• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

“الخليل مختبر السيطرة الذي تعممه إسرائيل في الضفة”.. حوار مع عيسى عمرو

سندس بعيرات٣ يوليو ٢٠٢٦

تختزل الخليل اليوم واحدة من أكثر صور السيطرة الإسرائيلية كثافة في الضفة الغربية، خصوصاً في محيط الحرم الإبراهيمي، حيث لم تعد المدينة تُدار كفضاء حضري طبيعي، بل كمنطقة يعاد تشكيلها بالحواجز والإغلاقات والتغييرات العمرانية والقيود اليومية. في هذا الحيز الضيق، تتداخل القداسة الدينية مع الحسابات الأمنية ومشاريع الضم، لتتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى جزء من هندسة أوسع تستهدف المكان ومعناه والوجود الفلسطيني فيه.

منذ عام 1994، ومع التحولات المتراكمة التي طالت الحرم الإبراهيمي ومحيطه، ثم توسيع منظومة الحواجز، وتقييد الحركة، وإعادة توزيع المجال العام، وصولًا إلى التغييرات العمرانية والمعمارية داخل البلدة القديمة، تشكّلت في الخليل بنية سيطرة مركّبة. بنية تمتد من الأمن إلى الاقتصاد والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والرمزية الدينية للمكان.

ينطلق هذا الحوار، الذي أجراه “نون بوست” مع المهندس عيسى عمرو، مؤسس حركة “شباب ضد الاستيطان”، والناشط الحقوقي والشبابي، ومرشح جائزة نوبل للسلام، من تفكيك هذه البنية العميقة؛ من السيطرة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي، إلى منظومة الحواجز، وإعادة تشكيل البلدة القديمة، وصولا إلى سؤال أوسع حول طبيعة التحول الجاري في الضفة الغربية، وما إذا كانت الخليل تمثل نموذجاً مكثفاً لمستقبل يُعاد إنتاجه في أماكن أخرى.

ما دلالة منع رفع الأذان بشكل متكرر في الحرم الإبراهيمي؟ وهل يمكن قراءته كجزء من معركة على السيادة الرمزية والدينية؟ 

منذ عام 1994، يعمل الاحتلال بشكل منهجي على طمس الهوية الفلسطينية والإسلامية للحرم الإبراهيمي، في إطار مشروع يهدف إلى تحويله تدريجياً إلى كنيس يهودي. هذا المسار لا يقتصر على إجراءات داخل الحرم فقط، بل يمتد إلى خارجه أيضاً، عبر سلسلة من السياسات التي تهدف إلى تقليص أعداد المسلمين الوافدين إليه، مقابل زيادة أعداد الزائرين اليهود من خلال توفير حافلات مجانية من مختلف مناطق إسرائيل، إلى جانب حملات دعائية واسعة، وتنظيم فعاليات واحتفالات وأنشطة متواصلة داخل المكان.

في المقابل، تُفرض على المسلمين قيود و صعوبات متزايدة تعيق وصولهم إلى الحرم، في محاولة لإضعاف حضورهم فيه. إذ يشكل الأذان أحد أبرز معالم الحرم الإبراهيمي وهويته الإسلامية والعربية والفلسطينية ولذلك لا يريد الاحتلال أن يُسمع الأذان في محيط الحرم أو أن يخرج صوته من هذا المكان.

منع الأذان ليس إجراءً جديداً أو استثنائياً، بل هو سياسة متكررة، إذ يعمد الاحتلال إلى منعه في الأعياد اليهودية، وفي مناسبات مختلفة كلما سنحت له الفرصة. لكن الإشكالية الأعمق تكمن في أن غرفة الأذان تقع في الجزء الذي يسيطر عليه المستوطنون بشكل متواصل، ما يعني أن المؤذن يحتاج إلى الوصول إلى تلك الغرفة لأداء مهمته.

وخلال السنوات الماضية، تعرض المؤذن لسلسلة من الانتهاكات، من احتجازه على الحواجز ومنعه من الوصول، إلى الاعتداء عليه من قبل المستوطنين أثناء الأذان، وصولاً إلى الامتناع عن صيانة مكبرات الصوت، في محاولة واضحة لإضعاف حضور الأذان وتقويضه.

أما التطور الأخطر والجديد نسبياً، فهو ما يجري منذ أحد عشر يوماً، حيث يعمل الاحتلال على تغيير المعالم الدينية للحرم الإبراهيمي بشكل كامل، وهي نقطة بالغة الخطورة. إذ يجري إزالة السقف القديم للحرم واستبداله بسقف جديد، فيما تقع غرفة الأذان ضمن المنطقة التي تُنفذ فيها هذه الأعمال، ما أدى إلى منع المؤذن من الوصول إليها بحجة الأعمال الجارية. وهذا يكشف أن ما يجري لا يتعلق فقط بإجراءات أمنية أو تقنية، بل يدخل في سياق أوسع لإعادة تشكيل المكان دينياً ورمزياً بما يخدم مشروع السيطرة عليه.

بعد عقود من الإغلاق والتقسيم والحواجز، هل ما يجري في الخليل ما زال يُفهم كإدارة أمنية، أم أننا أمام شكل متقدم من الضم الفعلي؟

في الحقيقة، بدأت سياسات الإغلاق والمصادرة داخل الحرم الإبراهيمي ومحيطه عقب مجزرة باروخ غولدشتاين عام 1994. والمفارقة أن التيار الذي خرج منه هذا المتطرف، والذي ظلّ لسنوات على هامش السياسة الإسرائيلية، بات اليوم حاضراً داخل الحكومة نفسها، ويدفع، عبر أدوات معلنة وأخرى غير معلنة، وبإيقاع سريع أحياناً وبطيء أحياناً أخرى، نحو تهويد الموقع وتغيير هويته بصورة متواصلة.

في عام 2010، أعلن بنيامين نتنياهو أن الحرم الإبراهيمي يُعد أحد أهم المواقع الدينية اليهودية في العالم ومنذ ذلك الوقت تسارعت خطوات تغيير معالمه. بدأت هذه التغييرات من الخارج عبر إضافة بوابات جديدة، وحواجز ومصعد كهربائي، وإقامة حمامات خارجية، إلى جانب تغيير الساحات الخارجية بشكل كامل وتهويدها.

اليوم نحن نتحدث عن سيطرة إسرائيلية كاملة على ما يقارب 70% من الحرم الإبراهيمي، بما يشمل الساحات الخارجية والداخلية، وهذا يعكس حجم التحول الذي جرى خلال السنوات الماضية.

لكن التحول الأخطر بدأ يتضح بشكل أكثر علنية منذ نهاية عام 2022، مع وصول الحكومة الحالية. فالمسؤول المباشر عن الحرم عادة هو ضابط من حرس الحدود، وحرس الحدود يتبع مباشرة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، المعروف بتوجهاته المتطرفة وارتباطه بخطاب حركة كاخ، وبشخصيات من هذا التيار مثل باروخ غولدشتاين، إضافة إلى علاقاته السياسية مع المستوطنين في الخليل. 

منذ ذلك الحين، بات واضحاً أن الحرم الإبراهيمي لم يعد يُدار وفق منطق عسكري فقط، بل وفق منطق سيادة مدنية إسرائيلية. وقد ظهر ذلك بوضوح منذ فترة كورونا، حين كانت السلطات الإسرائيلية تطبق قوانينها المدنية داخل الحرم، فتفرض أعداداً محددة على المصلين المسلمين، بما يعكس إدماج المكان ضمن المنظومة القانونية الإسرائيلية.

ومن أبرز المؤشرات على هذا الضم، أن حراس الحرم الإبراهيمي أنفسهم باتوا يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي، حيث يتم إبعادهم عن الحرم لأسبوع أو أسبوعين بقرارات مدنية، كما يحدث في المسجد الأقصى، من دون أوامر عسكرية. وهذا تطور بالغ الخطورة، لأنه يعني نقل إدارة المكان من المنظومة العسكرية المؤقتة إلى منظومة قانونية مدنية دائمة.

إلى جانب ذلك، تم تعيين مدير مستوطن للحرم من مستوطنة كريات أربع، إضافة إلى لجان ومهندسين يشرفون على المكان، في خطوة تؤكد تكريس السيطرة الإسرائيلية المباشرة عليه.

أما على مستوى المدينة ككل، فالصورة لا تختلف كثيراً. يمكن القول إن الخليل، عملياً، تتعرض لضم متدرج وواضح، خاصة بعد تصريحات وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش ويسرائيل كاتس حول إنهاء العمل باتفاقية الخليل، ومنع بلدية الخليل من ممارسة دورها في الترميم، والتخطيط، ومنح التراخيص، وحتى تقديم الخدمات في المناطق التي تُعد أصلًا جزءاً من الاتفاقية.

كل ذلك يؤكد أننا لم نعد أمام إدارة أمنية مؤقتة، بل أمام مشروع ضم فعلي ومتدرج، يعيد تشكيل المكان والسيادة فيه على الأرض.

إذا كان الضم عادة يُفهم كقرار سياسي معلن، فكيف يُمارس في الخليل دون إعلان رسمي عبر إجراءات يومية وسياسات إدارية؟

تم الإعلان مؤخراً عن إلغاء اتفاقية الخليل، إلى جانب الحديث عن مشاريع بناء جديدة في قلب المدينة، ومنح التراخيص من جهات إسرائيلية وليس من بلدية الخليل. وهذا بحد ذاته يعكس تحولاً جوهرياً في منطق الإدارة، بحيث تصبح السيطرة الإدارية والتخطيطية بيد الاحتلال بشكل مباشر، وليس ضمن الأطر الفلسطينية.

وقد جرى التأكيد سياسياً على هذا المسار من خلال تصريحات لوزراء مثل بتسلئيل سموتريتش ووزراء آخرين في الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى قرارات الكابينت خلال الأشهر الأخيرة التي تشير إلى إنهاء العمل باتفاقية الخليل. كما أن ما يحدث على الأرض، من توسع استيطاني داخل مناطق H1 وتغيير في محيط الحرم الإبراهيمي، يعكس أن الواقع تجاوز إطار الاتفاقيات القديمة، نحو فرض سيطرة إسرائيلية أوسع وأكثر وضوحاً على المدينة ومحيطها. ما يجري هو ضم فعلي واضح ومعلن للحرم الإبراهيمي والمنطقة المحيطة به.

كيف تحولت الحواجز من أدوات عسكرية إلى منظومة حكم تعيد تشكيل حياة الفلسطينيين ووجودهم في البلدة القديمة؟ 

في البداية، يمكن القول إن الحواجز في الضفة الغربية ليست موجودة لأسباب أمنية كما يُطرح رسمياً، بل تُستخدم لأسباب سياسية مرتبطة بالسيطرة على حياة المواطنين الفلسطينيين وتقييدها. فالحاجز لا يعمل كنقطة تنظيم مرور، بل كأداة احتلالية قائمة على القوة، تُستخدم لفرض السيطرة، وإرباك الحياة اليومية، وإذلال السكان، وقطع التواصل بين المناطق الفلسطينية.

هذا النمط يتكرر في جميع أنحاء الضفة الغربية، لكنه يظهر بشكل أوضح وأكثر كثافة في الخليل، نظراً لكثرة الحواجز فيها. فبحسب إحصائيات الأمم المتحدة، يوجد في عام 2025 نحو 34 حاجزاً في الكيلومتر المربع داخل المدينة، إضافة إلى أكثر من 100 عائق حركي داخل منطقة H2، وهو رقم كبير جداً بالنسبة لمساحة صغيرة نسبياً.

وظيفة هذه الحواجز لا تقتصر على تقييد الحركة، بل تمتد إلى فصل المناطق اجتماعياً وسياسياً وجغرافياً، ومنع وصول الفلسطينيين إلى مقدساتهم، وعلى رأسها الحرم الإبراهيمي، بما يساهم في فرض واقع تدريجي من التهويد والسيطرة.

كما أنها تعمل كأدوات تخويف وترهيب وإذلال وإبعاد، إذ تُحدد بدقة من يُسمح له بالمرور. فالدخول عبر هذه الحواجز ليس مفتوحاً، بل مرتبط بالسكن داخل مناطق مغلقة محددة فقط. وبالتالي، حتى الأقارب أو الزملاء أو العاملون في مهن مختلفة لا يمكنهم العبور، وإلا يتعرضون للاعتقال أو الضرب أو العقاب عند محاولة المرور بطرق غير نظامية.

وبهذا المعنى، نحن لا نتحدث عن “ضم الأرض مع السكان”، بل عن ضم الأرض مع إبقاء السكان تحت قيود شديدة، وهو ما يمكن وصفه بـ”الضم دون ضم السكان”. وهذا الواقع انعكس بشكل مباشر على حياة الناس، وأدى إلى موجات نزوح جديدة خلال السنوات الأخيرة.

فعلى سبيل المثال، في حي البركة القريب من الحرم الإبراهيمي، كان عدد العائلات الفلسطينية قبل 7 أكتوبر حوالي 65 عائلة، بينما لم يتبقَّ اليوم سوى نحو 30 عائلة، نتيجة الضغط المستمر وتدهور ظروف الحياة بفعل هذه المنظومة.

هل يجري تفريغ البلدة القديمة من سكانها عبر سياسة استنزاف بطيء بدل التهجير المباشر؟

لا يتم الأمر عبر طرد مباشر من البيوت. فالخطاب الإسرائيلي الرسمي يتحدث عن “الهجرة الطوعية”، لكن في الواقع ما يجري في الخليل هو شكل من أشكال  الهجرة غير المباشرة و الممنهجة.

إذ لا يتم طرد الإنسان جسدياً من منزله، لكن يتم خلق ظروف تجعل البقاء فيه صعباً وغير قابل للحياة: صعوبة الوصول إلى المياه والخدمات الأساسية، غياب الشعور بالأمن، وانعدام الخصوصية، إلى جانب حالة مراقبة دائمة داخل البيت وخارجه، بما في ذلك وجود كاميرات وأجهزة رصد وحواجز قريبة.

هذا الواقع ينعكس أيضاً على الحياة الاجتماعية والأسرية، حيث يشعر السكان بأنهم تحت مراقبة مستمرة، مع حالات احتكاك وإهانات يومية عند الحواجز، وما يرافق ذلك من انتهاكات تمس الحياة الخاصة داخل العائلة.

وبهذا المعنى، لا يتم تنفيذ تهجير مباشر، بل تُنتَج بيئة طاردة للسكان، تجعل استمرار الحياة الطبيعية داخل هذه المناطق شبه مستحيل، وهو ما يدفع تدريجياً إلى مغادرتها.

وهذه السياسة، رغم وضوحها في الخليل، ليست محصورة فيها فقط، بل تُمارَس بأشكال مختلفة في مناطق متعددة من الضفة الغربية، بهدف خلق واقع ديمغرافي جديد عبر الضغط غير المباشر بدل الإخلاء القسري المباشر.

إذا كان هذا الواقع يعيد تشكيل الحياة على الأرض، فنحن بالفعل أمام انتقال من”إدارة السكان” إلى “إعادة تشكيل المكان”؟

طبعاً، ففي الواقع، يجري العمل على إعادة تشكيل المكان بشكل واضح، خاصة في محيط الحرم الإبراهيمي. فمثلاً، المنطقة الجنوبية من الحرم مغلقة بالكامل، ولا يُسمح بالدخول إليها عبر حاجز أبو الريش باتجاه الحرم.

وفي المقابل، يتم بناء مستوطنة جديدة في منطقة باب البلدية القديمة بمساحة تقارب 1000 متر مربع، وهو ما يؤدي إلى خنق المنطقة الشمالية من الحرم، بحيث تصبح أجزاء واسعة من محيطه (الشمالية والجنوبية والغربية وجزء من الشرقية) مغلقة أو محاصرة بشكل  كامل.

هذا يعني أن المكان يُعاد تشكيله فعلياً، ليس فقط عبر السيطرة الأمنية، بل أيضاً عبر مشاريع استيطانية وتغيير في البنية السكانية. فهناك مناطق كانت تضم نحو 1000 عائلة فلسطينية، وقد يتراجع هذا العدد بشكل كبير جداً مع استمرار هذا النمط من الضغط.

ولا يقتصر التغيير على البعد السكاني فقط، بل يمتد أيضاً إلى البعد الجمالي والتراثي، حيث يتم تغيير ملامح المكان بشكل تدريجي، بما في ذلك الألوان والمعالم.

ومن أخطر ما يجري اليوم أن السقف الجديد للحرم الإبراهيمي تم تشييده وفق تصميم يحمل رمزية نجمة داوود، بحيث يظهر سطح المسجد بهذه الهيئة. وهذا ليس مجرد تغيير هندسي أو ترميم عادي، بل تغيير حقيقي في المعالم والهوية البصرية للمكان، ويمثل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل رمزيته الدينية والتاريخية.

إذا كانت الخليل تمثل النموذج الأكثر اكتمالاً للسيطرة الإسرائيلية داخل الضفة الغربية، فهل يمكن تعميم هذا النموذج على مدن أخرى مستقبلاً؟

نموذج الخليل يمكن وصفه بـ “الميكروكوزم” أو “نموذج تجريبي” (pilot)، إذ يعمل الاحتلال على استخدامه لاختبار وتطبيق سياساته على الأرض. فالعديد من أدوات السيطرة، مثل أنظمة المراقبة والحواجز، تم تطويرها وتجريبها أولاً في الخليل قبل نقلها وتطبيقها في مناطق أخرى من الضفة الغربية، وكذلك في القدس، وربما مستقبلاً في الداخل الفلسطيني داخل المدن المختلطة.

هذا ما يمكن تسميته بعملية “تعميم النموذج”، أي نقل تجربة الخليل إلى ساحات جغرافية أخرى. وقد ظهر ذلك بالفعل في بعض الحالات، مثل حوارة، حيث تم تطبيق سياسات مشابهة من حيث إغلاق الحواجز، إغلاق المحلات التجارية، وتقسيم الحركة بين شوارع مخصصة للمستوطنين وأخرى للفلسطينيين، وهي نفس البنية التي طُبقت في الخليل.

وبهذا المعنى، فإن الخليل ليست حالة منفصلة، بل مختبر لتجريب السياسات التي يتم لاحقاً تعميمها على أماكن أخرى.

في ظل هذا الواقع، أين تقف أدوات المواجهة الفلسطينية قانونياً، شعبياً، ودولياً؟

نحن كفلسطينيين أيتام، لا يوجد لدينا قيادة حقيقية قادرة على مواجهة الاستيطان ومواجهة الاحتلال، والقيادة الموجودة حالياً لا تسمح حتى بتشكيل أي قيادة بديلة لها قادرة على مواجهة الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي. يمكن القول إن المشكلة الأساسية اليوم تكمن في البنية السياسية الفلسطينية نفسها، فغياب قيادة موحدة وقادرة على الفعل جعل القدرة على المواجهة محدودة، في ظل واقع لا يسمح بتشكيل بدائل سياسية حقيقية.

كما يعاني الجسم الفلسطيني من حالة ضعف عميقة، نتيجة تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية وتحولها إلى كيان غير قادر على مواكبة التحديات أو تعزيز الصمود، إضافة إلى استمرار الانقسام السياسي بين القوى والفصائل والمؤسسات الفلسطينية، وهو ما أضعف القدرة الجماعية على المواجهة.

هذا الضعف البنيوي أتاح للاحتلال مساحة أوسع للتحرك وتنفيذ سياساته دون كلفة حقيقية، رغم وجود أدوات قانونية ودولية كان يمكن تفعيلها بشكل أكبر، مثل المحكمة الجنائية الدولية، والأمم المتحدة، إلى جانب العمل الدبلوماسي والبرلماني والإعلامي على المستوى العالمي.

في المقابل، هناك أدوات داخلية مهمة تتمثل في تعزيز الصمود على الأرض، وتوثيق الانتهاكات، وتقوية الوجود الفلسطيني في المناطق المهددة، خصوصاً في الخليل وباقي مناطق الضفة الغربية.

لكن تبقى هناك إشكاليات أساسية داخل الواقع الفلسطيني نفسه، أبرزها الفجوات الإدارية والقانونية، مثل عدم تسجيل الأراضي في مناطق “ج”، وهو ما استغله الاحتلال لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والاستيلاء على مزيد من الصلاحيات.

كما أن هناك عوامل داخلية أخرى مرتبطة بسوء الإدارة، مثل المحسوبية والفساد وتوظيف غير الكفاءات إلى جانب عوامل سياسية أعمق، ما ساهم في إضعاف البنية الفلسطينية وقدرتها على المواجهة.

ورغم ذلك، يبقى هناك إيمان بأن توحيد الجهود، وإشراك الشباب والمهنيين في إدارة الملفات المختلفة يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً، لأن الطاقات موجودة داخل المجتمع الفلسطيني، لكنها بحاجة إلى بيئة سياسية وإدارية تسمح بتفعيلها بدل تعطيلها.

علاماتالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان الإسرائيلي ، الحرب على الضفة الغربية ، الحرم الإبراهيمي ، الضفة الغربية
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، الضفة الغربية ، حوارات نون بوست

قد يعجبك ايضا

سياسة

وفيات متتابعة لضباط سوريين.. هل تكفي رواية “النوبة القلبية”؟

حسام المحمود٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

غزة تتحول إلى قضية فاصلة لناخبي “جيل زد” في تمهيديات الديمقراطيين بنيويورك

ميدل إيست آي٢ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

إقصاء الأونروا من غزة.. مجلس ترامب يكشف عن وجهه الحقيقي

عماد عنان٢ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑