ترجمة وتحرير: نون بوست
انتشر مقطع على نطاق واسع من حلقة حديثة من بودكاست “شو كمان؟”، ميّز فيه المؤرخ الفلسطيني رشيد خالدي بين الفلسطينيين الذين يناقشون وسائل تحررهم، وبين الغرباء الذين يحوّلون هذا النقاش إلى اختبار للنقاء الأيديولوجي. وأوضح أن للفلسطينيين في غزة أو نابلس الحق الكامل في مناقشة جدوى الكفاح المسلح، لكن النقاش ذاته يصبح بلا معنى بل وضارًا حين يُخاض من بعيد.
وتساءل خالدي: “ما شأننا نحن في الولايات المتحدة بهذا الأمر؟ تحويل هذا الأمر إلى نقاش بيننا يقسّمنا ويجلب فرحًا لا يوصف لأعدائنا: “دعهم يتجادلون حول الكفاح المسلح، لأنهم لن يكافحوا ولن يتسلحوا””.
وانتقد خالدي أيضًا من يجعل دعم المقاومة المسلحة خطًا فاصلًا داخل حركة التضامن مع فلسطين، واصفًا ذلك بـ”سياسة النقاء” – وهو نهج قد يُنتج معسكرًا متحمسًا، لكنه يظل صغيرًا ومعزولًا ولا يُحدث أي تأثير فعلي. وبدلًا من ذلك، دعا الناشطين إلى “ابتكار إستراتيجية تجمعهم مع أشخاص لا يتفقون معهم تمامًا، لكن يتفقون معهم على هدف محدد. هل هدفنا وقف مبيعات السلاح؟ يمكنني أن أتفق مع بعض الصهاينة في هذا الشأن”.
يمكن لأي شخص استمع إلى المقابلة كاملة أن يدرك أن رسالة خالدي، في جوهرها، تدور حول القوة: الإمكانات الهائلة الكامنة داخل المعسكر الفلسطيني، شريطة أن يتعلم كيف يحول موارده ودعمه إلى قوة سياسية حقيقية.
وتكتسب تصريحات خالدي أهمية خاصة في ظل الوقت والطاقة غير المتكافئة التي أُهدرت في النقاشات الفلسطينية الداخلية مؤخرًا – خصوصًا تلك المتعلقة بفيلم “لا أرض أخرى” لباسل الأعرج ويوفال أبراهام، وقرار الكاتبة الأيرلندية سالي روني نشر روايتها الجديدة بالعبرية.
وأثارت هاتان الحالتان مئات المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي ونقدًا عميقًا من قبل كتاب موهوبين، كرس الكثير منهم حياتهم للنضال الفلسطيني. لكن من الضروري إدراك أن هذه النقاشات كانت تميل إلى تجاهل السؤال الأهم: كيف يمكننا بناء قوة سياسية ملموسة لمواجهة التفوق غير المتكافئ لإسرائيل والحركة الصهيونية؟
لقد مرّت ما يقرب من ثلاث سنوات منذ بداية الحرب على غزة، وعقدان منذ الانقسام بين فتح وحماس، وهي فترة تفككت فيها السياسة الفلسطينية وتم تفريغها تمامًا من مضمونها. وهذان العقدان أيضًا هما الفترة التي عمّقت فيهما إسرائيل احتلالها وتطهيرها العرقي في الضفة الغربية، وارتكبت جرائم جسيمة في غزة، واستمرت في تقويض الوضع المدني للفلسطينيين داخل الخط الأخضر.
ويفرض هذا الواقع علينا الاعتراف باختلال موازين القوى القائمة، وإدراك أهمية بناء تحالفات واسعة لتحقيق أهداف محددة. كما يفرض علينا إدراك أن هذا نضال طويل ومعقد، يتطلب تحقيق انتصارات صغيرة عبر مجموعة متنوعة من الساحات السياسية، مع تقييم مستمر لكيفية إدارة مواردنا لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض.
النقاش الذي يجب خوضه الآن يدور حول القوة؛ كيف يمكن للمعسكر المؤيد لفلسطين أن يندمج في مراكز النفوذ وصنع القرار أينما كانت؟ وكيف نبني جسورًا ونعمل معًا – بدلًا من العمل ضد بعضنا – مع شركاء محتملين؟
الواقع على الأرض
وإذا أخذنا مثال الجدل الأخير حول سالي روني – الداعمة للنضال الفلسطيني وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) – فإن معظم الانتقادات استندت فقط إلى أن روايتها الأخيرة تُرجمت إلى العبرية، رغم أن الترجمة والنشر التزما بدقة بالمبادئ التوجيهية الرسمية لحركة المقاطعة الرسمية للحركة.
ووفقًا لبيانات المكتبة الوطنية الإسرائيلية، يُترجم ما بين 1000 و1500 كتاب إلى العبرية في إسرائيل كل عام، والغالبية العظمى من الكتّاب في العالم يسمحون بترجمة كتبهم دون شروط مسبقة. وبصفتها روائية مشهورة، خالفت سالي روني هذا الاتجاه واختارت اتخاذ موقف أخلاقي، وإضفاء الشرعية على النضال الفلسطيني، وتعزيز آلية المقاطعة. وحتى لو كانت هناك حجج قوية ضد الطريقة التي تم بها ذلك، فلا يمكن تجاهل السابقة التي أرستها، والتي يمكن أن تكون نموذجًا لفرض شروط على الترجمات لمئات المؤلفين الآخرين على مستوى العالم.
واقترح البعض أيضًا أن الجدل حول ترجمة رواية روني إلى العبرية هو في الواقع انعكاس لسؤال مستقبل الجماعة اليهودية في المنطقة. وهذا سؤال لا يمكن تجاهله أو الادعاء أنه لا يعنينا؛ فهذه الجماعة تتحمل مسؤولية مباشرة عن معاناة الفلسطينيين، ومستقبلها سيشكّل مصيرنا نحن الفلسطينيين.
ويجب التأكيد ببساطة على أن اليهود باقون في فلسطين، وطردهم لن يكون فقط فعلًا غير أخلاقي، بل غير عملي أيضًا: بين نهر الأردن والبحر المتوسط يعيش نحو 7 ملايين يهودي، وهو عدد يقارب عدد الفلسطينيين.
غير أن الأهم من ذلك أن الانخراط في مثل هذه الأسئلة يجب ألا يشتت الانتباه عن الواقع الراهن للإبادة الجماعية والتهجير المستمر، فلا يمكن التعامل مع النضال الفلسطيني كنقاش نظري أو فكري بينما يكافح الفلسطينيون للبقاء على قيد الحياة.
ثم هناك حالة الفيلم الفائز بالأوسكار “لا أرض أخرى”، الذي يوثّق التطهير العرقي المستمر في مسافر يطا بالضفة الغربية المحتلة، وكان أحد أبرز الانتقادات الموجهة للفيلم أنه يحوّل معاناة الفلسطينيين إلى حدث ثقافي عالمي بينما تُمحى الأرض فعليًا.
ومع مرور الوقت، اتضح أن هذا النقد صحيح جزئيًا: فرغم الجوائز الدولية والتغطية الإعلامية الواسعة النطاق، لم يمنع ذلك إسرائيل من مواصلة سياساتها على الأرض. لكن لا يمكن إنكار ما وفّره الفيلم من تغطية عالمية لمسافر يطا، وأهميته كعمل توثيقي تاريخي.
وكان أحد الانتقادات الأخرى الموجهة للفيلم، والذي برز بشكل خاص من الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، هو أنه يروّج لـ”التطبيع” مع الإسرائيليين. ففي عام 2014، نشرت الحملة إرشادات محددة ترفض أشكال التعاون مع الإسرائيليين والمؤسسات الإسرائيلية حين تُظهر صورة للتعايش تخفي واقع القمع والعنف الاستعماري.
ويمكن للمرء أن يعارض جذريًا نماذج التعاون الفلسطيني الإسرائيلي التي تُضلل أو تُخفي هذه الحقائق، لكن “لا أرض أخرى” يفعل العكس: يُظهر أن قدرة الناشطين الإسرائيليين على توثيق ونشر العنف في مسافر يطا تستند إلى امتياز يهودي-إسرائيلي، حتى وإن استخدم بعضهم ذلك الامتياز في خدمة النضال الفلسطيني. بدلًا من تقديم صورة للتعايش، يكشف الفيلم عن علاقات القوة غير المتكافئة التي لا تزال قائمة حتى داخل المقاومة المشتركة.
كما لا يمكن تجاهل – كما يصوّر الفيلم نفسه – أن عشرات الإسرائيليين يخاطرون بحياتهم كل أسبوع لمحاولة حماية المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. صحيح أن المرء قد يجادل بأن وجودهم يبرز فقط عدم التكافؤ، أو يشير إلى ميل الإعلام الدولي لتسليط الضوء على الناشط اليهودي الذي يحمي الفلاح الفلسطيني.
غير أن ما يهم حقًا هم المجتمعات المعزولة نفسها، والتي تُركت وحدها على الأرض دون أدنى حماية من الجيش والمستوطنين، هذه المجتمعات تحتاج إلى أي قدر من التغطية الإعلامية يمكن أن تحصل عليه؛ ناهيك عن فيلم فائز بالأوسكار. وأحيانًا، تحتاج إلى ذلك الناشط اليهودي الذي يتردد الجيش في اعتقاله، لردع المستوطنين ومنع الأذى عن الأرواح والممتلكات.
مراكز القوة
حين نفكر في كيفية عمل القوة في العالم الذي نعيش فيه، يجب أن نعترف للأسف بأن الاحتجاجات الشعبية والنداءات الأخلاقية ليست كافية، فقد أصبح من الواضح اليوم أكثر من أي وقت مضى أن عالمنا لا يعترف حقًا بحقوق الإنسان ولا يحميها، خصوصًا حقوق شعوب الجنوب العالمي.
في السنوات الأخيرة؛ شهدنا نجاحًا هائلًا للحركات الشعبية الفلسطينية في حشد الجماهير، إذ خرج مئات الملايين من الناس في جميع القارات إلى الشوارع احتجاجًا على أفعال إسرائيل في غزة. لكن التدمير العسكري الإسرائيلي مستمر بلا هوادة، بل استغل أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول ذريعة لتوسيع عملياته إلى لبنان وسوريا، والدخول في مواجهات مباشرة مع إيران.
لننظر مثلًا إلى ما حدث في الجامعات الأميركية: نظّم الطلاب الناشطون احتجاجات تاريخية ضد الإبادة الجماعية في غزة، مطالبين الإدارة الفيدرالية بوقف دعمها لإسرائيل وإدارات الجامعات بسحب استثماراتها. لكن النتيجة كانت عكسية تمامًا: إذ ضغطت إدارات أميركية متعاقبة في عهد الرئيس السابق جو بايدن والرئيس الحالي دونالد ترامب على الجامعات والطلاب أنفسهم وفرضت عليهم عقوبات، مما قوّض حرية التعبير بشكل خطير.
وقد تجلّى ذلك أيضًا على مستوى القانون الدولي؛ ففي مطلع عام 2024، قادت جنوب أفريقيا تحركًا للجوء إلى محكمة العدل الدولية لوقف الإبادة، وحظي بدعم دول مثل إسبانيا والمكسيك وبلجيكا وهولندا وآيسلندا. كما أدت الإجراءات القانونية في المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. غير أن الرد الأميركي الفوري كان فرض عقوبات على المؤسسات القضائية الدولية نفسها.
والأسوأ من ذلك، أن نجاح إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية في المنطقة ما كان ممكنًا على الأرجح لولا الدعم غير المباشر من الدول العربية.
فمنذ بداية عام 2024، وبعد إغلاق الحوثيين فعليًا مضيق باب المندب أمام السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، كانت البحرين والإمارات والسعودية والأردن هي التي وفّرت لإسرائيل طريقًا بريًا بديلًا لنقل البضائع. وبينما أدانت الدول العربية العدوان الإسرائيلي على غزة على المستوى الخطابي، كشفت تحقيقات صحيفة واشنطن بوست كيف أنها عمّقت في الواقع علاقاتها الأمنية مع إسرائيل خلال الفترة نفسها.
وحدثت خطوة غير مسبوقة في سبتمبر/ أيلول الماضي، حين قصفت إسرائيل القيادي البارز في حماس خليل الحية وفريق التفاوض في خضم محادثات وقف إطلاق النار في الدوحة. كان ذلك عملًا تتجنّب حتى القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين الإقدام عليه. ومع ذلك، بعد أشهر قليلة فقط، لعبت تلك الدول العربية نفسها دور خط الدفاع الأول لإسرائيل ضد الهجمات الصاروخية الإيرانية.
وتُظهر هذه السلسلة من الأحداث العبثية الراهنة في الساحتين العربية والدولية، فرغم جرائم إسرائيل وتوسعها الإقليمي، واصلت الدول الغربية (مع بعض الاستثناءات) تجارة السلاح؛ وحرصت الهند، التي دعمت تاريخيًا القضية الفلسطينية، على تزويد إسرائيل بالسلاح والذخيرة؛ فيما وفّرت الدول العربية لإسرائيل شبكة أمان لوجستية واستراتيجية.
ومع ذلك؛ فإن هذه الأحداث – مهما بدت عبثية – تساعد على توضيح كيفية عمل القوة داخل مؤسسات الدولة والمؤسسات الدولية، وتؤكد أن هيئات مثل الكونغرس الأميركي والمسؤولين المنتخبين في دول الشمال العالمي ما زالوا يتمتعون بنفوذ غير متكافئ.
وتتمثل المهمة، خاصة بالنسبة لأولئك المقيمين في الولايات المتحدة، في تحويل القوة الإعلامية والسياسية المتراكمة في السنوات الأخيرة إلى إنجازات ملموسة: دعم المرشحين المؤيدين لفلسطين، وبناء جماعات ضغط، والتأثير على المسؤولين المنتخبين الحاليين، وتشكيل تحالفات واسعة حول برنامج مشترك يعمل على تحقيق أهداف قصيرة وطويلة المدى. وكما قال خالدي: “نحن نعيش في بطن الوحش. نحن نعيش في البلد الذي يغذي هذه الإبادة الجماعية؛ عملنا مرتبط بالولايات المتحدة.”
المطلوب الآن هو وضع رؤية إستراتيجية لكيفية جذب أكبر عدد ممكن من مراكز القوة لدعم حقوق الشعب الفلسطيني؛ فأهل غزة – الذين عانوا كابوس الإبادة الجماعية المستمرة لما يقارب ثلاث سنوات – لم يعد بإمكانهم الانتظار أكثر.
المصدر: +972