قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي ودخولها إلى حياتنا، كان ملايين العرب من المحيط إلى الخليج يتحلّقون حول التلفزيون مرة كل أسبوع لمشاهدة برنامج “لمسات بيانية” على قناة الشارقة الفضائية، حيث يطل عليهم عالم لغوي عراقي يدعى فاضل السامرائي.
كان نحيلًا خفيض الصوت، يرتدي نظارة ويتحدث بنبرة وقورة عن بلاغة العربية، ويفسر للمشاهدين آيات القرآن الكريم بطريقة مختلفة، تمتزج فيها أصالة المصدر بلغة العصر، كاشفًا عن مكامن الجمال والإعجاز في حروفه وكلماته.
ومع مرور الوقت، حاز الدكتور السامرائي شعبية واسعة في العالم العربي، وتحول إلى ظاهرة معرفية استثنائية جسّرت الفجوة بين الدرس النحوي الصارم والتذوق الجمالي الآسر، وقرّبت علوم اللغة والبلاغة والنحو إلى رجل الشارع الذي طالما نظر إليها كعلوم شائكة، مليئة بالتعقيد والتقعّر.
وعبر برنامجه الذي استمر سنوات، رسّخ السامرائي فكرة أن النحو أكثر من قواعد وجداول جافة تُحفظ لتُنسى؛ فهو عنده “كائن ينبض بالحياة”، ومرآة تتجلى فيها عظمة الإعجاز البياني للقرآن الكريم.
سامراء.. النبع الأول
في سامراء شمالي بغداد، وُلد فاضل صالح مهدي البدري عام 1933، في مدينة عريقة ظلت عاصمة للدولة العباسية لنحو ستة عقود، وما زالت تحتفظ بجانب كبير من آثار بني العباس وقصورهم ومبانيهم في العراق.
وبعد أفول تلك الحقبة الإمبراطورية، فقدت المدينة كثيرًا من أهميتها السياسية وتراجع عدد سكانها، فيما ظلت مجالس العلم قائمة، وحلقاته في المساجد والمدارس الدينية عامرة بالشعر والحديث والتفسير والأدب، وهي البيئة التي أسهمت في تشكيل الملامح الأولى لشخصية السامرائي.
وكانت الكتاتيب والمساجد في سامراء الحواضن الأولى لموهبته، واتسم منذ صباه بالهدوء والإنصات العميق، كما يصفه من عرفوه، وهي سمة رافقته طوال مسيرته، وجعلت منه مستمعًا جيدًا للغة قبل أن يكون متحدثًا بها.
انتقل السامرائي بعد ذلك إلى بغداد، لتبدأ رحلته الأكاديمية المنظمة، فالتحق بدار المعلمين العالية، التي أصبحت لاحقًا كلية التربية في جامعة بغداد، وكانت آنذاك تضم نخبة من علماء العراق وأدبائه، وتخرج فيها عام 1953 حاملًا درجة البكالوريوس في اللغة العربية.
واصل دراسته العليا في جامعة بغداد، فنال درجة الماجستير في اللغة العربية عام 1961، ثم انتقل إلى القاهرة، حيث حصل على الدكتوراه في النحو العربي من جامعة عين شمس عام 1968.
وخلال هذه المحطات، تتلمذ السامرائي على أيدي جيل من كبار علماء العراق ومصر، فجمع بين صرامة المنهج البغدادي في التحقيق والتدقيق، ورحابة المدرسة المصرية في التحليل والبيان.
عاد بعدها إلى بغداد أستاذًا في جامعتها، وتنقل بين عدد من كلياتها، ثم درّس في جامعات عربية، بينها جامعات في الكويت والإمارات، وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين. كما كان عضوًا في المجمع العلمي العراقي، قبل أن يُحال إلى التقاعد من العمل الجامعي عام 1998، بعد مسيرة قاربت أربعة عقود في التدريس، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى من عطائه الأكاديمي في جامعات دولة الإمارات.
النحو دليلا إلى الجمال
لفهم إرث الدكتور فاضل السامرائي، ينبغي الوقوف أولًا عند فلسفته في التعامل مع النحو العربي، فقد شاع لعقود بين الطلبة والمثقفين النظر إلى النحو كعلم جاف، مثقل بالخلافات الإعرابية المعقدة بين البصريين والكوفيين، تنحصر غايته في سلامة النطق وتجنب اللحن.
قدّم السامرائي رؤية تجعل النحو طريقًا إلى المعنى، وربطه بالبلاغة ربطًا وثيقًا، مقتفيًا أثر الإمام عبد القاهر الجرجاني في نظرية “النظم” الشهيرة، التي تنظر إلى قيمة اللفظ من خلال موقعه وعلاقته بما حوله.
وفي رؤيته، يحمل التقديم والتأخير في الجملة دلالات مقصودة، كما يكشف اختيار حرف دون آخر عن فروق دقيقة في المعنى. وينطبق الأمر نفسه على الذكر والحذف والتعريف والتنكير، التي تعامل معها كأدوات بيانية تكشف دقائق التعبير القرآني وتفاوت الدلالات بين تراكيبه.
هذا المنهج جعل دروس السامرائي ومؤلفاته أكثر قربًا من القارئ والمستمع، إذ قدّم الظواهر النحوية من زاوية جمالية تجمع بين الإقناع العقلي والتذوق اللغوي.
ونجح برنامجه “لمسات بيانية” في إحداث ما يمكن تسميته بـ”مصالحة جماهيرية” بين العربي ولغته الفصحى، فتحول النحو من علم ارتبط في الأذهان بالتعقيد إلى حديث مشوق ينتظره الجمهور بشغف، إذ كان السامرائي يبسط أعقد المسائل البيانية بأسلوب سلس يحفظ للعلم رصانته، ويجعلها مفهومة للمتخصص والعامي على السواء.
السامرائي بين البصريين والكوفيين
في العراق، حيث نشأت مدارس النحو الكبرى في البصرة والكوفة ثم بغداد، استند السامرائي إلى أصول النحو وقواعد القياس والتعليل التي عُرفت بها المدرسة البصرية، ومنح القاعدة المنضبطة وزنًا مهمًا في تفسير الظواهر اللغوية.
وفي مسائل الخلاف، كان يأخذ أحيانًا بآراء الكوفيين حين يجد فيها سعةً في الدلالة أو قدرةً أكبر على استيعاب الشواهد الشعرية التي ضيّق البصريون دائرة الاحتجاج بها، مستفيدًا من مرونة المدرسة الكوفية واتساع مادتها المروية.
ومن هنا، يمكن تصنيف منهجه ضمن الاتجاه “الانتخابي” أو “الاختياري”، الذي ينتقي من المدارس النحوية ما يراه أقرب إلى الدلالة والشاهد، وهو ما يجعله قريبًا في منهجه من “المدرسة البغدادية”، التي ازدهرت خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين وقامت على الإفادة من المدرستين البصرية والكوفية مع مساحة للاجتهاد المستقل.
وقد قامت هذه المدرسة على الانتخاب والمزج بين مناهج النحاة، فأخذ علماؤها، مثل ابن كيسان وابن جني وأبي القاسم الزجاجي وأبي البركات الأنباري وسعيد بن الدهان، من أصول المدرسة البصرية القائمة على القياس والتعليل، واستفادوا من سعة الرواية والمرونة لدى الكوفيين، وأضافوا إلى ذلك اجتهاداتهم وآراءهم الخاصة.
وتميز هذا الاتجاه بعنايته بالتعليل والفلسفة اللغوية، وبرز ذلك بوضوح عند ابن جني في كتابه “الخصائص”، حيث يتجاوز البحث حدود الإعراب إلى أسرار الدلالة وحكمة الاستعمال اللغوي، وهي مساحة تلتقي مع جانب أساسي من مشروع السامرائي، الذي يبحث في العلة الكامنة وراء اختيار اللفظ والتقديم والتأخير، ويجعل النحو مدخلًا إلى تذوق البيان وفهم المعنى.
ومن هذه الزاوية، يبدو منهج السامرائي قريبًا من روح المدرسة البغدادية، بما تقوم عليه من انتقاء واجتهاد وعناية بالدلالة، أكثر من ارتباطه الحرفي بمذهب نحوي واحد.
منهجه التفسيري والسهل الممتنع
يتجاوز مشروع الدكتور فاضل السامرائي الشرح اللغوي إلى سبر دقائق النظم القرآني، حيث ينظر إلى اللفظة باعتبارها “لبنة في جدار” يتحدد معناها ووظيفتها من خلال موضعها وعلاقتها بما يحيط بها، ويعتمد في ذلك على منهج استقرائي يقوم على الموازنة بين المواضع القرآنية المختلفة، وتتبع الكلمة والصيغة للكشف عن الفروق الدقيقة بين تعبيرات تبدو متقاربة في ظاهرها.
وبهذه الطريقة، جمع السامرائي بين دقة الدرس النحوي القديم والذائقة الأدبية الحديثة، ومنح القاعدة النحوية بعدًا دلاليًا يتجاوز حدود الإعراب، فأصبحت الحركة والصيغة وترتيب الكلمات مفاتيح لفهم الفروق البيانية داخل النص القرآني.
ويقوم جانب مهم من منهجه على ما يسميه “اللمسة البيانية”، أي البحث في سبب اختيار لفظ دون آخر، أو تقديم كلمة وتأخير أخرى، أو اختلاف صيغة التعبير بين موضع وآخر، ومن خلال هذه الموازنات، يكشف عن دقة البناء القرآني وترابط عناصره، ويرى أن لكل اختيار لغوي أثره الخاص في المعنى.
ويمتاز أسلوبه بالسهولة والتحليل الهادئ، إذ يقود القارئ عبر مقارنات دقيقة بين الآيات المتشابهة في سور مختلفة، مستندًا إلى شواهد من لغة العرب وإلى حس لغوي مرهف، ليكشف الفروق التي قد تمر على القارئ لأول وهلة، ويقدم القرآن باعتباره بناءً لغويًا محكمًا تتآزر ألفاظه وتراكيبه في صناعة المعنى.
الثروة المكتوبة وأبرز المؤلفات
أثرى الدكتور السامرائي المكتبة العربية بعشرات المؤلفات في النحو والدراسات القرآنية، وتميزت كتبه بالعمق والدقة والاستقصاء، ومن أبرزها كتاب “معاني النحو” في أربعة أجزاء، وهو من أوسع مؤلفاته وأشهرها، إذ يعيد قراءة أبواب النحو ومسائله من زاوية تربط القاعدة بالمعنى والدلالة.
وفي كتابه “التعبير القرآني”، يتتبع السامرائي دقة اختيار المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، ويبحث في أسباب اختلاف الصيغ بين موضع وآخر، مثل الإفراد والجمع، واختيار لفظ دون مرادفه، وما يحمله كل اختيار من فروق دلالية وبيانية.
أما كتابه “الجملة العربية والمعنى”، فيتناول بنية الجملة العربية والعلاقات التي تربط عناصرها، ويبحث في كيفية تشكل المعنى من خلال ترتيب الكلمات ووظائفها وتفاعل مكوناتها النحوية.
وفي مؤلفه “لمسات بيانية في نصوص من التنزيل”، يقدم تطبيقات على منهجه في الموازنة بين الآيات والتراكيب، ويكشف من خلالها الفروق الدقيقة في التعبير القرآني.
تراث إنساني وأخلاقي
ارتبط النتاج العلمي للسامرائي بشخصية هادئة عُرفت بالتواضع والابتعاد عن أضواء الشهرة، ويصفه من عرفوه عن قرب أستاذًا رفيقًا بطلابه، قليل الانشغال بالخصومات والمناكفات، كرّس جانبًا كبيرًا من حياته للدرس والبحث والتعليم.
وأسهم هذا الوقار، مقرونًا بطريقة عرضه السهلة والعميقة، في منحه حضورًا واسعًا لدى الجمهور، فتحول من أستاذ جامعي متخصص إلى اسم ثقافي معروف في العالم العربي، وواحد من أبرز الوجوه العراقية التي ارتبطت في الذاكرة المعاصرة باللغة العربية والبيان القرآني.
وعلى امتداد مسيرته، ظل فاضل السامرائي وفيًا للفكرة التي قامت عليها تجربته، أن النحو مفتاح للمعنى، وأن دقائق العربية تحمل وراءها طبقات من الدلالة والجمال. ومن قاعات الجامعات إلى شاشة “لمسات بيانية”، قرّب هذا العالم العراقي علوم اللغة من جمهور واسع، وترك وراءه كتبًا ودروسًا ستظل شاهدة على مشروع جعل من السؤال عن الحرف والكلمة والحركة طريقًا إلى اكتشاف جمال العربية.