ترجمة وتحرير: نون بوست
لم تقتصر الكارثة الجيوسياسية التي تسبب بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على إهدار المكانة التي كانت تتمتع بها الدولتان قبل ثلاثة أشهر ونصف.
حربهما الفاشلة وغير المبررة ضد إيران أطلقت على الأرجح شرارة تغيير جذري في توازنات القوى العالمية، وهو تحوّل سيُضعف كلًا من الولايات المتحدة وإسرائيل نسبيًّا في الأشهر والسنوات المقبلة.
فقد ترامب هيبته بشكل خطير في الداخل والخارج، إذ تحوّل تبجحه وتفاخره الذي كان يهز العالم إلى تهديدات جوفاء. وفي المستقبل المنظور، لن يكون استعراض القوة الأمريكية مهيبًا كما كان في السابق، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا أيضًا.
مذكرة التفاهم التي وُقّعت هذا الأسبوع هي في الواقع وثيقة استسلام بالنسبة لواشنطن. يبدو أن الإيرانيين سيحصلون مقابل توقيع مذكرة التفاهم، والموافقة على 60 يومًا من المحادثات، وفتح مضيق هرمز، على تنازلات مالية لم يكن من الممكن تصورها قبل أشهر قليلة.
قد تشمل هذه التنازلات الإفراج عن بعض الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة، بالإضافة إلى إعفاءات فور توقيع مذكرة التفاهم لـ”تصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمين والنقل، وما إلى ذلك”، وفقًا للنسخة التي نشرتها إدارة ترامب.
باختصار، لم يحقق الرئيس الأمريكي شيئًا على الإطلاق بعد إنفاق عشرات المليارات من الدولارات وخسارة آلاف الأرواح، بما في ذلك مقتل ما لا يقل عن 13 أمريكيًا. من أجل الحصول على وعود غامضة من طهران، ألحق ترامب أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من التضخم، وخان قاعدته الشعبية في الداخل، واستنزف بشدة مخزون الأسلحة الحيوية الأمريكية، وعزز قوة الصين ورفع مكانتها نسبيا، وأثار استياء حلفاء الولايات المتحدة، وأضعف دول الخليج.
كل ذلك على يد النظام الإيراني الذي كان قبل ثلاثة أشهر ونصف معزولًا ومُنهكًا اقتصاديًا. بفضل هذه الحرب، أصبحت إيران – رغم ضعفها الشديد – لاعبًا جيوسياسيًا مهمًا سيجني قريبًا مكاسب مالية كبيرة. رسّخ النظام الإيراني شرعيته على مدى 47 عاما من خلال تبنّي عقلية قتالية قائمة على فكرة “الجميع ضدنا”، والآن يمكنه أن يتباهى بأنه نجح في مواجهة القوى العظمى العالمية والإقليمية.
نظرًا لاستمرار قدرة طهران على السيطرة على مضيق هرمز واستخدامه لانتزاع تنازلات من واشنطن ودول الخليج، تتمتع إيران بنفوذ لم يسبق لها أن حظيت به على المنطقة والاقتصاد العالمي.
يقول ريويل مارك غيريشت، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والخبير في الشؤون الإيرانية: “الإيرانيون يدركون الآن قوة المضيق. من المرجح أن يستخدموه لتفكيك كامل بنية العقوبات التي أُقيمت منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون”.
وصل ترامب إلى هذه النقطة عبر المجازفة بشيء أثبت التاريخ فشله: تغيير الأنظمة بالضربات الجوية، متجاهلا تهديدًا رئيسيًا حذّرت منه الاستخبارات الأمريكية طويلًا: استيلاء إيران على المضيق.
ظهرت ملامح الإهانة التي تعرض لها الرئيس بشكل واضح في فرنسا هذا الأسبوع، عندما طلب من الحلفاء الأوروبيين دعم مذكرة التفاهم، وهو الذي كان يهينهم بشكل متواصل على مدار العام الماضي. وحسب أحد الدبلوماسيين الأوروبيين، كان تغير المزاج ملموسًا، على عكس ما حدث قبل عام عندما انسحب ترامب من اجتماع مجموعة السبع في كندا بعد يوم واحد من انعقاده.
رغم أن العديد من القادة الأوروبيين يعترفون سرًّا بأن مذكرة التفاهم تصب في صالح إيران، إلا أن دول مجموعة السبع شعرت بأنها مضطرة لدعمها باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإنهاء حرب لم يؤيدها أيّ منهم. وقال دبلوماسي أوروبي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: “أصبح الجميع الآن يدرك مدى هشاشة وضعف النظام الاقتصادي العالمي”.
وأشار دبلوماسيون آخرون إلى أن ترامب رضخ للضغوط الأوروبية ووقّع على التزام جديد لمجموعة السبع بدعم أوكرانيا وتشديد العقوبات على روسيا. كان ذلك أمرًا لافتًا بعد أشهر طويلة من تردده بشأن الدعم الأمريكي لأوكرانيا وإظهار استعداده للتساهل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأشاد مضيف قمة مجموعة السبع، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بـ”التغيير العميق في نهج الولايات المتحدة”.
ولعل أهم ما يميز الحقبة القادمة من التراجع الأمريكي هو أن إيران – ومعها العالم بأسره – باتت تدرك فجأة كيف يمكن استغلال أكبر نقاط ضعف ترامب، وهي خوفه من حدوث انكماش في الأسواق خلال فترة رئاسته، وما يترتب عليه من ميل إلى التراجع عن تهديداته، سواء في حروبه الجمركية أو مطالبته بالاستيلاء على غرينلاند.
لا توجد دولة أكثر إدراكًا لهذه النقطة من المنافس الأول للولايات المتحدة: الصين.
كانت الصين أول من مارس هذا الضغط الاقتصادي على ترامب في حرب الرسوم الجمركية العام الماضي، إذ أجبرت الرئيس على هدنة مبكرة عبر وقف تصدير المعادن الحيوية، ما هدد بشلّ قطاعي التكنولوجيا المتطورة والدفاع في الولايات المتحدة. ولا شك أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يختبر الآن هشاشة دعم ترامب لتايوان، وخاصة عدم استعداده للمخاطرة بخوض حرب كبرى جديدة.
اعترف ترامب يوم الأربعاء بأن رغبته في أن يُنظر إليه على أنه رئيس عظيم اقتصاديا هي نقطة ضعفه، وألمح إلى أن الأسواق لها الكلمة الفصل في العديد من قراراته، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقده في فرنسا في ختام اجتماع مجموعة السبع.
وقال ترامب: “الرئيس الوحيد الذي لم أرغب في أن أكون مكانه هو الراحل العظيم هربرت هوفر”، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي الذي شهدت ولايته انهيار سوق الأسهم عام 1929 وبداية الكساد العظيم. وأضاف: “لم أرغب في رؤية كارثة اقتصادية.. في كل مرة كنا نتحدث فيها عن آفاق السلام، كان سوق الأسهم يرتفع كالصاروخ.. سوق الأسهم أذكى من الجميع، بما في ذلك الأشخاص الموجودون على هذه المنصة، باستثنائي طبعا”.
على عكس مطلبه السابق بـ”الاستسلام غير المشروط” ودعواته لتغيير النظام في إيران – وهو هدف قديم للسياسة الأمريكية -، التزم ترامب الآن بأن تمتنع واشنطن عن “التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر”.
وبناءً على مذكرة التفاهم، لم يلتزم ترامب فقط برعاية برنامج إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار – يبدو أن بعض دول الخليج التي هاجمتها إيران خلال الحرب هي التي ستتحمل تكاليفه – بل التزم أيضًا برفع القيود على مبيعات النفط الإيراني بشكل فوري.
ووفقًا لمذكرة التفاهم، فقد أبدى ترامب استعداده أيضًا للتفاوض على رفع معظم أو جميع العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك العديد من العقوبات التي فرضها خلال ولايته الأولى. وإذا تم تنفيذ هذا البند، سوف تتمكن لطهران من إعادة بناء قوتها المالية وتهدئة شعبها الساخط، بينما تواصل المماطلة مع واشنطن خلال المفاوضات.
على النقيض من ذلك، فإن اتفاق 2015 الذي انسحب منه ترامب ووصفه بـ”أسوأ اتفاق تم التفاوض عليه على الإطلاق”، اكتفى برفع العقوبات المفروضة على برنامج إيران النووي بشكل تدريجي.
كما فرض ذلك الاتفاق عمليات تفتيش شديدة الصرامة تشرف عليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لم تعد موجودة في إيران حاليا، وأدى إلى إخراج حوالي 98 بالمائة من اليورانيوم المخصب من البلاد – والذي كان أقل خطورة من اليورانيوم المخصب الذي تصل نسبته حاليا إلى 60 بالمائة. هذا يعني أن طهران لم يتبقّ لديها بموجب ذلك الاتفاق ما يكفي لصنع قنبلة واحدة.
وتشير مذكرة التفاهم الحالية إلى أن واشنطن قد تكون مستعدة للسماح بتخفيف مخزون إيران الحالي من اليورانيوم المخصب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكن مشاركة الوكالة لم يتم التفاوض بشأنها بعد.
أما نتنياهو، فقد نال الجزاء الذي يستحقه تماما. حتى 28 فبراير/ شباط، كانت إسرائيل قد قطعت شوطًا طويلًا نحو تغيير “ميزان القوى في المنطقة لسنوات قادمة”، مثلما تفاخر نتنياهو عام 2024.
في السنوات الثلاث التي أعقبت الهجوم الذي شنّته حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حققت إسرائيل تقدمًا كبيرًا لاستعادة تفوقها الاستراتيجي على إيران ووكلائها. ألحقت القوات الإسرائيلية أضرارًا بمنشآت إيران النووية والصاروخية وأنظمة دفاعها الجوي، وقتلت كبار قادة النظام والعلماء النوويين، وقطعت رأس حزب الله وشلّت قدراته، واغتالت زعيم حماس في قلب طهران.
لكن من خلال الحرب الأخيرة التي بدت زائدة عن الحاجة، أعاد نتنياهو تمكين ألد أعدائه – إيران – وأثار استياء أقرب حلفائه – الولايات المتحدة. أحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي شرخًا في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية لم يكن أحد في الولايات المتحدة يعتقد أنه ممكن قبل بضع سنوات.
سيتسع هذا الشرخ إذا قرر نتنياهو – كما هو متوقع – عرقلة الاتفاق ومواصلة حربه مع حزب الله في لبنان.
قال داني سيترينوفيتش، الباحث في المجلس الأطلسي، والمسؤول السابق في استخبارات الجيش الإسرائيلي: “ينظر نتنياهو إلى المواجهة مع إيران من خلال منظور مسياني، وهو ما يخلق توترًا متزايدًا مع الولايات المتحدة. الخلاف ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل يعكس تقييمًا مختلفًا للمخاطر والتصعيد ودور الدبلوماسية”.
في مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض يوم الخميس، وجّه نائب الرئيس جي دي فانس انتقادًا علنيًا لأعضاء حكومة نتنياهو بسبب مهاجمتهم للاتفاق. وقال فانس: “دونالد ترامب هو الرئيس الوحيد في العالم بأسره الذي يتعاطف مع دولة إسرائيل في هذه اللحظة. لو كنتُ عضوًا في الحكومة الإسرائيلية، لما هاجمت الحليف القوي الوحيد المتبقي في العالم بأسره”.
في خطوة مهينة، لم تتم الإشارة إلى إسرائيل كطرف في مذكرة التفاهم ـ رغم أنها بدأت الحرب بالتنسيق مع واشنطن. وقد اتفقت الولايات المتحدة وإيران في المذكرة على “الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان”. ويصرّ المتشددون في إسرائيل على عدم الالتزام بالاتفاق.
فقدت إسرائيل جزءًا كبيرًا من الدعم داخل الحزب الديمقراطي بسبب طريقة إدارتها للحرب في غزة. وهي تفقد الدعم داخل اليمين أيضًا ـ بدءًا من غضب أنصار حركة “ماغا” بسبب الاعتقاد المتزايد بأن نتنياهو خدع ترامب ودفعه إلى نقض وعوده الانتخابية وخوض حرب كارثية جديدة في الشرق الأوسط.
في بيان صدر في الأول من مارس/ آذار، أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بمساعدة صديقه ترامب التي سمحت له بأن يفعل ما تاقت إليه نفسه منذ 40 عامًا: سحق النظام الإرهابي. وقد أشار كل من وزير الخارجية ماركو روبيو ورئيس مجلس النواب، الجمهوري مايك جونسون ـ رغم نفي مسؤولي ترامب ـ إلى أن الرئيس قرر خوض الحرب لأن “إسرائيل كانت مصممة على التحرك معنا أو من دوننا”، على حد تعبير جونسون.
لكن سرعان ما بدأ الخلاف يدب بين الزعيمين بسبب المأزق الذي تسببا فيه معًا، لا سيما فيما يتعلق بغزو لبنان، والذي كان وقفه مطلبًا رئيسيًا لإيران. وقد أفادت تقارير أن ترامب صرخ خلال مكالمة هاتفية مع نتنياهو في 1 يونيو/ حزيران قائلًا: “الجميع يكرهك الآن. الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا”.
بأسلوبه الفظ والمتهور، عبّر الرئيس عن اعتقاد متنامٍ لدى اليمين واليسار بأن شيئًا عميقًا قد تغيّر في السياسة الأمريكية: الدعم التقليدي لإسرائيل، الذي كان في السابق مبدأ راسخا في برامج الحزبين، سرعان ما أصبح عبئًا سياسيًا. وقد لا تواجه إسرائيل خطر فقدان حليفها الحقيقي الوحيد فحسب، بل ركيزتها الاستراتيجية الأساسية في العالم.
قال نمرود نوفيك، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز والعضو الحالي في منتدى السياسات الإسرائيلية: “العديد من الإسرائيليين الذين كانوا يدعمون ترامب يعتقدون الآن أنه تخلى عنا. كانت ردود الفعل الرافضة [لمذكرة التفاهم] أكثر من مجرد خيبة أمل”.
وأضاف نوفيك في منتدى رقمي عُقد الأربعاء: “كان هدف نتنياهو الأول هو الوصول إلى لحظة 28 فبراير/ شباط، أي جرّ الولايات المتحدة وإسرائيل للقتال معًا ضد إيران”. وتابع: “لقد تحقق الوعد، وانتهى الأمر”. وأضاف: “لا أرى أن رئيسًا آخر سيقع في الفخ ذاته في المرة القادمة”.
ما قد يقوض مكانة ترامب أكثر من أي شيء آخر خلال ما تبقى من ولايته، هو أنه مثل أسلافه، قد أدرك الآن حدود القوة العسكرية.
أما إيران التي ظلت شوكة في خاصرة الرؤساء الأمريكيين على مدى 47 عامًا، فيمكنها الآن أن تدّعي أن لها اليد العليا. وفي ظل حساسيته المفرطة تجاه الانتقادات التي تصف الصفقة بأنها سيئة، هدّد ترامب مجددًا في قمة مجموعة السبع قائلًا إنه إذا لم تلتزم إيران “سنعود فورًا إلى إسقاط القنابل على رؤوسهم”.
لكن تهديداته لم تعد تحمل الوقع نفسه.
وقال غيريشت: “رفض ترامب مرارًا خوض معركة هرمز، لكنها في نظر الإيرانيين كانت هي المعركة الوحيدة المهمة. لا يمكن لترامب الآن أن يهدد بفعل شيء رفض مرارًا فعله في الماضي. في أفضل الأحوال، سيلجأ الرئيس إلى شكل أكثر اعتدالًا من الحرب الاقتصادية عندما لا تفعل طهران ما يراه مناسبا. هذا لا يُخيف أحدا، بل يؤكد تذبذب الولايات المتحدة وضعفها”.
المصدر: فورين بوليسي