير أن ثمة قاسماً مشتركاً يعبر هذا الطيف بأكمله.
ما الذي نصّ عليه الاتفاق؟
قبل عرض المواقف الإسرائيلية، يفيد تثبيت ما هو معلوم من بنود مذكرة التفاهم حتى الآن، إذ إن جوهر الاعتراض الإسرائيلي لا ينصب على ما ورد فيها بقدر ما يتركز على ما غاب عنها.
وتشمل البنود المعلنة أو المتسرّبة وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على “كل الجبهات”، بما فيها لبنان، وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي، وخفض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، والإفراج التدريجي عن أصول إيرانية مجمّدة، وإعادة تأكيد إيران التزامها بمعاهدة حظر الانتشار النووي. أما الملف النووي نفسه، فقد أُحيل إلى مفاوضات تستمر 60 يوماً تبدأ بعد التوقيع، فيما هدّد ترامب باستئناف الضربات إذا لم يُتوصل إلى اتفاق نووي نهائي.
ما الذي تكشفه البنود المسربة من مسودة الاتفاق الأميركي الإيراني.. وكيف أشعلت الصفقة خلافًا بين ترامب ونتنياهو؟ pic.twitter.com/Z51NmTyaOY
— نون بوست (@NoonPost) June 15, 2026
وتكاد القراءة الإسرائيلية تكون شبه إجماعية في اعتبار أن هذه البنود لا تتضمن تفكيكاً للبرنامج النووي، ولا تقييداً للصواريخ الباليستية، ولا إنهاءً لدعم الحلفاء، أي إنها تُبقي “أهداف الحرب” معلّقة من دون حسم.
ويزداد القلق الإسرائيلي مع تقليل ترامب، بصورة علنية، من إلحاح ملف اليورانيوم المخصب، إذ قال إنه لا استعجال لإخراجه من إيران: “سنحصل على المادة النووية لاحقاً… خلال شهر أو شهرين، لا داعي للعجلة”، واصفاً إياها بأنها “غير مؤذية”، وهو موقف يتناقض مع المطلب الإسرائيلي الجوهري القائم على إزالة المخزون فوراً. ومن هذه النقطة تحديداً تنطلق ثلاثية القلق التي يلتقي عندها الإسرائيليون، على اختلاف مواقعهم وتوجهاتهم.
القاسم المشترك: ثلاثية القلق
على اختلاف مواقعهم وتوجهاتهم، يلتقي الإسرائيليون عند خشية مركزية مفادها أن الاتفاق يوقف القتال، لكنه يترك ثلاث ملفات من دون حسم؛ وقد رصدت تحليلات الإعلام الإسرائيلي هذا التقاطع بوضوح عبر صحف متباينة التوجهات “إسرائيل هيوم” و”جيروزاليم بوست” و”ynet” و”تايمز أوف إسرائيل” و”هآرتس” التي ركزت جميعها على خطر أن يُبقي الاتفاق عناصر القوة الإيرانية الأساسية قائمة إلى حد كبير، بما يشمل قدرة التخصيب ومخزون اليورانيوم والصواريخ الباليستية والمُسيّرات وشركاءها المسلحين في المنطقة.
وتتلخص هذه الثلاثية في الآتي:
- بقاء قدرة التخصيب ومخزون اليورانيوم: القلق من أن يؤدي الاتفاق المرحلي إلى تأجيل معالجة الملف النووي إلى مرحلة لاحقة، بدلاً من تفكيكه أو حسمه بصورة نهائية.
- غياب تقييد الصواريخ الباليستية: إذ لا يتضمن الاتفاق ما يمنع إيران من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية أو تطويرها مستقبلاً.
- تآكل النفوذ الإسرائيلي في واشنطن: شعور متزايد بأن القرار يُصاغ بين واشنطن وطهران، فيما تُستبعد إسرائيل من طاولة التفاوض ومن التأثير المباشر في مخرجاته.
وعليه، فإن الخلاف داخل إسرائيل لا يتعلق بالتشخيص بقدر ما يتعلق بتحديد المسؤولية وسبل التعامل مع الواقع الجديد، وهذا ما توضحه خريطة الفاعلين الآتية، المرتبة من مركز صنع القرار نحو أطرافه.
إسرائيل الرسمية أمام الاتفاق: الاحتواء وعدم الإلزام
بعد الإعلان، التزم نتنياهو صمتاً رسمياً لافتاً خلال الساعات الأولى، فيما تولّى وزراؤه مهمة الرد، وكان الخط الجامع للحكومة هو التأكيد أن إسرائيل “ليست طرفاً” في الاتفاق و”غير ملزمة” ببنوده. وقبيل الإعلان، كان نتنياهو قد تعهّد بأنه “ما دام رئيساً للوزراء، لن تمتلك إيران أسلحة نووية”، مؤكداً وجود “اتفاق كامل” بينه وبين ترامب، وهو خطاب بدا أن الإعلان اللاحق قد تجاوزه عملياً.
أما التطور الجديد والأخطر، فتمثل في الشرخ العلني مع واشنطن، فقد تناول ترامب نتنياهو بصورة حادة في تصريحات لموقع “أكسيوس“، إذ روى أنه اتصل به غاضباً قبيل التوقيع بسبب ضربة بيروت، قائلاً: “ما الذي تفعله؟”، وإنه أبلغه بأنه “بلا حُسن تقدير على الإطلاق”. ويقلب هذا التوتر العلني الصورة التقليدية للعلاقة بين الطرفين، ويمنح المعارضة ذخيرة إضافية لتأطير الحكومة باعتبارها أضاعت النفوذ الإسرائيلي في واشنطن.
لكن، بموازاة هذا الهجوم العلني، نقل ترامب نفسه، في حديثه إلى “وول ستريت جورنال”، أن نتنياهو موافق ضمنياً على الاتفاق، قائلاً: “بيبي موافق عليه”. ويعزز هذه القراءة أن المجلس الوزاري الأمني المصغّر (الكابينت) منح نتنياهو، بحسب “إسرائيل هيوم“، ضوءاً أخضر لـ”فصل” جبهة لبنان عن الاتفاق الأمريكي–الإيراني، فيما رفضت إسرائيل ربط وقف إطلاق النار في لبنان بالاتفاق.
وجاء المؤتمر الصحفي الذي عقده نتنياهو مساء 15 يونيو/حزيران ليجسد هذه المعادلة الدقيقة بوضوح؛ فقد اختار خطاً يوازن بين الدفاع عن نفسه وإظهار التمايز عن واشنطن، من دون مهاجمة ترامب أو الاتفاق بصورة مباشرة.
فعلى صعيد الدفاع عن النفس، رفض الإقرار بأن الحرب لم تحقق أهدافها، مصراً على أن الهدف المركزي المتمثل في إزالة الخطر النووي الوجودي قد تحقق، وأن الحملة جنّبت إسرائيل خطر “إبادة نووية”. كما رفض مقارنة الاتفاق باتفاق أوباما عام 2015، قائلاً: “لن أجري تلك المقارنة؛ نحن لا نعرف ما هو الاتفاق”، مضيفاً أن الفارق الجوهري اليوم يتمثل في وجود “تهديد عسكري ذي مصداقية” لم يكن قائماً آنذاك.
أما على صعيد التمايز عن واشنطن، فقد نأى بنفسه عن مسؤولية الاتفاق بإحالته بالكامل إلى ترامب، قائلاً: “هذا الاتفاق صنعته الولايات المتحدة، صنعه رئيس الولايات المتحدة… وأكرّر أن هذا قراره، وهو يقوده”، مع تأكيده أنه عبّر عن رأيه في محادثات مع واشنطن، وأن “لإسرائيل مصالحها، أولاً وقبل كل شيء فيما يتعلق بالتهديد النووي”.
كما أقر بوجود تباين مع ترامب بصيغة مضبوطة، قائلاً إنهما لا يريان الأمور “من المنظور نفسه” دائماً، وإن المصالح الأمنية الإسرائيلية “يجب الدفاع عنها بحكمة”. وحين سُئل مباشرة عن مدى التزامه بالاتفاق، تجنب الإجابة، مكتفياً بالتشديد على أن إسرائيل ليست موقّعة عليه، وأنه “غير مقيّد” في منع إيران من التسلّح النووي أو في حرية العمل ضد حزب الله، مؤكداً البقاء في “المنطقة الأمنية” جنوب لبنان “ما دام ذلك ضرورياً”.
أما داخل الائتلاف الحكومي، فقد أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أن “اتفاق ترامب لا يُلزمنا. إسرائيل ليست تابعة للولايات المتحدة، ونحن دولة مستقلة ذات سيادة”، مؤكداً أن المبادرات الأمريكية لا تُملي السياسة الإسرائيلية الداخلية أو العسكرية.
بدوره، أدان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الاتفاق، ووصفه بأنه “سيئ لإسرائيل وللعالم الحر بأسره”، بعدما كان قد دفع سابقاً نحو التصعيد العسكري في لبنان.
أما وزير الحرب يسرائيل كاتس، فقد جسّد صيغة “التحفظ مع الاحتفاظ بحرية العمل”، إذ أكّد بعد الإعلان أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان رغم وقف إطلاق النار، وحذّر من أنه إذا هاجمت إيران فسترد إسرائيل “بكامل قوتها”، مشدداً على احتفاظها بالقدرة على “العمل المنفرد” لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وكان قد ربط ذلك سابقاً برفض الانسحاب من “المناطق الأمنية” في لبنان وسوريا وغزة وشمال الضفة الغربية.
أما داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية، فيبدو المشهد أكثر تركيباً. فعلى المستوى الرسمي، كان رئيس الأركان إيال زامير قد قدّم خطاباً متفائلاً، مفاده أن “كل هدف حدّده المستوى السياسي للحملة في إيران ولبنان قد تحقق وأكثر”. في المقابل، حذّر مسؤول عسكري كبير من أنه “إذا لم يتحقق الهدف النووي، فإن كل ما فعلناه في إيران سيكون فشلاً واحداً كبيراً”، مضيفاً أنه إذا لم يُزَل اليورانيوم دبلوماسياً فستحتاج إسرائيل إلى عملية أخرى.
كما سرّبت مصادر أمنية رفيعة قناعة بأن القيادة الإيرانية “تخدع” فريق التفاوض الأمريكي، إلى جانب قلق متزايد من اتفاق مؤقت ومحدود يفتح مضيق هرمز مقابل رفع بعض العقوبات، فيما يجري تأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.
المعارضة والنخب: من “الفشل الاستراتيجي” إلى ما بعد الاتفاق
قدّم غادي إيزنكوت (رئيس حزب “يَشَر”، ورئيس أركان أسبق، ومن أبرز المرشحين لخلافة نتنياهو) أحد أشد الانتقادات، إذ وصف الاتفاق بأنه “النتيجة البائسة لحكومة فاشلة”، وتحدث عن “هوّة شاسعة” بين “وعود نتنياهو بالنصر الكامل” وبين الاتفاق الذي تبلور. كما انتقده لعدم مخاطبته الجمهور مباشرة، مشيراً إلى أن الإسرائيليين “يعلمون مجدداً باتفاق يمس أمنهم من قادة أجانب لا من حكومتهم”.
وكان زعيم المعارضة يائير لبيد قد لخّص جوهر الاعتراض بالقول إن “الاتفاق لا يحقق أياً من أهداف الحرب: النظام ينجو، وبرنامج الصواريخ قائم، وإيران تستطيع إعادة بناء برنامجها النووي… إنه فشل كامل لنتنياهو يحوّلنا إلى دولة تابعة”. وانضم إليه بيني غانتس، الذي حذّر من أي ترتيبات دبلوماسية تقلّص هامش المناورة العسكرية الإسرائيلية، واصفاً المسار الدولي الراهن بأنه “خطأ فادح”.
أما نفتالي بينيت والذي يُمثل الآن أحد أهم المنافسين في الانتخابات، وشغل سابقًا موقع رئاسة الوزراء، فقد ربط الاتفاق بنقد أوسع لاستراتيجية نتنياهو، منتقداً اعتماده على “الحروب المطوّلة”، ومحذّراً من أن إسرائيل “في لحظة وجودية”. كما حذّر زعيم حزب يسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان من أن أي اتفاق لا يتضمن وقف التخصيب وإنتاج الصواريخ ودعم الوكلاء سيعني العودة إلى حملة أخرى بشروط أكثر صعوبة.
والقاسم المشترك في خطاب المعارضة يتمثل في الانتقال من نقد بنود الاتفاق إلى تحميل نتنياهو مسؤولية “إضاعة النصر” وإبعاد إسرائيل عن طاولة صنع القرار.
وفي فئة صُناع الرأي والصحافة، فقد قدّم المحلل يونا جيرمي بوب في “جيروزاليم بوست”، واحدة من أكثر القراءات تركيباً، داعياً إلى “مراجعة واقعية”. وتنطلق حجته من أن تغيير النظام لم يكن هدفاً قابلاً للتحقيق أساساً، وأن إضافته إلى أهداف الحرب في أيامها الأولى شكّلت خطأً ارتكبه نتنياهو وترامب، فيما يرى أن الهدفين الوجوديين الحقيقيين ــ تأجيل التهديدين النووي والصاروخي لعدة سنوات ــ قد تحققا بالفعل.
ومع ذلك، حدّد ما وصفه بـ”الخسارة الأكبر وغير المغطّاة إعلامياً”، والمتمثلة في غياب أي قيد يمنع إيران من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية، إلى جانب خسارة أكثر تعقيداً تتمثل في التآكل الكبير لدعم حلفاء إسرائيل في واشنطن وأوروبا وبعض العواصم العربية.
أما صحيفة “هآرتس“، فقدّمت القراءة الأكثر نقداً للذات، إذ تعاملت مع الاتفاق المحتمل ليس بوصفه “خيانة” لمتطلبات الأمن الإسرائيلي فحسب، ووصلت لاعتباره نتيجة محتملة لسنوات من الخيارات السياسية الإسرائيلية، ومن بينها حملة نتنياهو ضد الدبلوماسية النووية السابقة. وهي قراءة ترى أن إسرائيل ربما أسهمت في دفع المنطقة نحو مواجهة تنتهي بإيران “متضررة لكن غير مهزومة استراتيجياً”.
وعلى صعيد مراكز الأبحاث، وفي مقدمتها معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، فكانت قد قدّمت سياسات أكثر منهجية للمقاربات المقبول الوصول إليها مع إيران والمحاذير، من خلال الإصرار على التفكيك الكامل لبنية التخصيب الإيرانية شرطاً لإنهاء الحرب، انطلاقاً من اعتبار أن نماذج “إدارة المخاطر” السابقة، مثل خطة العمل الشاملة المشتركة، لم تعد ذات صلة.
ومن بين مطالبه العملية المحددة: نقل اليورانيوم المخصب بدرجات عالية (20% و60%) إلى خارج الأراضي الإيرانية أو تخفيفه، وأن يأخذ التخطيط الإسرائيلي في الحسبان التقويم السياسي الأمريكي، بما يشمل انتخابات التجديد النصفي عام 2026 والانتخابات الرئاسية عام 2028.
من الخفوت إلى الشرخ العلني
في مرحلة التفاوض، بدا الرد الإسرائيلي خافتاً مقارنة بالحملة الشرسة التي خاضها نتنياهو ضد الاتفاق النووي عام 2015 في عهد أوباما. لكن إعلان الاتفاق قلب المشهد بصورة واضحة؛ فلم يعد الخلاف شأناً إسرائيلياً داخلياً فحسب، إذ انفجر على هيئة شرخ علني بين ترامب ونتنياهو، بعدما بات الرئيس الأمريكي نفسه يهاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي ويطالبه بالامتنان. ويكشف هذا التحول جوهر اختلال موازين العلاقة بين الطرفين؛ ففي عام 2015 خاطب نتنياهو الكونغرس من فوق رأس الإدارة الأمريكية، أما اليوم فهو يجد نفسه في موقع المتلقي للاتفاق وللانتقادات في آن واحد.
غير أن القراءة الأكثر فائدة تتجنب الانزلاق نحو تفسير أحادي لهذا المشهد. فأمامنا فرضيتان لا تنفي إحداهما الأخرى بالضرورة؛ الأولى أن الشرخ حقيقي وعميق، ويعبر عن تباين استراتيجي فعلي بلغ ذروته، وأن خطاب “عدم الإلزام” الإسرائيلي قد يشكل تمهيداً لعمل منفرد محتمل في المستقبل.
أما الفرضية الثانية، فتتمثل في أن جزءاً من هذا الشرخ يؤدي وظيفة مزدوجة، ويحمل قدراً من المسرحية السياسية؛ فهو يتيح لترامب تقديم نفسه بوصفه صانع سلام مستقلاً عن الضغط الإسرائيلي، كما يتيح لنتنياهو النأي الخطابي أمام جمهوره عن اتفاق قبل به عملياً، بدليل الإشارات المتكررة إلى موافقته الضمنية عليه.
والأرجح أن الواقع يجمع بين الفرضيتين بدرجات متفاوتة؛ أي وجود خلاف استراتيجي حقيقي في مقاربات التعامل مع أزمات المنطقة، يقابله قدر من الإدارة التكتيكية المشتركة للخطاب العلني بين الطرفين وقد مُورس في أكثر من موضع، بما فيهم ضمن استراتيجيات الخداع العلني. ومن هذا المنطلق، يمكن العودة إلى العبارة التي تختزل بها المعارضة المشهد ــ “دولة تابعة” ــ مستندة إلى جزء من الواقع، لكنها قد تبالغ في تقدير حجم العجز الإسرائيلي إذا تجاهلت هامش التنسيق الضمني الذي لا يزال قائماً تحت سطح التوتر.
خلاف الأولويات وحدود التباين
يتحدد المسار الإسرائيلي في المرحلة المقبلة بفعل ثلاثة عوامل متشابكة: أولها التقويم الانتخابي الداخلي، الذي يدفع نتنياهو إلى احتواء الضرر، وربما توظيف الشرخ مع ترامب سياسياً، فيما يدفع خصومه إلى تأطير الاتفاق بوصفه فشلاً استراتيجياً ودليلاً على إضاعة النفوذ الإسرائيلي.
وثانيها هامش العمل المنفرد الذي تتمسك به وزارة الدفاع باعتباره صمام أمان، وقد تجسد فعلياً في رفض الانسحاب من جنوب لبنان والتهديد بالرد “بكامل القوة”. أما العامل الثالث، فيتمثل في مفاوضات الستين يوماً الخاصة بالملف النووي، والتي ستشكل ساحة الاختبار الحقيقية للاتفاق، إذ ترى إسرائيل أنه أجّل معالجة الملف النووي ولم يحسمه، وأن أي إخفاق في التفاوض قد يعيد فتح باب التصعيد، لا سيما مع تلويح ترامب نفسه باستئناف الضربات.
وخلاصة الأمر أن إسرائيل تواجه الاتفاق بإجماع واسع على القلق، يقابله انقسام واضح حول المسؤولية وسبل التعامل معه. إلا أن التطور الأبرز بعد الإعلان يتمثل في أن الأزمة لم تعد إسرائيلية–إيرانية فحسب، بل باتت تحمل بعداً إسرائيلياً–أمريكياً صريحاً، بما يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين وحدود النفوذ الإسرائيلي داخل عملية صناعة القرار الأمريكية.
ومن المفارقات أن أكثر القراءات رصانة، داخل الصحافة ومراكز الأبحاث الإسرائيلية، هي التي تذكّر بأن الخطر الأبعد يكمن في مسارين يتجاوزهم بنود الاتفاق: قدرة إيران على إعادة بناء عناصر قوتها الصاروخية مستقبلاً، والتآكل التدريجي للموقع الإسرائيلي لدى حليفه الأمريكي وحلفائه الغربيين. وإذا استمر هذان المساران، فإن تداعياتهما لن تقتصر على المجال السياسي أو على صورة إسرائيل الخارجية، وقد تنعكس مباشرة على بيئتها الاستراتيجية وقدرتها على حشد الدعم والشرعية في أي مواجهة مقبلة.