• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“صولة الفجر” في العراق تُسقط وسطاء الفساد.. ماذا عن الرؤوس الكبيرة؟

فريق التحرير٤ يوليو ٢٠٢٦

بعض المعتقلين خلال الحملة الأمنية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. (اكس)

بشكل مفاجئ وغير متوقع؛ انطلقت عملية “صولة الفجر” في الساعات الأولى من يوم الأحد 28 حزيران/يونيو المنصرم، لإلقاء القبض على عشرات المتهمين بالفساد، محدثةً صدمة في الأوساط السياسية وحراكًا في الرأي العام العراقي، الذي سئم المطالبة بمحاربة الفساد ومحاسبة العابثين بالمال العام منذ أكثر من عقدين.

وجاءت هذه العملية عقب اعتقال وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، وضبط مبالغ مالية ضخمة بحوزته؛ الأمر الذي كشف عن شبكات فساد أوسع نطاقًا، وقاد إلى تحقيقات موسعة توجت بإطلاق هذه الحملة والقبض على سياسيين بارزين.

وبلغت حصيلة المعتقلين الذين أطاحت بهم القوات الأمنية العراقية نحو 47 شخصًا، بينهم نواب حاليون وسابقون، ومسؤولون في عدة وزارات ومستشارون، وتزامنت مع هذه الحملة حركة أخرى لاعتقال موظفين حكوميين متهمين بالفساد المالي والإداري في عدد من المحافظات.

ولاقت العملية ترحيبًا كبيرًا في الشارع العراقي، لا سيما وأنها تأتي عقب أسابيع قليلة من تسلم رئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي زمام السلطة التنفيذية، والذي كان قد أعلن في خطابه الأول أنه لن يتهاون مع الفساد والمفسدين.

وفي بلد يصنف منذ أكثر من عقدين ضمن القوائم الدولية للدول الأكثر فتكًا بالمال العام؛ أثارت هذه الحملة جملة من التساؤلات المشروعة في الأوساط الشعبية والسياسية، لعل من أبرزها: هل تمثل هذه التوقيفات بداية حقيقية لاقتلاع جذور الفساد المنظم، أم أنها مجرد تضحية بـ”بيادق” من المستويات الصغيرة والمتوسطة لحماية الرؤوس الكبيرة؟ وما هي الأبعاد الإقليمية والدولية، وخلفيات الصراع الاقتصادي المرتبط بالفصائل المسلحة الذي يغذي كواليس هذه الحملة؟

طبيعة القائمة.. بيادق أم حيتان؟

عند تفكيك قائمة المعتقلين في “صولة الفجر”؛ يظهر بوضوح أن الغالبية العظمى من الموقوفين ينتمون إلى طبقة المدراء العامين، ورؤساء الهيئات الخدمية، والمقاولين التنفيذيين، وبعض المستشارين، ممن يصنفون في العرف السياسي بوصفهم “حلقات وسيطة”.

ورغم هذا؛ فإن وصف هؤلاء بـ”البيادق” قد يكون تبسيطًا مخلًا؛ فهم ليسوا مجرد أدوات غير واعية، بل هم المهندسون التنفيذيون لعمليات الفساد، والذين يمتلكون الصلاحيات الإدارية ويوقعون العقود، ويصممون المناقصات والمشاريع الوهمية. ومع ذلك، فهم في نهاية المطاف لا يتحركون إلا بغطاء سياسي وحزبي، وتكمن وظيفتهم الأساسية في تحويل السيولة المالية من ميزانيات الوزارات والمحافظات إلى الماكينات الحزبية والفصائلية، مع الاحتفاظ بهامش ربح شخصي.

وفي هذا السياق؛ يؤكد الكاتب والباحث السياسي يحيى الكبيسي أن الفساد في العراق ليس سلوكًا فرديًا، بل هو فساد بنيوي ومكون جوهري في النظام السياسي والدولة معًا، مشيرًا إلى أن الجميع دون استثناء شركاء فيه.

ويلفت الكبيسي إلى أن مكمن الخطورة في هذا النوع من الفساد يكمن في كونه يحظى بدعم مجتمعي، معتبرًا أن ما جرى في صولة الفجر “كان مجرد اعتقال لأفراد، وليس ضربًا لبنية الفساد نفسها”.

لذا؛ يعتقد مراقبون أن التضحية بهذه الأسماء في الحملات الإعلامية تخدم عدة أهداف للمنظومة العميقة؛ أولها امتصاص الغضب الشعبي، وثانيها إعطاء انطباع بوجود حركة إصلاحية جادة، فضلًا عن قطع الطريق أمام التحقيقات القضائية ومنع وصولها إلى القادة السياسيين والوزراء الحاليين والسابقين؛ الذين يمثلون المرجعية الحقيقية لهؤلاء المتهمين.

طبيعة العلاقة.. شبكات الرعاية والولاء

ووفقًا للعرف الحزبي السائد في العراق؛ فإن العلاقة بين المعتقلين والمسؤولين الأرفع منهم لا تدار بمنطق الوظيفة العامة، بل عبر ما يمكن تسميته بـ”شبكات الرعاية والزبائنية”؛ فالمدير العام أو المستشار لا يعين في منصبه بناء على الكفاءة، وإنما يجري ترشيحه -وشراء منصبه أحيانًا- عبر بورصة غير معلنة تابعة للمكاتب الاقتصادية للأحزاب.

وبموجب هذا العقد غير المكتوب؛ يلتزم المسؤول التنفيذي بتقديم الولاء المطلق للجهة السياسية التي رشحته، وتمرير العقود والمشاريع للشركات التابعة لها، وتسهيل عمليات تهريب الأموال أو غسلها.

في المقابل؛ يلتزم المسؤول الرفيع؛ سواء كان وزيرًا أو رئيس حزب أو زعيم فصيل؛ بتوفير الحصانة السياسية والأمنية للمسؤول التنفيذي، وحمايته من ملاحقة هيئة النزاهة أو القضاء الإداري.

وعندما تسقط هذه الحصانة عن مسؤول ما ويتم اعتقاله؛ يكون ذلك في الغالب مؤشرًا على رفع الغطاء السياسي عنه نتيجة صراع داخلي، أو لانتهاء صلاحيته في معادلة التوازنات القائمة.

لذلك يعتقد محللون أن الذين جرى اعتقالهم قد تخلت عنهم الجهات الراعية، وضحّت بهم ضمن حملة لتبييض وجه الحكومة الحالية، التي تواجه ضغوطًا هائلة من الداخل والخارج.

ولا يبدي النائب السابق كاظم الصيادي تفاؤلا كبيرا بالعملية، مشترطًا لمصداقيتها أن يواصل الزيدي ملاحقة واعتقال جميع الرؤوس المتهمة بالفساد، ليعزز جديته في حماية المال العام.

وينوه الصيادي إلى أن جميع التجارب السابقة التي أعلنت فيها الحكومات المتعاقبة القبض على فاسدين انتهت بالفشل، بل إن “لجنة أبو رغيف” التي شكلها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي أدت لاحقًا لملاحقة القائمين عليها ومقاضاتهم وتشويه صورتهم، مستنتجًا أن “نجاح الحملة مرهون بالتخلص من الطاولات الحزبية ومن يقف وراءها، لأن الارتهان لها سيجعل رئيس الوزراء أسيرًا لإرادتها”.

“الفساد الانتقائي” والغائبون عن الملاحقة

يكشف التدقيق في مسار حملة “صولة الفجر” عن ملامح ما يمكن تسميته بالانتقائية أو الملاحقات الموجهة؛ حيث جرى تجاهل رؤوس فساد كبار معروفين في الأوساط السياسية العراقية، والاكتفاء بالقبض على وكلائهم المتوسطين والصغار.

ومن أبرز الفئات والجهات التي جرى تحييدها عن هذه الحملة: زعماء الخط الأول للأحزاب الكبيرة الذين يديرون المكاتب الاقتصادية بشكل مباشر أو عبر أقاربهم، بالإضافة إلى الوزراء والمسؤولين المحميين بـ”فيتو” فصائلي مسلح، إذ تتجنب الأجهزة الرقابية الاصطدام بأي شخصية قد يؤدي اعتقالها إلى تفجير مواجهة مسلحة، أو إحداث خلل بالتوازن الاستراتيجي داخل الإطار التنسيقي الحاكم.

كما لم تشمل الملاحقات “الحيتان” المرتبطة بملفات سيادية حساسة؛ مثل قطاعات عقود النفط والغاز، وتهريب المشتقات النفطية، ومزاد العملة في بعض المصارف الأهلية المحمية سياسيًا.

وفضلًا عن ذلك؛ يلاحظ أن معظم المعتقلين ينتمون إلى المكون السني، أو محسوبون على كتلة “الإعمار والتنمية” التي يقودها رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وهو ما قد يضفي بعدًا “مذهبيًا” أو سياسيًا على هذه الحملة.

وبناء على ما تقدم؛ يرى كثيرون أن هذه الحملة محكومة بسقوف سياسية لا يمكن تجاوزها، وأن القانون يطبق بصرامة فقط على من فقدوا ظهيرهم السياسي، أو من تضاربت مصالحهم مع مراكز النفوذ الجديدة.

سياق الحملة وأبعادها.. ما وراء الرغبة الحكومية

لا يمكن قراءة “صولة الفجر” كخطوة نابعة من إرادة حكومية مجردة لمكافحة الفساد، بل هي نتاج تقاطع تعقيدات محلية ودولية فرضت هذا المسار، وتعكس في الواقع صراعًا على النفوذ، ورغبة في إعادة ترتيب البيت السياسي الحاكم بالمقام الأول.

وتأتي الحملة –بحسب محللين سياسيين- في سياق محاولات رئيس الحكومة إثبات قوته وسيطرته الإدارية، وإرسال رسائل لخصومه وحلفائه على حد سواء بأنه يمتلك أدوات الردع، فضلًا عن السعي لتحسين المؤشرات الدولية للعراق لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتخفيف الاحتقان الشعبي المتراكم بسبب سوء الخدمات والبطالة.

من جانب آخر، تمثل الضغوط الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية والبنك الفيدرالي مفتاحًا أساسيًا لتفسير توقيت وحجم هذه الحملة؛ فقد فرضت واشنطن قيودًا مشددة على حركة الدولار في العراق عبر تتبع النظام المصرفي من خلال المنصة الإلكترونية، وعمدت إلى معاقبة وعزل عشرات المصارف العراقية بتهم غسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة.

هذه الضغوط المالية الخانقة وضعت الحكومة العراقية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التحرك الجاد لضبط شبكات الفساد المالي وملاحقة الواجهات التنفيذية، أو مواجهة انهيار اقتصادي وشيك.

الفصائل المسلحة والإفلات من العقاب

تبدو العلاقة بين شبكات الفساد الإداري والفصائل المسلحة عضوية وتكاملية؛ حيث تحول السلاح من أداة لفرض النفوذ السياسي والعسكري إلى وسيلة للهيمنة الاقتصادية المطلقة.

وقد تطورت الكيانات المسلحة في العراق من مجموعات صغيرة تعتمد على التمويل الخارجي قبل عقدين، إلى إمبراطوريات مالية ضخمة مستقلة ذاتيًا؛ بعدما أنشأ كل فصيل مسلح “مكتبًا اقتصاديًا” يتدخل في شؤون الوزارات والمحافظات، بحيث لا يمكن لأي مقاول أو مستثمر الحصول على مشروع دون دفع “إتاوة” أو نسبة تتراوح بين 10-30% للمكتب الاقتصادي المهيمن.

كما تدار أجزاء واسعة من التبادل التجاري عبر منافذ غير رسمية أو منافذ خاضعة لسلطة سلاح الفصائل، حيث يجري تزوير وصولات الجمارك والتهرب الضريبي، مما يدر ملايين الدولارات يوميًا لصالح هذه الفصائل، وفقا لتقارير محلية ودولية.

وتحولت هذه الأموال المنهوبة إلى أصول عقارية ضخمة، خصوصًا في المناطق الراقية بالعاصمة بغداد لغسيل الأموال، ناهيك عن الاستثمار في قطاعات الفنادق، والمطاعم، والمجمعات السكنية.

ولم تستهدف حملة “صولة الفجر” أيا من قادة هذه الفصائل وممثليها، باستثناء النائب المقرب من كتائب حزب الله حسين مؤنس، الذي فرّ هاربًا قبل إلقاء القبض عليه، وسط تأكيدات من أطراف سياسية بأن جهات حكومية سربت له الأنباء مسبقًا لاتخاذ الاحتياطات اللازمة.

خطوات غير مكتملة وتداخلات سياسية

يرى أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية علي بشار أغوان؛ أن ما حدث ليس انقلابًا بالمعنى الشائع، لافتًا إلى أن العملية ركزت على قضايا محددة ولم تفتح كل الملفات الشائكة.

لكنه بالرغم من ذلك؛ يصف الخطوة بالشجاعة والمهمة، ويعتقد أن الزيدي نفذها ببراعة بعد أن هندستها وخططت لها دوائر القضاء والنزاهة وأكملت أركانها القانونية، داعيًا رئيس الوزراء إلى المزيد من هذه الخطوات، لتعزيز نفاذ القانون وقوة مؤسسات الدولة.

ومع أن العملية ما تزال في بداياتها؛ فقد شهدت فرار بعض المطلوبين –إلى جانب مؤنس- كالنائب عن كتلة الإعمار والتنمية علاء سكر الدلفي، والإفراج عن آخرين؛ مثل النائب السابق والقيادي في كتلة الإعمار والتنمية محمد الصيهود بحجة تردي وضعه الصحي؛ وهو ما يبعث إشارات مقلقة حول وجود أجندات وتأثيرات سياسية تتحكم في مسارها القضائي.

خلاصة القول؛ قد تنجح “صولة الفجر” في تجميد بعض مسارات الفساد الصغير والمتوسط، وتسهم في ضبط مؤقت لحركة الأموال تلبية للمتطلبات الدولية، لكنها في ظل غياب الجرأة على استهداف الرؤوس الكبيرة وتفكيك “المكاتب الاقتصادية” للأحزاب والفصائل؛ ستبقى عاجزة عن تحقيق إصلاح بنيوي حقيقي.

ولأن الفساد في العراق ليس سلوكًا فرديًا منحرفًا لمدير عام أو مقاول، بل هو نظام حكم بديل واقتصاد مواز يحمي نفسه بالسلاح والنفوذ؛ فإن أي حملة لا تطال الجذور لن تعدو كونها عملية إعادة ترتيب لموازين القوى داخل المنظومة ذاتها؛ كما يؤكد كثير من المراقبين للشأن السياسي العراقي.

علاماتالحكومة العراقية ، السياسة العراقية ، الشأن العراقي ، الفساد في العراق ، مكافحة الفساد في العراق
مواضيعأمن العراق ، الحراك العراقي ، الشأن العراقي ، الفساد

قد يعجبك ايضا

آراء

إعادة تأسيس العلاقة السورية-اللبنانية.. احترام السيادة ومنطق التوازن الأمني

محمد السكري٤ يوليو ٢٠٢٦
آراء

جدارية الخراب العراقي: كيف تحول الفساد إلى دولة؟

إياد الدليمي٢ يوليو ٢٠٢٦
آراء

قمة حلف الناتو 2026.. لماذا تبدو نسخة أنقرة مختلفة؟

زيد اسليم٢٩ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑