• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

سوريا والملف اللبناني: فرص الدور ومخاطر الانخراط

محمد السكري١٨ يونيو ٢٠٢٦

عناصر من الجيش العربي السوري على الحدود السورية اللبنانية - 3 كانون الثاني/ يناير 2026 - سانا

أعادت الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران طرح موقع سوريا بوصفها الحلقة الجغرافية التي تصل بين ساحات المواجهة في لبنان والعراق وفلسطين، ما يجعل استبعادها من أي ترتيبات أمنية مستقبلية أمرًا صعبًا رغم رغبة دمشق المعلنة بالتركيز على الداخل، وقد تركز النقاش عقب بدء المرحلة الانتقالية في سورية، حول إمكانية أن تلعب دمشق أدوارًا إقليمية في محيطها السياسي، بوصفها دولة تعيد تعريف عقيدتها السياسية، والتي سبق وأن أكدت عليها حكومة الرئيس أحمد الشرع، بكونها دولة تريد التركيز على التنمية الداخلية، ونسج علاقات متوازنة مع الجميع، حيث تتعارض بشكل واضح، أولويات دمشق، وأولويات الدول الداعمة لها لا سيما واشنطن، فيما يتعلق “بالدور”.

إن أولويات سوريا، تنطلق من الاستقرار الداخلي، والتنمية الاقتصادية، واستعادة السيادة والشرعية السورية من جديد، والانتقال من كون سوريا دولة هشّة إلى دولة صاعدة، وهذا يتطلب بشكل أساسي تحقيق الرؤية السورية، في الابتعاد عن الصراعات والتركيز على التنمية، وهي عوامل تخص رؤى الفاعل السياسي، لكنها ليست بالضرورة قابلة للتحقيق من حيث حركية البنية السياسية.

هذا يحتاج إلى عوامل بنيوية مساعدة ربما غير متوفرة، في ظل وجود أقطاب متصارعة، وذات مصالح متضاربة، لا سيما لدى الحديث عن العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية التي انتقلت خلال مرحلة الحكم الجديد في سوريا، إلى مرحلة صدام واضحة، وموجات حروب انعكست على الإقليم بشكل عام، وسوريا بشكل خاص. ومن الأصل، تحاول سوريا التحول من “ساحة صراع” إلى “فاعل إقليمي تنموي” لكن الحرب الدائرة، تدفعها مجددًا إلى قلب الاستقطاب.

وفي ظل الحاجة السورية، للدعم الإقليمي والدولي، يبرز سؤال إمكانية تحقيق الرؤية تلك، والتي تتباين بين الدوافع الأمريكية -باعتبار سوريا حليف جديد تحت اختبار الثقة- وبين الرغبة السورية بضمان الدعم الأمريكي دون أن تتعرض رؤيتها للتفكيك. وقد بدا هذا التباين بشكل واضح، من خلال تصريحات الرئيس السوري “أحمد الشرع” أن سوريا ليس لديها نية التدخل في لبنان، ومن ثم تلاه تصريحات من قبل الرئيس الأمريكية “دونالد ترمب” بأن سوريا يمكن أن تتكفل بحسم أمر “حزب الله” في لبنان. يثير ذلك مدى التعارض بين الرغبة الأمريكية، والأخرى السورية من حيث المحاذير والأولويات.

لبنان وحزب الله.. نقطة التقاطع الجديدة

عزز سيناريو الحرب المفتوحة، وعدم القدرة على الحسم، من قبل “إسرائيل”، لتوسع تلك الحروب، لتشمل في موجتها الأخيرة، تدخل أمريكي مباشر لصالح “إسرائيل” خلال الحرب على إيران، وفي الغالب، لا يقتصر قرار التدخل الأمريكي على واشنطن نفسها، بل يشمل حلفاء في المنطقة، والذين في الغالب يتأثرون بقرارات “الحرب والسلم”، ومن هذه الدول كانت الخليج التي عانت من موجات قصف هي الأعنف منذ عقود طويلة، مما أدى لاستهداف المصالح التجارية والاقتصادية لواشنطن ودول الخليج.

بينما كان التركيز الإسرائيلي منصبًا، على جنوب لبنان، هناك حيث ينشط تنظيم “حزب الله” الذي يعتبر جزء من “جيوبولتيك المقاومة” وامتدادًا لمصالح إيران، وفي ظل هذا التداخل بين مصالح الفاعلين الأساسين، وتأثير الحرب على الفاعلين الإقليمين، يعود بشكل جدي الحديث عن سوريا التي تتعافى بشكل طردي منذ 8 يناير/كانون الأول 2024، كفاعل محتمل في الحرب الأمريكية-الإسرائليلية على إيران.

ويأتي هذا انطلاقًا من تقاطعات مشتركة تقوم على محاولة أمريكية لاستكشاف إمكانات التعاون مع دمشق في ملفات ترتبط بلبنان، بدءًا من ضبط الحدود والتنسيق الأمني ومنع إعادة تشكل شبكات النفوذ المرتبطة بإيران، وصولًا إلى احتمالات أكثر حساسية تتعلق بطبيعة الدور السوري في أي ترتيبات أمنية مستقبلية بشأن معركة عسكرية في لبنان، إطارها العام “حزب الله” وإطارها الضمني التقدم خطوة نحو أحادية قطبية أكثر واقعية واستقرارًا على الأقل في الشرق الأوسط.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب:

📌الرئيس السوري قام بعمل رائع في بلاده وتمكّن من توحيد البلاد

📌اقترحت على “إسرائيل” فكرة أن تتولى سوريا أمر “حزب الله”

📌أعتقد أن سوريا يمكنها أن تقوم بالمهمة في لبنان أفضل من “إسرائيل” pic.twitter.com/3XRKgcNbAw

— نون سوريا (@NoonPostSY) June 16, 2026

 

يبرز لبنان بوصفه إحدى الساحات الأكثر ارتباطًا بالتحولات الإقليمية الجارية، بينما يتركز الاهتمام الإسرائيلي على تقليص نفوذ “حزب الله” باعتباره أحد أبرز أذرع إيران في المنطقة، تتقاطع هذه الأولوية مع رؤية أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة التوازنات الأمنية والسياسية في المشرق، ومن هنا عاد الحديث عن إمكانية أن تلعب سوريا دورًا ما في أي ترتيبات مستقبلية تخص الساحة اللبنانية.

يستند هذا الطرح إلى جملة من المعطيات، أبرزها أن “حزب الله” كان أحد الأطراف المنخرطة إلى جانب نظام الأسد خلال سنوات الثورة السورية، وهو ما خلق إرثًا من العداء بين الحزب وقطاعات واسعة من القوى التي تقود المرحلة الجديدة في دمشق. كما أن واشنطن تبدو معنية باستكشاف إمكانات التعاون مع الحكومة السورية الجديدة في ملفات أمنية وإقليمية تتعلق بلبنان وضبط الحدود ومنع إعادة تشكل شبكات النفوذ المرتبطة بإيران.

“وجود تدخل لسوريا في لبنان غير صحيح”
الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه مع وجهاء من ريف دمشق ينفي وجود تدخل سوري في لبنان ويؤكد أن ترسيم الحدود ليس أولوية في الوقت الراهن. pic.twitter.com/x8HUTEuVUv

— نون سوريا (@NoonPostSY) June 13, 2026

كما أشارت تصريحات ترامب في أكثر من مناسبة، إلى انفتاح أمريكي على دور سوري محتمل في الملف اللبناني، على الرغم من تقاطع العداء تجاه الحزب بين الدوافع الإسرائيلية والإرث السوري والطموح الأمريكية لخلق تقاطعات مصيرية بين الجانبين السوري-الإسرئيلي، لكون الحزب انخرط مع نظام الأسد في قتال السوريين، فإن الطرف السوري لديه حسابات داخلية وفق السياق الجديد، تنطلق من عدم التفرّد الإسرائيلي اللاحق في مواجهة سوريا، لذلك قد تكون المواجهة الإسرائيلية في لبنان ذات تأثير سلبي، في سياق أمنيّ ينعكس على ملفّ الجنوب السوري، في حين تنطلق المصلحة الإسرائيلية من تأمين تحييد سوريا العملياتي التقني، من هذه الجبهة، وقد يؤدي هذا -بطريقة أو بأخرى- إلى إمكانية استمالة الحكومة السورية تجاه انخراط سوري عملياتي استخباراتي في الملف.

إلا أن وجود تقاطع في المصالح تجاه حزب الله لا يعني بالضرورة وجود تطابق كامل بين دمشق من جهة وواشنطن أو تل أبيب من جهة أخرى. فلكل طرف حساباته الخاصة، كما أن الحكومة السورية تدرك أن أي انخراط مباشر في ترتيبات تستهدف الحزب قد يحمل تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها، وإن كان الانخراط هذا بدوافع أمنية أكثر من حسابات أدوار إقليمية.

مع ذلك، فإن سوريا بموقعها وحجمها مخزونها العسكري، قد يصعب عليها تجاهل التطورات الإقليمية الجارية، حيت أن الدول الانتقالية في الغالب، لا تملك ترف الحياد عندما تتعرض البيئة الإقليمية لتحولات كبيرة كما تلك الجارية بخصوص الملف الإيراني، لا سيما وإن امتلكت سوريا مفاتيح إحدى الملفات العالقة في ظل الحرب، كتلك في لبنان.

حدود الانخراط السوري

رغم المؤشرات التي تدفع باتجاه إشراك سوريا في ترتيبات إقليمية جديدة، فإن هناك عوامل عديدة تجعل دمشق حذرة في التعامل مع هذا المسار. فأولوية الحكومة السورية لا تزال تتمثل في تثبيت الاستقرار الداخلي واستكمال مسار التعافي الاقتصادي والمؤسساتي، وهي أهداف قد تتعرض للاهتزاز في حال الانخراط المباشر في صراعات إقليمية مفتوحة. وقد وضع الرئيس الشرع محددات التعامل مع الملف اللبناني منذ لحظة الحكم الأولى عندما أكد أن دمشق آثرت عدم التدخل في لبنان رغم كل ما فعله الحزب في سوريا خلال سنوات الثورة، وذلك انطلاقًا من رغبة إنهاء “الذاكرة السلبية”.

كما أن الحسابات السورية لا تتوقف عند مستقبل حزب الله وحده، بل تشمل كذلك طبيعة الدور الإسرائيلي في المنطقة بعد انتهاء الحرب. فإضعاف الحزب بصورة كبيرة قد يؤدي إلى زيادة هامش الحركة الإسرائيلية في لبنان وسوريا، وهو ما يثير مخاوف لدى دمشق من أن تجد نفسها لاحقًا في مواجهة اختلال جديد في موازين القوى على حدودها الجنوبية. لذا، هناك في المخيال السوري السياسي، توازن بين الرغبة الذاتية، وبين ضرورات المرحلة، والتي حددتها دمشق بنأي نفسها عن التوترات الإقليمية خلال المرحلة الانتقالية.

“وجود تدخل لسوريا في لبنان غير صحيح”
الرئيس أحمد الشرع خلال لقائه مع وجهاء من ريف دمشق ينفي وجود تدخل سوري في لبنان ويؤكد أن ترسيم الحدود ليس أولوية في الوقت الراهن. pic.twitter.com/x8HUTEuVUv

— نون سوريا (@NoonPostSY) June 13, 2026

لذلك، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية أمام الحكومة السورية يتمثل في المحافظة على قدر من المرونة السياسية، والانخراط المحدود في الملفات الإقليمية بما يخدم مصالحها المباشرة كما تفعل دمشق مع بيروت عبر التواصل الرسمي بين الجانبين، دون التحول إلى طرف في محاور الصراع القائمة، وذلك عبر تعزيز قنوات الاتصال العسكري والاستخباراتي عبر مؤسسات الدولتين الرسمية والشرعية بهدف تقليص نفوذ حزب الله.

فبينما تتيح التحولات الجارية فرصة أمام سوريا لتوسيع حضورها الإقليمي، فإن متطلبات المرحلة الانتقالية تجعل من الحذر وضبط الإيقاع السياسي شرطًا أساسيًا لأي دور خارجي مستقبلي.

كما أن أي دور سوري في لبنان سيبقى مرتبطًا بموقف الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، التي تسعى منذ سنوات إلى تعزيز سيادتها على كامل أراضيها وتقليص تأثير حزب الله خارج إطار الدولة ولا سيما في ظل وجود ذاكرة سلبية بخصوص التدخل السوري في لبنان تعود لفترة حكم نظام الأسد، لذلك فإن هامش الحركة السورية منوطة كذلك بتوافق أمريكي-فرنسي دوليًا، وبتوافق سوري-لبناني.

لذلك، إن سيناريو المواجهة العسكرية المباشرة بين سوريا وحزب الله عبر عملية عسكرية واسعة يبقى الأقل ترجيحًا، وذلك بالنظر إلى الكلفة الأمنية والسياسية المرتفعة التي قد تترتب عليها، في ظل خطورة سيناريو التدخل في الحرب على الأمن القومي السوري، ليس فقط من ناحية تأجيل أولويات المرحلة الانتقالية، بل في دفع دمشق نفسها نحو حرب استنزاف تكون فيها طرفًا، مما يعني أن تصبح دمشق خاصرة سهلة لكل من حزب الله من طرف، وإسرائيل من طرف آخر.

الجيشان السوري واللبناني يبحثان التعاون في ضبط الحدود ومكافحة التهريب – 11 حزيران/ يونيو 2026 – سانا

وترتفع خطورة اتخاذ قرار الحرب، في ظل عدم وجود اتفاق أمني مع “إسرائيل”، بخصوص العودة لاتفاق فض الاشتباك 1974 والانسحاب من قمة جبل الشيخ، وحسم ملف السويداء، من جهة أخرى، تدرك دمشق أن الانخراط في ترتيبات تستهدف “حزب الله” أو النفوذ الإيراني قد يؤدي لتوتر علاقتها بقوى إقليمية فاعلة منها إيران، حيث تعمل الحكومة السورية عبر تركيا على تجنيب أن تشمل الضربات الإيرانية سوريا خلال الحرب الدائرة، لكن انخراط سوريا في لبنان يعني انفتاح دمشق على حرب أمنية مفتوحة، قد تساهم في منح “إسرائيل” مساحة أكبر للتحرك في الجغرافيا السورية بعد انتهاء المواجهة الحالية.

من جهة أخرى، تنظر إيران إلى أي تقارب متزايد بين دمشق وواشنطن بوصفه تحولًا استراتيجيًا قد يهدد ما تبقى من شبكة النفوذ التي بنتها خلال العقود الماضية في لبنان واليمن والعراق، ورغم تراجع حضورها داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد، فإن طهران لا تزال تراقب مسار العلاقات السورية الجديدة بحذر وترقب، وتسعى إلى منع تحوّل دمشق إلى جزء من منظومة إقليمية تعمل بصورة مباشرة ضد مصالحها، لذلك فإن أي انخراط سوري في ترتيبات تخص “حزب الله” أو الساحة اللبنانية قد يُفسر إيرانيًا بوصفه خطرًا سياسيًا يتجاوز مجرد إعادة تنظيم العلاقات الثنائية مع الغرب.

علاماتالجيش السوري ، الحدود اللبنانية السورية ، الشأن السوري ، العلاقات اللبنانية السورية ، المواجهة مع حزب الله
مواضيعالجيش السوري ، الشأن السوري ، الشأن اللبناني ، العلاقات السورية اللبنانية ، حزب الله

قد يعجبك ايضا

آراء

حان وقت رحيل الولايات المتحدة من الشرق الأوسط

ستيفن كوك١٨ يونيو ٢٠٢٦
آراء

الجميع خاسر في حرب إيران

ويل تودمان١٨ يونيو ٢٠٢٦
آراء

كل يوم معركة جديدة.. إلى متى يتحكم الترند بالمجال العام السوري؟

أميرة خليفة١٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑