• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

ترامب يطوي حرب إيران.. ونتنياهو يبحث عن انتصار وهمي

فريق التحرير١٩ يونيو ٢٠٢٦

بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي 16 حزيران/ يونيو 2026

وقف بنيامين نتنياهو أمام الصحفيين يوم 15 حزيران/يونيو 2026، وتحدّث ثماني دقائق كاملة عن تريليون دولار خسرتها إيران، وعن قادة اغتالهم، وعن تهديد نووي أحبطه. ثماني دقائق بنى فيها خطاب انتصار “لا تشوبه شائبة” في نظره، ثم دسّ في ثناياه مقصدًا ربما كان مبتغاه من الخطاب كله: “الاتفاق مع إيران كان قرار ترامب، ونحن لنا مصالحنا الخاصة”.

بجملة واحدة، يحاول نتنياهو أن يحمي ثلاثة عقود من سردية حاكها حول شخصيته وحكمه، وأن يسترجع بعضًا من كرامته التي أهدرها ترامب بألفاظ وشتائم طالت شخص نتنياهو في وسائل الإعلام. حينها، لم يكن نتنياهو يعترف بالهزيمة صراحة، هو لا يفعل ذلك أبدًا، لكنه، ومن موقع من لا يملك خيارًا آخر، أقرّ بما لا يُخفى: الاتفاق الذي كرّس حياته كاملة لمنعه أو تشكيله أُبرم بدونه، وفوق رأسه، وعلى حسابه.

الرجل الذي بنى نفسه على خوف

ثلاثة عقود ليست مبالغة. نتنياهو نفسه قال في مؤتمره إن “رسالته في الحياة هي النضال ضد البرنامج النووي الإيراني”، وهذا ليس كلامًا للاستهلاك الإعلامي، بل توصيف دقيق لمشروع سياسي بأكمله. ففي خطابه الشهير أمام الكونغرس الأمريكي عام 2015، الذي ألقاه بدعوة من الجمهوريين متجاوزًا إدارة أوباما، رسم نتنياهو خرائط ودمى وأنابيب ليثبت ما يعرفه هو وحده. لم يكن يتحدث عن سياسة، بل كان يُسوّق هوية نفسه: أنا الرجل الذي يفهم الخطر الإيراني، وأنا الوحيد القادر على مواجهته!

وكتب في ذلك الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، داني سيترينوفيتش، أن نتنياهو بنى صعوده السياسي كله على هذا اللقب: “القائد الذي يؤمن أن القوة وحدها توقف طهران، وأن أي مسار دبلوماسي مع إيران هو خذلان لإسرائيل”.

ثم جاء الاتفاق. لم يُبرَم في واشنطن ولا في تل أبيب، بل أُعلن من إسلام آباد، ووقّعه ترامب إلكترونيًا مع نائبه فانس، فيما قاد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الفريق الإيراني. أما “إسرائيل”، ابنة واشنطن المدللة، فلم تكن طرفًا فيه، بل طلبت الاطلاع على نص المذكرة قبل توقيعها، فرُفض طلبها، وفق ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية.

ضابط CIA سابق يكشف كيف ورّط نتنياهو الولايات الأمريكية في “وهم” الحرب على إيران: “لقد استمد ترامب هذه الفكرة من بنيامين نتنياهو.. لا يمكننا ببساطة إطلاق بضعة صواريخ وإسقاط حكومة في بلد يبلغ تعداد سكانه 93 مليون نسمة”. pic.twitter.com/fsoMzoO40q

— نون بوست (@NoonPost) April 28, 2026

أما المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية، التي تجد في بعض تياراتها من ينتهز الفرصة للتشفي بنتنياهو، فقد نقلت عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم الاتفاق بأنه خديعة ترامب لـ”إسرائيل”، فيما ذهب مسؤول آخر إلى وصفه بأنه “كارثي لأنه لا يفي بأي من المبادئ التي ناقشتها إسرائيل عند بدء الحرب”، كما ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت. حتى معاريف، ذات العلاقة الطيبة مع نتنياهو، رأت أن إيران أثبتت أنها الطرف الأقوى في المعادلة، وأن المستوى السياسي الإسرائيلي تحوّل إلى “طرف هامشي يتلقى النتائج بدلًا من التأثير فيها”.

ما زاد من سوء الأمر ومن انكسار نتنياهو، ليس فقط أن الاتفاق أُبرم بدونه، بل أن الصحافة العبرية ذاتها، تلك التي تقرأها قاعدته الانتخابية، هي من وصفت المشهد بهذا الوضوح القاسي الذي حاول أن يتفاداه بخطابه.

الشراكة التي كانت تكتيكًا لا استراتيجية

يوم 28 شباط/فبراير 2026، حين بدأت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية أولى ضرباتها المنسّقة على إيران، احتفل نتنياهو وصديقه ترامب معًا بـ”القرارات التاريخية”، وقال نتنياهو للإسرائيليين إن التحالف مع واشنطن “لم يكن يومًا أوثق مما هو عليه الآن”، وبدا الأمر كأنه شراكة حقيقية في صنع القرار، وربما آمن نتنياهو نفسه بذلك.

لكن خلف الصورة المشتركة كانت المعادلة مختلفة، إذ كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، نقلًا عن مسؤولين مطلعين، أن ترامب دخل الحرب مؤمنًا بأنها ستكون “سهلة وسريعة”، وأن هذا كان التقدير الذي نقله إليه نتنياهو ومدير الموساد ديفيد برنياع خلال لقائهما في البيت الأبيض، رغم أن كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية كانوا يرون الصورة أكثر تعقيدًا.

في بداية الحرب، اختار ترامب أن يثق بنتنياهو، لكن حين اصطدمت الوقائع برفض إيران الاستسلام، وإغلاق مضيق هرمز، وما أرسله ذلك من صدمة في أسواق النفط العالمية، قرر ترامب إنهاء الحرب وخفض الخسائر.

الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون يشكك باستقلالية القرار الأمريكي ويعتبر نتنياهو صاحب الكلمة الفصل في ملف الحرب على إيران. pic.twitter.com/NOsrvtJdWq

— نون بوست (@NoonPost) June 11, 2026

هنا يتضح الفرق بين الشراكة التكتيكية والاستراتيجية. نتنياهو كان شريكًا في تنفيذ الضربات المتفق عليها، لكنه لم يكن شريكًا في تحديد متى تنتهي الحرب وكيف. وحين جاء هذا القرار، جاء من واشنطن وحدها، استجابة لاعتبارات اقتصادية وانتخابية أمريكية لا علاقة لها بـ”أمن إسرائيل” الذي روّج له نتنياهو طويلًا.

وهذا ما عبّر عنه صراحة أحد مصادر يديعوت، حين قال: “أدرك ترامب أن رؤية بيبي ليست رؤيته، بيبي يريد شيئًا مختلفًا، بيبي لا يريد إنهاء الحرب، لا يريد الاتفاق، يريد العودة إلى القصف”. هذه الجملة تختصر أزمة نتنياهو، فهو لم يكن شريكًا استراتيجيًا، بل كان موردًا يقدّم خدمات عسكرية حتى اللحظة التي قرر فيها الزبون الكبير أن يُغلق الملف.

من شريك القرار إلى عائق يُدار

في اليوم الذي كان يُفترض أن يُوقَّع فيه الاتفاق، قصفت قوات الاحتلال الضاحية الجنوبية لبيروت قبل ساعتين من التوقيع. كادت هذه الضربة أن تُجهض كل شيء، إذ هددت إيران بالانسحاب من المفاوضات، وحذّر رئيس برلمانها علنًا من أن استمرار الضربات على لبنان يعني توقف المحادثات، ما اضطر ترامب إلى التدخل وكتب: “نحن قريبون جدًا من اتفاق، دعونا لا نُفسد الأمر”.

وما حدث في واشنطن لم يكن غضبًا عابرًا، بل قناعة راسخة بأن نتنياهو كان “يعمل خلف الكواليس لتخريب المفاوضات”. هذا بالضبط ما قاله المسؤولون الإسرائيليون المطلعون على المشاعر الأمريكية للصحافة الإسرائيلية، فيما رأى ترامب ضربة بيروت “كصفعة على وجهه” وتعبيرًا عن “نكران جميل”.

خلف الكواليس، قال ترامب لأكسيوس عن القصف: “أبلغت نتنياهو، إنه ليس لديه أي حكم سليم على الإطلاق”. ووصفه في مقابلة مع فايننشال تايمز بأنه “رجل صعب جدًا”، وفي مقابلة مع نيويورك تايمز قال إن على “إسرائيل” أن تكون “ممتنة جدًا” لأمريكا. وعلى هامش قمة السبع في فرنسا، أضاف ما لا يمكن أن يسمعه أي قائد بهدوء: “لولا وجودي لما كانت هناك إسرائيل”. والأوضح من أي شيء، ما قاله ترامب لفايننشال تايمز إن نتنياهو مضطر لقبول الاتفاق “لأنه لا يتخذ القرارات، أنا من يتخذ القرارات”.

لكن ترامب لم يكتفِ بالإهانة اللفظية، بل قرر إضعاف نتنياهو سياسيًا بطريقة مباشرة، حين أوحى علنًا بأنه قد لا يترشح في الانتخابات القادمة، وهو ما يثير المخاوف الكامنة لدى نتنياهو، الذي تنتظره محاكمات وقضايا فساد بمجرد نزوله عن الكرسي.

“المهزوم لا يعلن هزيمته، هو يبني حولها رواية”

ادّعى نتنياهو أن إيران خسرت “تريليون دولار”، وتحدّث عن منظومة أمنية إيرانية مُدمّرة وتهديد نووي أُحبط. كل هذا في خطاب احتفالي يوحي بانتصار نهائي. ثم، في الجملة ذاتها تقريبًا، اعترف بأنه “لا يعرف تفاصيل الاتفاق”، وأن الاتفاق “كان قرار ترامب”، وأنه وترامب “لا يتفقان دائمًا في الرأي”.

لم يكن هذا التناقض سهوًا سقط من نتنياهو، فمن يدّعي إنقاذ “إسرائيل” من التهديد النووي لا يجهل بنود الاتفاق الذي أنهى الحرب، ومن بنى سيرته على أنه صانع القرار في الملف الإيراني لا يصف الاتفاق بأنه “قرار ترامب”. بل إن ذلك يدل على الإهانة الكبرى التي مُني بها رئيس وزراء “إسرائيل”.

– تعثرت استراتيجية نتنياهو العسكرية ضد إيران، وعجز الهجوم واسع النطاق عن إسقاط النظام في طهران أو إنهاء التهديدات المحيطة بالكيان.

– يواجه التحالف مع واشنطن ضغوطًا حادة بعد إصرار ترامب على كبح التصعيد، مما يضع نتنياهو بين معضلة التراجع أو خسارة الدعم العسكري الأمريكي الحيوي.

-… pic.twitter.com/wCR3CXFBGN

— نون بوست (@NoonPost) June 9, 2026

ولم يتضمن الاتفاق المُبرم أيًا من الأهداف الرئيسية التي حددها نتنياهو للحرب، فلا إزالة للمواد المخصبة، ولا تفكيك لمنشآت التخصيب، ولا تقييد لبرنامج الصواريخ الباليستية، ولا وقف للدعم الإيراني لوكلائها في المنطقة. بمعنى آخر، فإن الحرب التي خاضها الاحتلال بذرائع نتنياهو انتهت دون أن تحقق ما أعلن نتنياهو أنها ستحققه. كان “التريليون دولار” الجملة الأولى في خطاب الانتصار، وكانت الهزيمة في كل ما جاء بعدها.

الإسرائيليون رأوا ذلك. زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد قال إنه “لم يسبق أن حدث فشل أكثر اكتمالًا من هذا”، وبيني غانتس وصفه بأنه “أكبر فشل استراتيجي في تاريخ إسرائيل”، ويائير غولان تحدث عن “انهيار استراتيجي”، أما المعلّق ناحوم برنياع فكتب أن دور “إسرائيل” بات “الطاعة وتقديم الشكر”. حتى داخل أجهزة جيش الاحتلال والموساد، خرجت تساؤلات: “أهدرنا أموالًا ودماءً من أجل ماذا؟”.

الهروب إلى الأمام

ولفهم لماذا يتمسك نتنياهو بالكرسي رغم كل هذا الإذلال، لا بد من النظر إلى ما ينتظره خارج هذا الكرسي. فقضائيًا، يواجه ثلاث قضايا فساد ورشوة، هي الملفات 1000 و2000 و4000، بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ومحاكمته مستمرة منذ عام 2020. وقد مَثَل أمام المحكمة للمرة 81، وسعى للحصول على عفو رئاسي من هرتسوغ دون الإقرار بالذنب، فرفضت المستشارة القانونية للحكومة مجرد النظر في الطلب.

وسياسيًا، أظهر استطلاع القناة 12 في الخامس من حزيران/يونيو 2026 تراجع حزب الليكود إلى 23 مقعدًا فقط، فيما يحل موعد الانتخابات، بحده الأقصى، في تشرين الأول/أكتوبر 2026. وقد تساءل ترامب نفسه علنًا: “هل يريد الاستمرار؟” فالرئيس الأمريكي يعرف أن نتنياهو بلا قاعدة دعم بديلة له في الولايات المتحدة، وأنه، في الواقع، مرهون به، وهذا ما يجعل الإشارة الترامبية إلى الانتخابات رسالة سياسية واضحة، لا مجرد تعليق عابر.

في هذا كله، تصبح الورقة الوحيدة المتبقية في يد نتنياهو هي استمرار الحروب. ففي مؤتمره، أعلن أن جيش الاحتلال “سيبقى في غزة ولبنان وسوريا طالما كان ذلك ضروريًا”، ورفض قبول البند اللبناني في الاتفاق. ومن المرجح، كما تُلمّح يديعوت أحرونوت، أن نتنياهو، الذي يرى “مشروع حياته” يتبخر، قد يلجأ إلى حدث كاسر للقواعد، مثل اغتيال نوعي أو تصعيد في القدس أو عملية في الخارج، بهدف تغيير الأجندة الإعلامية وتغطية الإهانة الترامبية، قبل أن تتشكّل في وعي الرأي العام الإسرائيلي صورة راسخة لزعيم فقد زمام المبادرة.

الضيق الأمريكي حقيقي لكنه محدود

مع كل ذلك، فمن السهل قراءة هذا المشهد كأن واشنطن تخلّت عن “إسرائيل”، أو باتت تعيد تعريف تحالفها معها بشكل جذري. ومع أن هذه القراءة تُغري، فإنها ليست دقيقة إلى حد بعيد.

الضيق الأمريكي موثّق وحقيقي، وأبعاده أعمق مما يظهر على السطح. فقد أعلن ترامب صراحة أن “تغيير النظام في إيران لم يكن هدفًا”، وأن النظام الإيراني الحالي “يتصرف بشكل عقلاني”، وهذا تحديدًا ما عارضه نتنياهو طوال ثلاثة عقود. كما يعتقد ترامب أن إطلاق حزب الله صواريخ على شمال “إسرائيل” بات “وضعًا طبيعيًا لا يستدعي ردًا، طالما لم يُقتل أحد”، وهي قراءة أمريكية لمعادلة الأمن الإسرائيلي تختلف جذريًا عما يؤمن به نتنياهو.

لكن كل هذا يظل ضيقًا في الأسلوب، لا تخليًا في الجوهر. فالاتفاق نفسه أقرب إلى هدنة ثقيلة منه إلى تسوية شاملة، يؤجّل الملف النووي ولا يحسمه، ويفتح ستين يومًا من المفاوضات، بينما تبقي واشنطن على قوتها العسكرية في المنطقة. وحتى في اللحظة التي وصف فيها ترامب “إسرائيل” بأنها مدينة بوجودها لأمريكا، أعاد التأكيد أن إيران “لن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا”.

فما تغيّر ليس التحالف، بل موقع نتنياهو داخله، من شريك يُملي شروطه إلى تابع يُدار، ومن قائد تجمعه بواشنطن رؤية مشتركة إلى زعيم يُقال له: “أنت لا تتخذ القرارات”.

وما انكسر هو كرامة نتنياهو، وسردية “لا غنى عنه”، وادعاء أنه صانع القرار. وهذا الانكسار حقيقي وعلني وموثّق، لكن المنظومة الأمريكية-الإسرائيلية التي تتيح للاحتلال الاستمرار لا تزال في مكانها.

علاماتإدارة ترامب ، التحقيق مع نتنياهو ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الدعم الأمريكي لإسرائيل ، السياسة الأمريكية
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، بنيامين نتنياهو

قد يعجبك ايضا

سياسة

العدالة الانتقالية في سوريا.. بين غضب الشارع وحسابات السلطة

زين العابدين العكيدي١٩ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

جغرافيا مفتوحة وأهداف متعددة.. ماذا تكشف عمليات “داعش” في سوريا؟

حسن إبراهيم١٩ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

حرب إيران قوّضت مكانة الولايات المتحدة وإسرائيل 

مايكل هيرش١٩ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑