• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

مصر والسعودية في طهران.. دبلوماسية العزاء ورسائل ما بعد خامنئي

عماد عنان٤ يوليو ٢٠٢٦

لقطة من فيديو نشرته وكالة "إسنا" الإيرانية يوثق حضور وليد بن عبد الكريم الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، والوفد المرافق له في مصلى طهران للمشاركة في مراسم عزاء خامنئي.

فتح مستوى التمثيل العربي، ولا سيما المصري والسعودي، في مراسم تشييع جثمان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بابًا واسعًا أمام القراءات والتكهنات السياسية، خصوصًا في ظل حالة التوتر الإقليمي المحيطة بالعلاقات الإيرانية العربية على خلفية الحرب الدائرة حاليًا، وفي مقابل غياب معظم الدول العربية والخليجية عن هذا الحدث.

وقد شاركت مصر في المراسم بوفد ترأسه رئيس مجلس الشيوخ، المستشار عصام الدين فريد، فيما مثّلت السعودية بنائب وزير الخارجية وليد الخريجي، كما حضر رئيس مجلس الشورى القطري ورئيس البرلمان العُماني، إلى جانب عدد من القادة والمسؤولين الدوليين، من بينهم رؤساء العراق وطاجيكستان وجورجيا، ونائب الرئيس التركي، ورئيسا وزراء روسيا وأرمينيا، ونائب رئيس المؤتمر الشعبي الصيني.

ومن المقرر أن تمتد مراسم التشييع على مدار عدة أيام، ضمن برنامج يبدأ في طهران، ثم ينتقل إلى قم، وصولًا إلى مشهد، حيث مراسم الدفن النهائية، على أن يمر الجثمان كذلك بمدينتي النجف وكربلاء في العراق، وسط حضور ديني وسياسي لافت لاسيما لدى التيارات الدينية والحوزات الشيعية في دول المنطقة.

وفي ضوء المستجدات الأخيرة، وما تشهده العلاقات الإيرانية العربية من توتر سياسي وأمني متصاعد، يصعب قراءة الحضور العربي في هذه الجنازة بوصفه مجرد إجراء بروتوكولي أو واجب عزاء تقليدي، فالمشاركة، في هذا التوقيت تحديدًا، تحمل رسالة سياسية مركبة، تتحرك بين حسابات التهدئة، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، فماذا يحمل هذا الحضور؟

مستوى التمثيل.. ما الرسالة؟

حمل مستوى التمثيل المصري والسعودي في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي رسالة سياسية واضحة إلى طهران، قوامها الحضور الدبلوماسي المحسوب لا الانفتاح غير المشروط، فمشاركة السعودية عبر نائب وزير الخارجية، لا على مستوى الملك أو ولي العهد، تعكس رغبة الرياض في تسجيل حضورها في حدث إقليمي بالغ الرمزية، لكن ضمن حدود منضبطة وتحت سقف سياسي واضح، بما لا يمنح طهران تأييدًا سياسيًا مفتوحًا، بقدر ما ينسجم مع مسار خفض التصعيد وإبقاء قنوات التواصل قائمة.

وينسحب الأمر ذاته، بدرجة أو بأخرى، على التمثيل المصري، الذي جاء برئاسة رئيس مجلس الشيوخ المستشار عصام فريد، لا عبر أحد ممثلي السلطة التنفيذية، سواء من الحكومة أو وزارة الخارجية، كما جرت العادة في مناسبات ذات طابع دبلوماسي مماثل، وهو ما يعكس، بدوره، رغبة القاهرة في الحضور دون اندفاع، وفي توجيه رسالة محسوبة مفادها أن مصر تتابع التحولات الإقليمية وتتعامل معها ببراغماتية، من دون أن يعني ذلك انتقالًا كاملًا في مستوى العلاقة مع طهران.

غير أن المشاركة السعودية تكتسب دلالة أكثر حساسية مقارنة بالحضور المصري، بالنظر إلى أن المملكة كانت ضمن بنك الأهداف الإيرانية، حيث تعرضت لهجمات صاروخية ومسيراتية من جانب طهران خلال الحرب، ومن ثم، فإن حضورها، ولو بتمثيل محدود، يحمل وزنًا سياسيًا أكبر، لأنه يأتي في سياق توتر مباشر ومفتوح، بخلاف الحالة المصرية التي ظلّت علاقتها بإيران لسنوات طويلة أسيرة الجمود والقطيعة الباردة، قبل أن تشهد قدرًا من التحريك النسبي خلال العامين الماضيين.

لا قطيعة كاملة ولا تفويض مفتوح

من هنا، لا يمكن التعامل مع الحضور المصري السعودي في مراسم التشييع باعتباره إجراءً بروتوكوليًا عابرًا، بل بوصفه رسالة سياسية مزدوجة، تتحرك داخل سياق إقليمي شديد الحساسية، لا قطيعة كاملة مع طهران، وفي المقابل لا تفويض سياسي مفتوح لها، فهي مقاربة تقوم على إدارة المسافة بحسابات دقيقة، حيث تجد العواصم العربية نفسها أمام ضرورة الموازنة بين متطلبات التهدئة ومقتضيات الحذر الاستراتيجي.

وتكمن الدلالة الأبرز لمشاركة هذه الوفود العربية في أن القوى العربية المؤثرة في المنطقة لا ترغب في إدارة العلاقة مع إيران بمنطق القطيعة الشاملة، رغم حجم الخلافات والتوترات القائمة، فإيران لا تزال لاعبًا حاضرًا في عدد من الساحات العربية الحساسة، من العراق إلى اليمن ولبنان وسوريا، وصولًا إلى غزة وأمن البحر الأحمر، بما يجعل تجاهلها أو الانسحاب الكامل من التعامل معها خيارًا مكلفًا سياسيًا وأمنيًا.

وفي السياق ذاته، لا يبدو أن هذه القوى العربية تريد ترك إيران تتحرك بالكامل داخل فلك غير عربي، خاصة في ظل الحضور اللافت لعدد من الدول الآسيوية التي تربطها بطهران علاقات وثيقة، ومن ثم، فإن المشاركة العربية يمكن قراءتها كمحاولة لحجز مقعد مبكر في معادلات إيران ما بعد الحرب، وتأكيد أن العرب معنيون بما يجري في طهران وما سيترتب عليه إقليميًا.

وتستند هذه المقاربة إلى دروس مستفادة من تجارب سابقة، غاب فيها الحضور العربي عن ساحات وملفات حيوية، قبل أن ترتد نتائج هذا الغياب لاحقًا على الأمن العربي وموازين النفوذ في المنطقة، لذلك، تبدو المشاركة هنا أقل ارتباطًا بالمراسم ذاتها، فيما تصبح أكثر ارتباطًا بحسابات ما بعد تلك المرحلة، مثل شكل العلاقة مع إيران، وحدود النفوذ العربي في جوارها، وموقع العواصم العربية من ترتيبات إقليمية قد يعاد تشكيلها في ضوء الحرب وتداعياتها.

تغليب مسار التهدئة

تحمل المشاركة في تشييع جثمان المرشد الإيراني، الذي استُهدف من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، دلالات سياسية لا يمكن فصلها عن سياقها الإقليمي والدولي، فالإصرار على الحضور، رغم الخطاب العربي الرسمي الحاد تجاه طهران بسبب سياساتها الإقليمية واعتداءاتها المتكررة على دول الخليج، وما ترتب على توتراتها في مضيق هرمز من خسائر اقتصادية واسعة، يبعث برسالة مباشرة تتجاوز حدود المناسبة البروتوكولية.

وتتجه هذه الرسالة، في المقام الأول، إلى واشنطن وتل أبيب، ثم إلى المحيطين العربي والإقليمي، وصولًا إلى المجتمع الدولي، فمفادها أن الرياض والقاهرة، رغم ما تحملانه من تحفظات عميقة تجاه السلوك الإيراني، تميلان إلى خيار التهدئة وإبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحًا، في محاولة لتجنيب المنطقة لحظة انفجار شامل قد تفتح أبواب الفوضى على مصراعيها في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الرسالة في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد خطاب بعض العواصم العربية ضد طهران، واتجاهها نحو مقاربات أكثر حدة قد تدفع المنطقة إلى مزيد من الاشتعال، مهما كانت التداعيات، وهو مسار يتقاطع، بدرجات مختلفة، مع المقاربة الإسرائيلية الساعية إلى تأجيج المواجهة وتوظيفها في خدمة حسابات سياسية داخلية لرئيس حكومة الاحتلال وتحالفه اليميني المتطرف.

ومن هذا المنطلق، يبدو الحضور العربي في مراسم التشييع محاولة لتقييد الأصوات الدافعة نحو تفجير المنطقة، والعمل ببراغماتية على فرض منطق التهدئة واحتواء رد الفعل الإيراني من جهة، وفتح قنوات اتصال متوازية مع كل من طهران وواشنطن من جهة أخرى، فاستمرار هذا التوتر لا يعني سوى مزيد من الخسائر السياسية والاقتصادية والأمنية للعالم العربي، بينما يبقى المستفيد الأكبر من اتساع دائرة المواجهة هو الكيان الإسرائيلي وحده.

تفاهمات ما بعد خامنئي

أثبتت الحرب الدائرة حاليًا أن إيران ما زالت لاعبًا محوريًا في معادلات المنطقة، لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه باعتباره طرفًا هامشيًا في الترتيبات الإقليمية، فقد أظهرت طهران قدرتها على إرباك المشهد عبر ما تمتلكه من أوراق ضغط استراتيجية، في مقدمتها التأثير في مسارات الطاقة والملاحة عند مضيق هرمز وباب المندب، فضلًا عن حضورها الممتد في عدد من الساحات العربية الملتهبة.

ومن هنا، بدا تعزيز مستوى التفاهمات بين العواصم العربية وطهران ضرورة سياسية لما بعد الحرب، لا ترفًا دبلوماسيًا، فاستمرار القطيعة أو إدارة العلاقة بمنطق المواجهة المفتوحة قد يضاعف من كلفة التوتر، ويدفع المنطقة إلى مزيد من الهشاشة الأمنية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة المشاركة العربية في مراسم التشييع باعتبارها أحد المسارات الدبلوماسية الهادئة لاختبار شكل العلاقة مع إيران في مرحلة ما بعد خامنئي، وما قد تفتحه من ترتيبات جديدة داخل بنية الحكم الإيراني، وكأن الدول العربية المشاركة توجه رسالة سياسية مفادها أنها معنية بموقعها في معادلات إيران المقبلة، وتسعى إلى بناء تفاهمات مستقبلية تحدد حدود العلاقة واتجاهاتها في ظل التحولات الجيوسياسية الواسعة التي تشهدها المنطقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.

بهذا المعنى، لا تبدو المشاركة مجرد حضور في مناسبة جنائزية تقليدية، بل رسائل مزدوجة، بداية من مستوى التمثيل وسياقه العام وصولا إلى ما يحمله من دلالاته، فهو أقرب لمحاولة مبكرة لقراءة ما بعد الحرب وما بعد خامنئي، وإيجاد موضع عربي داخل ترتيبات إقليمية قد يعاد تشكيلها على وقع الصراع وتداعياته.

علاماتإيران ما بعد خامنئي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، السياسة السعودية ، السياسة المصرية
مواضيعالتمدد الإيراني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية ، السياسة السعودية ، السياسة المصرية

قد يعجبك ايضا

سياسة

من المسيّرات إلى الدبلوماسيين.. كيف تصنع الإمارات نفوذها في إثيوبيا؟

محمد مصطفى جامع٤ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

اعتراف إسرائيل بـ”الإبادة الأرمنية”.. حين يتحول التاريخ إلى أداة ضغط سياسي

رغد الشماط٣ يوليو ٢٠٢٦
سياسة

غزة تغيّر السياسة الأمريكية.. صعود مرشحين ينتقدون إسرائيل يثير القلق في تل أبيب

إليس جيفوري٣ يوليو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑