ترجمة وتحرير: نون بوست
لفهم مدى عمق التغيير الذي طرأ على النقاش الدائر داخل الحزب الديمقراطي حول إسرائيل، يجدر بنا أن نتذكر كيف فاز دان غولدمان – الذي خسر مقعده في الكونغرس ليلة الثلاثاء بفارق يزيد عن 30 نقطة مئوية – بمقعده قبل أربع سنوات فقط. في الأسابيع التي سبقت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2022، واجه غولدمان منافسته الرئيسية، عضو مجلس ولاية نيويورك يو-لاين نيو، ومرشحين آخرين، في مناظرة أُقيمت في كنيس “بيث إلوهيم” في بروكلين.
وما إن طُرح موضوع مقاطعة إسرائيل، وجدت نيو نفسها في موقف دفاعي. فبينما أصرّت على أنّها ليست منخرطة في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، قالت إنّ هذه الحركة “يجب أن يُصغى إليها”؛ فانقضّ غولدمان عليها قائلًا إنّ حركة المقاطعة “معادية للسامية”، وأضاف أنه بدلًا من المقاطعة “يجب أن نقدم دعمًا غير مشروط لإسرائيل”، فانفجر الحضور بالتصفيق.
على النقيض من ذلك، فازت هذا الأسبوع مرشحتان لعضوية الكونغرس عن مدينة نيويورك تدعمان حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي – وهما كلير فالديز ودارياليزا أفيلا شوفالييه، وقد شاركت الأخيرة في مخيم غزة بجامعة كولومبيا.
ورغم أنّ براد لاندر، المرشح الذي هزم غولدمان، لا يدعم حركة المقاطعة، لكنّه وصف المقاطعة بأنّها “أدوات مشروعة” لا تنطوي بالضرورة على تعصب. كما أمضى معظم حملته الانتخابية متفاخرًا بأنّه لا يدعم إسرائيل دون قيد أو شرط، وربط غولدمان بجماعة الضغط الإسرائيلية “أيباك”.
ما كان يُعتبر تصرفًا سياسيًا مقبولًا قبل أربع سنوات بات اليوم غير مقبول، والعكس صحيح. فقد نجح النشطاء التقدميون في حشد الأمريكيين الغاضبين من دعم الولايات المتحدة للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وأظهروا للسياسيين الديمقراطيين مدى قوة هذا الغضب على الصعيد الانتخابي. والنتيجة: إمّا أن يستوعب المرشحون الديمقراطيون الرسالة أو يخسروا مقاعدهم.
في عام 2022، عُدَّ دعم إسرائيل بلا شروط الموقف الأكثر أمانًا بالنسبة للديمقراطيين، حتى في الدوائر الانتخابية الديمقراطية بالكامل مثل دائرة غولدمان، وكانت مجرد الدعوة لتقييد المساعدات العسكرية أمرًا محفوفًا بالمخاطر، أمّا الدعوة لمقاطعة إسرائيل بالكامل فمآلها نهاية المسيرة السياسية.
يبدو المشهد داخل الحزب الديمقراطي مختلفًا تمامًا اليوم؛ فلم يعد تقييد الدعم الأميركي لإسرائيل خطرًا سياسيًا؛ بل أصبح خطوة مفيدة، وبات الآن سياسيون وسطيون مثل رام إيمانويل وغافين نيوسوم يقترحون إنهاء المساعدات العسكرية، وحتى الشخصيات التي لطالما كانت مقربة من اللوبي الإسرائيلي مثل كوري بوكر أصبحت تصوّت لتقييد مبيعات السلاح.
ورغم أنّ الذهاب إلى أبعد من ذلك ودعم حركة المقاطعة صراحة ما يزال موقفًا راديكاليًا، لكنّه لم يعد مستحيلًا؛ فقد ساهم ممداني في كسر هذا المحظور العام الماضي، وازداد ضعفه هذا العام مع انتصارات مرشحين مؤيدين للمقاطعة مثل فالديز وشيفالييه في نيويورك وكريس راب في فيلادلفيا، إلى جانب العديد من المرشحين على مستوى الولايات والمستوى المحلي.
صحيح أنّ هذه الانتصارات تتحقق عمومًا في الدوائر الانتخابية الأكثر تقدمية في أمريكا، إلا أنّ الارتباط بموقف “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” تجاه إسرائيل لم يعد أخطر من الارتباط بـ”أيباك”. ففي العام الماضي، أعلن أعضاء في الكونغرس من ولايتي كنتاكي وكارولينا الشمالية، كانوا متحالفين في السابق مع “أيباك”، أنّهم لن يقبلوا أي أموال من المنظمة بعد الآن.
وفي عام 2025، لم يقبل سوى ثلث أعضاء النواب الديمقراطيين المنتخبين حديثًا عرض منظمة “أيباك” برحلة مجانية إلى إسرائيل، وهو ما يمثل انخفاضًا عن نسبة 70 في المائة المسجلة في عام 2023. وحتى عندما يقبل المرشحون دعم “أيباك”، فإنهم غالبًا ما يتجنبون الحديث عنه.
عندما سُئلت المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، هايلي ستيفنز، في مناظرة الشهر الماضي عن سبب قبولها أموالًا من متبرعي “أيباك”، قدمت إجابة من 160 كلمة ذكرت فيها “عمال محلات البقالة” و”الحرية” وضرورة إصلاح تمويل الحملات الانتخابية، لكنّها لم تذكر أبدًا “أيباك” أو إسرائيل.
في المقابل، يتباهى عبدول السيد، أكثر مرشح لمجلس الشيوخ تخشاه “أيباك” في ولاية ميشيغان، قائلًا: “لقد وصفتني أيباك بأنّني المرشح الأكثر خطورة في هذه الانتخابات”. وبالمثل، يروج غراهام بلاتنر، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ماين، لمعارضة “أيباك” له. فعندما وصفته المنظمة بأنّه “تهديد مباشر للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، قال بلاتنر إنه “فخور بظهوره في رسالة البريد الإلكتروني التي تجمع “أيباك” بها التبرعات، وفي العديد من رسائل جمع التبرعات التي ستصدر عنها في المستقبل”.
يتميز النقاش الديمقراطي حول إسرائيل حاليًا بوجود “وسط” يضم مرشحين يرغبون في تقييد مبيعات الأسلحة والمساعدات العسكرية، و”يسار” يضم مرشحين متحالفين مع “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” وحركة التضامن مع فلسطين، و”يمين” يضم سياسيين متحالفين مع منظمة “أيباك”. لكن تأثير اليسار على الوسط آخذ في الازدياد، بينما يتضاءل تأثير اليمين.
في عام 2022، كان من الصعب تصور أن يؤيد صهيوني ليبرالي بارز شخصية معادية للصهيونية تدعم حركة “المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات”، ولكن في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك العام الماضي، فعل لاندر ذلك بالضبط، وتبيّن أنّ ذلك لم يكن عائقًا بل ميزة؛ فقد استفاد بشكل كبير من دعم ممداني هذا العام وهو يترشح في إحدى الدوائر الانتخابية للكونغرس التي تضم أكبر عدد من اليهود في البلاد.
تتخذ مواقف لاندر السياسية تجاه إسرائيل طابعًا يميل إلى يمين “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا”، لكنه يتعامل معهم كشريك يختلف معه أحيانًا، بينما ينظر إلى “أيباك” كخصم سياسي.
يعمل اليسار أيضًا على إعادة تشكيل الوسط السياسي في الولايات المتأرجحة؛ ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، كانت المرشحة الثالثة البارزة هي عضو مجلس الشيوخ المحلي مالوري ماك مورو، والتي بدت قبل ثلاث سنوات أقرب أيديولوجيًا إلى ستيفنز منها إلى السيد. في عام 2023، شاركت في رحلة ممولة من “أيباك” إلى إسرائيل، وفي ربيع العام الماضي حضرت فعالية خاصة لـ”أيباك” في ميشيغان.
في البداية، رفضت وصف أفعال إسرائيل في غزة بأنها إبادة جماعية. لكن مع استمرار الحملة، اقتربت أكثر من موقف السيد. وهي الآن تقول إنّها لن تقبل أموال “أيباك”، وتتعهد بالتصويت ضد مبيعات الأسلحة الهجومية لإسرائيل، وتصف هجومها على غزة بأنه إبادة جماعية. وإذا كان السيد في السابق يمثل الاستثناء الأيديولوجي في السباق الانتخابي، فإنّ ستيفنز هي من أصبحت كذلك الآن.
هذا هو الدليل على أنّ مؤيدي الحرية الفلسطينية يحققون مكاسب؛ فهم يغيرون ما وصفه مؤسس “الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا” مايكل هارينغتون بـ”الجناح اليساري الممكن”.
قد لا يفوز مرشح يتبنى مواقف ممداني أو شيفالييه بشأن إسرائيل بترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة عام 2028. لكن بيرني ساندرز لم يكن بحاجة للفوز بترشيح الحزب عامي 2016 أو 2020 ليغير موقف الحزب من التجارة الحرة وسياسات التقشف الاقتصادي، لقد غيّرها بإجبار الساسة الديمقراطيين على مواجهة ما يؤمن به الديمقراطيون العاديون. وفي موضوع الدعم الأميركي لإسرائيل، فإنّ هذه المواجهة تجري الآن بالفعل.
المصدر: جويش كورنتس