• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

20% من الناتج القومي.. هل تنهي أتاوة ترامب الشراكة الخليجية الأمريكية؟

هبة بعيرات٢٦ يونيو ٢٠٢٦

مع انتصاف يونيو/تموز الجاري بدا أن ترامب صار أخيرًا جاهزًا لإعلان اتفاق بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العدائية التي انطلقت نهاية فبراير/شباط الماضي. غير أنه على دأبه؛ لم يترك الرجل الإعلان مباشرًا وواضحًا على حاله؛ بل أتبعه بتصريحات مريبة حول الشق المتعلق بالطاقة النووية وبدائل عدم التوصل لإتفاق نهائي بشأن هذا الملف.

ففي مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز، صرح ترامب أنه في حال لم يتوصل الطرفان لاتفاق مرضي بشأن الملف النووي مع انتهاء مدة الستين يومًا التي تؤطر الاتفاق زمنيًا، فإن واشنطن ستكون أمام خيار إعادة ضرب طهران أو خيار العمل كحارس لأمن الشرق الأوسط مقابل 20% من مجمل الناتج القومي للمنطقة. مؤكدًا أنه قد بدأ للتو نقاش هذا المقترح مع المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة حال بقيت إيران على “عدائها” للمنطقة.

فما هو مبدأ الدفع مقابل الحماية الذي يقترحه ترامب؟ وهل يدشّن فصلًا جديدًا في نفوذ واشنطن في المنطقة؟ وما هو الموقف السعودي والخليجي المتوقع من المقترح؟ وأي أثر يحمله على الشراكات الأمنية والاستثمارية في المنطقة؟ يسلط هذا المقال الضوء على هذه الأسئلة وغيرها.

مبدأ من الزمن الغابر

يعد مصطلح الدفع مقابل الحماية مصطلحًا معروفًا في السياسة الخارجية التي تنتمي للقرن الماضي؛ حيث عادة ما كانت تشترط الدول القوية على حلفائها أو الدول المضيفة لقواتها العسكرية تعويضات مالية أو مشاركة مباشرة في الموارد. إلا أن واشنطن كانت قد تخلت عن هذا المبدأ بعد الحرب العالمية الثانية مدفوعةً بحاجتها للتفوق ومنع التمدد السوفيتي خاصة في الأراضي الأوروأسيوية.

ورغم تحوّر الأهداف نهاية القرن الماضي مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتصاعد قوى عالمية أخرى كالصين وروسيا وتعاظم مركزية محاربة الإرهاب كإحدى أهم المحددات السياسة الأمريكية الخارجية، بقيت واشنطن على عهدها مع حلفائها بتوفير قدر من الأمن والاستقرار الإقليمي بتواجد القواعد الأمريكية على أراضيها بدون مقابل مادي مباشر.

وقد بنت الولايات المتحدة الأمريكية تفوقها الأيديولوجي والقيمي بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ تقديم الحماية لحلفائها بوصفها حارسة الاستقرار والسلم العالميين ودارت مغامراتها العسكرية المباشرة وغير المباشرة حول هذه الدعوى. بل ونصّبت نفسها في موقعية شرطي العالم في النظام العالمي الذي تلا انهيار الاتحاد السوفيتي وتركها متربعة دون منازع على عرش نظامٍ أحادي القطب.

والآن يهدد نموذج ترامب القائم على قوانين المنفعة والصفقات المربحة بتحويل هذا النظام الراسخ الذي ضمن للولايات المتحدة عقودًا من القيادة والوضوح في علاقتها مع حلفائها وأعدائها على السواء إلى نظام من العقود التجارية التي تميّع الحدود بين من يعتبر مناوئًا ومن يعتبر حليفًا لواشنطن، في نظام عالمي جديد قائم على القوة الفظة تنهار فيه القواعد المتعارف عليها ويجرّ وراءه طلائع انهيار مكانة الولايات المتحدة وتراجع سطوتها التاريخية.

فقد أثار التصريح الغريب لترامب حول اقتطاع 20% من إجمالي الناتج القومي لدول الخليج العربي مقابل توفير الحماية لها في مضيق هرمز انتقادات عدة حول العقلية التجارية التي تقترب من تحويل القوات الأمريكية إلى مرتزقة تمارس العمل العسكري والأمني مقابل المنفعة المالية، وهو تقليد ابتعدت عنه الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. فاقتراح ممارسة دور الشرطي الحارس لأمن دول الشرق الأوسط يعيد للأذهان النوايا الاستعمارية النفعية التي يدير فيها ترامب ملفات السياسة الخارجية الأمريكية خاصة تلك المتعلقة بالشرق الأوسط.

كما أن النظام العالمي القائم على قواعد ينكر ابتداء قدرة الدول على اقتطاع أجزاء من إيرادات دول أخرى ذات سيادة مقابل ترتيبات أمنية كتلك التي يقترحها ترامب. هذا فضلًا عن أن فرض رسوم على ممرات مائية عالمية يعد انتهاكًا لمبدأ حرية الملاحة الذي ضمنته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS.

لحظة توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب مع إيران في قصر فرساي بفرنسا، بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون وعدد من المسؤولين الأميركيين. pic.twitter.com/q5SWIU4wGj

— نون بوست (@NoonPost) June 18, 2026

وبينما قد يضمن ترتيب كهذا لواشنطن مردودًا ماليًا سريعًا ومباشرًا، إلا أن الأثر طويل الأمد وغير المباشر لهذا الإجراء سيجرّ ويلات على سوق الطاقة العالمي حيث سيؤثر بشكل مباشر على أسواق النفط ومعدلات التضخم العالمية، خاصة وأن 20% من إمدادات النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال تعبر مضيق هرمز.

وينبئ الإجراء بأزمات دبلوماسية مباشرة مع حلفاء واشنطن في الرياض وأبو ظبي، إذ أنّ الكشف الفج لحقيقة الشراكة بين الخليج العربي وواشنطن والذي ينقلها من شراكات استراتيجية إلى صفقات تجارية من شأنه أن يوتر العلاقة بين الطرفين ويدفع بالحكومات الواقعة تحت الضغط لإعادة تقييم شراكاتها الأمنية مع واشنطن ومدى كفاءة تلك الشراكات وقدرتها على حفظ الأمن القومي والاستقرار في بلادها.

وكانت صحيفة ذا هيل قد أشارت إلى الخسارة الأخلاقية وتراجع السطوة الأمريكية التي تقودها إدارة ترامب من خلال السياسة النفعية الفجة التي تنتهجها في إدارة علاقاتها الدولية مع حلفائها. فمن خلال العقلية التجارية التي ترى في العلاقات الدولية صفقات مربحة خسرت الولايات المتحدة تفوقها القيمي الذي كانت تدعيه منذ الحرب العالمية الثانية. وضحّت بأداوت القوة الناعمة التي كانت تقوم، وفقًا للأكاديمي الأمريكي من جامعة هارفارد جوزيف ني، على ثلاث أساسات راسخة هي الثقافة الأمريكية والقيم السياسية والسياسة الخارجية المتكئة على السلطة الأخلاقية، وهي الأساسات التي عملت إدارة ترامب النفعية على تدميرها بشكل ممنهج وواعي.

إذ أن السياسة النفعية الأمريكية ستدفع بالأطراف المقابلة في الخليج لإعادة الحسابات وفق مبدأ الربح والخسارة، ما يعني أن واشنطن قد تحتفظ بقوتها المادية في الشرق الأوسط وفق المعادلة الحالية لكنها ستخسر قدرتها على التحرك بأريحية في أجواء تلك البلاد وسيكون محصولها من التبادل الإستخباراتي والتعاون الدفاعي والدعم السياسي والدبلوماسي محدودًا ومشروطًا بعد أن كان شيكًا على بياض، ما يهدد مصالحها الأمنية والاقتصادية ولن يشفع لها أنها قوة عظمى؛ إذ حتى القوى العظمى لا تستطيع أن تنجح في عزلة دولية.

ترامب وعقلية الرئيس التاجر

لا يأتي مقترح ترامب منبتًا عن الرؤية العامة للرجل وإدارتيه الأولى والثانية؛ إذ لطالما أثار ترامب مسألة الاستغلال الاقتصادي للقوة العسكرية الأمريكية. ففي فترته الرئاسية الأولى بين عامي 2016-2020 لام ترامب على حلفاء واشنطن التقليديين من دول الناتو وكوريا الجنوبية وحتى اليابان ما أسماه بـ”الركوب المجاني” على ظهر القوات الأمريكية التي توفر الحماية لهذه الدول بزعمه.

بل إن مضيق هرمز بالتحديد كان مثار جدل هو الآخر في فترة ترامب الأ ولى؛ إذ وضع الرئيس عام 2019 الدول التي تعتمد على نفط الخليج كالصين واليابان أمام خيارين إما أن توفر الحماية لسفنها التي تعبر المضيق وإما أن تدفع لواشنطن لقاء توفير الحماية لها.

كما شهدت فترته الرئاسية الحالية شدًّا مضاعفًا مع دول الناتو التي طالبها برفع مساهماتها المالية في التسليح والأنظمة الدفاعية للحلف بدلًا من أن تتكأ على ظهر واشنطن لتوفير الحماية لأراضيها ومجاليها الجوي والمائي. فمن نسبة 2% من الناتج القومي لدول الحلف كنسبة تاريخية تنفقها على الدفاع المحلي إلى المطالبة بـ5% من الناتج القومي وهي نسبة مرهقة لبعض دول الاتحاد الأوروبي مثل إيطاليا وإسبانيا اللتين رأتا فيها تحديًا مباشرًا لاستمرار تحالفاتها مع واشنطن.

فإدارة ترامب التي أخذت على عاتقها زيادة “الأرباح الأمريكية” تحت شعار أمريكا أولًا، تفننت في إعادة تعريف مبدأ الدفع مقابل الحماية وتطويع أدواته لتحصيل أكبر قدر ممكن من التعويضات المادية لقاء نشر قواتها في الدول الحليفة. فقد جمعت في مقترحها التنفيذي “التكلفة زائد 50%” والذي يفرض على الدول التي تستضيف القواعد العسكرية الأمريكية كامل التكلفة إضافة لـ50% علاوة مقابل الحماية التي تقدمها القوات الأمريكية.

غير أن المقترح واجه تحديات جمة ومخاوف من انقلاب الحلفاء على واشنطن ودخولها في نفقٍ من الأزمات الدبلوماسية هي بغنى عنه. مما اضطر الإدارة لاستبداله باتفاقات ثنائية مع حلفائها لتقاسم التكاليف حينًا أو دفعها كاملة بحسب قرب الحليف ومدى استفادة واشنطن من تواجدها العسكري على أراضيه.

وقد تباينت التوافقات الأمريكية المعروفة بـ”اتفاقيات التدابير الخاصة” بحسب الدولة المضيفة للقوات العسكرية؛ فمن مبدأ المشاركة المحدودة في التكلفة الذي جمع واشنطن بحلفائها في الناتو إلى التمويل الجزئي للبنية التحتية وتكاليف تشغيل المعدات ونفقات التوسعة كذلك الذي نصت عليه توافقات واشنطن مع الكويت وقطر، وصولًا إلى التمويل الخاص المتزايد لوجود القوات الأمريكية على أراضيها كتلك التي وقعتها واشنطن مع كل من كوريا الجنوبية واليابان .

توتر غير مسبوق بين ترامب ونتنياهو بسبب إيران وحزب الله

• طلب نتنياهو من وزرائه تجنب مهاجمة ترامب شخصيًا، بعد تصاعد الخلاف بين تل أبيب وواشنطن بشأن الاتفاق الأمريكي الإيراني.

• ترى إسرائيل أن فريق ترامب “يسيء فهم” طبيعة إيران وحزب الله، وتخشى أن تستغل طهران الاتفاق لإعادة بناء… pic.twitter.com/oLTjlfNt0Y

— نون بوست (@NoonPost) June 21, 2026

وعليه لا يأتي الطلب المباشر من دول الخليج بدفع أتاوات الحماية شاذًا عن النموذج التجاري الذي يدير فيه ترامب السياسة الخارجية لواشنطن؛ غير أن بعده الصادم للدول المستهدفة يأتي من كونها كانت بعيدة عن أهداف الحرب إبتداءً بل ونأت بنفسها قدر المستطاع عن الانجرار إلى حربٍ طاحنة مع إيران، ومع هذا تجد نفسها اليوم مضطرة لتسديد فاتورة لمغامرات واشنطن وتل أبيب وساحة خلفية لتعويض الخسائر التي تكبدتها واشنطن في حربها المكلفة مع طهران.

وعليه، تدور الخطوة المقترحة لترامب في فلك الاستثمارات الضخمة والعوائد السريعة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي وتعويض ما يمكن تعويضه من خسائر الحرب التي ولدت تضخمًا في السوق الأمريكية وارتفاعًا جنونيًا في أسعار المحروقات بشكل خاص؛ كما تأتي الخطوة المقترحة مرة أخرى لتطرح أسئلة حرجة حول الحد الفاصل بين المصالح الوطنية الأمريكية والمصالح الشخصية لعائلة ترامب خاصة في ظل الاستثمارات الشخصية الضخمة التي تربط العائلة بالخليج العربي وعلى رأسه الرياض وأبو ظبي.

تحرك ذكي أم محاولة لمداراة الهزيمة

يرى المؤيدون من تيار “ماجا” الذي يرفع شعار “أمريكا أولًا” أن مبدأ الدفع مقابل الحماية يعدّ فكرة عادلة يخفف العبء عن دافعي الضرائب الأمريكية وينقل عبء الأمن الخاص للدول الغنية إلى عاتقها ما سيؤدي إلى خفض الدين الوطني الأمريكي من خلال استرداد المليارات التي تكلفتها الولايات المتحدة بنشر قواتها العسكرية في أراضي الدول الأخرى.

على الطرف المقابل، يصرّ المعارضون من الليبراليين على أن مبدأ المقايضة في العلاقات الدولية لا ينتمي إلى العصر الراهن وأن الولايات المتحدة ستخاطر بقوة وتماسك تحالفاتها الدولية، كما قد يحد المبدأ من قدرة الولايات المتحدة على التحرك دوليًا في أوقات الأزمات وحق استخدام قواعد ومجالات الحلفاء الجوية. خاصة أن الحلفاء يقدمون للولايات المتحدة خدمات جليلة لا تقل عن المليارات التي تنفقها واشنطن من نفوذ عالمي وتبادل المعلومات الاستخبارتية وحق الوصول إلى المجال الجوي الإقليمي لهذه الدول متى ما احتاجت الولايات المتحدة ذلك.

وقد رأينا أولى الآثار الجانبية لتفكك تحالفات الولايات المتحدة ورفض حلفائها استخدام قواعدهم ومجالاتهم الجوية في حرب واشنطن الأخيرة على طهران.

خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار الأداء الأمريكي الرديء في الدفاع عن حلفائه في حربه الأخيرة مع طهران والتي أحالتها لأهداف سهلة للنيران الإيرانية بحجة تواجد القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها دون أن تكلف واشنطن نفسها عبء التصدي لتلك الهجمات حيث بدا وكأن واشنطن قد تركت حلفاءها في الخليج العربي عراة ومكشوفين وولت ظهرها باتجاه حماية تل أبيب دون سواها.

فقد تعرضت دول مجلس التعاون الخليجي منذ الـ28 من فبراير/شبياط الماضي وعلى امتداد أسابيع الحرب بين طهران وواشنطن لهجمات بـ500 صاروخ بالستي و2000 طائرة مسيرة بدون طيار تمكنت، برغم نجاح بعض الاعتراضات لأنظمة الدفاع الجوية، من إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية الحيوية لدول الخليج من منشآت نفط وغاز وموانئ شحن ومطارات دولية إضافة لإصابة أهداف مدنية ومباني دبلوماسية وقواعد عسكرية في المنطقة.

ناهيك عن دلالات دخول الحوثيين على خط النار من تهديد للأمن البحري في باب المندب وعموم البحر الأحمر وهي خطوط حيوية لناقلات النفط والغاز الخليجية وما يعنيه ذلك من زعزعة طويلة الأمد لاستقرار أسواق الطاقة الخليجية.

اتفاق ترامب مع إيران يعيد إلى الواجهة اتفاق أوباما النووي، لكن بشروط أقل وضوحًا وأسئلة أكبر حول مكاسب إيران وخسائر واشنطن.

اقرأ المقال كاملًا: https://t.co/P9T7tWtnCm pic.twitter.com/T8FfrJBVfu

— نون بوست (@NoonPost) June 19, 2026

وقد أشارت صحيفة ذا هيل إلى التحول الدراماتيكي في مواقف دول الخليج بعد تخلي واشنطن عنها في حربها الأخيرة مع طهران بقولها إن الخليج يتبنى سياسة ترامب نفسها ورفع شعار “الخليج أولًا” معلنًا عن سياسة جديدة من الحياد والنأي بالنفس عن عنتريات واشنطن في المنطقة. وهو الأمر الذي ينبئ بتغيير استراتيجي لمواقف الخليح بعد استيعابه الصدمة بعدم موثوقية الشراكة الأمريكية؛ إذ يبدو وفقًا لتعبير الصحيفة أن زمن الشيك على بياض والشراكة المطلقة مع واشنطن انتهى وبدأ عهد الشراكة المشروطة بمصلحة الخليج.

وبينما قد لا يأتي رد الفعل الخليجي عدواني ودراماتيكي بالتخلي المباشر عن الشراكة الأمريكية؛ فإنّ هذه الدول قد بدأت بالفعل بإعادة تعريف تلك الشراكة والبحث عن بدائل من شأنها أن تحدّ من التفرد الأمريكي في معادلة الأمن العربي.

وقد صرح رئيس الوزراء القطري محمد بن عبدالرحمن الثاني للفاينانشيال تايمز بأن دول الخليج تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني مشترك مع طهران بمعزل عن واشنطن للتوصل إلى صيغة تعاون اقتصادي مستقبلي بين دول الخليج والجارة الفارسية من شأنه أن يضمن استقرار المنطقة وفقًا للمسؤول القطري.

كما من المتوقع أن تشهد التحولات الأخيرة في التحالفات الأمنية في المنطقة والتي ترأستها أنقرة تصاعدًا متواترًا. فقد وقعت الكويت أيار المنصرم خطابًا مشتركًا مع رئيس وكالة الصناعات الدفاعية التركية هالوك جورجون أعلنت فيه عن نيتها توثيق التعاون الدفاعي بين البلدين. كما أبدت السعودية وقطر والإمارات رغبات مماثلة لتعزيز الترتيبات الأمنية مع أنقرة خاصة في مجال الأنظمة الدفاعية.

أما بالنسبة لطهران، فباستثناء المحاولة الأمريكية لاسترداد ماء الوجه ومزاحمة طهران في تقطيع الكعكة وتحصيل ما يمكن تحصيله من الدول المعتمدة على مضيق هرمز في تجارة الطاقة العالمية؛ لا يرى إدوارد فيشمان، خبير أمن الطاقة، في مقاله على النيويورك تايمز، أثرًا سلبيًا مباشرًا للمقترح الأمريكي على طهران، بل على العكس إذ يبدو أن في الأمر إقرارًا بمكاسب طهران الإستراتيجية كحارسة دائمة لإحدى أهم بوابات الطاقة العالمية وحاجة بقية الدول لتوفير الحماية في مواجهة قبضتها المحكمة على المضيق وتحكّمها في سلاسل التوريد الدولية.

الخليج يدفع الفاتورة مرة أخرى

من المتوقع أن يهدد مقترح ترامب تحالف واشنطن مع الرياض والتي تعدّ درة العالم العربي والإسلامي للولايات المتحدة بأهداف بعيدة الأمد بالانضمام لاتفاقيات التطبيع ومناوئة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط جعل منها حليفًا رئيسًا خارج نطاق الناتو لواشنطن. وقد كانت السعودية برغم الاضطرابات الدبلوماسية والأزمات المؤقتة وتضارب المصالح السياسية مع واشنطن واحدة من أهم شركائها منذ أيام بوش الابن وعلى امتداد الإدارات الأمريكية التالية؛ إذ جمعتها بواشنطن صفقات تسليح ضخمة واتفاقيات تعاون دفاعي كانت مناوئة طهران مركزها الأهم.

فبعد أن نجح ترامب في زيارته الرئاسية الأولى للرياض في مايو/أيار 2025 بتوقيع اتفاقيات مشتركة بقيمة 300 مليار دولار أمريكي معظمها في مجال الذكاء الصناعي واتفاقيات الدفاع، يبدو أن جني 20% من الناتج القومي السعودي سيشكل عبئًا لا يستهان به على ميزانية المملكة المنخرطة أساسًا في مشاريع طويلة الأمد من العيار الثقيل مثل مشروع رؤية 2030 الذي أطلقه بن سلمان 2016 لتقليل اعتماد المملكة على النفط في أمنها الاقتصادي وتحويلها إلى وجهة للسياحة والاستثمار والتكنولوجيا بهدف تعزيز استقلالها الاقتصادي.

ويرى مراقبون أن الرياض بدأت تسعى فعليًا لتخفيف اعتمادها على واشنطن في أمنها القومي وتنويع شراكاتها الأمنية وتوافقاتها الدفاعية بميل إلى تركيا وباكستان بينما من المتوقع أن تكثّف المملكة من تقاربها التجاري مع منافسي واشنطن الألد الصين وروسيا. وهو الأمر الذي ستتلفقه تلك القوى بأحضان مفتوحة لتعزيز نفوذها في أسواق الطاقة العالمية الأبرز.

وقد شمل هذا التقارب الجيوسياسي مع منافسي الولايات المتحدة التقليديين قطاع الدفاع؛ فعقدت الرياض صفقات شراء صواريخ بالستية مع الصين وأجرت مناورات بحرية مشتركة معها، كما وقعت اتفاقيات نقل تكنولوجية مع تركيا وناقشت اتفاقيات شراء أنظمة دفاع جوية من روسيا. إضافة لتوقيعها على اتفاقية دفاع مشترك غير ملزمة مع باكستان مؤخرًا.

إذ يبدو أن الشراكة الأمريكية الصورية تحولت بعد الحرب على إيران بالنسبة للمملكة السعودية إلى عبء اقتصادي بعد أن سعى بن سلمان لأن تثبت الرياض نفسها كشريك لا غنى عنه لواشنطن في الوطن العربي وتمرير سياسات خارجية حساسة للمملكة كتلك التي تخص سوريا والسودان واليمن، غير أن أهم العوائد التي تسعى الرياض لتحصيلها من شراكتها المكلفة مع واشنطن كانت تعزيز نفوذها الإقليمي في مواجهة طهران، خاصة وأن التخوفات الأمنية من نفوذ طهران وأذرعها في المنطقة كان وما زال يشكل أحد أهم المحددات في الشراكة السعودية-الأمريكية، وهو الأمر الذي بات مشكوكًا في إمكانية تحقيقه بعد أن تحولت السعودية لهدف سهل للهجمات الإيرانية ما زعزع أمنها واستقرار استثماراتها الاقتصادية.

ويشكّل الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران مؤخرًا تحديًا آخر للرياض؛ إذ لم يضمن الاتفاق بأي شكل أمن واستقرار دول الخليج بل تعامل مع الساحات التي دفعت الأثمان الأبهظ في الحرب كهامش يمكن عصره لتحصيل مزيد من المكاسب دون ضمانات تذكر. ما يدفع بالرياض لا لتنويع شراكاتها الأمنية وتكثيف انخراطها مع شركاء عالميين بديلين عن واشنطن بل أيضًا لإمكانية أن تتجه للحد من الهيمنة الأمريكية على سياستها الأمنية والخارجية وهو ما أشار له قرار الرياض بعدم السماح للجيش الأمريكي باستخدام مجالها الجوي في هجماته على طهران.

غير أن هذا التحول في موقف المملكة واستراتيجيتها الإقليمية ليس وليد البارحة ولم تكن حرب واشنطن مع طهران الأخيرة مسببه الوحيد والمباشر؛ إذ تعرضت المملكة للخذلان من قبل إدارة ترامب الأولى منذ عام 2019 بعد أن تعرضت منشآتها النفطية في بقيق وخريص إلى هجمات صاروخية إيرانية، صرح ترامب على إثرها بعدم التزام واشنطن بالدفاع عن المملكة في مواجهة طهران. ثم جاءت محاولات الكونجرس المتتالية لعرقلة صفقات تسليح حيوية للملكة لمواجهة الهجمات الحوثية المدعومة من طهران بين 2015 و2022 لتدق هي الأخرى وتدًا في نعش الاعتماد الكلي للملكة على واشنطن.

إذ سعت الرياض بعد عام 2019 لتهدئة الأوضاع مع طهران وفتحت معها قنوات حوار غير معلنة تحت رعاية عمانية أفضت أخيرًا لتوقيع اتفاق التطبيع بين البلدين في بكين 2023. وقد تبع هذا التقارب السري في البداية، زيارات رسمية رفيعة المستوى كان آخرها في ديسمبر/كانون الأول 2025 من مسؤولين سعوديين لطهران. إضافة لإجراء تغييرات جوهرية في سياساتها الإقليمية منها التقارب التركي والقطري والهدنة مع الحوثي.

بينما جاءت الحرب الأمريكية غير المحسوبة على طهران لتكشف وتؤكد على نقاط الضعف في الشراكة الأمنية السعودية الأمريكية؛ إذ لا وجود لاتفاقية دفاع مشترك بين البلدين على غرار اتفاقيات الناتو أو تلك التي تربط واشنطن بكوريا الجنوبية واليابان. وهو الأمر الذي أسفر مباشرة عن إهمال أمن واستقرار المملكة لدى توقيع الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران.

تبدو الصورة أقل وضوحًا لدى أبو ظبي؛ إذ لا تملك الإمارات المتحدة قدرة المملكة على الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية لاعتبارات اقتصادية وسياسية متعددة. فالدولة التي تجمعها عداوات مباشرة مع محيطها تبدو غير قادرة على الخروج من عباءة واشنطن رغم ما أثبتته الحرب الأخيرة من ضعف الضمانات الأمنية الأمريكية وعدم رغبة قواعدها العسكرية بتوفير الحماية للأراضي والمصالح الإمارتية.

تضاربت الإشارات من أبو ظبي بين نيتها إعادة تقييم علاقتها بواشنطن وطرح أسئلة صعبة حول جدوى وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها وبين أخرى تشير إلى انخراط أبو ظبي سرًا في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على طهران. إلا أن الثمن الفادح الذي تحملته أبو ظبي والشكوك التي حامت حول نية ورغبة واشنطن بتقديم الحماية التي وعدت بها، دفعت بوزير خارجية واشنطن ماركو روبيو بزيارة أبو ظبي لإعادة التأكيد على التزام واشنطن بأمن شريكتها الملتزمة بمصالحها ورؤيتها في المنطقة.

وقد رأت بعض الجهات أن الحرب الأمريكية الإيرانية ستدفع بأبو ظبي -على عكس الرياض- للتقارب أكثر مع واشنطن بوصفها الملجأ الوحيد لها في وسط محيط عدائي وتحديات اقتصادية وجيوسياسية بالغة، رغم أن أبو ظبي ستسعى في الآن ذاته لإيجاد خطوط بديلة لتصدير النفط تتجاوز مضيق هرمز معتمدة على الامتياز الذي توفره موانئها الشرقية التي تقع خارج حدود المضيق على خلاف موانئ قطر والكويت. كما ستسعى لإعادة هيكلة دفاعها الإقليمي ومحاولة إيجاد أسواق دفاعية جديدة وإن بصورة محدودة لا تثير قلق وسخط واشنطن.

علاماتأمريكا والخليج ، أمن الخليج ، إيران والخليج ، الاقتصاد الأمريكي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
مواضيعأمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية ، العلاقات الأمريكية الخليجية ، مضيق هرمز

قد يعجبك ايضا

سياسة

أنصار فلسطين يحققون مكاسب داخل الحزب الديمقراطي

بيتر بينارت٢٦ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

قادة إسرائيليون سابقون يهددون بمقاضاة “الإرهاب اليهودي” في الضفة الغربية

إيما غراهام٢٦ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

معركة الإرث الكمالي.. الصراع الذي أربك المعارضة التركية

مرام موسى٢٥ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑