من خارج المصانع، تُختصر الترسانة الدفاعية التركية في مقاتلاتها ومسيّراتها وصواريخها وسفنها، ولكن داخل المنظومة، يظهر مستوى آخر أقل استعراضًا وأكثر حساسية، يتمثل بالقدرة على الرؤية والاتصال والتشويش والقيادة والسيطرة.
في هذا المستوى تعمل شركات مثل “أسيلسان”، أكبر شركة إلكترونيات دفاعية تركية مدرجة في بورصة إسطنبول، و”ميتكسان” للدفاع، شركة الحساسات والرادارات المتخصصة التابعة لمجموعة بيلكنت، و”هافلسان”، شركة البرمجيات والقيادة والسيطرة التابعة لوقف القوات المسلحة التركية.
ومع صعود بايكار في المسيّرات، وتوساش في الطائرات والمروحيات، برزت هذه الشركات كطبقة أعمق داخل الصناعات الدفاعية التركية، تمنح المنصات القدرة على رؤية الهدف ونقل المعلومة ومقاومة التشويش وربط غرفة القيادة بالمسيّرة والسفينة والرادار ومنصة الدفاع الجوي.
ضمن ملف “ترسانة الجمهورية”، يتتبع “نون بوست” في هذا التقرير هذه الطبقة من مشروع الدفاع التركي، من الرادار والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي لدى “أسيلسان”، إلى الحساسات والرادارات المتخصصة لدى “ميتكسان”، وصولًا إلى القيادة والسيطرة والبرمجيات وروابط البيانات لدى “هافلسان”.
جذور التأسيس المؤسسي للحواس الدفاعية
بدأت الحكاية الحديثة للإلكترونيات الدفاعية التركية من صدمة سياسية وعسكرية بعد عملية قبرص عام 1974 وما تبعها من حظر أمريكي على السلاح. وقتها، وجدت أنقرة أن الاعتماد على المورد الخارجي يهدد القدرة على استخدام السلاح وصيانته وتحديثه، ليمثّل الحظر جرس إنذار دفع تركيا لاحقًا إلى مسار أوسع لبناء قاعدة دفاعية محلية. وتربط دراسات صادرة عن الأكاديمية التركية للعلوم TÜBA بين مرحلة ما بعد 1974 وبين الانتقال من التوريد الخارجي إلى التطوير المحلي المنهجي.
في هذا المناخ تأسست “أسيلسان” عام 1975 لتلبية احتياجات القوات المسلحة التركية من الاتصالات العسكرية بوسائل وطنية. وجاءت البداية من الراديو العسكري والاتصال الميداني، قبل أن تتسع الشركة في العقود التالية إلى الرادارات والحرب الإلكترونية والكهروبصريات والدفاع الجوي وأنظمة الذخائر الموجهة.
وفي مسار الاستقلال الإلكتروني التركي، بدأ التفكير العملي من سؤال الاتصال الآمن بين الوحدات، ثم اتجه تدريجيًا إلى تغطية جوانب الرؤية والتوجيه والتشويش والحماية.
بعد “أسيلسان” بسنوات، ظهرت “هافلسان” في مسار مختلف، فقد تأسست عام 1982 باسم “هاڤلسان آيدن”، وبدأت العمل عام 1985 باسم “هافلسان” مع ملكية بلغت 98% لصالح وقف القوات المسلحة التركية “TSKGV/TAFF”، وهو مؤسسة تملك حصصًا في عدد من شركات الصناعات الدفاعية التركية.
تعرض “هافلسان” نفسها اليوم كشركة تعمل في القيادة والسيطرة، المحاكاة والتدريب، تقنيات المعلومات والاتصالات، الأنظمة الذاتية، والأمن السيبراني. وقد ارتبط ظهورها باحتياجات البرمجيات والمحاكاة الخاصة بأنظمة المعلومات والسلاح، ما جعلها منذ البداية أقرب إلى “العقل البرمجي” داخل المنظومة.
أما “ميتكسان” فتنتمي إلى جيل لاحق، فقد تأسست عام 2006 داخل بيلكنت القابضة لتجميع وتنسيق مشاريع شركات المجموعة العاملة في التكنولوجيا العالية تحت سقف دفاعي واحد.
وتعكس هذه النشأة المتأخرة نسبيًا مرحلة مختلفة في الصناعة التركية، ففي حين تمثل “أسيلسان” و”هافلسان” جيل البناء المؤسسي بعد صدمة السبعينيات، تمثل “ميتكسان” جيل الشركات المتخصصة التي تدخل في مساحات دقيقة مثل رادارات المسيّرات ورادارات كشف الدرونز والسونار البحري (لكشف الأجسام تحت الماء) وروابط البيانات، وأنظمة مقاومة التشويش.
يتحرك الخط الزمني بعد ذلك عبر محطات متتابعة، فبين 2009 و2016، انتقلت قدرة الحرب الإلكترونية الرادارية التركية من البرنامج إلى النظام العامل.
وذكر المعهد الملكي للخدمات المتحدة “RUSI”، وهو مركز أبحاث بريطاني متخصص في الأمن والدفاع، أن منظومة كورال تعاقدت عليها تركيا عام 2009 ودخلت الخدمة خلال سبع سنوات، بينما تحدثت وكالة الأناضول التركية في فبراير/شباط 2016 عن تسليمها للقوات الجوية.
وفي 2010 بدأت “هافلسان” مسار “نظام أدفنت” لإدارة القتال البحري، ثم أشارت مواد الشركة لاحقًا إلى وصوله إلى اختبارات إطلاق حي بحلول 2019.
وفي 2019 و2020 نضج رادار “ريتينار فار-إيه دي” المضاد للطائرات المسيّرة داخل “ميتكسان”، ثم توسع رادار “ميلسار” من “أنكا” إلى “أقسنغور” عام 2022.
وبحلول 2024 و2025 و2026، انتقلت هذه الطبقة من أنظمة متفرقة إلى مشاريع شبكية أوسع مع إعلان القبة الفولاذية، وهي مظلة دفاع جوي وصاروخي وطنية متعددة الطبقات، ثم إطلاق قاعدة أوغول بي التكنولوجية التابعة ل”أسيلسان” لتوسيع إنتاج مكونات الدفاع الجوي، وصولًا إلى اختيار برمجيات “هافلسان” لروابط البيانات التكتيكية داخل بنية حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
“أسيلسان”.. مركز الثقل الإلكتروني الدفاعي
يُنظر إلى “أسيلسان” اليوم كشركة انتقلت من أجهزة الاتصال العسكرية إلى قلب منظومة الدفاع التركية، فهي تعمل في الرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات العسكرية والدفاع الجوي والكهروبصريات وأنظمة المهام، وحمولات الطائرات والمنصات غير المأهولة.
وتظهر بيانات “أسيلسان” للمستثمرين أن القطاعات التي قادت إيراداتها في 2024 و2025 والربع الأول من 2026 تشمل الدفاع الجوي والرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات والكهروبصريات وأنظمة الذخائر الموجهة، وهي المجالات التي تمنح المنصات القدرة على الرؤية والاتصال والحماية والاشتباك.
في الرادارات والدفاع الجوي، تعرض “أسيلسان” عائلة “كالكان” كرادارات دفاع جوي ثلاثية الأبعاد للمدى القصير والمتوسط. وتضع الكتيبات الرسمية للشركة رادار “2 KALKAN-II” ضمن رادارات الدفاع الجوي المتحركة بمدى يتجاوز 120 كيلومترًا، بينما يقدم “200 جي KALKAN-200G” كرادار بحث متعدد المهام للمدى القصير إلى المتوسط.
وفي المجال البحري تظهر عائلة “جنك”، ومنها رادار جنك للمراقبة الجوية والسطحية والتعيين، ورادار “جنك 400 إن” العامل بتقنيات AESA، أي مصفوفة المسح الإلكتروني النشط، وGaN، أي نتريد الغاليوم المستخدم في مكونات رادارية عالية الأداء، بما يوفر بيانات دقيقة للاشتباك الصاروخي والمدفعي في البيئة البحرية.
في الحرب الإلكترونية، يقدم “2 KORAL-II” صورة مكثفة عن موقع “أسيلسان”، إذ تصفه الشركة كنظام حرب إلكترونية رادارية متنقل يدعم عمليات الدعم والهجوم الإلكتروني وإخماد الدفاعات الجوية المعادية.
وفي لغة العمليات، يمنح هذا النوع من الأنظمة قدرة على مراقبة الطيف الكهرومغناطيسي والتشويش على الرادارات وتعقيد قدرة الخصم على الكشف والتوجيه. وقد أشار RUSI إلى أن كورال كان من العناصر التي منحت المسيّرات التركية بيئة عمل ملائمة في إدلب عام 2020، حين تداخلت المسيّرات مع الحرب الإلكترونية والمدفعية.
ووصف المركز في سبتمبر/أيلول 2021، كورال بأنه “القوة غير المرئية” خلف نجاح المسيّرات القتالية التركية، معتبرًا أن دوره الصامت لم يحظ بالاهتمام الذي نالته المسيّرات، رغم أنه رفع كفاءتها وقدرتها على العمل في بيئات معادية.
في الدفاع القريب، تعرض “أسيلسان” نظام “غوك دنيز” البحري عيار 35 ملم مع ذخائر أتوم ATOM، وهو نظام دفاع قريب فعال ضد الصواريخ المضادة للسفن والمروحيات والطائرات والمسيّرات والتهديدات السطحية غير المتناظرة.
وعلى الأرض تعرض الشركة نظام “إهتار” المضاد للدرونز، الذي يجمع الرادار والكاميرات والتشويش الاتجاهي والشامل، ويمكن ربط عدة أنظمة منه لتشكيل مظلة دفاعية.
وفي الدفاع الجوي متوسط وبعيد المدى تظهر منظومات “حصار” و”سيبر” ضمن مشاريع دفاع جوي تشارك بتطويرها أكثر من شركة تركية بينها “روكيتسان” المتخصصة بالصواريخ والذخائر الموجهة، بينما تتولى “أسيلسان” جانبًا كبيرًا من الرادارات والإلكترونيات وأنظمة القيادة والسيطرة.
الأرقام الحديثة تجعل “أسيلسان” حالة مختلفة عن باقي الشركات، ففي 2024، أعلنت الشركة إيرادات بلغت 120 مليار ليرة تركية (1 دولار = 46,51 ليرة تركية) بنمو حقيقي قدره 13%، وصادرات بقيمة 508 ملايين دولار بنمو 67%، وعقودًا جديدة بقيمة 6.5 مليارات دولار، وطلبيات متراكمة بلغت 14 مليار دولار، إلى جانب عقود تصديرية موقعة بقيمة 1.017 مليار دولار.
كما أظهرت الأرقام صعودها إلى المركز 42 في قائمة “ديفنس نيوز توب 100″، وهي قائمة تنشرها مجلة ديفنس نيوز الأمريكية المتخصصة في الصناعات الدفاعية.
في 2025 ارتفعت الأرقام مرة أخرى، فقد أعلنت “أسيلسان” إيرادات بقيمة 180.4 مليار ليرة، وعقودًا جديدة بـ 9.6 مليارات دولار، منها 2.1 مليار دولار من الصادرات، وطلبيات متراكمة وصلت إلى 20.4 مليار دولار.
كما دشنت 14 منشأة إنتاج جديدة خلال ذات العام، ورفعت استثمارات الإنتاج المتسلسل إلى 372 مليون دولار، ونفقات البحث والتطوير إلى 1.36 مليار دولار.
وفي الربع الأول من 2026، أعلنت إيرادات بلغت 34.3 مليار ليرة، وعقود تصدير جديدة بقيمة 629 مليون دولار، وطلبيات متراكمة بـ 20.7 مليار دولار، مع إنفاق بحث وتطوير وصل إلى 357 مليون دولار خلال الربع.
وتوضح عقود “أسيلسان” الخارجية طبيعة موقعها داخل الشبكة التركية، ففي بيانها السنوي لعام 2024، أشارت إلى عقد تصدير مع بايكار لحمولات تشمل أنظمة تعريف المنصات الصديقة من المعادية IFF، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والتوجيه، والكهروبصريات الجوية لمستخدمين في آسيا وإفريقيا.
كما تحدثت عن عقد مع “هافلسان” لحمولات رادار وتعريف “صديق وعدو” لمستخدم نهائي في آسيا والمحيط الهادئ، وعقد مع شركة “إس تي إم” التركية العاملة في الهندسة الدفاعية والمنصات البحرية والمسيّرات التكتيكية، لتوريد حمولات تشمل الحرب الإلكترونية والرادارات ومحطة سلاح.
كما أعلنت اتفاقًا مع “توساش” لتطوير وتوريد حمولات طائرات تشمل الأفيونكس (الإلكترونيات وأنظمة التحكم داخل الطائرة) والاتصالات والرادار والحرب الإلكترونية والكهروبصريات والملاحة والتوجيه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، برزت بولندا كسوق أوروبية معلنة، إذ قالت “أسيلسان” إن عقدًا بقيمة 410 ملايين دولار وقع لبيع أنظمة حرب إلكترونية مباشرة إلى هذه الدولة العضو في الناتو والاتحاد الأوروبي. كما تزود الشركة أنظمة متقدمة لأحواض بناء سفن دولية في آسيا وأوروبا.
وتمنح القبة الفولاذية “أسيلسان” واجهة سياسية وصناعية في وقت واحد، ففي أغسطس/آب 2025، وخلال مراسم وضع حجر أساس قاعدة أوغول بي التكنولوجية التابعة للشركة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الاستثمار الجديد، البالغ 1.5 مليار دولار، سيضاعف الطاقة الإنتاجية ل”أسيلسان”، وأن مرحلته الأولى متوقعة بحلول منتصف 2026.
وأوضح أردوغان أن الأنظمة الجديدة تمثل “استعراض قوة” لتركيا وتفتح “عهدًا جديدًا” في الدفاع الجوي، في إشارة إلى انتقال القبة الفولاذية من فكرة معلنة إلى حزمة تسليمات أولية شملت 47 مركبة ومنظومة بقيمة 460 مليون دولار.
وفي 5 مايو/أيار 2026، قال أحمد أكيول، المدير العام ل”أسيلسان”، إن الشركة تستهدف تسليم أكثر من 150 مكونًا للقبة الفولاذية خلال 2026، بعد حصولها على عقود بقيمة 3.2 مليارات دولار ضمن حزمة أوسع بقيمة 6.5 مليارات دولار.
وربط أكيول هذا المسار باتساع تهديد المسيّرات، قائلًا إن منع الدرونز أصبح قضية مطروحة في كل مكان، ولا يقتصر على الدفاع العسكري، بل يمتد إلى أمن المنشآت والصناعة.
“ميتكسان”.. عيون المسيّرات وسونار البحار
تقدم “ميتكسان” صورة مختلفة داخل المشهد، فهي شركة أصغر وأقل إفصاحًا ماليًا من “أسيلسان”، لكنها تتحرك في مساحات تقنية عالية الكثافة.
ويضع موقعها الرسمي عملها في ستة مجالات تشمل الرادارات، ومراقبة المحيط الأمني للمنشآت والمناطق الحساسة، والاتصالات، والأنظمة الصوتية تحت الماء، ومحاكيات المنصات، أي أنظمة التدريب التي تحاكي تشغيل الطائرات أو السفن أو أنظمة السلاح قبل استخدامها ميدانيًا.
وتذكر مجلة “ديفنس تركيا” المتخصصة في الصناعات الدفاعية، أن الشركة تضم أكثر من 350 موظفًا، وأن أنظمتها مستخدمة في نحو 30 دولة.
وتتمثل أهم منتجات “ميتكسان” في مجال الحواس التركية في “ميلسار” وهو رادار محمول جوًا من نوع “SAR/MTI”، أي رادار تصوير وتتبع للأهداف المتحركة، مخصص للمنصات غير المأهولة ويستخدم في أعمال الاستخبار والمراقبة والاستطلاع والردع والهجوم، مع قدرة على العمل في الظروف التي تتراجع فيها فاعلية الكاميرات الكهروبصرية بسبب السحب والضباب وسوء الرؤية.
وتسوّق “ميتكسان” هذه القدرة بعبارة “العمل حتى فوق الغيوم”، في إشارة إلى أن الرادار يمنح المسيّرة قدرة على بناء صورة رادارية للمنطقة وتتبع الأهداف المتحركة عندما تصبح الرؤية البصرية محدودة.
وربطت تقارير دفاعية متخصصة الرادار باستخدامه على منصتي “أنكا” و”أقسنغور” من إنتاج “توساش”، وأشارت إلى أنه يُصدّر معهما، إذ إن الرادار دُمج على “أقسنغور” بعد أنكا وبدأت البحرية التركية استخدامه.
وفي فبراير/شباط 2025، أعلنت شركة “أداسي” التابعة لمجموعة إيدج الإماراتية عقدًا لدمج ميلسار على المسيّرة الدوارة “غارموشا”، ما يفتح للمنتج نافذة خارجية مستقلة عن المنصات التركية نفسها.
في مراقبة المحيط وكشف الدرونز، يظهر “ريتينار” كعائلة رادارات متخصصة. وتعرّف “ميتكسان” “ريتينار فار-إيه دي” كرادار لكشف وتتبع وتصنيف الدرونز الصغيرة والمنخفضة، فيما يقدم “كابان” كنظام مضاد للدرونز قابل للدمج مع رادارات وكاميرات ووحدات تعطيل مختلفة، يقوم على الكشف والتتبع والتصنيف ودمج وسائل التعطيل الناعم أو الصلب.
وذكرت الشركة أن عائلة “ريتينار” اختيرت من خمسة مستخدمين نهائيين في ثلاث دول لاستخدامات عسكرية ومدنية في أمن المحيط. كما جرى تشغيل “ريتينار بي تي آر-إكس” في مطار أنطاليا، وهو مثال يوضح انتقال بعض حلول مراقبة المحيط من السياق العسكري الصرف إلى حماية البنى الحساسة.
في البحر، يحمل “ياكاموس 2020” موقعًا مهمًا، وهو سونار مثبت على الهيكل للفرقاطات والطرادات، استخدم على كورفيتات “ميلغم” التركية.
كما أعلنت الشركة في يوليو/تموز 2019 أن السونار سيخدم على سفن ميلغم الباكستانية بعد عقد مع شركة “أسفات” التركية المملوكة للدولة والتي تعمل في إدارة أحواض ومنصات دفاعية.
وفي 2022، ذكرت “ميتكسان” خلال معرض “ديمدكس” أن “ياكاموس” صدر إلى بلدين إضافيين (دون تسميتهما) بعد دخوله الخدمة على سفن “ميلغم” التركية، بما يجعل السونار أحد أوضح مسارات التصدير البحري لدى الشركة.
وتدخل “ميتكسان” كذلك في مساحات الحماية من التوجيه المعادي ومقاومة التشويش. ففي معرض الصناعات الدفاعية الدولي IDEF عام 2021، عرضت الشركة نظام “نازار” للمرة الأولى، وقدمته كنظام ليزري واسع الحزمة للتعطيل غير التدميري ضد الصواريخ الموجهة كهروبصريًا وحراريًا، لحماية القواعد والمنشآت والسفن لاحقًا.
وفي الملاحة، تعرض الشركة أغنوسيس كنظام مقاوم للتشويش والخداع على إشارات أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية GNSS، مثل GPS وGLONASS وGALILEO وBEIDOU ويستخدم التصفية المكانية ومعالجة الإشارة لإزالة أثر التشويش والخداع. وهذه الوظيفة بالغة الحساسية في حروب المسيّرات، حيث تصبح الملاحة والتموضع جزءًا من معركة الحرب الإلكترونية.
وتملك “ميتكسان” سجلًا أوضح في المنتجات والاستخدامات من سجلها المالي المتاح علنًا، فلا توجد أرقام إيرادات حديثة ومدققة منشورة للشركة، بينما يعود آخر رقم مالي محدد إلى مقابلة عام 2019 تحدثت عن تجاوز إيراداتها في 2018 مستوى 150 مليون ليرة تركية، وعن 270 موظفًا آنذاك.
“هافلسان”.. العقل البرمجي لشبكات القتال
تعمل “هافلسان” في مساحة لا تُرى بسهولة على جسم الطائرة أو السفينة، فهي تبني البرمجيات ومراكز القيادة والمحاكاة وروابط البيانات، أي الطبقة التي تحول الحساسات والمنصات إلى صورة عملياتية مشتركة.
وتتحرك “هافلسان” في مساحة تجمع القيادة والسيطرة بالدفاع، والمحاكاة بتقنيات المعلومات والاتصالات، والأنظمة الذاتية بالأمن السيبراني.
وفي فعاليات دفاعية خلال 2026، عرضت الشركة حلولًا متعددة المجالات للأرض والبحر والجو تشمل C4ISR، وهي اختصار للقيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبار والمراقبة والاستطلاع، إلى جانب الأنظمة غير المأهولة والمحاكاة والتدريب.
في القوات الجوية، يظهر نظام معلومات القوات الجوية AICCS كأحد أعمدة “هافلسان”، إذ يقوم النظام على إدارة المعركة Battle Management System وإدارة الموارد Resource Management System، وتصفه الشركة بأنه من أشمل أنظمة القيادة والسيطرة الجوية، مع قدرة على تقليص زمن التحضير العملياتي من ساعات إلى دقائق.
وتقول “هافلسان” إن هذا النظام صدر إلى باكستان وأذربيجان، وإنه اجتاز أربع مراحل من أصل ست في برنامج اختيار مرتبط بالناتو. ويضيف كتابها السنوي لعام 2025 أن نظام معلومات القوات الجوية الأذربيجاني دخل الاستخدام الحي في بداية ذلك العام.
في البحر، يمثل “أدفنت” المنتج الأكثر أهمية، وهو نظام إدارة قتال شبكي البيانات، بدأ عام 2010 بالشراكة مع البحرية التركية لتلبية عمليات بحرية قائمة على الشبكة وجرى أول اختبار إطلاق له عام 2019.
وتؤكد الشركة أنه يعمل على أكثر من 30 منصة في البيئات السطحية وتحت السطحية والجوية، ويدعم تكامل روابط بيانات تكتيكية مثل Link 11 وLink 16 وLink 22 وSIMPLE وJREAP وVMF، ومتوافق مع معايير الناتو.
انتقل “أدفنت” إلى مسار تصديري واضح نحو 8 دول هي باكستان وإندونيسيا وماليزيا وتشيلي ونيجيريا وقطر وعُمان وأوكرانيا. ويذكر كتاب “هافلسان” لعام 2025 أن أولى وثاني سفن ميلغم الباكستانية دخلتا الخدمة في 2025.
كما يذكر عقودًا إندونيسية تشمل فرقاطات وزوارق KCR-60/70 وسفن دورية OPV وزوارق دورية حديثة ومنصات سطحية غير مأهولة. وهنا تتحول “هافلسان” من مزود برمجيات محلي إلى شريك في إدارة القتال البحري داخل أساطيل متعددة.
في يناير/كانون الثاني 2026، أخذت “هافلسان” موقعًا رمزيًا مهمًا داخل بنية الناتو، فقد أعلنت أن الحلف اختارها لتوريد برنامج تخطيط شبكات مركز إدارة روابط البيانات التكتيكية TDL Management Center Network Planning Software ضمن معمارية القيادة والسيطرة والاتصالات C3.
ووصفت “هافلسان” البرنامج بأنه “عنصر حرج” في بنية الناتو الحديثة للقيادة والسيطرة والاتصالات، فيما أكدت مجموعة جينز Janes البريطانية المتخصصة في المعلومات الدفاعية وجود عقد مع وكالة الاتصالات والمعلومات التابعة للناتو NCIA، وهي محطة تمنح الشركة اعترافًا خارجيًا في مجال يختصر معنى “عقل الشبكة”.
وقال المدير العام ل”هافلسان” محمد عاكف ناجر إن هذا الاختيار لا يمثل فوزًا بمشروع فقط، بل فرصة استراتيجية لتعاون أوسع في أوروبا ومنطقة الناتو، معتبرًا أن اختيار حلول الشركة محلية الهندسة في السوق الدولية يعكس مستوى متزايدًا من الثقة.
وتمتد “هافلسان” أيضًا إلى الأنظمة غير المأهولة عبر مفهوم “القوات الرقمية” Digital Troops، الذي يربط مركبات برية وجوية وسطحية غير مأهولة داخل بنية مشتركة.
وتقدم الشركة مسيّرة “باها” الذاتية الصغيرة من فئة “تحت السحاب”، كجزء من هذه الفلسفة، وقد أعلنت “هافلسان” أول تصدير للمسيّرة إلى إفريقيا عام 2023، ثم تحدثت لاحقًا عن نجاحات تصديرية في إفريقيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال 2023 و2024، قبل دخولها رسميًا مخزون القوات البرية التركية في أبريل/نيسان 2025.
الأرقام المتاحة ل”هافلسان” أقل تفصيلًا من “أسيلسان”، إذ يذكر كتاب الشركة السنوي لعام 2024 خبرة تمتد 43 عامًا، ومشاريع في أكثر من 24 دولة، و13 شركة أو شركة زميلة، وأكثر من 850 شريكًا في المنظومة ونحو 2600 موظف.
وتقول الشركة إن حضورها اليوم بات في أكثر من 30 دولة، فيما نشرت صحيفة ديلي صباح التركية في يونيو/حزيران 2026 أن “هافلسان” جاءت في المرتبة 258 بصادرات تقارب 78 مليون دولار.
ما وراء الثلاثة الكبار.. وسيمفونية السلاح الشبكي
تبدو “أسيلسان” و”ميتكسان” و”هافلسان” في مقدمة المشهد، لكن خلفها طبقة أوسع من الشركات والجهات البحثية، فعلى سبيل المثال، يعمل معهد إلتران التابع لتوبيتاك بيلغم، وهو مركز بحثي تركي رسمي متخصص في المعلوماتية والإلكترونيات، على تقنيات الحرب الإلكترونية والاختبار والقياس والتحليل.
وتعمل إس دي تي وهي شركة دفاعية تركية قائمة على البحث والتطوير منذ 2005، في الرادار والحرب الإلكترونية والاتصالات والأنظمة التدريبية والمحاكاة وروابط البيانات للمقاتلات والمسيّرات.
في مقاومة التشويش وروابط البيانات، تظهر توالكوم كشركة متخصصة في تقنيات الترددات الراديوية RF والميكروويف وروابط البيانات وأنظمة مقاومة تشويش GNSS ومعدات الحرب الإلكترونية والاتصالات للمهمات الحرجة.
وتعمل ميلسوفت في تكامل الأنظمة والبرمجيات الدفاعية وروابط البيانات التكتيكية ومعالجة الوصلات المتعددة مثل Link 11 وLink 16 وLink 22.
كما تقدم آيساش حلولًا في C4ISR والأفيونكس والأنظمة المضمنة وروابط البيانات وأنظمة الدفاع الجوي والمراقبة البحرية الساحلية.
في البحر، تحضر يالتس، وهي شركة تأسست عام 2002 وتركز على التكامل البحري وأنظمة إدارة القتال والشبكات والواجهات وتحديثات المنصات البحرية.
وتظهر إس تي إم STM في مساحة أوسع تشمل الهندسة الدفاعية والمنصات البحرية والمسيّرات التكتيكية والقيادة والسيطرة ودعم القرار والأمن السيبراني، مع مساهمة حديثة في قدرات قيادة وسيطرة مرتبطة بالناتو.
وتبرز هذه الشركات أن “حواس الدفاع” التركية تشمل شبكة موردين ومراكز بحث وشركات تكامل، تتقاطع في الرادار والبرمجيات والحرب الإلكترونية والبحرية والفضاء السيبراني.
وتظهر قيمة هذه الشركات عند النظر إلى المنصات التركية كشبكة عمل، ففي الجو، تزود “أسيلسان” بايكار وتوساش بحمولات كهروبصرية ورادارات واتصالات وأنظمة IFF وحرب إلكترونية وأفيونكس.
وتضع “ميتكسان” “ميلسار” على “أنكا” و”أقسنغور”، بما يمنح المسيّرات عينًا رادارية للعمل في الطقس السيئ وفوق السحب. وتبني “هافلسان” التخطيط والقيادة وروابط البيانات ومراكز إدارة المعركة، من القوات الجوية إلى البحر.
في البحر، تمنح “أسيلسان” السفن رادارات مثل جنك، وأنظمة دفاع قريب مثل غوك دنيز، وحمولات إلكترونية أخرى، فيما تضيف “ميتكسان” ياكاموس كسونار مثبت على الهيكل، وتدير “هافلسان” القتال الشبكي عبر “أدفنت”.
وفي الدفاع الجوي البري، تقود “أسيلسان” طبقات الكشف والتشويش والاشتباك والقبة الفولاذية، وتوفر “هافلسان” بيئات القيادة والسيطرة والربط، بينما تقدم “ميتكسان” حلولًا متخصصة في كشف التهديدات الصغيرة ومقاومة التشويش الملاحي.
تخدم هذه البنية شركات أخرى، فبايكار تستفيد من الحمولات والرؤية والاتصالات، و”توساش” تحتاج الأفيونكس والرادار والحرب الإلكترونية لطائراتها ومروحياتها ومسيّراتها، و”روكيتسان” تحتاج التوجيه والربط والبيانات كي تتحول الذخائر والصواريخ إلى أدوات اشتباك دقيقة.
بهذه الطريقة يصبح السلاح التركي أقل اعتمادًا على منصة منفردة وأكثر ارتباطًا بمنظومة توزع الوظائف بين المصنع والمستشعر والبرنامج والرابط والسلاح.
أبرز العقد الخفية أمام السيادة الإلكترونية التركية
وبينما يكشف صعود هذه الشركات تقدم تركيا في تكامل الأنظمة والبرمجيات وتصميم الرادارات والحرب الإلكترونية وتحويلها إلى منتجات قابلة للاستخدام والتصدير، تكمن الحلقة الأعمق في المكونات الدقيقة وسلاسل التوريد الحساسة.
هنا تظهر عقدة الاستقلال الإلكتروني التركي، وهي عقدة مختلفة عن محركات المقاتلات والمروحيات لكنها تحمل طبيعة مشابهة من حيث الارتباط بالتقنيات العميقة والتراخيص والأسواق المغلقة.
العقدة الأولى ترتبط بأشباه الموصلات ومكونات الترددات العالية، إذ تشير جامعة بيلكنت إلى تأسيس “إيه بي ميكرو نانو” بالشراكة بين “بيلكنت” و”أسيلسان” بوصفه أول منشأة تجارية تركية لتصنيع الشرائح، مخصصة للدوائر المتكاملة في الدفاع والفضاء والاتصالات وقطاعات أخرى.
في الوقت نفسه، ذكرت تغطيات صناعية عن برنامج رادار مراد التابع ل”أسيلسان” أن بعض شرائح GaN بالحجم المطلوب كانت تصنع في الخارج لعدم القدرة على تصنيعها محليًا بالحجم اللازم آنذاك، مع خطط لتوطينها.
ويوضح ذلك أن تركيا بنت مسارًا محليًا بينما تستمر بعض عقد الرادارات عالية الأداء في الاعتماد على سلسلة أعمق من الشرائح والمواد والتصنيع الدقيق.
العقدة الثانية تتعلق بالكهروبصريات ومستشعرات الأشعة تحت الحمراء، خاصة الكواشف الدقيقة التي تلتقط الإشارة الحرارية وتحوّلها إلى صورة قابلة للاستخدام.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2020، علقت كندا تصاريح تصدير تقنيات بصرية للمسيّرات إلى تركيا بعد تقارير عن استخدامها من جانب القوات الأذربيجانية في حرب قره باغ، قبل أن تنتقل أوتاوا في 2024 إلى مراجعة كل حالة على حدة.
داخل تركيا، دفعت هذه الصدمة إلى تسريع حلول كهروبصرية محلية من “أسيلسان”، مثل كاتس CATS وأسلفلير ASELFLIR، وهي أنظمة رؤية وتتبع وتحديد أهداف تُركّب على المسيّرات والطائرات وتساعدها على الرصد وتوجيه الذخائر الدقيقة.
ومع ذلك، تؤكد تقارير صناعية أن كواشف الدقة العالية تبقى شديدة الحساسية، وأن الحظر يمكن أن يؤثر في التصميم والإنتاج. لذلك يظهر التقدم التركي في الأبراج والأنظمة النهائية، بينما تظل بعض المكونات البصرية العميقة جزءًا من امتحان الاستقلال.
وترتبط العقدة الثالثة بتراخيص التصدير والعقوبات، ففي ديسمبر/كانون الأول 2020، فرضت الولايات المتحدة عقوبات بموجب قانون مكافحة خصوم أمريكا عبر العقوبات CAATSA على رئاسة الصناعات الدفاعية التركية SSB بعد شراء أنقرة منظومة إس 400 الروسية.
تضمنت العقوبات حظر تراخيص تصدير أمريكية إلى رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، فيما توقعت تحليلات حينها أثرًا أوسع على استعداد أطراف ثالثة للتعاون مع جهة مشتريات واقعة تحت عقوبات.
العقدة الرابعة تتصل بسلاسل التوريد الرقمية والراديوية نفسها، ففي مارس/آذار 2026، حددت المفوضية الأوروبية، وهي الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، تبعيات دفاعية حساسة في تقنيات مثل FPGAs، وهي شرائح قابلة للبرمجة، وSoCs، أي أنظمة كاملة على شريحة، وASICs، أي شرائح مصممة لغرض محدد، إلى جانب المكونات الآمنة للمعالجة وسلاسل GaN وGaAs وSiGe وRF-CMOS والليزر عالي القدرة.
وهذه العائلات التقنية هي العصب الداخلي للرادار والحرب الإلكترونية وروابط البيانات والصور الكهروبصرية وباحثات الصواريخ والذخائر، أي المكونات التي تساعد السلاح على العثور على هدفه، لذلك فإن وجود شركة تركية تقود النظام النهائي لا يعني بالضرورة امتلاك كل طبقات الشرائح والمواد والمعالجة داخل الحدود التركية.
وفي يونيو/حزيران 2026، نشرت رويترز تقريرًا عن طموح الشركات التركية لزيادة مبيعاتها الدفاعية في الغرب مع ارتفاع الإنفاق الأوروبي، لكنها أشارت أيضًا إلى حواجز بنيوية وسياسية ونوادي صناعية مغلقة داخل بعض الأسواق الغربية.
وذكرت أن صادرات الدفاع التركية تجاوزت ثلاثة أضعاف مستواها منذ 2021 لتصل إلى 10 مليارات دولار في العام السابق، لكنها أشارت إلى أن الطريق نحو الأسواق الغربية لا يرتبط بجودة المنتج فقط، بل أيضًا بالترتيبات الصناعية المغلقة والحسابات السياسية داخل أوروبا.
بهذا المعنى، يصبح سؤال السيادة الإلكترونية أوسع من القدرة على التصميم، ويمتد إلى القدرة على الوصول إلى المكونات والشراكات والتصديقات ونظم الاعتماد التي تسمح للمنتج التركي بالتوسع في كل سوق يستهدفها.